11 حــصــاد الأســبـوع ANALYSIS ASHARQ AL-AWSAT Issue 17315 - العدد Saturday - 2026/4/25 السبت كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟ عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الـشـرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن: - إعـــــادة تــأهــيــل تــدريــجــيــة للعلاقة 1 الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين. - استثمار باكستان لعناصر قوتها 2 الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والـنـووي، مـرورا بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج. - الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالا 3 أكبر هـو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسـيـط ظـرفـي» إلــى أحــد اللاعبين الذين يسهمون فـي إعـــادة صياغة تـــوازن القوة الإقليمي، فـي لحظة تتعرض فيها إيـران إلـــــى ضــغــط غــيــر مـــســـبـــوق، وتــعــيــد فـيـهـا القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟ مخاطبة ترمب بلغته فـــي ولايـــتـــه الأولــــــى، لـــم يُـــخـــف تـرمـب ضـــيـــقـــه مـــــن بــــاكــــســــتــــان. اتـــهـــمـــهـــا يــومــهــا بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والـــخـــداع»، فــي تعبير لـخّــص مـرحـلـة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشـنـطـن تـــرى أن بـاكـسـتـان تستفيد من المـــســـاعـــدات الأمــنــيــة والمـــالـــيـــة الأمــيــركــيــة، لكنها تحتفظ فـي الـوقـت نفسه بهوامش واسـعـة فـي أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولـويـة استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقا لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بـل أيـضـا إدراكــهــا العميق لطبيعة ترمب نفسه. وفــــــق تـــقـــريـــر لــصــحــيــفــة «واشـــنـــطـــن بــــوســــت»، أدركــــــت الــنــخــبــة الـبـاكـسـتـانـيـة مـبـكـرا أن تـرمـب لا يـتـجـاوب مــع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو الــلــغــة الــدبــلــومــاســيــة المــــجــــردة، بـــل مع مـــا يُــمــكــن تـسـويـقـه إلـــيـــه بــوصــفــه إنـــجـــازا مــبــاشــرا ومــلــمــوســا. لــذلــك صــاغــت إســـام آبـاد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون فــــي مــكــافــحــة الإرهـــــــــاب، والانــــفــــتــــاح عـلـى «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب. هـــــــذا هــــــو مــــــا عـــــبّـــــر عــــنــــه المـــــســـــؤول الـــبـــاكـــســـتـــانـــي الـــســـابـــق مـــشـــاهـــد حـسـن ســيــد، حــن قـــال إن بــــاده قــدّمــت لترمب «الـــثـــاثـــيـــة»: الـعـمـلـة المـــشـــفّـــرة، والمـــعـــادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. هــنــا يــكــمــن الـــتـــحـــوّل الأســــاســــي، إذ إن بـاكـسـتـان لــم تُــحــاول إقــنــاع واشنطن بــــأنــــهــــا تـــــغـــــيّـــــرت جـــــــذريـــــــا، بــــــل حــــاولــــت إقــنــاع تــرمــب بـأنـهـا مـفـيـدة لــه شخصيا وســــيــــاســــيــــا. ولــــقــــد عـــــــــزّزت هــــــذا المـــســـار بــخــطــوات رمـــزيـــة وســيــاســيــة مـــدروســـة، منها الإشــــادة المـتـكـررة بــــدوره فــي وقـف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل لــلــســام، والانــضــمــام إلـــى مـــبـــادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبـحـلـول الـخـريـف، كــان تـرمـب قـد انتقل إلــــى وصــــف قـــائـــد الــجــيــش الـبـاكـسـتـانـي الــــجــــنــــرال عــــاصــــم مـــنـــيـــر بــــأنــــه «المـــشـــيـــر المفضّل» لديه. هذه ليست مجرد مجاملة. إنها تعني أن باكستان نجحت في تـحـويـل الــعــاقــة مـــع واشــنــطــن مـــن ملف مـؤسـسـاتـي ثقيل ومــــوروث مــن «الـحـرب عـــلـــى الإرهــــــــــــــاب»، إلــــــى قــــنــــاة شـخـصـيـة مــبــاشــرة مـــع رئـــيـــس أمــيــركــي يُــعــلــي من قيمة الـــولاء والــجــدوى الـفـوريـة أكـثـر من أي اعتبارات أخرى. باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل المـفـارقـة الظاهرية أن الــدولــة الـتـي لا تعترف بإسرائيل أصبحت الـيـوم منصة لـلـتـفـاوض فــي حـــرب تـكـون إسـرائـيـل أحـد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هـذه المفارقة تـــتـــاشـــى إذا نـــظـــرنـــا إلـــــى الــــوســــاطــــة مـن مـنـظـور وظـيـفـي لا آيــديــولــوجــي. فـإسـام آبـــاد لا تلعب دور الضامن لاتـفـاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيـرانـيـة، على قـاعـدة أن مفتاح الـتـأثـيـر الحقيقي مــوجــود فــي واشـنـطـن. ومـــــن هـــــذه الــــــزاويــــــة، فـــــإن إحـــجـــامـــهـــا عـن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين. وفـــــق الــــ«واشـــنـــطـــن بــــوســــت» تـمـتـلـك بـاكـسـتـان ثــاثــة عـنـاصـر تمنحها أهلية خــاصــة لــهــذا الــــــدور: أولـــهـــا، مــسـتــوى من الـثـقـة الـنـسـبـيـة مــع إيـــــران، بـحـكـم الــجــوار الـــبـــري الــطــويــل، والـــحــاجـــة المــتــبــادلــة إلــى ضـــبـــط الـــــحـــــدود ومــــنــــع تــــحــــول المـــنـــاطـــق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قــــدرتــــهــــا عــــلــــى مـــخـــاطـــبـــة واشــــنــــطــــن مــن داخــــل عــاقــة أُعـــيـــد تـرمـيـمـهـا مـــع دونــالــد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الـذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا. ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف. لـكـن الأهــــم مــن ذلـــك أن سـلـطـة إســام آبـــاد ليست وسيطا محايدا بالكامل، بل وسـيـط مصلحي. ذلــك أنـهـا معنية بمنع انـــهـــيـــار إيــــرانــــي شـــامـــل أو تــفــكّــك داخــلــي عـلـى حــدودهــا الـغـربـيـة، كـمـا أنـهـا معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلـى ضغط أمني أو مذهبي داخل الـسـاحـة الباكستانية. وبـالـفـعـل، أظهرت الـتـطـورات الأخـيـرة مــدى هشاشة الـداخـل الـبـاكـسـتـانـي أمــــام ارتـــــــدادات الـــحـــرب، مع وقـــــــوع اضــــطــــرابــــات وأعـــــمـــــال عـــنـــف بـعـد مقتل المـرشـد الإيــرانــي، ومـحـاولـة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي. مـــــــــن هــــــــنــــــــا، لا تــــــــبــــــــدو الــــــوســــــاطــــــة الــبــاكــســتــانــيــة «عـــمـــا خـــيـــريـــا» أو مـجـرد إنــجــاز دعــائــي. إنـهـا أيـضـا مـحـاولـة دفــاع مــتــقــدّم عـــن الأمــــن الــوطــنــي الـبـاكـسـتـانـي، فالدولة النووية الكبرى المـجـاورة لإيـران لا تستطيع تحمل «سـيـنـاريـو» الفوضى الـطـويـلـة الأمــــد، ولا «ســيــنــاريــو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومـتـفـكّــك، ولا كـذلـك «سـيـنـاريـو» تـدخّــات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها. السعودية بوابة العودة مـــــن جـــهـــة ثــــانــــيــــة، لـــــم تـــعـــد الـــعـــاقـــة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيدا عن الــدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأمـــــيـــــركـــــي الـــنـــســـبـــي فـــــي الــــتــــعــــاطــــي مــع باكستان، ومـع تنامي الحضور الصيني الاقـــتـــصـــادي والاســتــراتــيــجــي فـــي الــبــاد، بقيت المملكة العربية الـسـعـوديـة ومعها دول خـلـيـجـيـة صــمــامــا مــالــيــا وسـيـاسـيـا أســــاســــيــــا لإســـــــام آبـــــــــاد. ولــــقــــد اضـــطـــرت باكستان أخيرا للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزمــاتــهــا الـنـقـديـة وغـــاء المـعـيـشـة، بعدما كـــانـــت تــلــجــأ أيـــضـــا إلـــــى صــــنــــدوق الــنــقــد الدولي. ثـــم إن هــــذا الـــبُـــعـــد المـــالـــي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تـاريـخـيـا الـجـسـر الـــذي يسمح لباكستان بــالــحــفــاظ عــلــى صــلــة وثــيــقــة بـالمـنـظـومـة الأمـــنـــيـــة الـــعـــربـــيـــة الــحــلــيــفــة لـــواشـــنـــطـــن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع تـوقـيـع «مـعـاهـدة الــدفــاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولـــو رمــزيــا- عـبـر إرســــال طــائــرات حربية وقــــــوات بــاكــســتــانــيــة إلــــى الـــســـعـــوديـــة في رســالــة ردع إلـــى طـــهـــران، بـاتــت باكستان أقــــرب إلـــى مــوقــع «الــشــريــك الأمــنــي المــــرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيـــرانـــي مـــن دون وضــعــه فـــي الـواجـهـة الأولى للمواجهة. هـــذا الــــدور المـــــزدوج لـلـسـعـوديـة مهم «ذهــــابــــا وإيــــــابــــــا»، فـــهـــي مــــن جـــهـــة تـمـنـح بـاكـسـتـان دعــمــا مـالـيـا وسـيـاسـيـا يُخفف هـشـاشـتـهـا الـــداخـــلـــيـــة، ومــــن جــهــة أخـــرى تفتح لها بــاب الـعـودة إلــى واشنطن عبر إبـــرازهـــا بوصفها عنصر اسـتـقـرار داخــل المـنـظـومـة الإقـلـيـمـيـة الـتـي تـريـد الــولايــات المتحدة إعــادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن الـــتـــقـــارب الــبــاكــســتــانــي - الأمـــيـــركـــي ليس بديلا عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضــــطــــراريــــة لـــلـــمـــحـــاور، تـــقـــودهـــا حــاجــة بــاكــســتــان إلــــى تــجــنّــب الارتــــهــــان الــكــامــل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح فـي أفغانستان وإيـــران والخليج معا ً. والـــــواقـــــع أن هـــــذه الـــبـــراغـــمـــاتـــيـــة هـي مـا يُفسّر قــدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة: - شراكة وثيقة مع الصين. - علاقة أمنية متقدمة مع السعودية. - قناة مفتوحة مع واشنطن. - لا جسور مقطوعة مع إيران. إنها -أي باكستان- تُــحـاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة. توازن القوة الإقليمي بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو بـاكـسـتـان مـرشـحـة لأن تـحـل مـحـل الـقـوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقما أصعب في معادلة الــــتــــوازن. إذ إن الــســعــوديــة تـبـقـى «لاعـــب الـثـقـل المــالــي والـنـفـطـي» الــعــربــي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمددا في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كـان دورهــا الإقليمي أكثر حــذراً، في حين تـبـقـى إســـرائـــيـــل الـــقـــوة الـعـسـكـريـة الأكــثــر تفوقا تكنولوجيا والأكثر التصاقا بالقرار الأميركي في هذه الحرب. مع هـذا، باكستان تضيف الآن شيئا عناصر لا تتوفر مجتمِعة لـدى اللاعبين المـــذكـــوريـــن، أبـــرزهـــا: أنــهــا دولــــة إسـامـيـة نــــــوويــــــة، وذات جــــيــــش كــــبــــيــــر، وحـــــــدود مباشرة مع إيــران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آن معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال. الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز الـقـنـوات المـبـاشـرة، خــصــوصــا فـــي المــلــفــات الــتــي تــمــس إيــــران والخليج. الثاني: شريك ردع رمـزي إلـى جانب الــــســــعــــوديــــة، يــــرســــل إشـــــــــارات أكــــثــــر مـمـا يخوض مواجهات مباشرة. والــــثــــالــــث: عـــنـــصـــر تــــــــوازن يـــمـــنـــع أن تــتــحــوّل أي تـسـويـة إقـلـيـمـيـة جــديــدة إلـى تــرتــيــب يـسـتـثـنـي الـــقـــوى الإســـامـــيـــة غير العربية الكبرى. إلا أن هـــذا الـطـمـوح يـصـطـدم بقيود واضـحـة. وتـقـول الـ«واشنطن بـوسـت» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الـوسـاطـات شيئا مـا لـم تنجح الـدولـة في معالجة أزمـاتـهـا الاقـتـصـاديـة البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقــرب إلــى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلا عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الـحـالـيـة يــــرون فـــي انــخــراطــهــا الـخـارجـي مــحــاولــة لــصــرف الأنـــظـــار عـــن الــصــراعــات الــــداخــــلــــيــــة، وتــــعــــزيــــز شـــرعـــيـــة المـــؤســـســـة العسكرية. لـذلـك، فـإن الـسـؤال الحقيقي ليس ما إذا كـــانـــت إســـــام آبـــــاد نـجـحـت فـــي كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلـك بالفعل إلـى حد بعيد، بـل الــســؤال هـو مـا إذا كـانـت قــادرة على تحويل هـذا الـود إلـى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة. نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شـــروط: أولاً، أن تُحافظ على خـط تــوازن دقيق مـع إيـــران يمنع الـتـدهـور الـحـدودي والـــفـــوضـــى. وثــانــيـــا، أن تـتـرجــم تـقـاربـهـا مــــع واشـــنـــطـــن إلــــــى مـــكـــاســـب اقـــتـــصـــاديـــة ومـؤسـسـاتـيـة فعلية لا صـفـقـات دعـائـيـة. وثـــالـــثـــا، أن تـــديـــر شــراكــتــهــا مـــع الـــريـــاض بطريقة تُــعـزز موقعها الإقليمي مـن دون أن تزج بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران. وهــــــــكــــــــذا، فـــــــي المـــــحـــــصـــــلـــــة، عـــــــادت بـــاكـــســـتـــان إلــــــى أمــــيــــركــــا؛ لأنــــهــــا فـهـمـت كيف تُــخـاطـب تـرمـب، ولأن الـحـرب على إيـــــران رفــعــت قـيـمـة مـوقـعـهـا الـجـغـرافـي والـــســـيـــاســـي فـــي لــحــظــة حـــرجـــة. لكنها عادت أيضا لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة. وإذا كــــانــــت الــــســــنــــوات المـــاضـــيـــة قـد كـــرّســـت صــــورة بـاكـسـتـان بـوصـفـهـا دولـــة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعــادة تقديم نفسها بوصفها دولـة مفصلية في إعـادة تركيب تــــوازنــــات المــنــطــقــة. غــيــر أن هــــذه الـــعـــودة، مـهـمـا بــــدت لافـــتـــة، سـتـظـل نــاقــصــة مـــا لم تـــنـــجـــح إســـــــام آبـــــــاد فـــــي تـــحـــويـــل الــــــدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقا إلـى رضا ترمب، بل أيضا إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها. باكستان دخلت حسابات واشنطن وسيطا مهما في حلبة الشرق الأوسط (رويترز) لــــم يـــكـــن اخـــتـــيـــار بـــاكـــســـتـــان لاســـتـــضـــافـــة جــــولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيــران أمـرا بديهيا قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسـمـيـا، والــتــي لـطـالمـا أثــــارت شـكـوكـا أمـيـركـيـة بسبب تــاريــخــهــا الـــنـــووي وعــاقــاتــهــا المــعــقــدة مـــع الـجـمـاعـات المـسـلـحـة، كـانـت حـتـى الأمــــس الـقـريـب تـبــدو أقــــرب إلـى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الـحـرب على إيـــران، وطبيعة الرئيس الأمـيـركـي دونـالـد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسـيـط يجمع بـن الــقــدرة على مخاطبة طـهـران وعـدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة. من الخصومة مع ترمب إلى الوساطة مع إيران والدور الإقليمي واشنطن: إيلي يوسف أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دورا كبيرا في تجديد العلاقة مع واشنطن بـرزت عـدة شخصيات باكستانية في إخــراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة > الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية. وأهمية منير لا تعود فقط إلــى موقعه الـداخـلـي، بـل إلــى نجاحه فـي بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشــارة رمزية إلـى حجم التحول في العلاقة. إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مرارا على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية. كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهــاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسـام آبـاد تعمّدت إعـادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاويــة «المنفعة المباشرة»، لا من زاويــة التحالفات التقليدية فقط. وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن الـقـول إن عـاصـم منير كــان «مـهـنـدس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل. باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ) مشاهد حسين سيد (فيسبوك)
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky