issue17312

الثقافة CULTURE 18 Issue 17312 - العدد Wednesday - 2026/4/22 الأربعاء أشكال هندسية تجريدية وتصويرية محوّرة واجهة قصر الحير الغربي تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شــبــكــات مـــن الـــنـــقـــوش الـــزخـــرفـــيـــة المـتـقـنـة، تــــتــــوزّع عــلــى مـــســـاحـــات ســطــحــهــا، وتـبـلـغ قـــمّـــة بــرجــيــهــا. يــبــلــغ طــــول هــــذه الــواجــهــة متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، 15 نحو ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الـغـربـي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عـالـم الآثــــار دانـــيـــال شلومبرجير بــن عـام .1938 وعام 1936 مثل العديد من القصور الأمـويـة التي أنـــشـــئـــت فــــي وســـــط صــــحــــاري بـــــاد الـــشـــام الــواســعــة، كـــان قـصـر الـحـيـر الـغـربـي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطمورا تحت الــتــراب. مــر بـهـذه الـخـربـة عــدد مـن الـرحّــالـة والــــبــــحّــــاثــــة، وتــــوقّــــفــــوا أمـــــــام مــــا ظـــهـــر مـن أسـسـهـا، وبـــدا لـهـم أنـهـا تـعـود إلــى الحقبة الــرومــانــيــة. قـصـد الـعـالـم الألمـــانـــي ثــيــودور ويغاند تدمر مـرارا لدراسة آثارها بين عام ، وقـــدّم وصـفـا عـامـا لهذه 1917 وعـــام 1902 . كــذلــك، 1932 الــخــربــة فـــي بــحــث صــــدر فـــي جـــاء الـكـاهـن الـفـرنـسـي رافـايـيـل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الــكــتــاب المـــقـــدس» فــي الـــقـــدس، وتـــوجّـــه إلـى تدمر لـدراسـة نقوشها الكتابية فـي صيف ، وتـوقّــف أمــام هـذا المـوقـع، وذكـــره في 1914 دراســـــــة عـــــرض فــيــهــا نـــتـــائـــج هـــــذه الــرحــلــة .1920 الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام بـــدوره، قـام الكاهن اليسوعي أنطوان بـــــوادوبـــــار فـــي مــطــلــع الــثــاثــيــنــات بـرحـلـة جوية فـوق البادية السورية بحث خلالها عـن آثــار رومـــا، وشملت هـذه الرحلة خربة قــصــر الــحــيــر الـــغـــربـــي، وكــشــفــت لأوّل مــرة عــــن امـــــتـــــداد مـــســـاحـــتـــهـــا المــــطــــمــــورة تـحـت الــــــرمــــــال. جــــــاء هــــــذا الـــكـــشـــف ضـــمـــن كــتــاب ، وتضمّن صورا 1934 نشره بـوادوبـار في جويّة ورسما تخطيطيا لهذا الموقع شكّلت أساسا للحملة الفرنسية التي انطلقت في تحت قيادة دانيال شلومبرجير، 1936 عام وامـــتـــدّت عـلـى مـــدى سـنـتـن. خــرجــت هـذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى 50 عددها حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُــشـر التقرير المـطـوّل ، وجاء 1939 الخاص بهذه الحملة في عام فــي حلقتين مـفـصّــلـتـن، اسـتـعـرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي. تبي أن الأطــال التي مـر بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلا إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها بــــرج بـيـزنـطـي أُعـــيـــد اســتــخــدامــه فـــي بـنـاء قصر أمـوي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الـشـمـالـيـة الـغـربـيـة مـــن هـــذا الــقــصــر. شُــيّــد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمد حاجته من المياه عـن طـريـق قـنـاة تربطه بـخـزان يـتـغـذّى من ســـد أُقـــيـــم قـبـل الإســــــام، يُـــعـــرف بــاســم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المــجــاورة لــه، وهــي الـحـمّــام المـاصـق لـه في الــركــن الـجـنـوبـي الـغـربـي، والـبـسـتـان الــذي أضحى ترابا في الصحراء، والقصير الذي كـــيـــلـــومـــتـــرات، وقــد 10 يــبــعــد عــنــه مــســافــة بـقـيـت مـنـه بــوابــتــه الـحـجـريـة الــتــي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه أمــر بصنعة هــذا العمل عبد الله هشام أمـيـر المـؤمـنـن أوجـــب