issue17312

من المقرر أن تُدشَّن حكومة جديدة في بغداد في وقت يتَّسم بتقلبات حــادة على الصعيدين الوطني والإقليمي. وســـــوف تــتــولــى هــــذه الــحــكــومــة مــهــامــهــا وهــــي فـــي مـفـتـرق طــرق حـاسـم، مواجهة اخـتـبـارا مصيرياً: إمَّــا أن تسعى إلى القيام بـإجـراء إصـاحـات هيكلية واسـعـة النطاق - بما في ذلــك التعامل المـلـمـوس للجماعات المسلحة غير الحكومية المتداخلة في مؤسسات الدولة - أو أن تخاطر بالانزلاق إلى مواجهة محتدمة بين الولايات المتحدة والمجاميع المسلحة، الأمر الذي قد يترتب عليه عواقب عنيفة على الدولة نفسها. لا شـــك أن الـــتـــوتـــرات المـسـتـمـرة بـــن الـــولايـــات المـتـحـدة وإيــــــران وضـــعـــت الـــعـــراق فـــي مـــوقـــع حـــــرج. فـعـلـى الـــرغـــم من أن الـــعـــراق لـيـس طــرفــا مــبــاشــرا فـــي المـــواجـــهـــة، ولـكـنـه ليس بــمُــتــفــرج مُــحــصّــن أيـــضـــا، بـــل أصــبــح ســاحــة صــــراع تتلاقى فيها التنافسات الإقليمية والدولية. بالإضافة إلى ذلك، فإن اعتماد العراق على الدعم الأمني الأميركي، إلى جانب النفوذ الإيراني العميق سياسيا واقتصاديا وعسكرياً، يخلق بيئة مـعـقـدة هـيـكـلـيـا، ويـمـثـل أحــــد أبــــرز الــتــحــديــات الــتــي تـواجـه الحكومة الجديدة. خــال الأسـابـیـع المـاضـیـة، تعرضت الـقـواعـد الأميركية فـــي الـــعـــراق لمــئــات الـهـجـمـات بــطــائــرات مــســيّــرة وصـــواريـــخ، نُفذت في الغالب من قبل مجموعات مسلحة موالية لإيـران تعمل تحت اسم «المقاومة الإسلامية في العراق». وقد ألحقت هـــذه الـعـمـلـيـات أضــــرارا بـالـغـة بالبنية التحتية العسكرية والــدبــلــومــاســيــة الـحـيـويـة فـــي الـــعـــراق، وهــــذه تــؤكــد تنامي الــقــدرات العملياتية للجهات الفاعلة غير الحكومية داخـل الـعـراق. ولـم تستثن هـذه الهجمات إقليم كردستان العراق، 500 بـل كــان هدفا رئيسيا لها، حيث تـعـرّض الإقليم لنحو غارة جوية خلال الفترة نفسها. والمثير أنَّه انطلقت أكثر من في المائة من هذه الغارات من فصائل موالية لإيران ضمن 60 قـوات «الحشد الشعبي» العراقي، بينما انطلقت البقية من الأراضــــي الإيــرانــيــة. وألـحـقـت هــذه الــغــارات أضــــرارا جسيمة بالبنية التحتية للطاقة، ومـنـشـآت البيشمركة، والمناطق المدنية في كردستان الـعـراق، موديا بخمس وعشرين حالة وفاة على الأقل، من بينهم مدنيون، وعناصر من البيشمركة، وأعضاء في جماعات المعارضة الكردية الإيرانية. يفتقر إقليم كـردسـتـان الــعــراق إلــى الــقــدرة على تأمين مـجـالـه الـــجـــوي بـشـكـل مـسـتـقـل أو نـشـر أنـظـمـة دفــــاع جـوي مـتـطـورة. ولا تـــزال الـحـمـايـة الـجـويـة (الــتــي تـوفـرهـا أمیركا ودول أوروبـيـة) الفعّالة، محصورة إلـى حد كبير في حدود مدینة أربـيـل، حيث تقع المنشآت العسكرية والدبلوماسية الأمــيــركــيــة. وخـــــارج هــــذه المـنـطـقـة المــــحــــدودة، تـبـقـى البنية الـتـحـتـيـة الـحـيـويـة فــي جـمـيـع أنــحــاء الإقــلــيــم عــرضــة بـشـدة للهجمات المتكررة. بالنسبة لإيـــران والـفـصـائـل المسلحة المتحالفة معها، يُمثّل إقليم كردستان الـعـراق هدفا سهلا وذا أهمية رمزية في المشهد الأمني العراقي المُجزّأ؛ إذ إن هذه الهجمات تخدم أهــدافــا مـتـعـددة، مـنـهـا: ردع العمليات الـعـدائـيـة الـحـدوديـة المـحـتـمـلـة، وإظـــهـــار الــعــزم الاسـتـراتـيـجـي لـلـنـظـام الإيـــرانـــي، والـضـغـط على بـغـداد وأربــيــل للحد مـن الـتـدخـل الأمـيـركـي، وتعزيز دور الفصائل دون الانزلاق إلى حرب شاملة. في الوقت نفسه، لم تُــدِن الحكومة العراقية والجهات الـشـيـعـيـة الـفـاعـلـة الـرئـيـسـيـة ضـمـن الإطــــار التنسيقي هـذه الهجمات بشكل قاطع، ولم تتخذ أي إجراءات فعّالة لمنعها. وقد يُسهم هذا التقاعس في تأجيج التوترات الداخلية، ومن المـرجـح أن يُفضي إلـى تداعيات سياسية وأمنية أكبر على المدى القريب. قـــــدرة بـــغـــداد المــــحــــدودة فـــي الــتــعــامــل عــلــى الـجـمـاعـات المسلحة تعكس واقعا بنيويا أعمق. فبعض هذه الجماعات متغلغلة داخـــل الــدولــة نفسها ويـمـتـد نـفـوذهـا عـبـر النظام الــســيــاســي الـــعـــراقـــي، بــمــا فـــي ذلــــك الــســلــطــات الـتـشـريـعـيـة والتنفيذية والقضائية. وتـــؤثـــر هـــذه الــديــنــامــيــات تــأثــيــرا عـمـيـقـا عـلـى عـاقـات الــدولــة بالفصائل المـسـلـحـة، وعـلـى عــاقــات بــغــداد وأربــيــل، وشراكات العراق الدولية. إن وجود جماعات مسلحة تعمل خارج نطاق سيطرة الدولة الفعلية يقوض الثقة في سلطة بغداد ويعقد قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الدستورية أو تنفيذ الاتفاقيات. والنتيجة هي دوامة من الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية المتكررة. وتأثرت منطقة كردستان تأثرا جسيما بهذه الأحداث، حـيـث أدَّت الـهـجـمـات المـسـتـمـرة إلـــى تعطيل الـحـيـاة المدنية وتـآكـل ثقة الجمهور بـالـدولـة. وعلى الصعيد الاقـتـصـادي، أدَّت الهجمات على البنية التحتية للطاقة إلى تقييد الإنتاج وتأخير الصادرات وتثبيط الاستثمار. وتفاقمت الضغوط المــالــيــة، مـمـا أدَّى إلـــى تعقيد الـحـوكـمـة وتــقــديــم الــخــدمــات. وتزداد هذه التحديات تعقيدا بسبب الانقسام الداخلي داخل الهياكل السياسية والأمنية في إقليم كردستان. وعــلــى الـصـعـيـد الـــوطـــنـــي، تــبــدو الـــعـــواقـــب أكــثــر حـــدة. فــتــواصــل عـمـل الــجــمــاعــات المـسـلـحـة خــــارج سـيـطـرة الــدولــة يـــقـــوّض الـشـرعـيـة المـؤسـسـيـة ويـــكـــرس نـظـامـا أمـنـيـا مــجــزأً، مـمـا يــزيــد مـــن احــتــمــال أن يـصـبـح الـــعـــراق ســاحــة مستمرة للمواجهات بالوكالة. أمـا بالنسبة للعلاقات بين الولايات المتحدة والعراق، فإن الهجمات المستمرة تضع ضغوطا على التعاون الأمني بين الجانبين، وتهدد بتضييق نطاق العلاقة لتقتصر على الـشـواغـل الأمنية قصيرة الأجـــل على حساب مشاركة أوسع نطاقاً. والأخـــطـــر مـــن ذلـــك أن مـخـاطـر المــواجــهــة المــبــاشــرة بين الــــولايــــات المــتــحــدة والـــجـــهـــات المـسـلـحـة الــعــراقــيــة آخـــــذة في الازديــــــاد. ورغــــم أن ردود الـفـعـل الأمـيـركـيـة ظــلَّــت حـتـى الآن متزنة، فـإن احتمال تصعيد الموقف إلـى حملة أوسـع نطاقا - تستهدف قيادات الميليشيات وبنيتها التحتية وقدراتها في مجال الطائرات المسيّرة - لا يزال كبيراً، بغض النظر عن نتائج المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. نظرا لتداخل الحدود بين المنشآت العسكرية الحكومية وغير الحكومية، قد تتعرض البنية التحتية الأمنية للدولة للاستهداف أيضاً. علاوة على ذلك، قد تلجأ واشنطن إلى ممارسة ضغوط مالية واقتصادية قاسية على البلاد. ومـــن المـــرجـــح أيــضــا أن تـنـظـر واشــنــطــن إلـــى الـحـكـومـة العراقية المقبلة على أنَّها استمرار للنظام السياسي الحالي، باعتبار أن رئـيـس الــــوزراء الـقـادم سيتم اخـتـيـاره مـن خلال الإطـار التنسيقي نفسه الـذي تهيمن عليه الفصائل الموالية لإيــران والمرتبطة بالحشد الشعبي. ونتيجة لذلك، قد تجد الحكومة الجديدة نفسها مقيدة على نحو مماثل، وعاجزة عن منع الضربات الخارجية، رغم أنه يُتوقع منها أن تتحمل عواقبها السياسية والمالية. وتكشف هـذه الديناميكية عن هشاشة عميقة في الحكم وتزيد من العبء المالي على العراق من خلال مطالب إعادة الإعمار والتعويضات. وعلى الصعيد الإقليمي، فإن التداعيات لا تقل أهمية؛ إذ أدَّت هـجـمـات الــطــائــرات المــســيّــرة الــتــي تـشـنّــهـا جـمـاعـات موالية لـ«الحشد الشعبي» ضد دول الجوار، ولا سيما دول الخليج والأردن وسوريا، إلى توسيع نطاق تأثير الانقسام الداخلي في العراق ليشمل مناطق خارج حدوده، مما يغيّر نـظـرة العالم العربي إلــى الــعــراق. وطـالمـا احتفظت الجهات المسلحة بقدرتها على استخدام الأراضـي العراقية لأغراض الإكراه أو الانتقام أو توجيه الرسائل، ولهذا ستواجه بغداد صعوبة في تقديم نفسها شريكا ذا سيادة وجديرا بالثقة. إن عـدم معالجة هـذا التحدي يُهدد بتعميق التوترات ليس فقط مع الولايات المتحدة، بل أيضا مع جيرانها المباشرين، مما يؤدي إلى تراجع الدعم السياسي، وتآكل الثقة، وشكل تدريجي من الانسحاب العربي. ولذلك، فـإن استعادة الثقة تتطلَّب أكثر من مجرد استقرار داخلي؛ بل تستلزم التزاما جـادا بمنع استخدام الأراضــي العراقية بطرق تُقوّض الأمن الإقليمي. وبــالــنــظــر إلــــى المــســتــقــبــل، يـــواجـــه الــــعــــراق مــزيــجــا من المـــخـــاطـــر، مــنــهــا: الــتــصــعــيــد، وتـــآكـــل المـــؤســـســـات، والـــركـــود الاقــــتــــصــــادي. وســـيـــتـــوقـــف إحـــــــراز الـــتـــقـــدم عـــلـــى الـتـخـفـيـف الــتــدريــجــي لــلــتــوتــرات والإصــــــاح المــؤســســي الــتــدريــجــي، لا سيما في مجال توضيح هياكل القيادة والسيطرة. ومع ذلك، وبالنظر إلى الموقف الراسخ للجهات الفاعلة غير الحكومية الـتـي تربطها صــات عـابـرة لـلـحـدود، فــإن إجـــراء إصـاحـات حقيقية سيكون أمــرا معقدا ومرهقاً، هـذا إن أمكن تحقيقه أصلاً. يتعي على الحكومة الاتحادية العراقية اتباع نهج ذي مسارين، يتمثل في تعزيز السيطرة تدريجيا على الجهات المسلحة من خلال الاتفاقات السياسية مع الاحتفاظ بوسائل ضغط قوية وموثوقة. أمَّا الشركاء الدوليون، على الرغم من تزايد شعورهم بالإحباط، فإنهم يحتفظون بقدرتهم على التأثير من خلال المشاركة المشروطة والدعم الموجه. وإذا لم يتم إجــراء إصـاحـات ملموسة، فـإن الديناميات السياسية والأمنية في العراق قد تنحرف نحو مواجهة واسعة النطاق واضطراب مؤسسي. لم يكن الأمـر اكتشافا جديدا بقدر ما كان إعادة اكتشاف، فالأرض حين نراها من الخارج تبدو كاملة من دون شـروخ، كرة زرقـاء صامتة معلقة فــي فــــراغ، لا تـمـأهـا الأخـــبـــار، ولا تصل إليها الضوضاء، وفي الأول من أبريل (نيسان) انطلقت رحـلـة مركبة الـفـضـاء «أوريــــون» 2026 » الـــتـــابـــع لــوكــالــة 2 ضـــمـــن مــــشــــروع «أرتـــمـــيـــس «ناسا» الأميركية، في مهمة استكشافية امتدت عـشـرة أيــــام، دارت خـالـهـا فــي مـسـار لــم يبلغه الإنـــســـان مـــن قــبــل حــــول الــقــمــر، هـــنـــاك تـتـراجـع التفاصيل إلى الخلف، وتبدو القضايا الكبيرة ظلالا خفيفة على سطح واحد متصل. فـي الـوقـت الـــذي كـانـت فيه الأرض مثقلة بأصوات الحرب في الشرق الأوسط، كان أربعة رواد يـغـادرون هـذا الضجيج في المركبة، وهم: ريد وايزمان، وفيكتور غلوفر، وكريستينا كوك، وجـيـريـمـي هــانــســن، ثــاثــة أمـيـركـيـن وكــنــدي، بينهم غلوفر الأميركي من أصول أفريقية، كأن العالم يعاد ترتيبه داخل مقصورة واحدة تدور فــي الـعـتـمـة، وقـــد وصــلــوا إلـــى أعــمــاق لــم يصل ألف 253 إليها الإنسان من قبل، مبتعدين بنحو ميل عن الأرض. رواد فـــضـــاء يــتــحــركــون فـــي مـــســـار طـويـل حـــول الـقـمـر، يـقـتـربـون مـنـه ثــم يـبـتـعـدون، كـأن الرحلة كلها اختبار بسيط لسؤال ثقيل، كيف يبدو الصراع حين نتركه على الأرض ثم نراه من نافذة صغيرة في الفضاء؟ بين الأرض والقمر تتغير القواعد من تلقاء نـفـسـهـا. المـــســـافـــات تــتــحــول إلــــى صــمــت مـمـتـد، ومـــا كـــان يــبــدو ثـابـتـا عـلـى الـسـطـح يـفـقـد وزنــه فـــي الــعــتــمــة، ويــصــيــر أقــــرب إلــــى احــتــمــال قـابـل للمراجعة، أعني أن كل شيء يمكن أن يعاد فيه النظر: الأفكار والفلسفات والعقائد الموروثة. كلما ابتعدت المركبة عـن الأرض تقلصت الكرة الزرقاء، حتى بدت فكرة واحدة معلقة في الفراغ، جميلة من بعيد، لكنها مثقلة بما يجري على سطحها من تناقضات لا تهدأ. من الأعلى تبدو المدن التي تصنع التاريخ متساوية في الضوء والخفوت. لندن ونيويورك وبكين وكييف وموسكو وباريس نقاط صغيرة لا تفصل بينها قيمة أو امتياز، وكــأن الحركة الــيــومــيــة الـــتـــي تــمــأ الأرض لا تــصــل إلــــى هــذا الهدوء البعيد. عـــلـــى الأرض تــــبــــدو الـــــحـــــدود جـــــــزءا مـن الطبيعة، خطوطا مستقرة في الوعي، لكن من هذا البعد تتحول إلى مجرد آثـار لرسم بشري طـويـل، تشكّل عبر الـزمـن أكـثـر مما تشكّل عبر الجغرافيا. في لحظة الاقتراب من القمر يظهر مشهد آخــــر، سـطـح رمـــــادي قــديــم ســـاكـــن، يـتـعـامـل مع الــوجــود الـبـشـري كـأنـه حــدث عـابـر، وكـأنـه زمن مستقل لا يهتم بزمن الأرض. هــــــذه الــــرحــــلــــة لــــم تـــــــأت مــــن فــــــــراغ، قـبـلـهـا » حول القمر 8 بسنوات طويلة دار طاقم «أبولو » بـوصـفـهـا 10 ، ثـــم جـــــاءت «أبــــولــــو 1968 عــــام » في يوليو (تموز) 11 تجربة اقتراب، ثم «أبولو حين هبط الإنسان على القمر، ثم «أبولو 1969 حين انتهى ذلك الفصل المغامر، 1972 » عام 17 والمـــثـــيـــر، والــجــمــيــل، وقــــد اســتــمــر الــصــمــت عن الفضاء أكثر من خمسين عاماً. لـــكـــن الــــبــــدايــــة الأبــــعــــد تــــعــــود إلـــــى يــــوري ، أول إنــــســــان يـــصـــل إلـــى 1961 غـــاغـــاريـــن عـــــام الـفـضـاء، فـي لحظة فتحت سباقا بـن القوتين الـعـظـمـيـن، وكـــــان الــعــالــم الألمـــانـــي فــيــرنــر فــون بـــــراون هـــو الـــــذي نــقــل تـقـنـيـات الـــصـــواريـــخ من الـحـرب العالمية الثانية إلــى الـفـضـاء، فانتقلت أدوات الــصــراع إلـــى مـسـتـوى أعـلـى مــن دون أن تتغير طبيعتها بالكامل. اليوم، بينما تستمر الحروب على الأرض، يبدو المشهد من الأعلى أكثر هـــدوءاً، عبارة عن كــوكــب واحــــد يــــدور فــي صــمــت، دون تقسيمات مرئية، كما يدور بحركة مستمرة في فراغ واسع. المفارقة أن الأرض كلما ابتعدنا عنها تبدو أكثر وضـوحـا، وكلما عشنا داخلها تبدو أكثر تمزقاً، كأن المشكلة ليست في الكوكب، إنما في زاوية النظر. وفــي النهاية تبقى الــصــورة نفسها: كرة زرقــــاء صـامـتـة تــــدور فــي الـــفـــراغ، وكــأنــهــا تترك الــــســــؤال مــعــلــقــا، كــيــف يــمــكــن لــســطــح واحـــــد أن يحتمل كل هذا القدر من الاختلاف؟ وبعيدا عن الصخب والعنف، ثمة قلوب لا تزال تغامر في العلم والفضاء. تترك الضجيج خلفها، وتمضي نحو المـجـهـول بحثا عـن فهم أعـمـق، وتنظر إلــى الأرض مـن بعيد، فـتـرى ما نـعـجـز عـــن رؤيـــتـــه، ونــحــن فــوقــهــا، بـيـتـا واحـــدا صـغـيـرا يـسـتـحـق أن نـفـهـمـه أكــثــر مـــن الاقـتـتـال عليه. من هـذا الارتـفـاع تبدو الأسئلة التي تملأ الأرض أقــل صـابـة مما نـظـن، وكـأنـهـا تتلاشى تدريجيا أمــام اتـسـاع الصمت الـكـونـي، حيث لا صــوت إلا حـركـة المـــدار وامــتــداد الـضـوء، ومعها يـتـحـول الإنـــســـان إلـــى فــكــرة تـبـحـث عــن معناها داخل هذا الاتساع، وتبدو المعرفة محاولة دائمة لإعــــادة تـرتـيـب الـفـوضـى الأرضـــيـــة، بينما يظل الكون أكبر من أي تفسير، وأكثر رحابة من أي يقين، ومع ذلك يستمر العقل في الاقتراب، كمن يـسـعـى إلــــى الـــتـــقـــاط صـــــورة أوضـــــح لـحـقـيـقـة لا تنتهي. وهـــنـــاك، فـــي الـعـتـمـة الــتــي لا تـشـبـه عتمة الأرض، يكتشف الإنسان أن الاتساع معنى، وأن البعد ليس هروباً، وأن العلم حين يصعد هادئا يعيد ترتيب ما أفسده الصخب، فيرى الكوكب كما هــو، بيتا واحـــداً، يحتاج إلــى الفهم وليس إلى الصراع. دعنا ننتظر... كي نرى إلى أين ستفضي بنا مغامرة العلم في اقتحام المجهول. هل العلاقات البريطانية – الصينية على موعد مع عصر جديد؟ خـال زيـارتـه الأخـيـرة للصين أواخــر يناير (كانون الـثـانـي) المـنـصـرم، شـــدَّد رئـيـس الــــوزراء البريطاني كير ستارمر على ضرورة عمل بلديهما معاً، من أجل تعزيز حالة الاستقرار العالمي. ستارمر في حقيقة الأمر كان واضحاً، ولم يعمد إلى تجاهل الحقائق، وفي القلب منها وجود خلافات قديمة بـن الجانبين، ولكنه على الـرغـم مـن ذلــك، بـدا راغـبـا في القفز على المـاضـي، والنظر إلـى الصين كلاعب محوري على الساحة الدولية، ومن الحيوي بناء علاقة أكثر عمقا معها، تفتح أبواب التعاون من جانب، وتسمح بتعميق حوار هادف بشأن القضايا الشقاقية من جانب آخر. بلُغة العاطفة، لا ترى لندن في بكين عدوا . وبلسان السياسة: ليست حليفا ولا خصماً. ولكن حالة العلاقات بـــن جـانـبـي الأطــلــســي، وإرهــــاصــــات المـــخـــاوف الـخـاصـة بالعلاقات الأوروبـيـة– الأميركية، والتغيرات التكتونية الـوارد حدوثها، تجعل المملكة المتحدة في حاجة مؤكدة لمراجعة خطوط طول وعرض استراتيجياتها السياسية الدولية للعقدين القادمين، وبشكل يأخذ في الحسبان تحولات الموازين في القوى العالمية، كما تشير إلى ذلك الأكاديمية البريطانية كيري براون. تــــبــــدو الــــتــــســــاؤلات بــــشــــأن الــــعــــاقــــات بــــن الــصــن والمـمـلـكـة المـتـحـدة مـثـيـرة، وفـــي مـقـدمـهـا: هــل الـصـن في تقدير البريطانيين قوة قطبية أم قوة متوسطة عالمية؟ هنا تبدو الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، أن الصين تــجــاوزت حـــدود الـقـوى المتوسطة بـمـراحـل بـعـيـدة، غير أن استعلانها قـوة قطبية أممية، أمـر يحتاج إلـى مزيد مـــن الـــوقـــت لإدراكــــــه، وإن كــانــت قـــادمـــة لا مــحــالــة، ولـكـن بحكمة كونفوشيوس مـن جـهـة، وعـبـر انـتـقـال بيادقها على رقعة الشطرنج الأممية، بخطوات تحدوها نصائح مخزون استراتيجي عسكري لصن تزو، وبينهما يضيء طرقاتها العالمية تراث ونصائح الحكيم منشيوس. تــزداد أهمية الصين حـول العالم، يوما تلو الآخـر، وهـــو أمـــر يـهـم بـريـطـانـيـا بــقــوة، لا سيما فــي ظــل رؤاهـــا لعودة نفوذها التاريخي في الشرقين الأدنـى والأوسـط، الأمـــــر الـــــذي يــتــقــاطــع والـــحـــضـــور الـــتـــاريـــخـــي الـتـقـلـيـدي للمملكة المتحدة. عطفا على ذلك، فإن الصين، إلى جانب هونغ كونغ، تعد ثالث أكبر شريك تجاري للمملكة. من جانب آخـر، لا تـزال المملكة المتحدة تمثل نوعا من الجاذبية التاريخية لطلاب الصين، وهناك نحو مائة ألف طالب يتوجهون من الصين إلى المملكة المتحدة كل عام طلبا للعلم، ما يعني أن الصين تكاد تسعى على أثر عهد الميجي الياباني، أي الانفتاح على المعرفة الغربية فــي أوروبــــــا، بـحـثـا عــن مــزيــد مــن الــحــداثــة والـــولـــوج إلـى الأزمنة العصرانية. وفي المقابل، فإن العائدات المالية من رسوم الطلاب الـصـيـنـيـن، بــاتــت شــأنــا مـهـمـا كــمــصــدر تــمــويــل حـيـوي للمملكة؛ لا سيما في ظل تراجع معظم مصادر التمويل الأخرى. والـــدلـــيـــل أن الـــعـــاقـــات الــصــيــنــيــة – الـبـريـطـانـيـة الـتـي تـعـود إلــى أربـعـة قـــرون خـلَــت، قـد مـــرَّت بكثير من التطورات، ما بين الإيجابي والسلبي، غير أن النوازل الجيوسياسية الجارية مع بداية الألفية الثالثة، بدلت كثيرا من الطباع، وعدَّلت كثيرا من الأوضاع، الأمر الذي خـلـق نـقـاط الـتـقـاء تــــزداد متانتها مــؤخــراً. ولـعـل أزمــة مـواجـهـة أوضــــاع الـكـوكـب الأزرق الإيـكـولـوجـيـة تحتل مـكـانـة كـبـيـرة فـيـهـا، نـظـرا للخطر الـجـاثـم عـلـى صــدور البشرية برمتها. ونـظـرا إلـى المعطيات التاريخية، لا تــزال العوامل الثقافية تمثل رابطا بين الجانبين. على سبيل المثال: لا يـــــزال المــــشــــروب الــرئــيــس لـلـبـريـطـانـيـن هـــو الـــشـــاي، ومـــصـــدره الأصــلــي الــصــن، كـمـا أن الــحــدائــق فــي المــدن والـــريـــف الـبـريـطـانـي تــبــدو واقـــعـــة وبـــقـــوة تـحـت تأثير فلسفة «الـــزِّن» التي عرفت طريقها إلـى المملكة المتحدة قبل نحو مائتي عام. مــن بــن الأسـئـلـة المـهـمـة والـحـيـويـة: مــا مـــدى الثقة السياسية المتبادلة بين لندن وبكين؟ مــــن الــصــعــوبــة بــمــكــان اســـتـــجـــاء بــــواطــــن الــظــاهــر والخفي في تلك العلاقة؛ غير أنه يمكن القطع بأن هناك شــكــوكــا كــبــيــرة بـــن الـــجـــانـــبـــن، فـــا تـــــزال الـــصـــن تنظر لبريطانيا كقوة إمبريالية تاريخية، وفي الوقت عينه لا تنفك وسائل الإعــام البريطانية تتحدث عن التجسس الإلــكــتــرونــي الــصــيــنــي، ومـــحـــاولـــة الــتــأثــيــر عــلــى الـنـظـام السياسي. جــزئــيــة أخـــــرى فـــي هــــذا الـــســـيـــاق أدت إلــــى اهـــتـــزاز الثقة؛ لا بـن البريطانيين والصينيين فحسب؛ بـل بين عموم الأوروبيين والأميركيين في مقابل الصينيين، تلك »، واليقين الغربي 19- المـوصـولـة بـأزمـة جائحة «كــوفــيــد الـــذي تـأكـد بـشـأن هـشـاشـة الـنـظـام الـسـيـاسـي الصيني، وغياب الشفافية، مما فتح المجال واسعا لحصد ملايين الوفيات والمصابين. غير أن البراغماتية السياسية على الجانبين تفرض معطيات تختلف كثيرا عن الخطابات الرنانة حول القيم والمــبــادئ، وتنشئ مـسـارات تعاطي سياسي مـع أطــراف لا تتفق معهم بـالـضـرورة ولا تشاركهم بالمطلق رؤاهـم السياسية. الــخــاصــة: لمـكـيـافـيـلِّــي مـسـتـقـبـل، ولــســقــراط مـــاض أخلاقي. Issue 17312 - العدد Wednesday - 2026/4/22 الأربعاء OPINION الرأي 14 تواصل عمل الجماعات المسلحة خارج سيطرة الدولة يقوّض الشرعية المؤسسية كيف يمكن لسطح واحد أن يحتمل كل هذا القدر من الاختلاف؟ البراغماتية السياسية على الجانبين تفرض معطيات مختلفة دلاور علاء الدین جمال الكشكي إميل أمين الحكومة العراقية الجديدة والمخاطر الآنية مجرد كرة زرقاء صامتة لندن ـــ بكين... لا انفكاك من ثقافة الشاي و«الزن»

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky