الثقافة CULTURE 17 Issue 17309 - العدد Sunday - 2026/4/19 الأحد أحمد عبد المعطي حجازي ثقافة واحدة... أم ثقافات متفرقة؟ في الماضي، حين لم تكن من وسائل التنقل والاتصال إلا الإبل والخيل، ولم نكن نعرف شيئا اسمه المطبعة أو الصحيفة أو الإذاعــة، كانت الثقافة العربية نشاطا حيا متواصلا متكاملا ممتدا من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب يقطع المسافات، ويعبر الصحاري والـتـال والجبال، ويسافر ويقيم، ويتقدم ويتطور، ويتحاور بعضه مع بعض، ويصبح فِرقا ومذاهب تتفق وتختلف، وتتعرف على الثقافات الأخــــرى، وتقتبس منها وتـضـيـف إلـيـهـا كـمـا فعلت مــع ثـقـافـات الــفــرس والـهـنـود واليونانيين، وكانت تنشئ علوما جديدة لم يكن لها وجود من قبل، كالجبر وهو من الرياضيات التي اكتشفها الخوارزمي، وعلم الاجتماع الذي ظهر أول ما ظهر على يد ابـن خلدون، وهكذا ظلت الثقافة العربية تعمل وتنتج، وتضيف وتبدع شعرا ونثراً، وفقها وفلسفة، وتأليفا وترجمة. ومع أن العالم العربي - الإسلامي فـقـد وحــدتــه السياسية الـتـي تحققت لــه فــي أيـــام الأمــويــن والـعـبـاسـيـن وأصـبـح دولا وإمارات متعددة، فقد ظلت الثقافة العربية محافظة على وحدتها ونشاطها واتصال بعضها ببعض. والآن؟ لدينا كل وسائل التنقل والترحل، وكل أجهزة الطبع والنشر والإذاعة والاتصال، فضلا عن الـوزارات والهيئات والمؤسسات المشتغلة بالثقافة والتعليم والإعـــام، لكن الثقافة العربية التي كانت كيانا واحــدا ينمو ويتواصل ويتكامل أصبحت في هـذه المرحلة الأخيرة من تاريخنا ونحن أشـد ما نكون حاجة إليها -لأننا في أشد الحاجة إلى التوافق والتضامن- أصبحت أنشطة قُطرية متفرقة. فمن الطبيعي أن تتراجع جزءا وكلاً؛ لأنها لا تنشط ولا تزدهر إلا وهي حاضرة بكل كيانها، متمثلة ذاتها في الماضي والحاضر والمستقبل. لغة واحدة، وتراث واحد، وهموم مشتركة، وتاريخ متصل اجتمعت فيه أجناس مختلفة وثقافات متعددة امتزجت وتوحدت، وصـارت جسدا حيا يعيش ويعمل، ويعبّر عن ذاتـه، ويكشف عن طاقاته، ما دام وفيا لصورته التي ظهر بها للوجود، فإن فقدها فبأي صورة ينشط ويزدهر؟ *** هـذا الخوارزمي الـذي استشهدت به في السطور السابقة، مَــن يكون؟ ما هو أصله؟ وكيف أصبح عَلَما من أعلام الثقافة العربية؟ الخوارزمي أصله من خوارزم في تركستان. وُلد في النصف الأخير من القرن الـثـامـن المــيــادي، ووجـــد أمـامـه الـطـريـق مفتوحا إلــى بـغـداد فـرحـل إليها فـي أيـام المأمون، واستطاع بتشجيع من هذا الخليفة العباسي المثقف أن يدخل خزانة كتبه وينقطع فيها للقراءة والبحث، وهكذا تبحَّر في الرياضيات والفلك والجغرافيا والتاريخ، وجمع في هـذه العلوم بين تـراث الهند وتــراث اليونان، وبهذه الثقافة الجامعة اكتشف عِلم الجبر الذي أصبح ينسب له في العالم كله. وهو، كما يحدثنا عنه الذين أرَّخـــوا للفكر العربي، هو الـذي عـرّف العرب والغربيين بنظام الترقيم الـهـنـدي. وقــد اشتق الغربيون مـن اسمه اسما لـأرقـام التي سموها «ألــغــورزم»، وهكذا أصبح هذا المهاجر التركستاني واحدا من العباقرة العرب المعدودين. والــــذي يـقـال عــن الــخــوارزمــي يـقـال عــن ابـــن خــلــدون الـــذي لــم يـكُــف عــن السفر والتنقل منذ وُلـد في تونس في القرن الرابع عشر الميلادي لعائلة أندلسية حتى رحل. انكب على القراءة في علوم اللغة والدين، وفي الشعر والمنطق والفلسفة حتى تولى وهو لم يزل في العشرين من عمره ديوان الرسائل لحاكم تونس، ومنه إلى حاكم فاس في المغرب، ومنه إلى حاكم تلمسان في الجزائر، ومنه إلى بني الأحمر في غرناطة. وكان في الخمسين من عمره حين قرر أن يحج لبيت الله الحرام فسار حتى وصل إلى مصر فعُرض عليه القضاء على المذهب المالكي فقبله. لكن الفقه بالنسبة لابن خلدون كان ثقافة عامة، أما عبقريته فظهرت في بحوثه التاريخية التي خرج منها بكتابه المشهور «كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، وأهم ما في هذا الكتاب مقدمته التي تحدث فيها عن قوانين واكتشف حقائق قام عليها «علم الاجتماع» الذي أصبح ينسب لابن خلدون في العالم كله. والــــذي قـلـنـاه عــن الــخــوارزمــي وابـــن خــلــدون نـقـولـه عــن غيرهما مــن الـشـعـراء والفقهاء والعلماء العرب الذين كانت حياة كل منهم رحيلا متواصلا وعملا دائبا وسعيا حثيثاً، ويكفي أن نشير إلى الإمام الشافعي، وللبخاري، وللشعراء المتنبي وأبي تمام، وابن هانئ الأندلسي، وغيرهم كثيرون. *** هل كان بوسع الخوارزمي أن يكتشف «الجبر» إذا ظل في تركستان ولم يرحل إلــى بـغـداد ولــم يُــتـح لـه أن يحصّل مـا حصَّله مـن علم وتـجـربـة؟ وهــل كــان بوسع ابن خلدون أن يصل إلى ما وصل إليه في فَهم التاريخ والكشف عن قوانين «علم الاجــتــمــاع» إذا ظــل مقيما فــي تــونــس حـيـث ولـــد ولـــم يــدخــل هـــذه الــتــجــارب التي دخلها في البلاد التي تنقل فيها بين المشرق والمغرب، وبين العرب والبربر، وبين الأندلسيين والمصريين؟ لا أقـول إن الثقافة تنهض وتزدهر بهذا الشرط وحـده وهـو التنقل والترحل والاتـصـال بالآخرين، فلا شك في أن الثقافة تحتاج إلـى أكثر من هـذا الشرط كي تزدهر. تحتاج إلى السؤال وإلى البحث عن الجواب، والاحتكام للعقل والتجربة، وتحتاج أيضا إلى الاتصال بالثقافات الأخرى والانتفاع بما حصَّله الآخرون. وفي ضـوء هـذه الشروط ننظر في أوضاعنا الثقافية الراهنة، وقـد أصبحنا نملك كل الوسائل والأجهزة والمؤسسات التي تمكننا من الاطلاع، والتواصل، والمشاركة في النشاط الذي يجمع بيننا كما كان يحدث إلى الوقت الذي كان فيه الشعراء العرب يجتمعون ليبايعوا شوقي أميرا لهم، وكان خليل مطران يُنسَب للبنان ومصر معا ويسمَّى «شاعر القطرين»، وكان الشعراء المهجريون ينظمون أشعارهم في المهجر لتحملها الصحف والكتب إلى قرائهم في المشرق والمغرب، وكان محمد عبد الوهاب يغني قصائد الأخطل الصغير وإيليا أبـي ماضي كما كـان يغني قصائد شوقي وعلي محمود طه، وكان الأخطل الصغير ينظم لعبد الوهاب قصائد يجمع فيها بين العامية المصرية والفصحى «يـا ورد مين يشتريك». وكــان الشاعر التونسي أبـو القاسم الشابي مـقـروءا في المشرق كما كـان مـقـروءا في المـغـرب. وكانت مجلة «الرسالة» تحتجب في مصر لتحل محلها مجلة «الآداب» في لبنان. ولا أظن أني في حاجة إلى أمثلة أكثر؛ لأنها لا تُحصى، ولأنها معروفة لدى معظم القراء. والآن، وقد أصبحنا نملك كل الوسائل التي تمكننا من الاطـاع على الإنتاج الثقافي في أي قُطر عربي نسأل أنفسنا: ما الذي نعرفه نحن في المشرق العربي عن الثقافة في المغرب العربي؟ والــجــواب هـو لـأسـف الـشـديـد أنـنـا لا نـعـرف إلا القليل عما يقدمه أشقاؤنا المغاربة. ولا أظن أن الجواب سيختلف كثيرا إذا سألت القارئ في أي قطر عربي عما يعرفه عن الثقافة في أي قطر آخر في المشرق أو في المغرب! «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ صــــدر الـــعـــدد الـــخـــامـــس عــشــر مـــن «مـجـلـة الأديــــب الـثـقـافـيـة»، وهـــو عـــدد خـــاص بالشاعر الـــعـــراقـــي عــــدنــــان الـــصـــائـــغ، وقـــــد أســـهـــمـــت فـيـه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجـــــانـــــب بــجــمــلــة مــــن الـــبـــحـــوث والـــــدراســـــات والشهادات المختلفة. ويــأتــي هـــذا الــعــدد الـــخـــاص، كـمـا ذكـــر في الافـتـتـاحـيـة بـمـثـابـة امـــتـــداد لـسـيـاسـة «الأديــــب الـــثـــقـــافـــيـــة» فــــي الـــنـــظـــر إلـــــى الـــشـــاعـــر والـــكـــاتـــب والمفكر على أنـه ثـروة وطنية أو قيمة عليا في هـرم الثقافة العربية. ولكل ذلـك سـوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دال على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأنـنـا نــرى أن هــذا الاحـتـفـاء جــزء مـن رسالتنا الثقافية إلى العالم». وتــضــمــن الـــعـــدد الـــخـــاص حــقــلــن؛ «حـقـل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكـــتـــور عــلــي عـــز الــــديــــن/ عـــبـــاس عــبــد جــاســم/ دكـتـور رشــا الــفــوال/ دكـتـور وســن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف ســلــمــان/ دكـــتـــور فــائــز الـــشـــرع / دكـــتـــور رحـمـن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خـلـف الـــيـــاس/ أحـمـد الـعـجـمـي/ دكــتــور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون. وفــــي حــقــل «شــــهــــادات» كــتــب دكـــتـــور علي جعفر الـعـاق/ دكـتـور جني لويس مـن جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي. أمـــا الــدكــتــور بــشــرى مــوســى صـــالـــح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقــــــد جــــــاء فـــيـــهـــا: «لا يـــكـــتـــب عــــدنــــان الـــصـــائـــغ قصيدته كتابة مشتقة مـن الـحـضـور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نــحــو مــخــتــلــف، فـقـصـيـدتـه مـــمـــهـــورة بـالـغـيـاب بوصفه بقاء مـؤجـاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعا للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهدا على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثـرا إنسانيا وجوديا ينجو من المحو بالانكتاب». و«الأديـــــب الـثـقـافـيـة» مجلة دوريــــة تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية. بغداد: «الشرق الأوسط» متحف الفن الحديث في استوكهولم ينظم معرضا لأعماله براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية غالبا مـا يفشل المــرء فـي القبض على ســـحـــر المـــشـــهـــد وتــــأثــــيــــره الـــعـــاطـــفـــي حـن يصوِّره. لا لأن الصورة تخون متعة النظر بــل لأنَّــهــا تـحـتـاج إلـــى عــن خـبـيـرة مفعمة بـــالإلـــهـــام تـعـيـنـهـا عــلــى اســـتـــخـــراج مــواقــع الـــجـــمـــال الــخــفــيــة الـــتـــي تـــمـــارس تــأثــيــرهــا. في كل زيـاراتـي لباريس وهـي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفيا بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أن النتيجة لم تكن سـوى عبارة عن صـور فاشلة لا ترقى إلى مـسـتـوى الـلـحـظـة الـشـعـريـة الــتــي عشتها. أمــا حـن زرت مـعـرض «بــراســاي وعـامـات بـــــاريـــــس الــــســــريــــة» الــــــــذي يـــقـــيـــمـــه مـتـحـف الــفــن الـحـديـث فــي اسـتـوكـهـولـم «مـوديـرنـا مـــيـــوزيـــت» فــإنــنــي شـــعـــرت بـــأنـــي أسـتـعـيـد بـاريـس الـتـي غـرمـت بأزقتها، و«سينها»، ومــــبــــانــــيــــهــــا، ومــــقــــاهــــيــــهــــا، وحــــانــــاتــــهــــا، وجـــــســـــورهـــــا، وأســــــواقــــــهــــــا، وأرصــــفــــتــــهــــا، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها الـــســـريـــة، وواجــــهــــات كـنـائـسـهـا، ونــاســهــا، وكــل مـا يمت بصلة إلــى الـحـيـاة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبيا إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي بــــاريــــس عـــلـــى حــقــيــقــتــهــا، مـــديـــنـــة مـلـهـمـة ومـتـمـردة وعصية على الـوصـف وخيالية فـــي إلــهــامــهــا، غــامــضــة فـــي جــمــالــهــا. ولأن بــــراســــاي كـــائـــن لــيــلــي، فــقــد صـــــوَّر بــاريــس فـــي الــلــيــل مـتـلـصـصـا عــلــى أســــرارهــــا. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بـطـريـقـة سـيـئـة. عـــرف بـــراســـاي كـيـف يقيم عــالمــه فـــي المـنـطـقـة الــتــي تـبـقـي الــجــمــال في عـفـتـه، نـقـيـا وخـفـيـفـا ومـنـدفـعـا فـــي اتـجـاه الـــدفـــاع عــن بـــراءتـــه. لـقـد أدرك بـــراســـاي أن بــاريــس، وهــو ليس ابـنـهـا، مثلها مثل كل المـدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخـاقـيـة والجمالية غير أن سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكرا إلى تصويرها ليلا لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد. القادم من المجر بلغة بصرية جديدة علينا أولا أن نـتـعـرَّف عـلـى بــراســاي. فـمَــن هــو ذلـــك المــصــور المـلـهـم الـــذي صنعت لـه عبقريته مـكـانـة مهمة بـن صـنـاع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لــذوي المـواهـب العظيمة بــأن يـغـزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصـــامـــوئـــيـــل بــيــكــيــت، وجـــــــورج شـــحـــادة، وسيوران، وأمين معلوف؟ ) هـــو الاســـم 1984 - 1899( بـــراســـاي المــســتـعــار لــجـيــولا هـــــالاس، الــــذي نـشــأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءا من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بـعـد دراســتــه فــي بـودابـسـت وبــرلــن انتقل إلـــى بــاريــس فــي الـخـامـسـة والـعـشـريـن من وعمل في البداية صحافياً. 1924 عمره عام وجاءت انطلاقته الكبرى مصورا مع كتابه ) الـــذي نُشر Paris de nuit( »ً «بــاريــس لـيـا ويمكن الـعـثـور فـي هــذا الكتاب 1933 عــام عـــلـــى كــثــيــر مــــن أشـــهـــر مـــوضـــوعـــاتـــه؛ مـثـل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقــــاعــــات الــــرقــــص، والـــفـــنـــانـــن، والـــعـــمـــال، ورجـــــــال الـــشـــرطـــة، والـــلـــصـــوص الـــصـــغـــار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائما أنه «من براسو». بـــعـــد نــــجــــاح كـــتـــابـــه «بـــــاريـــــس لـــيـــاً» تـلـقَّــى بـــراســـاي طـلـبـات لـنـشـر مـــــواده الـتـي تضمَّنت صـــوره الأكــثــر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل الــنــشــر. لـــم يُــنــشَــر كــتــاب «بـــاريـــس الـسـريـة ، أي 1976 فــــي الـــثـــاثـــيـــنـــات» إلا فــــي عـــــام عاماً؛ استنادا إلـى مجموعة 40 بعد نحو بـــــراســـــاي الـــكـــبـــيـــرة مـــــن الـــــصـــــور. انـــخـــرط بـــراســـاي فـــي الأوســــــاط الـفـنـيـة الـبـاريـسـيـة وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلـى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقــدرتــه على رصــد مـا هو غير متوقع وغير مألوف. وعـلـى الـرغـم مـن أنــه لـم يكن باريسيا فـــقـــد اســـتـــطـــاع أن يــتــســلــل خــفــيــة إلـــــى لـيـل بــاريــس بـكـل أســـــراره. أمـــا كـيـف فـعـل ذلــك؟ تـــقـــول آنــــا تــيــلــغــريــن، وهــــي أمــيــنــة متحف «مـوديـرنـا» فـي نَصِّها الــذي تضمَّنه دليل المــعــرض: «إن الــرجــل الـــذي يــرتــدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت ســوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعا من الخديعة. ذلك أن صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتديا في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفـي مقدمتهم ديـاكـروا حين رسـم رائعته «نـسـاء الـجـزائـر». كــان المشهد الـــذي رسمه ديلاكروا معدّا بطريقة مسرحية. في ليل عاصمة الحداثة الفنية يــضــم مـــعـــرض «بــــراســــاي - الــعــامــات صــــورة 160 الـــســـريـــة لـــبـــاريـــس» أكـــثـــر مــــن فـوتـوغـرافـيـة بــالأبــيــض والأســــــود. تــتــوزَّع مـحـاور رئيسية هـي: مدينة باريس 3 بـن بــســكــانــهــا ومـــحـــيـــطـــهـــا، وصــــــور الــفــنــانــن والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتـوثـيـقـه لـفـن الـغـرافـيـتـي الــــذي ظـهـر على جدران وجسور المدينة. كــــان بــــراســــاي الـــــذي يُـــعـــد أحــــد أشـهـر المـــصـــوريـــن فـــي تـــاريـــخ الــتــصــويــر ينطلق بـكـامـيـرتـه فـــي جـــــولات لـيـلـيـة طــويــلــة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَــــزامَــــن ذلــــك مـــع تـــحـــول مــديــنــة الـــنـــور إلــى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنـحـاء الـعـالـم لـإقـامـة؛ سعيا وراء الحياة والـثـقـافـة والــشــهــرة. بـيـكـاسـو وهـمـنـغـواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالـي وشاغال ومـاتـا وأنـــس نـن وهـنـري ميلر. فـي الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الــــــشــــــوارع الـــخـــلـــفـــيـــة وهــــــو مــــا سُــــمــــي «فـــن الغرافيتي». ــ 1890( سوف تكون المقارنة بمان راي ) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية 1976 في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أن الأول كان ضيفا أميركيا بينما كان الـثـانـي هــو الأشـــد انـــشـــدادا إلـــى باريسيته عـلـى الــرغــم مــن أنَّـــه لــم يـكـن فـرنـسـيـا، وهـو الأكـــثـــر درايــــــة بــــأســــرار المـــديـــنـــة فـــي عـالمـهـا الـــســـفـــلـــي. ولأن مـــــان راي قــــد انـــتـــمـــى إلـــى الحركة السريالية بوصفه رساما ومخترعا لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية. المصور الذي احترم كائناته فــي عــالــم بـــراســـاي تــبــدو الـحـيـاة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءا حيويا من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عـمّــا هـو مسموح بـه أخـاقـيـا واجتماعياً. يـنـصـرف الجميع إلـــى مــا هــم فـيـه مــن غير أن يـشـعـروا بـالـحـرج أمـــام عـدسـة الكاميرا وكأنها غير مــوجــودة. وفــي ذلــك مـا يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اخــــتــــراق ذلــــك الـــعـــالـــم الــلــيــلــي الـــســـري بكل طمأنينة وهـدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟ تــقــول آنــــا تـيـلـغـريـن: «مــــا زلــــت أعـتـقـد أن هــنــاك نــوعــا مـــن الاحــــتــــرام، ولـــم يـصـوّر براساي سرا قط. لكن من الواضح أنه كان مصورا وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لـكـن مــع ذلـــك لا يـــزال هـنـاك نـــوع مــن الفخر فيهن». لا بــــد أنـــــه كـــــان يــتــمــتــع بــــقــــدرة نـــــادرة على الانـدمـاج فـي مختلف البيئات، وكـان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أن ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقا وهـــو مــا يضعها فــي سـيـاق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها. تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الــــــذي يـــحـــرصـــون عـــلـــى إبـــقـــائـــه فــــي الـــظـــل. لــم يـكـن الأمــــر بـريـئـا تــمــامــا». الــشــك هـنـا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلـغـاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة. فاروق يوسف ) وهو الاسم المستعار 1984 - 1899( براساي لجيولا هالاس من صور براساي أدرك براساي أن باريس مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أن سحرها المدهش هو الغالب
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky