الثقافة CULTURE 18 Issue 17319 - العدد Wednesday - 2026/4/29 األربعاء ميرزا الخويلدي الخليج... «محيط في قطرة» كـــأن جـــال الـــديـــن الـــرومـــي، يـخـاطـب أهل الخليج، في ظل األزمة العاصفة التي تـضـطـرم فــي األجـــــواء، كـاشـفـا عــن أهمية هــذه البقعة مـن األرض، ومـــدى تأثيرها: «أنـت لست قطرة في محيط، أنت املحيط بأكمله في قطرة»، في إشــارة إلـى أن هذا الحيّز من الجغرافيا، مهما صغر حجمه، يظل املحرك املحوري الذي يفيض تأثيره على العالم أجمع. تكتسب عبارة الرومي بُــعـدًا واقـعـيـا يـتـجـاوز الـروحـانـيـات، ففي قــلــب األزمــــــــات، يـتـجـلـى أن هــــذه املـنـطـقـة ليست مجرد «طـــرفٍ» فـي معادلة دولية، بـل هـي «الــنــواة» الـتـي يـرتـد أثـــر سكونها أو اضـــطـــرابـــهـــا عـــلـــى املـــنـــظـــومـــة الــعــاملــيــة بأكملها. كــــان الـــعـــالـــم واعـــيـــا إلــــى أن منطقة الخليج العربي، ثرية، وتمتلك جزءًا كبيرًا من مصادر الطاقة العاملية، لكن البعض كـــــان مــــيّــــاال لـــفـــكـــرة الـــتـــحـــرر مـــمـــا يـسـمـيـه «أســر» الطاقة «األحـفـوريـة»، والبحث عن بدائل، لكن هذه الحرب دللت على املكانة الراسخة لـدول الخليج في العالم أجمع، وأثبتت أن تأثير هذه الـدول في العالم ال يحسب بارتفاع أسعار الوقود، بل يصل إلى عمق املنظومات املعيشية والسياسية والــتــقــنــيــة، وهــــو مـــا يــجــسّــد فـعـلـيـا فـكـرة «املحيط في قطرة»، التي قالها «موالنا» جلل الدين. ابتكر العالم األميركي 1963 في عام إدوارد لـــوريـــنـــز، فـــكـــرة «أثــــــر الـــفـــراشـــة»، كنظرية فيزيائية، لكن سرعان ما انتقلت للعلوم السياسية، وتعني هـذه النظرية أن رفــــرفــــة جـــنـــاح فــــراشــــة فــــي الـــصـــن قـد تسبب إعـصـارًا في تكساس. تجسد هذه الفكرة مفهوم أن الـــدول متشابكة بشكل عضوي، وأن العالم اليوم يشبه الرقائق اإللـــكـــتـــرونـــيـــة الـــحـــســـاســـة؛ أي خــــدش في طــــــرف واحــــــــدة مـــنـــهـــا قــــد يـــعـــطـــل الـــنـــظـــام بأكمله. كانوا يقولون: «إذا عطست أميركا، أصيب العالم بالزكام»، وهذا صحيح! ألن الــواليــات املتحدة هـي الـقـوة املهيمنة في االقتصاد والسياسة؛ ولذلك فهي تفرض إيقاعها على الجميع، وأي وعكة تصيبها تتحول وباء عامليا، لكن هذه األزمة أثبتت فعليا أن الخليج ال يمكن االستغناء عنه، بل ال يمكن تحمل العيش من دونه. فـــي ظـــل هــــذه األزمـــــــة، أعـــــاد الـخـلـيـج رسم ملمحه من جديد، فهو ليس مخزنا للطاقة فحسب، بـل هـو «عنق الزجاجة» لــلــتــجــارة الــعــاملــيــة، وبــمــجــرد حـــــدوث أي اضـــــطـــــراب فــــي إمـــــــــــدادات الـــطـــاقـــة أو فـي مـمـرات املـاحـة فـي الخليج، حـدثـت حالة مـــن «االرتــــبــــاك الـــعـــاملـــي»، رغــــم أن الــحــرب لـم تتجاوز أربـعـن يوما واألزمـــة برمتها مـــا زالــــت قـصـيـرة األجـــــل. وأدى االرتـــفـــاع الـفـوري في أسعار الهيدروكربونات إلى مـوجـة غــاء فـي أوروبــــا وأمـيـركـا وآسـيـا، حيث ترتبط أسعار كل شـيء (مـن رغيف الخبز إلى تذاكر الطيران) بتكلفة الطاقة والشحن. ال أحــــد يـــجـــادل بــــأن نــقــص إمـــــدادات الــنــفــط والــــغــــاز يـمـكـنـه أن يـــدمّـــر الــنــظــام الـصـنـاعـي واملـعـيـشـي فـــي أجـــــزاء واسـعـة من الكرة األرضية، ونشهد كيف يمكن أن تعاني مطارات العالم حالة ارتباك طويل األجــــل بـسـبـب تـأخـيـر أو تـعـطـيـل وصـــول وقــــــود الــــطــــائــــرات، لـــكـــن مــــــاذا عــــن مـنـتـج ثــــانــــوي فــــي مـــجـــال الـصـنـاعـة مـثـل «غــــاز الهيليوم» وتعد قطر ثاني أكبر منتج له عامليا، حيث ال بديل لـه فـي قطاع الطب، وفـي صناعة أشباه املـوصـات، واأللياف الـبـصـريـة، وحـتـى تبريد منصات إطـاق الصواريخ واألقمار االصطناعية. وثـمـة شـبـح مـجـاعـة يـلـوح فــي األفــق فـي بعض الـبـلـدان بسبب نقص إمـــدادات األســــمــــدة الــــزراعــــيــــة، حـــيـــث تـــعـــد مـنـطـقـة الـخـلـيـج مــركــزًا عـاملـيـا لـصـنـاعـة األســمــدة النيتروجينية واليوريا، وهـو ما يعاني مـــنـــه املـــــزارعـــــون فــــي الـــهـــنـــد، والــــبــــرازيــــل، وأفـــــريـــــقـــــيـــــا؛ مــــــا يــــعــــنــــي انــــخــــفــــاضــــا فــي إنتاجية املحاصيل مثل: (القمح، والذرة، والصويا). ومن املمكن الحديث عن نقص إمـــــــــدادات األملـــنـــيـــوم والـــبـــتـــروكـــيـــمـــاويـــات ألســــــواق الـــعـــالـــم؛ فـــاألملـــنـــيـــوم، يـــدخـــل في صناعة السيارات، والطائرات، وحتى علب األغـــذيـــة، وتــوقــف اإلمــــــدادات مــن الخليج يعني شلل في خطوط تجميع السيارات في أملانيا وأميركا، وارتفاعا في تكاليف الــبــنــاء والــشــحــن، أمـــا الـبـتـروكـيـمـاويـات، فـــهـــي «املــــــــادة الــــخــــام» لـــكـــل شـــــيء حـولـنـا تقريبا: (البلستيك، املـنـظـفـات، امللبس االصـــطـــنـــاعـــيـــة، واملـــســـتـــلـــزمـــات الــطــبــيــة)، وتـعـطُّــلـهـا يـعـنـي انـقـطـاع الــشــرايــن التي تغذي الصناعات التحويلية العاملية. اســتــيــقــظ الـــعـــالـــم عـــلـــى أهـــمـــيـــة دول الـخـلـيـج فـــي حــركــة االقـــتـــصـــاد وانــســيــاب نــــظــــام املـــعـــيـــشـــة فـــــي الــــعــــالــــم، لـــكـــن مـتـى نـــســـتـــيـــقـــظ نـــــحـــــن لـــنـــعـــي أهــــمــــيــــة دولــــنــــا ومـوقـعـنـا، ونتعامل مـع الـعـالـم على هذا األساس، وليس باعتبارنا مجرد طارئي على الثروة أو مخازن للموارد؟ أثبتت هــذه األزمـــة أن الخليج يمثل «الــخــيــوط الـخـفـيـة» الـتـي تـربـط اسـتـقـرار العالم بسلمة هذه املنطقة، وإذا انقطعت هـذه الخيوط، يسقط الهيكل العاملي كله في حالة من الفوضى؛ ما يؤكد رأي جلل الـديـن الــرومــي أن الخليج ليس «قـطـرة»، بـــل هـــو «املـــحـــيـــط» الـــــذي يـــغـــذي شــرايــن الحضارة الحديثة. حظي بموقع رئيسي في الحلة الزخرفية للواجهة نصب ملكي لهشام بن عبد الملك من قصر الحير الغربي يـــشـــكـــل الــــنــــقــــش الــــتــــصــــويــــري ركـــنـــا أساسيا من مكوّنات الفن األمـوي املدني، وتشهد لذلك مجموعات من اللقى األثرية، عُــثــر عـلـيـهـا بـــن أطــــال مـنـشـآت عـمـرانـيـة تتوزّع على صحاري بلد الشام، وتُعرف بــ«قـصـور الـبـاديـة». تـبـرز فـي هــذا املـيـدان مجموعة كبيرة تتميّز بثرائها وتنوّعها، خرجت مـن قصر يقع جنوب غـرب تدمر، أطلق عليه علماء اآلثار اسم «قصر الحير الـــغـــربـــي». تـــحـــوي هــــذه املــجــمــوعــة قطعا متعدّدة األحجام، أكبرها قطعة على شكل نـصـب آدمــــي يـحـاكـي ارتــفــاعــه طـــول قـامـة اإلنـــســـان، تمثل صـــورة لـصـاحـب القصر، الخليفة هشام بن عبد امللك. وصلت هذه القامة املنحوتة مهشّمة ومجزّأة، وباتت ثلث قطع منفصلة، منها قطعة تمثّل الــــرأس، وقطعة تمثّل الجزء األعلى من الصدر، وقطعة تمثّل الساقي. تــم وصــل الـــرأس بأعلى الـصـدر مـن خلل عـنـق مـضـافـة صُــنـعـت مـــن مــــادة مـغـايـرة، وفقا للطرق العلميّة املتبعة، وشـكّــل هذا الوصل تمثاال نصفيا يمثّل الجزء األعلى مــن هـــذه الــقــامــة. فــي املــقــابــل، بـقـيـت كتلة الساقي على حالها، نظرًا لغياب القطعة الـــتـــي تــمــثّــل الـــجـــزء األســـفـــل مـــن الـــصـــدر. هـــكـــذا يــحــضــر هــــذا الــنــصــب فـــي قطعتي مـــتـــجـــاورتـــن عــــمــــوديــــا، ويُـــــعـــــرض ضـمـن جـــنـــاح مـــن املــتــحــف الـــوطـــنـــي فـــي دمــشــق، خُصّص بأكمله ألهـم القطع األثـريـة التي خرجت من قصر الحير الغربي. تـبـدو هــذه القطعة املنحوتة للوهلة األولـــى أشبه بتمثال ثلثي األبــعــاد، غير أن ظــهــرهــا أمــلــس ومـــســـطّـــح، ويــخــلــو من أي نقش، ممّا يعني أنّــهـا صُنعت لتُثبّت على جدار، وتعتمد طرازًا من طرز النقش الــنــاتــئ، يُـــقـــارب الـنـحـت بـنـتـوئـه الـشـديـد. يعود موقع هذا املجسّم الضخم في األصل إلــــى واجـــهـــة قــصــر الــحــيــر الـــغـــربـــي، حيث ثُــبّــت على سطح الـقـوصـرة املـقـوّسـة التي تعلو باب مدخل القصر الكائن في وسط القسم األسـفـل مـن هــذه الـواجـهـة، على ما افترض دانيال شلومبرجير، الخبير الذي قاد البعثة الفرنسية التي استكشفت هذا .1938 وعــام 1936 املوقع األمــوي بي عـام حـسـب هـــذه الــــقــــراءة، حـظـي هـــذا النصب بموقع رئيسي فـي الحلة الزخرفية التي كست هذه الواجهة، ويشير طـرازه امللكي الـتـقـلـيـدي إلـــى أنّـــه يـمـثّــل صـاحـب الـبـنـاء، وهــــو حــســب نــقــش عُـــثـــر عـلـيـه فـــي املــوقــع «عــــبــــد الــــلــــه هــــشــــام أمــــيــــر املــــؤمــــنــــن»، أي الخليفة هشام بن عبد امللك. اعــتُــمــدت هـــذه الـــقـــراءة بـشـكـل واســـع فـــي األوســـــــاط الــعــلــمــيّــة، غــيــر أن تـحـديـد هــــــوّيــــــة صـــــورتـــــهـــــا فــــنــــيــــا بــــشــــكــــل جــــــازم وقـــاطـــع ظــــل مــوضــع بــحــث، وذلــــك بسبب انــتــهــاجــهــا أســـلـــوبـــا يـبـتـعـد عـــن مــحــاكــاة املـثـال الشخصي الــفــردي، وتبنّيها مثاال نموذجيا جامعا. في الخلصة، يشكّل هذا النصب صورة نموذجية مثالية للخليفة هــشــام بـــن عـبـد املـــلـــك، كـمـا يـشـكّــل صـــورة رمزية تختزل مقام هذه الخلفة فحسب. يحل رأس هذا املجسّم في كتلة بيضاوية سـقـط مـنـهـا الـــجـــزء األســـفـــل لـــأســـف، ومـا بقي منه يشير إلى لحية مستديرة تتّصل بشاربي طويلي. انمحت العي اليمنى، وســـلـــمـــت الـــعـــن الــــيــــســــرى، وهـــــي لـــوزيـــة، ويـعـلـوهـا حــاجــب مـــقـــوّس، وفـــي وسطها بؤبؤ طُلي باللون األســود. األنـف عريض ونـــاتـــئ. األذن الــيــســرى ظـــاهـــرة، وتـتـمـيّــز بحلق دائــــري يـتـدلّــى مــن طـرفـهـا األسـفـل. الــشــعــر كــثــيــف، ومــــا بــقــي مــنــه يـشـيـر إلــى خـصـل تـلـتـف حـــول الـــوجـــه، يـعـلـوهـا تـاج يـحـدّه إكليل مـكـوّن مـن شـريـطَــن رفيعَي متلصقَي. يكشف رداء الـصـدر عـن ثوب فـضـفـاض ذي ثـنـايـا مــقــوّســة متجانسة، يفصل بينها فـي الـوسـط شريط عمودي عـــــريـــــض، زُيّــــــــــن بـــســـلـــســـلـــة مـــــن األقــــــــراص الدائرية الصغيرة. محمود الزيباوي شكّلت وجدان المنطقة الممتدة من ضفاف النيل إلى أسوار القسطنطينية وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق بـيـنـمـا كـــانـــت أجــــــراس فــعــالــيــات لـنـدن الــربــيــعــيــة تـعـلـن عـــن انـــطـــاق أســـبـــوع الـفـن فـــي قــلــب مــايــفــيــر، وفــــي ظـــل صــخــب شـــارع «نـيـو بـونـد سـتـريـت» الـــذي ال يــهــدأ، هيأت دار «سوذبيز» العريقة ردهاتها الستقبال نوع مختلف من الضوء؛ ضوء الشرق الذي أسَــــر مخيلة الــرحــالــة الـغـربـيـن قـبـل قرني مــــن الـــــزمـــــان، ويــــعــــود الــــيــــوم لـــيـــأســـر قــلــوب كــبــار املـقـتـنـن فـــي مــــزاد «فــــن االســـتـــشـــراق» . لـــم يـكـن املـــعـــرض الـــذي 2026 ملــوســم ربــيــع افـتـتـح أبـــوابـــه لـلـجـمـهـور قـبـل مــوعــد املـــزاد مجرد عـرض ملقتنيات فنية عابرة، بل كان أشـبـه بـاسـتـعـادة بـصـريـة لــذاكــرة جغرافية وتاريخية تشكل وجدان املنطقة املمتدة من ضفاف النيل إلى أسوار القسطنطينية. فــــي هــــــذه الـــنـــســـخـــة مــــن املــــــــــزاد، تــبــدو األعــمــال املــخــتــارة، وكـأنـهـا تـتـجـاوز الـجـدل التقليدي حــول االسـتـشـراق، بوصفه نظرة خــــارجــــيــــة، لـــتـــتـــحـــول إلـــــى وثــــائــــق جـمـالـيـة بالغة الدقة. نحن أمام مشهد يتسم بنضج اســـتـــثـــمـــاري الفــــــت؛ حـــيـــث لــــم يـــعـــد املـقـتـنـي الـــعـــربـــي أو الـــعـــاملـــي يـبـحـث عـــن الـغـرائـبـيـة فحسب، بل ينشد األصالة والدقة التاريخية التي بـرع فيها فنانون من طـراز جـان ليون جـيـروم ولودفيك دويتشه. كما أن األعمال املـعـروضـة تـؤكـد أن فـن االسـتـشـراق لـم يعد مجرد صنف منسي في تاريخ الفن، بل هو عملة ثقافية صعبة تـزداد قيمتها كلما زاد الحني إلى الجذور. عبقرية الظل والضوء تـــتـــصـــدر مــشــهــد املـــــــزاد لـــوحـــة الــفــنــان - 1847( األميركي فريدريك آرثـر بريدغمان ) املعنونة بـ«في قرية األبيار الجزائر» 1928 )، واألبيار In a Village at El Biar, Algiers( إحـــــــــدى ضــــــواحــــــي الـــــجـــــزائـــــر كـــــانـــــت مــــــاذًا للفناني بسبب إطللتها وهوائها العليل، وكان بريدغمان مفتونا ببيوتها املترابطة. وهـي عمل يجسد ذروة النضج في أسلوب بـريـدغـمـان االسـتـشـراقـي. فـي هــذه اللوحة، ال يـكـتـفـي الــفــنــان بـنـقـل مـشـهـد مــكــانــي، بل يـحـبـس أنــفــاس الــزمــن فــي لـحـظـة جـزائـريـة خالصة. تتجلى عبقرية بريدغمان في تعامله مـــع «الــــضــــوء املــتــوســطــي الـــســـاطـــع»؛ حيث تــضــرب أشــعــة الـشـمـس الـــجـــدران الـبـيـضـاء لـقـريـة األبـــيـــار، لتعكس وهـجـا يـكـاد يشعر املــشــاهــد بـــحـــرارتـــه. لـكـن الـقـيـمـة الحقيقية للعمل تكمن فـي التباين الــدرامــي بـن هذا البياض الناصع وظلل الزقاق الضيق التي تمنح اللوحة عمقا هندسيا مذهلً. بالنظر إلـــى التفاصيل الـدقـيـقـة، يبدو أن بــــريــــدغــــمــــان رســـــــم الــــشــــخــــوص بــلــمــســة إثـــنـــوغـــرافـــيـــة غـــايـــة فــــي األمـــــانـــــة؛ مــــن طــيــات املــابــس التقليدية إلـــى حـركـة أيـــدي النساء وتموجات املياه في بركة الحوش، مما يمنح العمل قيمة توثيقية تتجاوز البعد الجمالي. إن اختيار «سوذبيز» لهذه القطعة تحديدًا يعكس ذكاء في تقدير ذائقة املقتني املعاصر، الـذي يبحث عن أعمال بريدغمان ليس فقط لجماليتها، بل لقدرتها على نقل روح املكان وهدوء الحياة اليومية بعيدًا عن التكلف أو املبالغة الدرامية. ومن املتوقع أن تشهد هذه الـلـوحـة منافسة شـرسـة (الـقـيـمـة التقديرية ألف جنيه إسترليني)، 200 - 150 للوحة بي نظرًا لندرة أعمال بريدغمان التي تتميز بهذا املستوى من الحيوية في األلــوان والتماسك فـي التكوين. هــذا التقدير املرتفع ال يعكس فقط براعة بريدغمان التقنية، بل يشير إلى نــــدرة وجــــود أعـــمـــال بــهــذا الـحـجـم والـــجـــودة 150 فــي الــســوق حـالـيـا. إن تــجــاوز حـاجـز الــــ ألــف بـاونـد كقيمة افتتاحية يبعث برسالة واضحة للمقتني: «نحن أمــام قطعة ليست للعرض الجمالي فحسب، بـل هـي استثمار تــاريــخــي رصـــن فـــي أحـــد أكــثــر فــصــول الـفـن االستشراقي صدقا وعمقا». عمالقة االستشراق والقيمة التجارية ال يـــقـــتـــصـــر زخـــــــم مـــــــــزاد «ســــوذبــــيــــز» لـهـذا املــوســم عـلـى لـوحـة بعينها، بــل يمتد ليشمل كـوكـبـة مــن «أســاطــيــر االســتــشــراق» الــــذيــــن جــــابــــوا الــــشــــرق بـــحـــثـــا عــــن الـــضـــوء والـحـقـيـقـة. يـتـصـدر املـشـهـد رواد املــدرســة الفرنسية والـنـمـسـاويـة واألمـيـركـيـة، حيث تُــــعــــرض أعــــمــــال ألســــمــــاء ال تــخــطــئــهــا عـن املـقـتـنـي املــحــتــرف، مـثـل جـــان لــيــون جـيـروم ولودفيج دويتشه ورودولف إرنست ونصر الــــديــــن ديـــنـــيـــه (اســــمــــه األصــــلــــي ألـــفـــونـــس). وتـتـراوح القيم التقديرية لهذه األعمال في املـــــزاد الــحــالــي مـــا بـــن خـمـسـن ألــــف جنيه إسترليني للتخطيطات والدراسات الزيتية 300 الـصـغـيـرة، وصـــوال إلــى أرقـــام تـتـجـاوز ألـــــف جــنــيــه إســتــرلــيــنــي لـــلـــوحـــات الــزيــتــيــة الــكــبــيــرة الــتــي تـتـمـيـز بـتـفـاصـيـل مـعـمـاريـة معقدة. هذا التنوع في األسعار واملستويات الفنية يعكس استراتيجية «سـوذبـيـز» في استقطاب شريحتي من املقتني: «املستثمر الــجــديــد» الــــذي يـبـحـث عـــن مــوطــئ قـــدم في عالم الفن، و«املقتني النخبوي» الذي يطارد القطع املتحفية النادرة التي قلما تظهر في األسواق، مما يجعل القيمة اإلجمالية للمزاد تُقدر بمليي الجنيهات اإلسترلينية. استعادة الشرق بريشة الحداثة يــــظــــل الـــــــســـــــؤال الـــــقـــــائـــــم فــــــي أروقــــــــة «ســــــوذبــــــيــــــز» يـــــتـــــجـــــاوز حــــــــــدود األرقــــــــــام القياسية واملـنـافـسـات املـالـيـة؛ هـل مـا زال فن االستشراق قـادرًا على محاورة إنسان الـقـرن الـحـادي والعشرين؟ اإلجـابـة تكمن فــي تـلـك الـتـفـاصـيـل الـتـي خـلـدهـا فنانون مـــثـــل بـــريـــدغـــمـــان وإرنـــــســـــت؛ فـــهـــي لـيـسـت مجرد توثيق لزمن مضى، بل هي استعادة لـــجـــمـــالـــيـــات كـــــــــادت تـــمـــحـــوهـــا الــــحــــداثــــة املـتـسـارعـة. إن االهـتـمـام املـتـزايـد مــن قبل املقتني واملـؤسـسـات الثقافية فـي منطقة الـخـلـيـج والــعــالــم الــعــربــي بــهــذه األعــمـــال، يـحـولـهـا مـــن «نـــظـــرة غـربـيـة لــلــشــرق» إلـى «إرث شرقي مستعاد» تُعاد قراءته اليوم بعيون أصحاب األرض أنفسهم. فـــي نــهــايــة املـــطـــاف، ســيــهــدأ ضجيج املزايدات وتستقر لوحة «في قرية األبيار» وغيرها في مجموعات خاصة أو متاحف عـاملـيـة، لكن القيمة الحقيقية لـهـذا املــزاد تـــظـــل فــــي قــــدرتــــه عـــلـــى مــــد الـــجـــســـور بـن ضفتي املتوسط، وفـي تذكيرنا بـأن الفن هـــو الــلــغــة الـــوحـــيـــدة الــتــي ال تــحــتــاج إلــى ترجمة لتنقل سحر الضوء الجزائري أو روحانية جـوامـع القاهرة إلـى قلب لندن. وبـــغـــض الــنــظــر عـــن أســـعـــار املـــــــزاد، يبقى الـــيـــقـــن الـــوحـــيـــد هــــو أن الــــشــــرق بــروعــتــه وتفاصيله سيظل دائـمـا بوصلة الجمال التي ال تخطئ في سوق الفن العاملي. لندن: فيء ناصر لوحة بريدغمان «في قرية األبيار، الجزائر» تبدو األعمال المختارة وكأنها تتجاوز الجدل التقليدي حول االستشراق بوصفه نظرة خارجية، لتتحول إلى وثائق جمالية بالغة الدقة النص الكامل على الموقع اإللكتروني نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==