الـلـه أجـــره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة». اتّــــضــــح أن هـــشـــام بــــن عـــبـــد المـــلـــك أمـــر ، وتــأكّــدت 727 بـبـنـاء هـــذا الـقـصـر فــي عـــام هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلـى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الــذي يقع جنوب غــرب تدمر باسم قـصـر الـحـيـر، وهـــو الاســـم الـــذي اشـتـهـر به قصر أمـــوي آخــر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الـغـربـي، وسُــمّــي الآخـــر باسم قصر الحير الشرقي. انـــكـــب شـلـومـبـرجـيـر بــمــعــاونــة فـريـقـه الـعـلـمـي عــلــى دراســــــة هــــذا المـــوقـــع، وأنــجــز دراســــــــة تــوثــيــقــيــة مـــعـــمّـــقـــة شــمــلــت أصــغــر تـــفـــاصـــيـــلـــه، فـــتـــمـــكّـــن مـــــن إعــــــــــداد خـــريـــطـــة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُــيّــد أســاس القصر على شكل مـربّــع طول مـــتـــراً، وتــــم دعـم 70 كـــل ضـلـع مـــن ضـلـوعـه جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها الـــبـــرج الــبــيــزنــطــي فـــي الــــزاويــــة الـشـمـالـيـة الـــغـــربـــيـــة. تــمــيّــز الــــجــــدار الـــشـــرقـــي بــبــوابــة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يـــتـــوسّـــطـــه حـــــوض صـــغـــيـــر. يــحــيــط بــهــذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بــالــزخــارف، أمـــا الـــجـــدران الـثـاثـة الأخـــرى، فكان كل منها مدعوما ببرج نصف دائري 6 أقــيــم فــي وســطــه. شـكّــلـت قــاعــات الـقـصـر بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في .13 إلى 8 هذه البيوت من ارتفعت واجـهـة مدخل القصر وبلغت متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضا 15 نحو حـن تـعـرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعــاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مــــدخــــا لمـــتـــحـــف دمــــشــــق الــــــدولــــــي، فــبــاتــت منذ ذلــك الـتـاريـخ معلما مـن أشـهـر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بـن الأشــكــال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مــثــالــي يــشــهــد لـــرهـــافـــة الـــتـــزيـــن المــعــمــاري الأمـــوي المـدنـي. تمثل هـذه الأشـكـال منجما مـفـتـوحـا يـصـعـب تـحـديـد عــنــاصــره بشكل كامل، وتحوي نقوشا تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها. ضم القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الـــجـــدار الـــداخـــلـــي الــــذي يــقــع خــلــف الــــرواق الـشـرقـي، وبقيت منها أنـقـاض تــم جمعها ونقلها إلــى المـتـحـف، حيث أعـيـد تركيبها 16 على هيكل مـن الأسـمـنـت المـسـلّــح طـولـه مـتـراً. تشكّل هــذه الزينة الداخلية امـتـدادا للزينة الـخـارجـيـة، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليدا فنيا محليا اتُّبع في زمن الأمويين، ذلـك أننا نجد رديفا لها في مواقع أخـرى، أهــمّــهــا مــوقــع قــريــب مــن مـديـنـة أريــحــا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية. واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية محمود الزيباوي اشتهرت بموقعها الفريد وسهلها الخصب ومعتقلها ووفرة مثقفيها الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى إذا كــان التضافر الــخــاّق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية الـقـلـقـة، قــد جـعـل مــن الـجـنـوب اللبناني خـزانـا للشعر يتعذر نـضـوبـه، فــإن ثمة بـــن جــنــبــاتــه حـــواضـــر ومـــدنـــا وبـــلـــدات بـــدت أكــثــر مـــن ســـواهـــا قـــــادرة عـلـى رفـد هــذا الــخــزان بـالـقـدر الأكـبـر مـن الشعراء والـــــكـــــتـــــاب والمـــــبـــــدعـــــن، كــــمــــا هـــــو حــــال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشـقـراء والـخـيـام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محورا لهذه المـقـالـة، لـم يكن سببه التقليل مـن شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تــقــع، أكــثــر أشـــكـــال المــواجــهــة مـــع الــغــزاة قسوة وعنفاً، ولأنها تشكل على الـدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية. ولـــــعـــــل مـــــا يـــنـــطـــبـــق عــــلــــى لـــبـــنـــان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الـخـيـام بـرهـانـه الـنـمـوذجـي وشــاهــده الأمــثــل. ذلـــك أن الــثــراء المــشــهــدي الــذي أتـــــاح لـلـبـلـدة أن تــطــل عــلــى قــمــم جبل الشيخ ومـنـحـدراتـه، كما على الجليل الـفـلـسـطـيـنـي، وعـــلـــى الــســهــل الـفـسـيـح المـــــســـــمـــــى بـــــاســـــمـــــهـــــا، وعــــــلــــــى جــــهــــات مــرجــعــيــون وقــلــعــة الــشــقــيــف وبـــلـــدات الــــــحــــــدود، فــــضــــا عـــــن وقــــوعــــهــــا عـلـى هضبة عالية تشبه ظهر الــفــرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغــذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل. وإذا كــــــــــــــان مـــــــــحـــــــــرك الـــــبـــــحـــــث «ويكيبيديا»، قـد عـــرّف الخيام بأنها الـــــبـــــلـــــدة الـــــتـــــي «اشـــــتـــــهـــــرت بــســهــلــهــا وشـعـرائـهـا ومـعـتـقـلـهـا»، فـــإن أكــثــر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مـــفـــردات ثـــاث مــن الـعـثـور عـلـى هوية لـلـبـلـدة، تـجـمـع بـــن جـمـالـيـات المــكــان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الــبــاهــظــة. والــــافــــت أن عــــدد الــشــعــراء والمـــبـــدعـــن الـــذيـــن تـبـرعـمـت مـواهـبـهـم فوق أرض الخيام، لا يقل أبدا عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الــفــســيــح، وبــــن هـــــؤلاء عــبــد الـحـسـن صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم. وحـيـث يـجـدر التنويه بــأن المكان والــــنــــشــــأة المـــتـــقـــاســـمـــن بــــن الـــشـــعـــراء المــــذكــــوريــــن، لــــم يــجــعــا مــنــهــم نـسـخـا مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المــــواهــــب والمـــســـتـــويـــات، هــــو وفـــاؤهـــم لـلـمـكـان الأصـــلـــي الـــــذي انــبــثــقــوا عـنـه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المـــدن، أو أجبرتهم الــحـروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نــحــو مــســاقــط الــحــيــاة الأم، ويــأمــون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح. ومــــــــع أن الـــــتـــــجـــــارب الــــشــــعــــريــــة، المـــتـــبـــايـــنـــة لــــغــــة وأســـــلـــــوبـــــا، لــــكــــل مــن حـــســـن ومـــحـــمـــد وعــــصــــام الـــعـــبـــد الـــلـــه، قــــد شـــكـــلـــت الأضــــــــاع الـــثـــاثـــة الأكـــثـــر تميزا لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الـوفـاء والإنــصــاف، توجب الــتــنــويــه بـالـتـجـربـة الــشــعــريــة المـبـكـرة لحبيب صــادق، الــذي حالت التزاماته الــنــضــالــيــة والاجـــتـــمـــاعـــيـــة والــثــقــافــيــة المــتــنــوعــة دون مـتـابـعـتـهـا إلــــى نـهـايـة الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عــن كـتـابـة الـشـعـر بتأسيس «المجلس الــثــقــافــي لـلـبـنـان الــجــنــوبــي»، وتـعـهُّــد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه مــــن إصــــــــدار عــــديــــد مــــن المـــجـــمـــوعـــات، الــتــي حـــرص فـيـهـا عـلـى المـــزاوجـــة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن الـنـصـوص «المـلـتـزمـة» بشحنات مــتــفــاوتــة مـــن الــغــنــائــيــة الــرومــانــســيــة والـــشـــجـــن الـــعـــاطـــفـــي. وهـــــو مــــا يــبــدو واضحا في أبياته المغنّاة: ِ شدَي عليك الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحا من اللهب ِ يا ساحة الأنواء كم عصفت فيها خيول الهول والرعُب ِ أهلوك لا سور من الكذِب أهلوك لا قنّاصة الرتب ِ صدّوا الرياح السود يحْفزهم جرح التراب وأنة العشُب أمــــــا حـــســـن عـــبـــد الــــلــــه فـــقـــد بـــدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينم عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصــــوات، وتـنـقّــل الكائنات الـــحـــيـــة بـــــن بــــاطــــن الأرض وغـــافـــهـــا الـــخـــارجـــي. لا بـــل إن مـــا مـنـح صـاحـب «أذكـر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عــن مـنـاجـم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالـصـفـاء التعبيري والتبصر الـدائـم فــي كـنـه الأشـــيـــاء. وإضــافــة إلـــى ذكـائـه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عـبـر نـصـوص رشـيـقـة الــجــرْس وغنية بـــالـــصـــور والاســــتــــعــــارات والمـــفـــارقـــات المباغتة. ورغــــم أن تـجـربـة حـسـن عـبـد الـلـه قـــد ذهـــبـــت بــعــيــدا فـــي تـــنـــوع أسئلتها ومـوضـوعـاتـهـا، فـــإن مـعـانـاة الجنوب الـــــلـــــبـــــنـــــانـــــي، والـــــــخـــــــيـــــــام عـــــلـــــى وجـــــه الـــــخـــــصـــــوص، ظــــلــــت شـــغـــلـــه الـــشـــاغـــل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الـــــدردارة»، التي أخـــذت اسمها مـن حـــوض مـائـي مترع بـــالـــخـــضـــرة عـــنـــد أطـــــــــراف بــــلــــدتــــه، قـد بــــدت درة أعـــمـــالـــه، فــأنــه اســتــطــاع أن يـحـوِّلـهـا إلـــى مـعـلَّــقـة حــديــثــة، يختلط فــيــهــا الـــحـــنـــن مــــع الـــرغـــبـــات الأولــــيــــة، والمــــاضــــي مـــع الـــحـــاضـــر، والـــفـــراديـــس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكــوابــيــســه المـــتـــجـــددة. والــخــيــام الـتـي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصــــبــــاحــــات الـــــتـــــن، وزمــــــــن الـــهـــنـــاءة الــــازوردي، هـي نفسها التي حوَّلتها الــــطــــائــــرات المــــعــــاديــــة ذات الاجـــتـــيـــاح الـــغـــادر، إلـــى أثـــر بـعـد عـــن، لـيـقـول في ُذلك: ُتأتي الطائرات وأرحل الطائراتُ، ويثبت الولد اليتيم ً وطابتي في الجوّ، إني مائل شرقا وقد أخذ الجنوب يصير مقبرة بعيده وحـن كـان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجـش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المــتــوســط» كــل مــا يحلمون بتحقيقه مـــن آمـــــال، ومـــا يـجـيـش فـــي دواخـلـهـم مـن رغــبــات. وحـيـث بــدا اصــطــدام ذلك الجيل الأعـــزل، إلا مـن بـراءتـه الريفية وطــــمــــوحــــه الــــرومــــانــــســــي، بــإســمــنــت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمرا لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد الـــعـــبـــد الــــلــــه، بـــمـــا يــمــلــكــه مــــن مـوهـبـة فــطــريــة وتــحــصــيــل ثــقــافــي مــبــكــر، أن يعبّر فـي قصيدته الـفـريـدة «بـيـروت» عــن مــكــابــدات ذلـــك الـجـيـل وهـواجـسـه وأسئلته المؤرقة. لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطــراف، ســـرعـــان مـــا أخـــلـــى مــكــانــه لــعــاقــة أقــل تـــوتـــراً، زادهــــا وثــوقــا شـغـف الـوافـديـن بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قـــد ولّـــــد لــــدى الـــشـــعـــراء الــهــابــطــن من القرى، شعورا بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومـشـرفـة عـلـى الــتــاشــي. ومــــرة أخــرى كـــان صــاحــب «مـــصـــرع دون كـيـشـوت» يـــؤرّخ لـغـروب العالم الـريـفـي، ويهتف بحرقة بالغة: ْ الدم الزراعي ينزف عشبا أخيرا ْ الدم الزراعي مات انتهى زمن الذكريات رأيت دماء بفصلين: فصل تراجع نحو الحكايه وفصل يصير إلى لا نهايه وإذ يصعب أخـيـرا تـنـاول شعراء الــــخــــيــــام الــــكــــثــــر، كـــــــل عــــلــــى حــــــــدة، إلا أنــــه مـــن غــيــر الـــجـــائـــز إســـقـــاط تـجـربـة عصام العبد الله مـن المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر مـــن قــصــائــد ومـــقـــطـــوعـــات، قـــد اقـتـصـر عـــــلـــــى مـــــجـــــمـــــوعـــــات ثــــــــــاث مـــكـــتـــوبـــة بــالمــحــكــيــة الــلــبــنــانــيــة، إلا أن الــشــاعــر الـقـادم مـن الفصحى، استطاع بتمكّن لافـــــــت، أن يــــدمــــغ بــبــصــمــتــه الـــخـــاصـــة وأسـلـوبـه الـطـريـف، مجمل النصوص التي كتبها. ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقا لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحا كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقـــــــامـــــــات الألـــــــــــم، وأزمـــــــنـــــــة الــــــوداعــــــة المـــنـــقـــضـــيـــة، حـــتـــى إذا الـــتـــفـــت كــغــيــره بــاتــجــاه الــجــنــوب المــثــقــل بــالمــكــابــدات، والـــذي حـوّلـه الـنـأي والـصـمـود الدامي إلــى مـا يشبه الأســـطـــورة، كتب عصام ْعبد الله قائلاً: ْ كان في جبل إسمو جبل عامل وكان الوقت قبل العصر بِشوَي ْ بكّير تيْصلّي تْمَدّد ع كرسي إسْمها الخْيام كتْفو الشْمال ارتاح ع الجولان ْ كتْفو اليمين ارتاح عَا نيسان إسْمو جبل عامل حسن عبد الله حبيب صادق شوقي بزيع التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزا لمثلث الشعر الخيامي رحلة شعرية إلى بغداد صدر أخيرا عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف. وهــو عـبـارة عـن رحـلـة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة. يبدأ الكتاب بمفتتح: «ســنــة واحـــــدة وأعــــــود» قــلــت لأمـــي. بــعــد عــشــريــن ســنــة قـــالـــت لـــي مـــن خــال الـهـاتـف «ألـــم تنته تلك الـسـنـة؟» صمتُ. كنت خجلا لأني أخلفت وعدي. سمعتها تـــقـــول «لا بــــأس ســأضــيــف عـلـيـهـا سنة أخــــــرى، ربـــمـــا تــســاعــدنــي المـــائـــكـــة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جـرسـا فيما ذهـبـت بالبقرة إلى مكان خفي». ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المــديــنــة كــنــت أنــعــم بـــرؤيـــة مــــدن الــعــالــم. أمــــا حـــن اخــتــفــت بـــغـــداد وانــفــصــلــت عن جنتها، فلم أعــد أثــق بــالمــدن. صــرت أمـر بـــالمـــدن كـمـا لـــو أنــهــا هـــي الــتــي تــمــر بـي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخــــرى. سنضحك ونـبـكـي حــن نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، الـتـي فـرشـتـهـا عـلـى الــطــاولــة. لــن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي مـن البيت. ذلــك مـا قـررتـه وأنـــا أعـــرف أن لا بيت لـي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفــرجــيــنــيــا وولــــــف، وجــيــمــس جــويــس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفـــائـــيـــل، وبـــــاخ، وغـــوتـــه، وفـيـاسـكـز وفـلـيـنـي، ولـكـن رائــحــة الـبـاقـاء بالدهن تـشـد أعــصــابــي. مـــا أزال طـــفـــاً. المــراهــق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويـــعـــود أدراجــــــه. هــنــاك مـسـافـة للركض فـــي الـــغـــابـــة لـــن يـتـمـكـن الــكــلــب فـيـهـا من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لدي في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا مـن الـنـوم، ليكتشف أن الـطـائـرات أبقته حيا مـن أجــل أن يغطي بـــــكـــــاؤه عـــلـــى ضـــجـــيـــجـــهـــا. لـــقـــد سـلـمـت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها». لندن: «الشرق الأوسط»

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky