issue17314

ال شك في أن ارتفاع األمل بإطالة سن الحياة بالنسبة إلى الجنسني يُــعـد انـتـصـارًا مـن انـتـصـارات الـبـشـريـة، ودلــيــا على جــودة الحياة فـوق كوكب األرض؛ حيث إن نسبة الوفيات في صـفـوف الـرضـع تـراجـعـت بشكل كبير جــدًا منذ عـقـود، وكذلك األمر بالنسبة إلى األطفال. هذا اإلنجاز في إنقاذ أرواح عدد كبير من األطفال تتباهى اإلنسانية به اليوم، من دون ذكر ألهم حدث أدى إلى تمنيع حياة أطفال كان يموت منهم كثيرون بشتى األمراض. الــحــدث هــو الـلـقـاح، والـقـصـة نـجـاح خـــارق لـلـعـادة، بــدأت فصوله عندما ابتكر أبو علم املناعة اإلنجليزي إدوارد جينر، ، لقاحًا ضد مرض الجدري الذي كان يعصف بحياة 1796 سنة في املائة 10 الناس ويفتك بها من دون رحمة، حيث كان يموت من السكان بسببه، وفي البلدان التي ينتشر فيها بكثافة نحو الربع. وفي الحقيقة توالت النجاحات، وكان اكتشاف لقاحات عدة تقي األطفال من الشلل والحصبة وغيرها من تلك األمراض املتهمة بقتل آالف األطفال عبر التاريخ. قــرنــان وربــــع الــقــرن تـقـريـبـ هـمـا عـمـر قـصـة نــجــاح غـيّــرت حال البشرية، فارتفع منسوب الحياة. وينطلق بداية من اليوم أبريل (نيسان) الحالي «أسبوع التمنيع العاملي» الذي 30 وحتى تنظمه األمـم املتحدة، والهدف من وراء هـذه االحتفالية تنمية الوعي بأهمية اللقاحات التي تسعى إلى إنقاذ األرواح البريئة. إن املتأمل في تاريخ اللقاحات وعظمة أصحابها يتوقف عند املعنى الذي يعبر عنه كل لقاح تلقيناه، ونحن في األسابيع واألشهر والسنوات األولى من أعمارنا؛ فهو يتجاوز تلك الحقنة املوجعة التي ترفع حرارتنا إلى شيء آخر يبدو لنا نبيلً، وهو إنقاذ حياة اإلنسان، وتسليحه مع كل تلقيح بدرع يقيه تقلبات الطبيعة ضد الجسد. ولكن ما يلفت االنتباه أن قصة النبل والنجاح عرفت أزهى ثـمـراتـهـا، فـي الـقـرن ونـصـف الـقـرن األولَـــــ ْ، ثـم حصل نــوع من االنكماش، وكأن ما يمكن ابتكاره في مجال اللقاحات كان كافيًا وال يستحق اكتشافات أخرى. ما نتجاهله حقًا هو أن العلماء الذين اكتشفوا اللقاحات التي غيَّرت وجه اإلنسانية قد قدموا ساعتها حلوال كانت في زمنها معجزات وثــورة كبيرة، في حني أن علماء اليوم اكتفوا بالعمل عـلـى هـــذه الـلـقـاحـات، مــع بـعـض الـتـطـويـرات مــن خـال تـقـنـيـة الـــدمـــج، والـــحـــال أن مـشـكـات اإلنــســانــيــة الـــيـــوم تحتاج إلــى حلول تقضي على الـتـوحّــد والــصــرع، خصوصًا األمــراض مليني من البشر، وهي أمراض 10 الخبيثة التي تحصد سنويًا ال تختلف في شيء عن مرض الجدري املعدي؛ األمر الذي يوجب عدم التكاسل في غيره من األمراض الفاتكة اليوم وبشراسة. طبعًا ال تفوتنا حقيقة مؤملة، وهي أن اللقاحات املكتَشفة منذ عقود طويلة هـي مـع األســف ليست فـي متناول كـل أطفال مليونًا حول العالم لم يتم 14 العالم، حيث إن األرقــام تقول إن تطعيمهم. يحدث هذا الحرمان من الحقوق في الصحة والحياة، خصوصًا في مناطق بؤر التوتر والصراعات، ورأينا قبل سنة أو أكثر كيف تم منع هيئات صحية أممية من الـدخـول لقطاع غزة لتطعيم األطفال. مـا يلفت االنـتـبـاه أنــه منذ سـنـوات طويلة لـم يظهر لقاح يـسـعـد اإلنـسـانـيـة ويــحــل لـهـا مـشـكـا مــن املــشــكــات العويصة املتراكمة الـتـي تحتاج إلــى مـجـهـودات بحثية نوعية تضاهي قيمة البحوث التي أدَّت إلى ابتكار لقاح ضد الجدري، مثلً، في أواخر القرن الثامن عشر. فـالـفـتـوحـات العلمية الطبية الـكـبـرى هــي الـتـي اشتغلت على الوقاية أكثر من العلج، ألن هذا األخير عبارة عن أسواق مفتوحة تستثمر في خوف الناس من املوت وتعلُّقهم بالحياة، وفكرة أن العلج ضرورة، في حني أن الوقاية ستظل سوقًا غير مربحة بنفس الشكل. فــي الحقيقة فـإنـنـا الــيــوم أمـــام أكـثـر مــن تــحــدٍ: األول حق جميع أطــفــال الــعــالــم، ومـــن دون اسـتـثـنـاء، فــي الـتـطـعـيـم، ومـن الضروري أمام العدد الهائل من األطفال املحرومني من حق إنقاذ حياتهم أن تتبنى األمم املتحدة سياسة أكثر صرامة، حتى ولو استدعى األمـــر أن يـكـون التطعيم مـن مشموالت مجلس األمـن الدولي، باعتبار أن السياسة وأهوالها تفعل فعلها في التلعب بأرواح األطفال وصحتهم. إذن ال بد من أن يستفيد كل أطفال العالم من ثورة عمرها تجاوز القرنني في مجال قهر األمراض القاتلة املعدية من خلل التطعيم. أما التحدي الثاني، فيتمثل في تعثر تواصل مسار الثورة اللقاحية، حيث توجَّه اهتمام علماء الطب نحو عـاج أمـراض العصر، وهو توجُّه لم يُنتِج في حالة األمـراض املستعصية إال املـرافـقـة الطبية لــأمــراض والــحــاالت الـتـي تُستعصى أكـثـر من التي يُقضى عليها، وهـو مـا يبدو واضـحـ فـي أمــراض املناعة الذاتية واألمـراض السرطانية الجينية. ولعل غلبة الفشل على النجاحات في التوجه العلجي هو ما يجب أن يدفع إلى تغيير الخطة البحثية أو على األقــل املـزاوجـة بـ الـعـاج واللقاحات الوقائية، حيث يحق لنا بعد اكتشاف لقاح ضد الجدري في عام أن نتساءل: ملاذا لم ننجح في إيجاد لقاح ضد الصدفية 1796 والبهاق والثعلبة وأمراض السرطان على أنواعها...؟! إن «أسـبـوع التمنيع العاملي» مناسبة ليس فقط لتنمية الوعي بأهمية اللقاحات بل أيضًا فرصة لتحميل علماء الطب مسؤولياتهم فـي حـل مشكلت البشرية الصحية الـراهـنـة من خلل اللقاحات. السعودية اليوم ليست السعودية البارحة، وعلى التعليم الجامعي أن يواكب هذه املتغيرات. لدى اململكة مشاريع ضخمة على ساحل البحر األحمر، الطبيعي أن نرى كليات لعلوم البحار والسياحة والهندسة البيئية وإدارة األعمال في هذه املناطق، وتمتلك في الشمال مناجم ملعادن متنوعة لها مستقبل واعد، ومـــن املــأمــول وجـــود كـلـيـات تختص بالتعدين والجيولوجيا وإدارة األعمال، وللكليات الزراعية مكانها في منطقة القصيم وجـــازان وبيشة؛ ألنها محظوظة كونها مناطق إنتاج زراعـي. وهكذا، مثلما تأسست جامعة امللك فهد للبترول واملعادن، إلى جانب شركة «أرامكو»، في املنطقة الشرقية. لقد فزع بعض األكاديميني من أصحاب تخصصات العلوم اإلنسانية حينما اتخذت جامعة امللك سعود قرارًا بإلغاء بعض الـتـخـصـصـات األدبـــيـــة؛ كـالـلـغـة الـعـربـيـة والــعــلــوم االجـتـمـاعـيـة واللغات والترجمة. مرد هذا الفزع أن جامعة امللك سعود أعرق جامعات اململكة، ولها تاريخ طويل في ضم كل التخصصات، بل بدأ تأسيسها بإنشاء كلية اآلداب. هذا الفزع واالعتراض على منصة «إكس» جاء تبريره بأن هذه الدراسات ذات أهمية بالغة في نضج الهوية وتعزيز الثقافة الوطنية، وأسـبـاب مشابهة. اإلحـــســـاس بــالــصــدمــة يـحـجـب بــعــض املــنــطــق ويــجــعــل الـــرؤيـــة ضبابية. لنحاول توضيح األفــق: إلغاء تدريس هـذه التخصصات ال يعني التقليل من قيمتها وأهميتها، وال ينفي االحتياج لها، وال يعني أن الجامعة تتطلع فقط للتخصصات التي لها حظوة فــي ســـوق الـعـمـل، لـكـن الـجـامـعـة بـبـسـاطـة وضــعــت فــي موضع املسؤولية الوطنية، حينما اختِيرت لتخرج من جلباب وزارة التعليم إلـــى مظلة الهيئة امللكية لـلـريـاض، بوصفها جامعة يراد لها أن تقف على قدميها، واالكتفاء ذاتيًا بمواردها املالية. وللتبسيط فـي الــشــرح، عندما اتـخـذت الـجـامـعـات الـكـبـرى في اململكة قرارًا بتأسيس كليات علوم الحاسب في ثمانينات القرن املــاضــي، لـم يكن الـهـدف ســوق العمل فـقـط؛ بـل ألن الكمبيوتر أصبح جزءًا ال يتجزأ من حياتنا اليومية، بل من ثقافتنا، دخل البيوت واملكاتب في الفترة نفسها، استخدمناه في التواصل مع العالم ودخول املنتديات االجتماعية وإنشاء البريد اإللكتروني وكـتـابـة املـــقـــاالت والـكـتـب والـــفـــروض، تـمـامـ كـمـا اســتُــخــدم في املكاتب وأماكن العمل. إذًا هو قرار مبني على متغيرات. جامعة امللك سعود قــررت أن تحصر جهدها في التركيز على تخصصات إنسانية أخــرى مثل القانون، والتخصصات الطبية كالتمريض، والعلمية كالهندسة والفيزياء والرياضيات، والعلوم الحديثة مثل الذكاء االصطناعي الذي سيحتل املكانة نفسها التي احتلها الكمبيوتر وسيكون جــزءًا مـن يومياتنا. الجامعة اليوم متضخمة، يعرف ذلك كل من درس أو عمل بها. وفي هذه الحال، لن تستطيع أن تحجم إنفاقها، وال أن تستقل بذاتها، والحقيقة أنها تتطلع ألن تبرز كنموذج عاملي من خلل التركيز على تخصصات معينة وتحقيق النجاح فيها. املحتجون على القرار، وهم باملناسبة لن ينصحوا أبناءهم بدراسة التخصصات امللغاة، ضربوا أمثلة على أعرق جامعات العالم مثل هــارفــارد وسـتـانـفـورد ويـيـل، والـتـي ال تـــزال تــدرّس العلوم اإلنسانية كلها، وأن نبوغها لم يمنعها من استمرار فتح أبــواب هـذه التخصصات. والحقيقة أن في السعودية، خاصة فـي الجامعات الكبيرة، توضع دائـمـ هــذه الجامعات العريقة محل مقارنة لتستطيع أن تصل إلى ما وصلت األخريات إليه. وهـــذا منهج صحيح؛ ألن التشبه بـاألقـويـاء يجعلك تشبههم يـومـ مـــا. أنـــا أوافــــق عـلـى أن نـضـع هـــارفـــارد مـعـيـارًا للساليب التدريسية واملناهج الصفية واللصفية، وستانفورد معيارًا لإلرشاد الطلبي والخدمات، وييل لطرق البحث العلمي، ولكن للسف لن أستطيع أن أتشبه بها فيما يخص اإلنفاق؛ ألن هذه الجامعات خـاصـة وليست حكومية، هــذا مـن جـهـة، ومــن جهة أخـــرى، تستقبل تبرعات مـن رجــال األعـمـال بمليني الـــدوالرات منذ تأسيسها، مما جعلها تتملّك أصـــوال وأوقــافــ بمليارات الدوالرات، تكفي ألن تكون ميزانية دولة، وتضعها داخل عملية استثمار وتنفق على الجامعة من جزء من العائدات. وهنا للمقارنة، أعطي أمثلة على حجم األوقـــاف في هذه مليار دوالر، 44.1 مليار دوالر، ييل 56.9 الجامعات. هارفارد مليار دوالر. بينما 36 مليار دوالر، برنستون 40.4 ستانفورد مليار دوالر. 2.5 جامعة امللك سعود لم تتجاوز قيمة أصولها بـإمـكـان الجامعة أن تقف مكانها تـحـاول أن تطل بـرأسـهـا مع كبريات الجامعات، لكنها لن تستطيع أن تقف مع تلك الجامعات يومًا؛ ألنها وكما يقول املثل: «كعبها منخفض». املــخــاوف األخـــرى للمعترضني أن تـحـذو جـامـعـات أخـرى حذو جامعة امللك سعود وتلغي بعض تخصصاتها اإلنسانية، والحقيقة أن هذا أمر وارد، خصوصًا أن وزارة التعليم املسؤولة عن هـذه الجامعات لديها دراســات حـول ترشيد أعـداد األقسام األكاديمية التي ترفع نسبة إنفاق الجامعات ويرفع خريجوها كذلك نسبة البطالة. لكن تبقى هـذه املسألة خاصة بكل جامعة، والتي تتمتع بقدر مـن الحرية يمكّنها مـن تحديد مصير دراسـاتـهـا، تمامًا كما فعلت جامعة اإلمام محمد بن سعود، وهي جامعة دينية، حينما افتتحت كلية للطب، لكنها جامعة كبيرة ولها تاريخ طويل ومـن حقها التنويع في تخصصاتها. وهـذا األمـر يفتح بـابـ للنقاش على قــدر كبير مـن األهـمـيـة، وهـــو: ملـــاذا تتسابق الجامعات الناشئة خصوصًا في املحافظات الصغيرة واملناطق ألف، على افتتاح كليات 300 التي قد ال يصل عدد سكانها إلى للطب؟ كليات الطب لها متطلبات كثيرة وكبيرة؛ أهمها وجود مستشفى يصلح ألن يـتـدرب فيه طــاب الكلية، عــدا عـن توافر مـخـتـبـرات مـتـكـامـلـة وأســـاتـــذة مــرمــوقــ ، وهــــذه تـكـلـفـة كبيرة لجامعة مبتدئة كـان األولـــى بها التركيز على العلوم النظرية حتى تتمكن من نفقاتها مثل القانون وإدارة األعمال. الــخــطــط االســتــراتــيــجــيــة لــلــجــامــعــات يــجــب أن تـــأخـــذ في االعتبار املصلحة العامة، والنظر إلى املستقبل القريب والبعيد، ودراسة السوق واملوارد، وخصائص كل منطقة، فهي أساس في صناعة هذا املستقبل؛ ألن إغلق النافذة لن يوقف هبوب رياح التغيير. فـي واحـــد مـن مقاهي بـيـروت، يجلس املؤرخ منذر جابر قابضًا على جمر الذاكرة. والـــــذاكـــــرة هـــــذه، بـالـنـسـبـة إلـــيـــه، ذاكــــرتــــان: واحدة عن جغرافية املكان الذي يضيع أمام مرأى اللبنانيني والعالم، وأخرى عن سكان بلد جنوب النهر، الذين تُسوّى اآلن بيوتهم بــاألرض، وتسقط معها أجــزاء من ذاكرتهم الشفوية التي روتـهـا ألسنتهم وتناقلوها من جيل إلى جيل... في استعادة الـذاكـرة الشفوية، يربط جابر بني ما دُوّن من تاريخ بنت جبيل وجبل عامل علميًا (الذاكرة املكتوبة)، وبني السيرة العاملية اليومية (الذاكرة الشفوية)، من أيام تأسيس الكيان إلى االستقلل، وصراعات البيوتات السياسية الشيعية، وصعود اليسار، مرورًا باالحتلل وسلطة الثنائي الشيعي، وصوال إلى التغريبة الجنوبية اآلن. يفتح مـحـدّثـي تـسـاؤالتـه التأسيسية عــن سـبـب غــيــاب، أو تغييب، رجــــاالت الجنوب األقــــويــــاء فـــي مــرحــلــة مـــا بـــ ســـقـــوط الـسـلـطـنـة الـعـثـمـانـيـة وبــــدايــــة االنـــتـــدابـــ الـفـرنـسـي .1920 واإلنجليزي، وتأسيس الكيان اللبناني عام ويشير إلــى كـامـل بـك األسـعـد الكبير، الـــذي مـثّــل واليـــات لبنان ملــدة سـت سـنـوات في مجلس املبعوثني، وكان ركنًا سياسيًا واجتماعيًا أساسيًا في التمثيل اللبناني الواسع قبل تشكيل الكيان وبعده، ويسأل عن سبب تغييب دوره في تلك املرحلة. في الذاكرة السياسية، محطات شيعية فاعلة ما بني تأسيس الكيان واالستقلل. ومع تغييب الرجل القوي كامل األسعد، تقلّص معه الحضور الفاعل لشيعة الجنوب في الكيان األول، لكنه لم يكن غيابًا شيعيًا عامًا؛ إذ سجّلت الدولة حضورًا مهمًا لعائلت شيعية من جبيل والبقاع، مثل آل حيدر والحسيني وحمادة وياغي، في وزارات سيادية مثل الداخلية واملالية. ويربط جابر هذا الحضور بالجغرافيا السياسية األولى للبنان «الصغير»، حيث كانت تلك العائلت ضمن نطاق متصرفية جبل لبنان. ، بدأت العائلت السياسية من آل الزين وبيضون 1920 بالعودة إلى جبل عامل ما بعد وشـرارة وبزي والفضل وصادق وعسيران بفرض حضورها وتشكيل زعاماتها، وتفاعلت ،1936 و 1926 سياسيًا واجتماعيًا مع لبنان الكبير، وطوّرت حضورها في محطة أساسية فيما يمكن تسميتها انتفاضة مزارعي التبغ األولى التي انطلقت من بنت جبيل. كما بدأت في هذه الفترة الصراعات التمثيلية ومنافسة الشخصية العاملية البارزة محمد سعيد بزي. في الذاكرة، امتد إضراب مزارعي التبغ من جنوب النهر إلى شماله، فتضامنت النبطية مع بنت جبيل، وتوسّع التضامن حتى وصل إلى املدن الشامية، ودخلت ضمنه دمشق. لكن اجتماعيًا، في تلك اللحظة، وسّعت بنت جبيل حضورها ببروز شخصيات مؤثرة مثل علي بـزي الكبير وموسى الزين شـــرارة، كما تعدد الوجهاء والزعماء في جبل عامل ونظّموا حضورهم، إلى أن اجتمعوا في الدار الواسعة في بلدة الطيبة عند زعيم آل األسعد الجديد أحمد بك، نجل عبد اللطيف األسعد. برأي جابر، كانت هذه البيوتات السياسية الشيعية العاملية صاحبة الدور األساسي في تشكيل الصيغة اللبنانية، وفي اندماج الشيعة في دولة لبنان، وفي تثبيت حضورهم ودورهم السياسي في الشراكة، وحتى في حماية حصة الطائفة. فرجل االستقلل األول، الرئيس رياض الصلح، دخل إلى مجلس النواب اللبناني سنة على قائمة أحمد األسعد االنتخابية، واملعروفة جنوبًا بلئحة «األربعتعش». 1943 بـالـعـودة إلــى بنت جبيل وحـاراتـهـا وبيوتها ومساجدها وسـوقـهـا التاريخية التي تهدّمت أمــام أعـ أهلها، كانت «ســوق الخميس» محطة تجارية تجمع القادمني من غزة وعسقلن وصفد جنوبًا، ومن دمشق وحمص والبقاع وصيدا والنبطية شماالً. هناك كان القادمون واملقيمون يتبادلون البضائع والحكايات، ويعقدون االتفاقات وتتم الزيجات. وكانت بنت جبيل ملجأ وداعـمـ للثورة الفلسطينية األولــى التي قادها الشيخ عز الدين القسام ضد االنتداب اإلنجليزي. حتى مسجدها التاريخي الذي هُدم منذ أيام، يطلق عليه أهل البلدة اسم «الصفدي» نسبة إلى بنّائيه الذين قَدِموا من صفد الفلسطينية. بــنــاء عـلـى هـــذه الـــذاكـــرة، ال يمكن اخــتــزال عـاقـة الجنوبيني بفلسطني وبــالــدولــة، أو حصرها في «الثنائي الشيعي»؛ فهذه املدن والقرى شكّلت حاضنة للثورة الفلسطينية قبل النكبة. أما في ما يخص لبنان؛ الكيان والدولة، فقد تمكن مسار علقة الشيعة بلبنان الكبير من فرض نفسه على الصيغة اللبنانية، وكان ألهل جبل عامل، خصوصًا عائلته السياسية والدينية، الدور األساسي فيها، رغم أن «الثنائي» ال يعرّف هذه العائلت إال بتهمة اإلقطاع، كما ينكر دور اليسار الذي، في صراعه الثقافي واالجتماعي مع هذه العائلت، أنتج ما لم ينتجه، وال يعرف إنتاجه أصلً، «الثنائي»، من نص وقصيدة وثقافة وعمران وتعددية. وهذا واضح في الذاكرة الشفوية التي يرويها العامليون في هجرتهم وتهجيرهم وتغريبتهم. فإذا كانت الجريمة اإلسرائيلية واضحة في القتل والهدم واالحتلل ومحو الجنوب، فـإن جريمة «الثنائي» كانت في إصــراره على إغـاق البيوتات السياسية وتفريغ املجتمع وتجويف الذاكرة. فهو، في تمثيله، لم يكن قادرًا على االرتقاء إلى هذا املوروث، فعمل على خفضه إلى مستواه، فمارس االغتيال املمنهج للذاكرة الجنوبية. بـالـعـودة إلـــى مـنـذر جــابــر، مــن ذاكــرتــه الـشـفـويـة إلـــى ذاكــــرة املــكــان، إلـــى بيته مجهول املصير في أطراف بنت جبيل، الذي جمع حجارته من كل جهات الجنوب ولبنان، يبدو أننا، كعامليني، ملزمون مجددًا بجمع أرواحـنـا وذاكرتنا حتى ال تضيع مـرة أخـــرى... وللحدث بقية. OPINION الرأي 12 Issue 17314 - العدد Friday - 2026/4/24 اجلمعة رياح التغيير وجامعة الملك سعود الحاجة الملحة للقاح ضد المرض الخبيث 2026 ــ 1920 بنت جبيل ومحو الذاكرة الجنوبية وكيل التوزيع وكيل االشتراكات الوكيل اإلعالني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] املركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 املركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى اإلمارات: شركة االمارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 املدينة املنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب األولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية املوجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها املسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة ملحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي باملعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مصطفى فحص أمل عبد العزيز الهزاني آمال موسى [email protected]

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==