الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel قـالـت الــعــرب قديما «أعـظـم الـنـار مـن مستصغر الــشَّــرر». مـن حـربَــي داحـــس والـغـبـراء والـبـسـوس إلى الاحــــتــــال الــفــرنــســي لــلــجــزائــر والـــحـــربـــن الـعـالمـيـتـن الأولـــــــى والـــثـــانـــيـــة. أغــــلــــب الـــــحـــــروب الـــكـــبـــيـــرة كــانــت قدَّاحاتُها ذرائع صغيرة، ووقودُها أطماعا ومصالح وعداوات غائرة. قـبـل المــيــاد، 480 فــي مـعـركـة «ســامــيــس» سـنـة هزم الأسطول اليوناني الفرس وسيطر على البحر. مـضـيـقـا الــبــســفــور والـــدردنـــيـــل كـــانـــا هـــدفـــن دائــمــن لــإمــبــراطــوريــات، وبـعــد فـتـح القسطنطينية سيطر العثمانيون على المضايق، وتمكَّنوا من التَّحكم في الحركة بين البحر المتوسط والبحر الأسود. الحروب الــتــي اشـتـعـلـت بــن روســيــا والـــدولـــة الـعـثـمـانـيـة كـان محركها السيطرة على المضايق، وكذلك الحرب بين بريطانيا وفـرنـسـا مـن جـانـب، وروســيــا مـن الجانب الآخــــــر، فـــي الـــحـــرب الـــتـــي عُـــرفـــت بـــحـــرب الــــقــــرم، كــان مـحـركـهـا مـنـع روســيــا مــن الـتـحـكـم فــي المــضــايــق. في الحرب العالمية الأولــى، قـام الحلفاء بحملة عسكرية كبيرة للسيطرة على مضيق الدردنيل، وانتزاعه من السيادة العثمانية. فشلت الحملة وقُتل فيها الآلاف من الجنود البريطانيين والفرنسيين. الـحـرب العالمية الثانية التي روعـت الدنيا وقُتل فيها المـايـن مـن البشر، وهُـــدم فيها مـا بناه الإنسان عـبـر عــقــود طــويــلــة، فــجَّــرهــا نـــتـــوء بـــحـــري صـغـيـر هو خليج غدانسك البولندي. الزَّعيم النَّازي أدولـف هتلر وضـع قاعدة قومية مقدسة، وهي أينما وُجـدت أرض بها شعب يتحدَّث اللغة الألمانية فهي جـزء مـن كيان الدولة الألمانية. في خليج غدانسك الواقع بين الحدود الألمانية والبولندية، تعيش أقلية ألمانية فحرك هتلر قوته لاحتلال الخليج. حاولت كل من فرنسا وبريطانيا كبح الفوهرر الألماني، لكنَّه دفع جيشه الجرار لاحتلال مــا جـــزم أنـــه أرض ألمــانــيــة. هـــذا الـخـلـيـج الـصـغـيـر كـان مستصغر الشرر، الذي أشعل نيران السياسة والحرب، ودفـــع الـعـالـم إلـــى جحيم أحـــرق الـبـشـر ودمـــر الحجر. قبلت فرنسا وبريطانيا بضم هتلر لتشيكوسلوفاكيا في اتفاقية ميونخ، وضم النمسا في استفتاء شعبي جرى تحت سطوة الجيش النازي الألماني. فكيف تقبل هاتان الدولتان الأوروبـيـتـان أن تلتهم ألمانيا النازية هـذه المساحة الكبيرة من أوروبـــا، وتعلن الحرب على ألمانيا الـنـازيـة بعدما قـامـت باحتلال خليج غدانسك البولندي الصغير؟ المـــــضـــــايـــــق والــــخــــلــــجــــان لا تـــحـــســـب أهـــمـــيـــتـــهـــا بالمساحة، بـل بأهميتها الاستراتيجية لـلـدول. كان ذلــك الخليج مستصغر الـشــرر، الـــذي أشـعـل الحريق العالمي. ماء آخر في أقصى القارة الآسيوية غيَّر مسار الـحـرب العالمية الثانية. بعد احـتـال ألمانيا النازية لفرنسا، وأُمــطــرت بريطانيا بقنابل مـدمـرة، خاطب رئـيـس الــــوزراء البريطاني ونـسـتـون تشرشل شعبه وقـــال لــه، ليس لكم عـنـدي إلا الـــدم والـعـرق والـدمـوع. عـــاش تـشـرشـل فــي قبضة الإحــبــاط والـقـلـق، لكنه لم ييأس أو ينكسر. قـوة المحور التي ضمَّت ألمانيا النازية، وإيطاليا الـفـاشـيـة، وإمــبــراطــوريــة الــيــابــان الــتــي يهيمن عليها عـسـكـريـون مــتــطــرفــون، تـواجـهـهـا بـريـطـانـيـا مـنـفـردة. تشرشل السياسي الخبير الداهية قضى وقتا طويلا مـشـتـبـكـا مـــع عـقـلـه الاســتــراتــيــجــي، أيـــقـــن أن الـــولايـــات المـتـحـدة الأمـيـركـيـة هــي طـــوق الـنـجـاة الــقــدري الأوحـــد، القادر على إنقاذ بلاده والعالم من جنون هتلر الرهيب. حاول كثيرا أن يقنع الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت بــأن ينضم إلــى جانبه فـي الـحـرب، لكن الكونغرس لم يتحمس لذلك، وكذلك الرأي العام الأميركي. شــنَّ 1941 ديـسـمـبـر (كـــانـــون الأول) عــــام 7 فـــي الجيش الـيـابـانـي هجوما جـويـا على قـاعـدة بحرية أمــيــركــيــة فـــي مــيــنــاء بــيــرل الأمـــيـــركـــي. دمــــر عــــددا من السفن وقـتـل أكـثـر مـن ألـفـي جـنـدي ومـدنـي أميركي. ألقت أميركا بكل قوتها العسكرية الجبارة ضد قوات المـحـور، وأدى ذلــك إلــى تغيير مسار الـحـرب العالمية الثانية. قـــــام الـــرئـــيـــس المــــصــــري جـــمـــال عـبـد 1956 عـــــام الـــنـــاصـــر بــتــأمــيــم قـــنـــاة الـــســـويـــس المـــصـــريـــة، فـشـنـت إســـرائـــيـــل وبـــريـــطـــانـــيـــا وفـــرنـــســـا حـــربـــا ثـــاثـــيـــة عـلـى مــصــر، لأن كـــا مـــن فـرنـسـا وبـريـطـانـيـا آنـــــذاك كانتا إمبراطوريتين تملكان مساحات واسـعـة مـن الأرض الآســيــويــة والأفــريــقــيــة، وقـــنـــاة الــســويــس هـــي الحبل المائي السري، الذي يربط باريس ولندن بما يملكان مـــن أرض وبــشــر وراء الـــحـــدود. قــنــاة الــســويــس هـذا ميلا فقط 120 الممر المائي الصناعي الذي يبلغ طوله رسم خريطة عالم جديد. انتفض العملاقان الدوليان الــكــبــيــران، الاتـــحـــاد الـسـوفـيـاتـي والــــولايــــات المـتـحـدة الأمـــيـــركـــيـــة، وأرغـــمـــا الــجــيــوش المــعــتــديــة عــلــى مصر بـالانـسـحـاب. مـيـاه مـجـرى السويس الصغير جرفت قـرونـا سطعت فيها شمس فرنسا وبريطانيا على أكبر مساحة فوق سطح الكرة الأرضية، وفُتح الباب لـقـوتـن تــمــدان وجــودهــمــا عـلـى عـصـر عــالمــي جـديـد. الــجــغــرافــيــا لــهــا شـــرايـــن ومــفــاصــل وحــــــواس. مصر ساهمت الجغرافيا في تشكيل شخصيتها. بعد حرب تأميم قناة السويس، ممر مائي مصري طبيعي آخر يـوقـد نــار حــرب إقليمية طاحنة. مضيق تـيـران ممر مـائـي يـربـط بــن خليج الـعـقـبـة والـبـحـر الأحـــمـــر. في قـرر الرئيس جمال عبد 1967 شهر مايو (أيـــار) عـام الناصر إغلاق مضيق تيران أمام السفن الإسرائيلية. إسرائيل اعتبرت قرار عبد الناصر إعلان حرب عليها، لأن مـيـنـاء إيـــات الإسـرائـيـلـي يعتمد عـلـى هـــذا الممر للوصول إلى آسيا وأفريقيا. في الخامس من يونيو شنت إسرائيل حربا على مصر، 1967 (حزيران) عام تكبدت فيها مـصـر، ومعها الأردن وســوريــا، هزيمة قاسية وخسرت فيها مساحات كبيرة من أراضيها. هذا المضيق الصغير تيران أعاد رسم خريطة منطقة الـشـرق الأوســـط، وفتح أبـوابـا لعصر جـديـد، مـا زلنا نعيش حرارة نيرانه. هــــذا الـــعـــام هـــو زمــــن نــــار كـبـيـر أشـعـلـتـهـا حـــرب خاضتها أميركا وإسـرائـيـل ضـد إيـــران. مضيق آخر هيمن اسمُه على سمع الدنيا ونظرها، مضيق هرمز الذي دخل بيوت الناس وجيوبهم. تعطَّلت الإمدادات الــنــفــطــيــة واهـــــتـــــزَّت الــــبــــورصــــات وارتــــبــــك الاقـــتـــصـــاد الـــعـــالمـــي. لا نـــــدري مــتــى تــتَّــســع المـــضـــايـــقُ، ويــتــراجــع الضيق العالمي ويزدهر العقل. حروب المياه الخانقة ليس الطموح الإيــرانــي فـي الخليج وليد لحظة ، بل هو امتداد لتصور أقدم 1979 الثورة الإسلامية عام تشكَّل في عهد الشاه، في سبعينات القرن الماضي. تلك المرحلة شهدت صعودا سريعا لإيران، مدعوما بطفرة نفطية غير مسبوقة، وتحديث عسكري، ورغبة معلَنة فـي لعب دور الـقـوة الأولـــى فـي الإقـلـيـم. مـا تغيّر بعد الثورة ليس الفكرة، بل الأدوات والخطاب. رغـــم كــل الـضـجـيـج التحليلي الــــذي يــــدور منذ الــــحــــرب، تــجــاهــل الـــكـــل كــتــابــا مــهــمــا كــــان لـــه صــدى لـدى النخبة الخليجية، ففي منتصف السبعينات، قـدّم الدبلوماسي الإيـرانـي فريدون هويدا، وهـو قد عمل مـنـدوب إيـــران فـي الأمــم المتحدة، وشقيق أمير عباس هـويـدا رئيس الــــوزراء لعقد مـن الــزمــان، قـدّم :79 قــــراءة مـبـكـرة لــهــذا الـطـمـوح فــي كـتـابـه «تـهـشـم )76 التهديد الإيراني للغرب». الكتاب حمل (في عام تحذيرا من اختلال في ميزان القوى. رأى هويدا أن إيران الشاه تتجه لتكون القوة المهيمنة في الخليج، مـسـتـنـدة إلـــى فــائــض مــالــي كـبـيـر وجــيــش مـتـطـور. الأخــطــر فــي تحليله أن هـــذا الــفــائــض مــن الــقــوة قد يدفع، بشكل طبيعي، إلى التمدد، حتى دون إعلان نيات توسعية صريحة، وحدد موعدا هو آخِر العقد السبعيني، إلا أنـه يستنزف المجتمع، وهـو مـا أدى إلى الثورة. يرى الكاتب أن خروج بريطانيا من الخليج ترك فراغا حـاول الشاه مـأْه عبر تقديم إيـران كـ«شُرطي المــنــطــقــة»، هـــذا الـــــدور حـمـل فـــي طـيـاتـه نــزعــة تـفـوُّق عِرقي مدعومة بتصور ذاتـي لـدى الشاه بأنه وارث لإرث فارسي تاريخي. هنا تتضح الفكرة المركزية، عندما تجتمع المـــوارد مـع الـطـمـوح، يصبح التمدد خياراً، وترتفع التكلفة. هذا المشروع القومي لم يتحقق. جـاءت الثورة الإيـرانـيـة لتقلب الـنـظـام، لكنها لـم تُــنـه الطموح في الــتــوســع، بـــل أعـــــادت صـيـاغـتـه. انـتـقـل المـــشـــروع من إطـــار قـومـي إلــى إطـــار قـومـي/ديـنـي، يلبس المذهب ويـسـتـثـمـره سـيـاسـيـا. لــم يـعـد الــخــطــاب عــن «إيــــران الـقـوة الـحـديـثـة»، بـل عـن «إيـــران الــثــورة» و«تصدير النموذج» و(التفويض الإلهي) و(الوصاية). النظام الجديد ورث أدوات القوة، وأضاف إليها أداة أكثر تأثيراً؛ الآيديولوجيا. إذا كان الشاه اعتمد اعتمد 1979 على الجيش والاقتصاد، فإن النظام بعد على الشبكات العقائدية وتعدُّد القوة العسكرية. هذا التحول لم يتطلب الحاجة إلـى اجتياح مباشر، بل إلـى بناء نفوذ لجماعات ولائية داخــل المجتمعات، إلا أن التكلفة كما وهنت الشاه، وهنت الملالي، فزاد الفقر والفاقة. فـــــي الــــــعــــــراق، اســـتـــثـــمـــرت طـــــهـــــران مـــلـــيـــارات الدولارات في تشكيل بنية نفوذ عقائدية متعددة. فــي لـبـنـان، أصــبــح «حــــزب الــلــه» نـمـوذجـا مكتملا لــدولــة داخــــل دولــــة. فــي ســـوريـــا، تـدخـلـت لحماية حـلـيـف اسـتـراتـيـجـي، ونـجـحـت لـفـتـرة فــي تثبيت نفوذ عسكري وسياسي. في اليمن، دعّمت جماعة «الــــحــــوثــــي» لــتُــشــكــل ورقــــــة ضـــغـــط عـــلـــى خـــاصـــرة الخليج الجنوبية. أما في دول الخليج، فقد اتخذ التمدد شكلا مـخـتـلـفـا. لـــم يــكــن مـمـكـنـا بـــنـــاء كـــيـــانـــات مـــوازيـــة، كـمـا فــي لـبـنـان أو الـــعـــراق، لـكـن جـــرى الـعـمـل على زرع شـبـكـات تـأثـيـر مــحــدودة تستند إلـــى خطاب عقائدي. صحيح أن هذه المحاولات بقيت في إطار ضـيـق، وأن الـغـالـبـيـة الـسـاحـقـة مــن المـواطـنـن في الخليج حافظت على ولائها الوطني. الفرق الجوهري بين مشروع الشاه، كما جاء في ذلك الكتاب، ومشروع الملالي المحقق، يكمن في الوسيلة لا في الـهـدف. الأول كـان مشروعا قوميّا يسعى للهيمنة عبر القوة الصلبة. الثاني مشروع قـــومـــي/ديـــنـــي يــســتــخــدم المـــذهـــبـــيـــة أداة تـعـبـئـة، ويعتمد على القوة الناعمة والخشنة معاً. لكن في الحالتين، الخليج حاضر كمساحة حيوية وهدف. ما يلفت النظر أن كتاب هويدا، رغم أنه كُتب قـبـل الـــثـــورة، يـظـل صـالـحـا لفهم جـــزء مــن المشهد الـحـالـي. تـحـذيـره مـن اخـتـال مـيـزان الــقــوى، ومن مخاطر تركيز القوة في يد دولة واحدة، واستنزاف اقتصادها، يتكرر، اليوم، بصيغة مختلفة. الفارق أن الأدوات أصـبـحـت أكــثــر تـعـقـيـداً، وأن الــصــراع انتقل من الجغرافيا إلى العقول والولاءات. كـــمـــا أن الـــعـــاقـــة مــــع الــــغــــرب شـــهـــدت تـــحـــولا لافـتـا. الـشـاه كــان حليفا للغرب، والـنـظـام الجديد يرفع شعار الـعـداء لـه. لكن النتيجة في الحالتين واحــدة: استخدام الغرب لتعزيز الموقع الإقليمي. في الأولى عبر التحالف، وفي الثانية عبر الصراع. كـاهـمـا، فــي رأي الـنـظـامـن، يــخــدم هـــدف تثبيت الدور الإيراني فاعلا في الإقليم. الـــســـؤال: هـــل هـــذا الــطــمــوح قــابــل لــاحــتــواء؟ الـتـجـربـة تـشـيـر إلـــى أن الــــرد لا يــكــون بـالمـواجـهـة المباشرة، بل ببناء تــوازن إقليمي متماسك. دول الخليج، التي وصفها هويدا في السبعينات بأنها ضعيفة، أثبتت مع الزمن قدرة أكبر على التماسك والـتـكـيـف، والــصــابــة فــي المــقــاومــة، لـكـن التحدي لا يــــــزال قـــائـــمـــا، خـــاصـــة مــــع اســـتـــمـــرار مـــحـــاولات الاختراق. الـطـمـوح الإيــرانــي فـي الخليج ليس انحرافا طارئاً، بل مسار ممتد. تغيّرت الأنظمة، وتبدلت الـشـعـارات، لكن الفكرة بقيت واحـــدة: السعي إلى دور إقليمي يتجاوز الحدود ويثقل كاهل الشعوب الإيرانية. قراءة هذا المسار، من الشاه إلى الملالي، تكشف أن ما يتغير هو الشكل، أما الجوهر فيبقى ثابتاً، فائض قوة يبحث عن مجال حيوي. آخـــر الـــكـــام: مـــن قـومـيـة الـــشـــاه إلـــى عـقـائـديـة الملالي... الخسارة واحدة. من طموح الشاه إلى مشروع الملالي OPINION الرأي 15 Issue 17315 - العدد Saturday - 2026/4/25 السبت عبد الرحمن شلقم محمد الرميحي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky