الثقافة CULTURE 18 Issue 17310 - العدد Monday - 2026/4/20 الاثنين الدولة الحية والدولة التاريخية الــــدولــــة الــحــيــة والــــدولــــة الــتــاريــخــيــة لـيـسـتـا تـوصـيـفـن زمــنــيّــن بــقــدر مـــا هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بـــالمـــاضـــي والـــحـــاضـــر والمــســتــقــبــل. هـنـاك دول تجعل المــاضــي مــــادة للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل المـاضـي مرجعا أعـلـى، وتعيد إنـــتـــاجـــه فــــي الـــحـــاضـــر بـــوصـــفـــه مـــعـــيـــارا للحكم. يـــمـــكـــن أن نــــاحــــظ هــــــذا المـــعـــنـــى فـي تـجـارب مثل الــولايــات المـتـحـدة الأميركية والمــمــلــكــة الــعــربــيــة الــســعــوديــة الــجــديــدة. كلتاهما حديثة نسبيا من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والـثـاثـمـائـة سـنـة، وهـــذا مـنـح كــل واحـــدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كل منهما لم يُــن على استعادة مـاض بعيد، بـل على تأسيس معنى جـديـد للحاضر. لـم يكن هـنـاك ثقل تـاريـخـي يـفـرض نفسه بــوصــفــه مــرجــعــا نــهــائــيــا، بـــل كــــان المــجــال مــفــتــوحــا لــبــنــاء الــشــرعــيــة عــلــى الإنـــجـــاز، وعلى القدرة على التشكّل. الـــــدولـــــة الـــحـــيـــة لا تـــنـــكـــر تـــاريـــخـــهـــا، لكنها لا تسكن فـيـه. تتعامل مـع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنــه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الـذاكـرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها. فــــي الـــجـــهـــة المـــقـــابـــلـــة، تـــبـــدأ المـشـكـلـة حـن يتحول الـتـاريـخ إلــى سلطة. عندها لا يـعـود المــاضــي مـــادة للفهم، بــل يصبح مــعــيــارا يُـــقـــاس عـلـيـه كـــل شــــيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والـثـقـافـة. تُـــدار المـــوارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاســـتـــمـــراريـــة عــلــى الـــكـــفـــاءة، ويُــســتــبــدل بــالإبــداع التمجيد. وهـنـا لا يـكـون الفشل حــــادثــــة عـــــابـــــرة، بــــل يـــكـــون نــمــطــا يــتــكــرر عبر الـعـقـود، لأن المنطلق واحـــد، وهــو رد الحاضر دائما إلى نموذج سابق. ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طـــبـــقـــة الــــــوعــــــي. فـــالمـــشـــكـــلـــة لا تـــبـــقـــى فــي المـــؤســـســـات، بـــل تـمـتـد إلــــى طــريــقــة إدراك الــنــاس للعالم وتـصـورهـم لأنفسهم فيه. بـيـنـهـم يــتــكــون وعــــي يـمـيـل إلــــى الـخـطـاب أكـثـر مــن الـفـعـل، وتُــــروى الـحـكـايـات بلغة الانتصار الــذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية. ويظهر هنا نـوع من التكيّف المفرط، قــدرة عالية على الاحـتـمـال، لكنها تنقلب أحـيـانـا إلـــى قــبــول طــويــل بـــالأوضـــاع بـدل الــســعــي إلــــى تـغـيـيـرهـا. يـــعـــرف الـــفـــرد في داخـــــلـــــه أن هــــنــــاك خـــــلـــــاً، لـــكـــنـــه يــتــعــامــل مـعـه بــازدواجــيــة، فيُبقي هـــذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه. هـــــذا الانــــفــــصــــال لا يـــأتـــي مــــن جــهــل، بــل مــن آلـيـة دفــــاع. فــالــصــورة المـثـالـيـة عن الــــذات تُــصـبـح شــرطــا نفسيا لـاسـتـمـرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الـنـاس يقتاتون على أكــاذيــب ويعيشون فـي أوهـــام. وهنا تتشكل بـطـولات رمزية، وتُــســتــعــاد أمـــجـــاد آلاف الــســنــن، ويُـــعـــاد تفسير الأحـــداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة. وفـــــي هـــــذا الــــســــيــــاق، يــصــبــح الــحــس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الــضــغــط مـــن جــهــة، لـكـنـه قـــد يــتــحــول إلــى وســيــلــة لـــلـــهـــروب مـــن المـــواجـــهـــة مـــن جهة أخـرى. ومع الوقت، يتشكل حس حساس تجاه النقد، لا لأنـه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديدا للصورة الجمعية. فـــيُـــســـتـــعـــاض عـــــن المـــــســـــاءلـــــة بـــالـــتـــبـــريـــر، وتُــفـسَّــر الإخــفــاقــات بـعـوامـل خـارجـيـة، أو يُـــعـــاد تــأويــلــهــا بــمــا يـحـفـظ المــعــنــى الــعــام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلا واعيا بـــــالـــــضـــــرورة، بـــــل بـــنـــيـــة يـــعـــيـــش داخـــلـــهـــا التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بـن الـواقـع ومـا يُــقـال، لكنهم يستمرون في إعــادة إنتاج هـذا الخطاب، لأنــه يمنحهم شـعـورا بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطا نفسيا لـاسـتـقـرار، لكنه فـي الـوقـت نفسه يُعمّق الأزمة. ويـــــضـــــاف إلــــــى ذلــــــك أن هــــــذا الــنــمــط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلا على العظمة، مع أن معظم المـــواطـــنـــن تـــعـــســـاء، ومـــــع أن هـــــذا الـعـمـر لـــم يُــتــرجــم إلـــى قــــدرة فـعـلـيـة عـلـى الـبـنـاء. تُــذكــر آلاف الـسـنـن كـمـا لــو كــانــت إنــجــازا قائماً، بينما الحاضر عاجز عـن تحقيق أبسط مـا تحققه دول أصغر سنا بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُـــســـتـــدعـــى الــــتــــاريــــخ لـــتـــعـــويـــض فــجــوة الإنــجــاز. ومــع وفــرة المــــوارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلــى مـشـروع منتج يغيّر ملامح الواقع. أمـا الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتـــجـــاه المــعــاكــس. لا تـحـتـاج إلـــى حماية صـــورة مـثـالـيـة، لأنـهـا لا تــدّعــي الاكـتـمـال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بـــدايـــة لــــإصــــاح. تــبــنــي شــرعــيــتــهــا على الفعل، لا على الحكايات والأسـاطـيـر، ولا تسمح لـذاكـرتـهـا بـــأن تـتـحـول إلـــى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قـادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة. وفـــي الـنـهـايـة، لا تـنـهـار الــــدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلــــى واقـــعـــهـــا. الـــدولـــة الــحــيــة تــــرى مـــا هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أمـا الدولة التاريخية، فـــتُـــصـــر عــلــى أن تــــرى مـــا تــتــمــنــى، فتفقد الــقــدرة على الـفـعـل، وتكتفي بالتعويض الـــرمـــزي، والــخــطــاب الــعــالــي، والــبــطــولات المـــتـــخـــيَّـــلـــة. هـــنـــا لا يـــكـــون المــــاضــــي ذاكــــــرة تُــعـن على الـفـهـم، بـل يصبح عبئا يُعطّل الـــحـــاضـــر، ويُــغــلــق أفــــق المـسـتـقـبـل. لــذلــك، فـمـصـيـر الـــدولـــة لا يُــحـسـم فـــي أرشـيـفـهـا، بــل فــي وعـيـهـا. لـيـس الـــســـؤال كــم عـاشـت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورة عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هـذا الاختيار الصامت، الــذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء. * كاتب سعودي *خالد الغنامي «سر الأسرار» لدان براون بالعربية خــــــــال رحــــلــــتــــه بــــرفــــقــــة الـــعـــالمـــة المـــرمـــوقـــة كـــاثـــريـــن ســـولـــومـــون الــتــي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية بـــراغ، يجد الـعـالـم روبــرت لانـغـدون نفسه فـي دوامـــة تخرج عن الــســيــطــرة حـــن تـخـتـفـي كــاثــريــن من غـرفـتـهـمـا فـــي الــفــنــدق مـــن دون أثـــر، فيضطر إلــى مواجهة قــوى مجهولة لاســـــتـــــعـــــادة المـــــــرأة التي يحبها. بــهــذه الحبكة البوليسية القائمة عـــــلـــــى الــــتــــشــــويــــق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان بــــــــــــــراون إلـــــى قــرّائــه حـــول العالم عــــبــــر روايـــــــــــة «ســــر الأســــرار» الـصـادرة عــــن دار «الـــكـــرمـــة» بــالــقــاهــرة، ترجمة زيـــنـــة إدريـــــــس، في نـــــص يـــنـــتـــمـــي إلـــى الــــخــــيــــال الـــعـــلـــمـــي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته صفحة من 582 الــافــتــة؛ إذ يـقـع فــي فصلاً، 138 القطع الكبير، موزعة على بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة. تـــبـــرز الــــروايــــة خــصــوصــيــة بـــراغ كـمـديـنـة حــضــاريــة مــوغــلــة فـــي الــقــدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مـدى ألفي عـام تقاذفتها أمـواج الـتـاريـخ فتركت فـي حجارتها صدى مـا مضى مـن أحـــداث وتـقـلـبـات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفا من ماضي المــديــنــة المـظـلـم يــراقــبــه عــن كــثــب، غير أنه يجد نفسه مرغما على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لـفـك رمـــوز ذلـــك الـعـالـم مــن حـولـه قبل أن تبتلعه هـو الآخـــر دوامـــات الـخـداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين. يــجــد الـــبـــطـــل، عـــالـــم الــــرمــــوز فـي جــامــعــة هــــارفــــارد، نـفـسـه فـــي مـديـنـة ســــريــــة تــخــتــبــئ فــــي وضــــــح الـــنـــهـــار، مـــديـــنـــة احــتــفــظــت بــــأســــرارهــــا قـــرونـــا طــويــلــة ولــــم تـفـصـح عـنـهـا بـسـهـولـة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلــى مـا يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً. ودان بــــــراون هـــو مـــؤلـــف ثـمـانـي روايـــــــــات تــــصــــدرت جــمــيــعــهــا قـــوائـــم المـــــبـــــيـــــعـــــات، مـــــــن بــــيــــنــــهــــا «شــــيــــفــــرة دافـــنـــشـــي» الـــتـــي أصـــبـــحـــت مــــن أكــثــر الـــكـــتـــب مــبــيــعــا، إلـــــى جـــانـــب روايــــــات «الأصـــــــــــــل» و«الـــــجـــــحـــــيـــــم» و«الــــــرمــــــز المفقود» و«ملائكة وشياطين». ومن أجواء الرواية نقرأ: «لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا مــــا فـــكـــرت فـــيـــه المـــــــرأة وهـــــي تـنـجـرف عــالــيــا فــــوق أبــــــراج المــديــنــة الـقـديـمـة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضــــــواء الـــبـــراقـــة. تـتـبـعـت بـنـظـرهـا، هـــذا إذا كــانــت لا تــــزال تـمـلـك عينين، الانــحــدار بلطف نحو قلب العاصمة الــــــبــــــوهــــــيــــــمــــــيــــــة، هــــــــــــنــــــــــــاك تـــــمـــــتـــــد مـتـاهـة مــن الأزقـــة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً. شـــــــــــــــــعـــــــــــــــــرت بالضياع وبذلت جــــهــــدا لــتــفــهــم مـا حل بها، قالت في مـحـاولـة لتطمئن نفسها: أنـــا عالمة أعـــصـــاب وأتــمــتــع بـــــــكـــــــامـــــــل قـــــــــــواي الـــــعـــــقـــــلـــــيـــــة، غـــيـــر أن هـــــــذا الادعــــــــاء الـــثـــانـــي بــــدا لــهــا مـــوضـــع شــــك، الأمـــر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مـسـقـط رأســهــا مـديـنـة بــــراغ، لــم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شـكـل ومـــع ذلـــك كــانــت بـقـيـة كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومـــتـــقـــدة تــنــجــرف بـــبـــطء فـــي الـــهـــواء باتجاه نهر فلتافا. لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئا من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الــــذي تـنـسـاب عــبــره. كـــان الإحــســاس فريدا لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر! لـكـنـهـا ســـرعـــان مـــا رفـــضـــت هــذه الــفــكــرة، فــي الــواقــع بوصفها طبيبة كــــانــــت عـــلـــى درايــــــــة وثـــيـــقـــة بــــالمــــوت؛ فـفـي كـلـيـة الــطــب وفـــي أثــنــاء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل مـا يجعلنا مـا نحن عليه؛ أي آمالنا ومـــخـــاوفـــنـــا وأحـــامـــنـــا وذكـــريـــاتـــنـــا، لــيــس إلا مــركــبــات كـيـمـيـائـيـة معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنـــســـان يـنـقـطـع مــصــدر الــطــاقــة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً». القاهرة: «الشرق الأوسط» تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة، عندها لا يعود الماضي مادة للفهم بل يصبح معيارا يُقاس عليه كل شيء كتابه عن شعب «ضاقت به الأرض» بنسخة جديدة إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة» بـــعـــد أربــــعــــن عــــامــــا عـــلـــى صـــــــدور كــتــاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فــعــا «دار الــســاقــي» أن أعـــــادت نـشـر ترجمته العربية فـي هــذا الـوقـت بــالــذات، الـــذي تصبح فـــيـــه قـــــــراءة الـــتـــاريـــخ بـــأعـــن حــــاذقــــة مــتــفــكــرة، حــــاجــــة عــــربــــيــــة. ســـعـــيـــد لــــيــــس مــــجــــرد كـــاتـــب يـــســـرد الأحــــــــــداث، بــــل هــــو مـــبـــدع مــتــعــمــق فـي قضية فلسطين الـتـي شغلته العمر كـلـه. وفي هـــذا الــكــتــاب يـسـتـجـمـع مــهــاراتــه كــونــه نــاقــداً، وعالما ومحللاً، ليقدم نصا يدمج بين الحدث الــتــاريــخــي، والــســيــرة الـعـائـلـيـة والـــذاتـــيـــة. في )2003 - 1935( الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد منسجما ومتكاملا مع صور السويسري جان مـــور الـتـي التقطها بـالأبـيـض والأســـــود، وهـو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقـد وجـد فيه سعيد، المصور الذي «رآنـــا كما لـم يـرنـا أي شخص آخـــر». فالصور الــــتــــي اخــــتــــارهــــا لـــنـــشـــرهـــا فــــي الـــكـــتـــاب تـعـيـد الاعـــتـــبـــار لـــلـــروايـــة الـفـلـسـطـيـنـيـة بتفاصيلها بعيدا عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلـى فـرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي. شراكة الكاتب والمصوّر الـــشـــراكـــة بــــن ســعــيــد ومــــــور ولــــــدت عـــام ، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، 1983 أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن المـوافـقـة جـــاءت غـريـبـة، وهــو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكــر واضـــح لفلسطين، مما استفز إدوارد سعيد واستدعى منه فيضا من الكلام جــاء فـي هــذا الـكـتـاب أشـبـه بـاسـتـعـادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد يــنــخــرط فـــي كــتــابــة ســيــرتــه مــنــدغــمــة بـسـيـرة شــعــبــه، وهــــو يـعـيـد قـــــراءة تـجـربـتـه وتـكـويـنـه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هـــو كــتــاب مـنـفـى» يــقــول سـعـيـد، الــــذي يعبّر عن ألم ومـرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذا صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته. 1947 فـمـنـذ غــــادرت عـائـلـتـه الــقــدس عـــام وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد مع زوجته وولديه. 1992 إلى فلسطين إلا عام عاماً، من زيــارة أماكنه 45 يومها تمكَّن وبعد الأولــى التي لم يعد فيها أحـد من أقـاربـه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة. النكبة بداية الجحيم الـــــعـــــودة الـــكـــامـــلـــة لـــلـــوطـــن، بــقــيــت حـلـمـا معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الــذي يعرفه ينسف من جـــذوره. وهذا هو ما أحـب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حـدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخا من التحولات الــــعــــظــــمــــى، حــــيــــث ســـيـــصـــبـــح مـــــن المــســتــحــيــل اســـتـــعـــادة مـــا فـــقـــد. لـــهـــذا فــــإن الـــكـــتـــاب يــــزاوج بـــن الأحــــــداث وانــعــكــاســاتــهــا، ومـــســـار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهـي تتداخل بـحـيـوات مــن هــم فــي الــصــور المـرافـقـة للكتاب. نـــشـــاهـــد الـــبـــلـــدة الـــقـــديـــمـــة فــــي الــــقــــدس، عــمــال مصنع للصابون فـي نـابـلـس، نـجـار مـن عكا، أطــفــال يلعبون فــي مخيم الـــبـــداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخــرون في غزة. وجــوه معروفة، وأخـــرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها. تتفرع المـوضـوعـات فـي كـل اتــجــاه. وهي تـنـطـلـق فـــي بــــدء الـــكـــتـــاب مـــن صـــــورة الـتـقـطـت فـــي مــخــيــم الــــبــــداوي لــاجــئــن الـفـلـسـطـيـنـيـن في شمال لبنان، فيها عـروسـان يـوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عـدد قليل من الأشـخـاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الــــذيــــن تــــم تـــصـــويـــرهـــم إلا مــــن خـــــال مــصــور أوروبــــي رآهـــم نـيـابـة عـنـي وأتـخـيـل أنـــه بـــدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الــشــيء الـوحـيـد الـــذي أعــرفــه عـلـى وجـــه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا». سرقة الأرض بالتدريج إنـــــهـــــا الــــنــــكــــبــــة الـــــتـــــي ولَّـــــــــــدت المـــصـــائـــب المتسلسلة. فــي تـلـك الـسـنـة المــشــؤومــة لــم يكن في المائة، 7 لليهود من أراضي فلسطين سوى لـكـنـهـم رغــــم ذلــــك، فـــرضـــوا وجـــودهـــم وطــــردوا أهـل الـبـاد. وبـالـتـدريـج، وعبر السنين، سنُّوا الـــــقـــــوانـــــن الــــتــــي جــــــــردت الـــفـــلـــســـطـــيـــنـــيـــن مــن حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحل مكانهم غرباء، طـــامـــعـــون. خــــال كـــل تــلــك الــحــقــبــات الـــســـوداء المـتـاحـقـة، كــان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هـذا البزل البشري المتشظي، متحدثا عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مــســاراتــهــم، مــعــانــاتــهــم. يــــروي مـــا يــعــرفــه عن أعمامه وأولادهـم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلـــى مــصــر، وبــعــض آخـــر إلـــى الأردن. يتحدث عــن الإرهـــــاق، عــن الـصـدمـة الـتـي رافـقـتـهـم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فـقـدوا بيوتهم وحـاضـرهـم. عمة إدوارد التي وصلت إلـى مصر تحوَّلت إلـى دينامو، لا هم لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يـتـحـدث عنها وعـــن جـهـودهـا بـإعـجـاب شديد لـعـلـو إنـــجـــازاتـــهـــا، الـــتـــي بــقــي صـــداهـــا يــتــردد طويلا حتى خارج مصر. كتابات كثيرة ومفعول ضئيل رغـم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فـــإنـــهـــم بـــقـــوا مـــجـــهـــولـــن، خـــاصـــة فــــي الـــغـــرب. فـالـشـعـب الـفـلـسـطـيـنـي، لـــم يـلـق الـكـتـابـة الـتـي تـوازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذرا وإثارة للمتاعب مـن أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبــمــا أن مـهـمـة الـكـتـاب هــي مـحـاولـة الإحــاطــة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية. يــكــاد سـعـيـد لا يــتــرك نـاحـيـة إلا ويتكلم عـــنـــهـــا، الــــبــــيــــوت الـــفـــلـــســـطـــيـــنـــيـــة، المـــنـــتـــوجـــات الـــزراعـــيـــة الـــتـــي بـــاتـــت تـــصـــدر بـــاســـم المــحــتــلّ، الـــذكـــريـــات الــتــي حـمـلـهـا مـعـهـم الـــنـــازحـــون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بـــذاك الـــتـــراث الـــذي يـذكـرهـم بــبــادهــم، ووالـــده الــــذي تـجـنَّــب هـــذه الـــرمـــوز، حــــذرا مــن الـحـنـن. يـعـود الـكـاتـب إلــى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول الـلـجـوء. يُــعــرِّج عـلـى الـــعـــادات الـتـي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية الـتـي عاشتها الأســـر بسبب التمزق والـــفـــرقـــة وصـــعـــوبـــة الالـــتـــقـــاء، هـــو الـــــذي حــرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية. الاختزال والتقزيم يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكــمــال كـتـابـه هـــذا «بـالـتـحـديـد، لأرد عـلـى هـذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سـكـانـي فلسطيني. لا يمكن رســـم خـــط يصل فلسطينيا بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مــع المـخـطـطـات السياسية لــدولــة أو لأخـــرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثا متسلسلة، ولا يشكل مقالا سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة المـوضـوع الــذي يصعب القبض عليه كـــون الفلسطينيين الـــذيـــن يـتـحـدث عـنـهـم بلا دولـة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا». بعدسة السويسري جان مور 1983 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس بيروت: سوسن الأبطح
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky