الثقافة CULTURE 18 Issue 17311 - العدد Tuesday - 2026/4/21 الثلاثاء إمبراطورية النمل... هل مازلنا بشراً؟ ندخل كونيا الآن في سـؤال مهم وخطير عن الواقع الافتراضي ودوره فــي تشكيل الــذهــنــيــات، والأصــــل أن الـبـشـر ظــلــوا يتعلمون تعليما مباشرا وعملياً، حيث تعرّفوا على النار ووظائفها ما بين نفع وضرر. وأهمها تحولهم من النيء إلى الناضج، مما غيّر أنظمة الذوق الذي يميّز الإنسان عن الوحوش، ومعها تعلّم الإنسان كيف يحوّل توّحشه إلى أساليب أدت به لصناعة حضارات كبرى، وكتابة تاريخ مديد للبشرية صرنا نسميه «تاريخ الحضارات». رغم بقاء روح الـتـوحّــش مـن تحت إهـــاب التحضر، وهـــذا هـو النسق المضمر حـسـب مفاهيم الـنـقـد الـثـقـافـي، وهـــو نـسـق مـتـأصـل وجــــذري وغير قابل للإزالة. وحـدث هذا التعلم المــزدوج في مدد لا نعرف مقدارها لكننا ورثنا عنهم نتائج ما تعلموه، وأحيانا نحتاج لتجريبه كي نتعلمه كما هـي الحكاية المــأثــورة عـن تــرك الطفل يمس الـنـار لكي يعرفها فيتجنب شرها. وهذه تجربة أولية تتصل بما سيلحق من تجارب تصنع المعرفة العملي منها والفلسفي. ولذا نرى آباء للعلوم الكبرى مثل سقراط في الفلسفة، وامرئ القيس في الشعر، كما هي أنظمة الثقافات المستقرة عبر الـتـوارث وتقديس كل ما هو مستقر ذهنياً، ويظل فينا شيء خفي من زمن التوجس حين نتحرك تلقائيا فـي معاندة تغيرات الـزمـن مـن أجــل الاحـتـفـاظ بـالاسـتـقـرار الذهني الـذي تحول لرمزيات وطنية تحدد الصور الذهنية عن أي أمـة من الأمـم حسب ماضيها العريق. ولكن الآبـاء تغيروا الآن حيث انفتح الفضاء البشري على ما لا نهاية له من زخم المعارف التي لا تحتاج إلا لضغطة زر مــن بـاحـث مـبـتـدئ كــي ينجز مـثـا رســالــة دكــتــوراه مكتوبة كلها أو بعضها بواسطة برنامج بأرخص ما يكون ويجعله «بروفسوراً» بضربة حظ عمياء. وهذا مثال متطرف وبسيط أيضا أمام ما يجري لعقول الصغار والكبار معا حين تتعرض لموجات الثقافة البصرية التي لا تعطي وقتا للتحري ولا للتدقيق. ومـن هنا تتغير البنية الذهنية وطرق تشكل التصورات والقيم والمعاني، ولم يعد العالم قرية كما توهمنا، بل أصبح لمحة بصر، وأصبحنا كائنات كربونية مستنسخة تحت عامل اللحظة، ومنها تقلص الـزمـن نفسه، فما كـان يتعلمه أهلنا بسنوات صرنا نتعلمه بثوانٍ. وسقطت نظريات التجربة وهي أول ما سقط، وتبعها سقوط السؤال، وأصبحنا مثل النمل كما قال دي سيرتو، واصفا حياتنا اليوم بإمبراطورية النمل ونحن شعب هذه الإمــبــراطــوريــة، ولــم نعد شـعـوبـا بـل كلنا شعب كـونـي واحـــد، وكل طفل في العالم يسمع ويقرأ ما يقرأه كل طفل آخر في أي بقعة من المعمورة. وهــذا وصـف للحال، ولكنه وصــف يجب أن يكون مثل وصف المريض لحالته أمـام طبيب ينتظر منه التشخيص ومـن ثم وصف العلاج. وليس غير الطبيعة من جــواب بمعنى أن نعود لنظام التعلم لـــــدى الأســـــــاف الأوائــــــــل حــــن تــعــلــمــوا فــــي الـــغـــابـــة وفـــــي الـــصـــحـــراء وتشكلت من ذلك عقولهم ومعارفهم وتنوعت ثقافاتهم، أي العودة لمعنى التنوع الثقافي مرتبطا بالتجريب المباشر وملامسة الواقع الطبيعي لمواجهة مـا ســاد مـن نـمـوذج ثقافي واحـــد تبعته برمجة عقلية ومزاجية تحول البشر لكائنات آلية تطيع الأوامر ولا تتساءل. وفكرة الغابة تعني التجربة المباشرة وطرح السؤال، ذاك النوع مـن الأسـئـلـة ذات الطبيعة الـفـرديـة الـتـي مـيـزت الإنــســان وتـرقـت به مـن القطيع إلـى المتفرد، ذاك الــذي جعل البشرية تتعلم فـي أسـاس منطلقها، وهو ما نوشك أن نفقده. والإنسان الذي بنى العشة قبل قرون هو الذي خطى على القمر بفاصل في كمية ونوعية التجارب مع كونه عقلا واحـداً، لكنه عقل يعمد للتجربة وللسؤال، ودون ذلك فسنفقد بشريتنا. والبداية لا بد أن تأتي من تغيير مناهج التعليم. لكي تتخلى عـن الكتاب المـقـرر وتـعـود للغابة والـصـحـراء بمعناهما الـرمـزي أي الـتـجـريـب وهــدفــه الاسـتـكـشـاف الــفــطــري بـعـيـدا عــن الـحـفـظ والـنـقـل والـتـقـبـل. ولا شــك أن الـشـاشـة تـقـوم الآن بـمـا كـــان يـقـوم بــه الحفظ سـابـقـا، وكـاهـمـا ضــار تعليميا وقــد بلغت الـشـاشـة أعـلـى درجــات الخطر في قوة الاستحواذ الذي يلغي التفكر والتبصر. ولنعد لفلسفة سقراط التي كانت بسيطة جدا وفي الوقت ذاته عميقة جــداً. ومـن طبع البسيط أن يتحول لعميق كلما استقبلناه بصدق وواقعية، وحين يسأل أحد سقراط عن معنى السعادة مثلا فإنه لا يعطي جوابا وإنما يقابل السؤال بسؤال كي يعري المفهوم فيطلب مــن الـسـائـل أن يـقـول هــو مــا الــســعــادة، ليتحرك الـعـقـل بين الـطـرفـن، فيكتشف مـن المــحــاورة أنهما معا لا يستطيعان الاتـفـاق عـلـى مـعـنـى واحـــــدٍ، وأن المـعـنـى مـتـعـدد ومـتـفـتـح حـسـب مــهــارة كل واحد منهما في مناورة الفكرة. وهنا ينشط العقل للاجتهاد ومن ثم التفرد والـتـوق للكشف والاستبصار. بحيث تكتشف أنـك لست متفردا في المعنى، وأن كل واحد منا يدرك طرفا من المعنى وميزة هذا الطرف أنه يختلف عن الأطراف التي عند غيره من الباحثين. وتلك كانت فلسفة سقراط التي غيرت وجه أثينا ونحتاج نحن للأخذ بها لنحرر عقولنا من سطوة وسلطة الشاشة وثقافة الميديا، ولكي نستعيد بشريتنا ونتحرر من إمبراطورية النمل. عـلـى أن الــشــاشـة الــيــوم تــقــوم بـوظـيـفـة الـحـفـظ مــن حـيـث قــدرة الشاشة على تعطيل التفكر، ومــن ثــم تثبيت المعلومة وتـصـل حد التعمية فتسيطر على العقول المستقبلة لها بصيغة جموع بشرية تستقبل المعلومات نفسها وتتلاشى الفروق العقلية والذوقية بين البشر. وهذه برمجة تشبه البرمجة الآيديولوجية تلك التي تعتمد على لعبة الاسـتـبـعـاد والإحــــال، فتبعد كـل غيرها وتثبت نفسها وينغلق الذهن حينئذ. د. عبد الله الغذامي »19 «أراك على الجانب الآخر» لماكينيرني تدور أحداثها في ظل جائحة «كوفيد ــ روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة كـــان لـــدى الـــروائـــي الـبـريـطـانـي مـارتـن أميس نظرية حـول سبب شهرة الروائيين فـي الثمانينات والتسعينات. وأعـتـقـد أن الـسـبـب هــو أن الـصـحـف، غـيـر مــدركــة بعد لأبـعـاد اقـتـراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لمــلــئــهــا. نـــفـــدت مـــواضـــيـــع كـــتّـــاب المــــقــــالات - «مـمـثـلـون مــدمــنــون عـلـى الــكــحــول، وأفــــراد مــن الـعـائـلـة المـالـكـة فـاشـلـون، وكـومـيـديـون مـــكـــتـــئـــبـــون، ونــــجــــوم روك مـــســـجـــونـــون» - فــلــجــأوا بــيــأس إلــــى الـــكـــتّـــاب. أدى الـتـدفـق المــــفــــاجــــئ لـــلـــمـــقـــالات المــــطــــولــــة فـــــي أقـــســـام الـثـقـافـة وفــضــائــح الـصـحـف الـشـعـبـيـة إلـى ظـــهـــور الــــروائــــيــــن، ولأول مــــرة مــنــذ مـــدة، بمظهر جذاب وذي علاقات واسعة بدلا من مظهرهم الباهت والمنعزل. في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جـــولـــيـــان بــــارنــــز، كــريــســتــوفــر هـيـتـشـنـز، وإيـــان مــاكــوان) بمعظم هــذا الاهـتـمـام. أما فـي أميركا، فقد سلطت أضـــواء الكاميرات عــــلــــى وجـــــــــوه جــــــي مــــاكــــيــــنــــيــــرنــــي، وتــــامــــا جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بــ«مـجـمـوعـة بـــــرات»، أبـــنـــاء فـجـر ســوهــو - وعـلـى المـحـرريـن والـــوكـــاء الــذيــن رافـقـوهـم حـــتـــى ســــاعــــات مــــتــــأخــــرة مــــن الــــلــــيــــل. كـــان للبريطانيين تأثير أكبر على المدى الطويل. ظـهـرت عـلـى غــاف روايــــة ماكينيرني الأولــــــى الأكـــثـــر مــبــيــعــا، «أضـــــــواء ســاطــعــة، )، لافتة النيون الحمراء 1984( » مدينة كبيرة الـشـهـيـرة خـــارج مطعم «أوديــــــون»، المطعم الــواقــع فــي وســـط مـانـهـاتـن: كـانـت تتوهج وكـأنـهـا إشــــارة الـخـفـافـيـش الـخـاصـة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ روايـــة ماكينيرني الـجـديـدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، الــــتــــي تـــتـــســـم بـــطـــابـــعـــهـــا الــــرثــــائــــي وشـــبـــه الــســيــري، بـحـفـل زفــــاف بـمـنـاسـبـة الــذكــرى الخامسة والثلاثين في المطعم. هــــذه هـــي الــــروايــــة الـــرابـــعـــة والأخـــيـــرة فــــــي «ربــــــاعــــــيــــــة كــــــــالــــــــواي» لمـــاكـــيـــنـــيـــرنـــي، وشـــخـــصـــيـــاتـــهـــا، مـــثـــل مــــســــرح «أوديـــــــــون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهـو ناشر مستقل مـرمـوق يملك مكتبا فـي وســط المـديـنـة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيــام، فقد تخلى عنها. وكما قـال الشاعر فـيـلـيـب لاركــــــن: «إذا لـــم تـسـتـطـع الـتـغـلـب عليهم، فقم بتعديلهم». راســـــل مــــتــــزوج، لـكـنـه يـــشـــارك أحـيـانـا وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مـــع كــاتــبــات شـــابـــات مـعـجـبـات بـــه. ويـبـدو أن شـخـصـيـتـه مــســتــوحــاة بـشـكـل أســاســي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظرا لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضا إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غـروف/ أتلانتيك» وأحـد رفـاق ماكينيرني المقربين فــــي ثــمــانــيــنــات الــــقــــرن المــــاضــــي. يــبــلــغ كـل عاماً. أما الروايات السابقة 71 منهما الآن فــي السلسلة، الـتـي تحمل عناوينها اسـم «أضــــــــواء ســـاطـــعـــة، مـــديـــنـــة كـــبـــيـــرة»، فـهـي )، و«الـــحـــيـــاة 1992( » «ســــقــــوط الــــســــطــــوع )، و«أيـــــام مـشـرقـة ثمينة» 2006( » الـطـيـبـة ). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من 2016( الـــبـــدايـــة، لأنــهــا مـــع تـقـدمـهـا تـفـقـد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هـــذه الـــروايـــة الــجــديــدة، فـقـد فـقـدت بريقها تماما ً. لقد مـررنـا بالكثير (عــاقــات غرامية، وفــيــات، اعــتــقــالات، تخصيب فــي المختبر، سـبـتـمـبـر، ارتـــفـــاع الإيــــجــــارات، 11 أحـــــداث عــمــلــيــات تــجــمــيــل الــــحــــواجــــب، طــــــاق) مـع الــــرجــــال والـــنـــســـاء المـــدلـــلـــن ذوي الــطــابــع البوهيمي فـي هـذه الـروايـة. اجتمعوا الآن فــي «سينما أوديـــــون»، حـيـث يشعر راســل بـتـدفـق المــاضــي: المــكــان «يـعـج بـالـذكـريـات، طــبــقــات مـــن الـــتـــاريـــخ الــشــخــصــي، أشــبــاح المـاضـي». تشمل هـذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غــــداء هــادئــة مــع كــتّــاب ومـــحـــرري «كــونــدي نــاســت» الــذيــن انـتـقـلـوا إلـــى مـركـز الـتـجـارة العالمي المُعاد بناؤه. «أراك على الجانب الآخر» رواية تدور ». وقد 19 - أحداثها خـال جائحة «كوفيد استوحت عنوانها مـن لافتة وضعها أحد المـطـاعـم عـلـى نـافـذتـه، معلنا إغــاقــه طــوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً. إنـــهـــا أيـــضـــا روايــــــــة مــــن عـــصـــر حــركــة » النسائية. يدخل كارلو، صديق MeToo#« قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاه فاشل، من الـــواضـــح أنـــه مـتـأثـر بــمــاريــو بــاتــالــي. كـان كــارلــو فــي الـسـابــق ممتلئ الـجـسـم كدمية بـيـنـيـاتـا، لـكـنـه الآن يــبــدو ذابـــــا وهـــزيـــاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤيـــــة كـــارلـــو أشـــبـــه بـــرؤيـــة مــاكــبــث لشبح بانكو. أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الـــكـــتـــاب الـــثـــانـــي فــــي هـــــذه الــســلــســلــة، كـــان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز والــلــحــم، ويــدخــن بـالـيـد الأخـــــرى، ويـشـرب باليد الثالثة، بينما يتحسس فـي الوقت نفسه أقـــرب الـنـسـاء إلــيــه، جــاذبــا كــل شـيء نحو فمه». يستغرق الأمــر لحظة أو اثنتين حتى تـظـهـر لمـسـة أخــــرى مــن لمــســات ماكينيرني المـمـيـزة. عـنـدمـا يـحـدث ذلـــك، يُــخــل بـتـوازن هـــــذه الـــــروايـــــة بــشــكــل أكـــبـــر مــــن الــــحــــوارات الــركــيــكــة والمــلــيــئــة بـــالـــشـــرح، والمـــاحـــظـــات السطحية المبتذلة حــول مدينة نيويورك، ومـنـطـقـة هــامــبــتــونــز، والـــــــزواج (أدرك أنــه مــهــمــا شــعــرنــا بـــقـــرب مـــن الآخــــــر، فــإنــنــا لا نعرف أبدا أسرار قلبه). «أراك على الـجـانـب الآخـــر» عـبـارة عن سيل جـارف من الاستهلاك التفاخري غير الـــســـاخـــر. نـــــرى ظـــهـــور رمــــــوز ضــوئــيــة مـع دخــــول الـشـخـصـيـات إلـــى الـــغـــرف: «دخـلـت كـوريـن وخـرجـت مـرتـديـة رداء فـريـت الـذي اشــــتــــراه لـــهـــا»؛ «فـــتـــح مــيــنــغــوس محفظته مــــن بـــيـــرلـــوتـــي ســـكـــريـــتـــو»؛ «حــقــيــبــتــه مـن لـويـس فـويـتـون»؛ «بـدلـتـه الــســوداء المميزة من بــرادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصيات حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية. بـــالـــنـــســـبـــة لــــلــــكــــاتــــب، يـــمـــكـــن لأســــمــــاء الـعـامـات الـتـجـاريـة أن تُــضـفـي عمقا على روايـــتـــه. وقـــد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثـقـافـتـنـا الاسـتـهـاكـيـة المُــفــرطــة. أمـــا قـــراءة روايــة ماكينيرني فلا تُــذكّــرك إلا بالتعليق الساخر الــذي أطلقه المحقق الضخم آنـدي NYPD« سيبوفيتش في مسلسل الشرطة » في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث Blue كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة». كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبــــــــي قـــبـــل ســـــنـــــوات: «إن أكــــبــــر جــريــمــة يرتكبها كـاتـب مــن الطبقة المـتـوسـطـة هي الإكـــثـــار مــن ذكـــر الـنـبـيـذ». (أشـــــارت لـــودون إلـى أن إيــان ماكيوان مذنب في فعل ذلـك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كـــان كــاتــب عــمــود عــن الـنـبـيـذ فـــي صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بــالــزجــاجــات الــتــي يفتحها راســــل. فهناك الـعـديـد مــن الـجـمـل مــن قـبـيـل: «أعـتـقـد أننا ســـنـــبـــدأ بـــزجـــاجـــة (بـــــاتـــــارد مـــونـــتـــراشـــيـــه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والـــــصـــــداقـــــات الـــرجـــولـــيـــة حـــــول زجــــاجــــات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي». لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسـل، لطالما كان ماكينيرني شخصية آسـرة في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض الـنـواحـي يُــشـبـه ألـيـك بـالـدويـن الأدبــــي - لا يزال وسيما كصبي، حاضرا في كل مكان، موهوبا بما يكفي، ومستعدا أحيانا لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع مـن خـدمـة المجتمع»، كما كتب ســول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوه وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية. لـــــم تـــفـــقـــد روايـــــــــة «أضـــــــــــواء ســـاطـــعـــة، مــديــنــة كـــبـــيـــرة» وبـــعـــض روايــــاتــــه المــبــكــرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردت أن تـــتـــذكـــر مـــــدى دقـــــة مــاحــظــة ماكينيرني كصحافي، فأعد قــراءة مقالته عن الممثلة 1994 في مجلة «نيويوركر» عام كلوي سيفيني. تـــتـــجـــاوز روايـــــــة «أراك عـــلـــى الــجــانــب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة. *خدمة «نيويورك تايمز» جي ماكينيرني *دوايت غارنر تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة «تدجين الفكر المتوحش» بالعربية صــــدر حــديــثــا عـــن دار «الــــحــــوار للنشر والــتــوزيــع» كـتـاب «تــدجــن الـفـكـر المـتـوحـش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس. وجــــاء فـــي تـقـديـمـه: «فـــي عـمـق الـتـاريـخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صــورة الآخــر فـي مــرآة الــذات، يطرح هذا الكتاب سؤالا مقلقا وبسيطا في آن واحد: هل نحن مختلفون حقا عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هـذا الاخـتـاف وهـم صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟». منذ الصفحات الأولــــى، يـأخـذنـا المؤلف فــــي رحـــلـــة فـــكـــريـــة تــــقــــوِّض واحـــــــدة مــــن أقــــدم المـسـلَّــمـات فــي الـعـلـوم الاجـتـمـاعـيـة: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجا للتقدم، ومن أخرى رمزا للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن ســـرعـــان مـــا يـكـشـف أن هـــذه الـثـنـائـيـة ليست سـوى بناء ذهني هـش، إذ يـقـول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المــتــحــضــرة... تُـــرســـي الــتــعــارض بـــن «نـحـن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني. هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟ يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بـــل الـــوســـائـــط الـــتـــي يـسـتـخـدمـهـا - وأهــمــهــا الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كـان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والـذاكـرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلــى شــيء «مــرئــي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح الـــنـــص: «إن تـــدويـــن الـــكـــام هـــو الـــــذي سمح بالفصل بـن الكلمات بكل وضـــوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير». بــهــذا الـــتـــحـــول، لـــم يـتـغـيـر مـــا يـفـكـر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والــــــجــــــداول، والـــتـــصـــنـــيـــفـــات، والـــريـــاضـــيـــات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عـــبـــر الأجـــــيـــــال بـــدقـــة غـــيـــر مـــســـبـــوقـــة. وهـــنـــا، يــتــحــول «تـــدجـــن الـــفـــكـــر» مـــن اســـتـــعـــارة إلــى حقيقة: فالعقل لم يعد بريا أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندسا بواسطة أدواته. لكن المـؤلـف لا يسقط فـي فـخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر مـن التفسير الأحــــادي، مـؤكـداً: «هـنـاك طريق وســـطـــي بــــن اخـــتـــيـــار ســـبـــب وحـــيـــد ورفــــض كـل تفسير سـبـبـي... بـن إغـــراق كـل شــيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة». ومـن أكثر لحظات الكتاب إثـــارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيرا بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مــخــتــلــف فــــي تــجــلــيــاتــه. فـــفـــي المـجـتـمـعـات الــشــفــهــيــة، نــجــد أنــظــمــة تـصـنـيـف دقــيــقــة، وقـــــدرات حـسـابـيـة مـذهـلـة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المـجـردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلـى آخــر مـن عـدة أوجـــه... إن وجــود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية». دمشق: «الشرق الأوسط»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky