Issue 17309 - العدد Sunday - 2026/4/19 الأحد اسـتـمـعـت قـبـل فـــتـــرة وجـــيـــزة عـبـر إحـــدى الــقــنــوات إلـــى تحليل لـغـيـث الـتـمـيـمـي المنشق عـــن الـــتـــيـــار الــــصــــدري، الـــــذي أصـــبـــح مـــن أشــد المعارضين للنفوذ الإيراني في وطنه بالعراق والعالم العربي. في هذا الحوار قدم التميمي طرحا مثيرا للجدل؛ إذ ادعـى أن أحـد المصادر الدينية الشيعية المقربة من النظام الإيـرانـي، ســربــت لـــه أن مـجـتـبـى أصــيــب مـــع والـــدتـــه في القصف الأميركي - الإسرائيلي، وبعد دخوله إلـــى المـسـتـشـفـى، اخـتـفـى تــمــامــا. وأن الـحـرس الــثــوري كــان هـدفـه الاسـتـراتـيـجـي مـن هــذا هو أن يــكــون «طُــعــمــا مــضــلــاً» لـــــإدارة الأمـيـركـيـة والإسرائيلية بحيث تستهدف شخصا شبحاً، بـيـنـمـا فـــي الـحـقـيـقـة مـــن يــديــر المـشـهـد هـــو آيـة الله عرافي الـذي لم تصرح الحكومة الإيرانية بـاسـمـه، حتى يـكـون محصنا مـن الاسـتـهـداف الأمــيــركــي - الإســرائــيــلــي، فـــي إطــــار مـــا يُــعـرف باستراتيجية «الرنجة الحمراء» القائمة على تــشــتــيــت الـــخـــصـــم وتـــوجـــيـــهـــه نـــحـــو مـــســـارات وهمية. وخـــال نـقـاش مـع أحــد كـبـار الـخـبـراء في الــســيــاســات الإيـــرانـــيـــة والــفــكــر الـشـيـعـي، ممن يمتد اشتغالهم لأكثر من خمسين عاماً، حول مـا ينطوي عليه هــذا، شــدّد على أن مـا طرحه التميمي، وإن بدا قريبا من سرديات المؤامرة، إلا أنــــه يـكـتـسـب مــعــنــى أعـــمـــق إذا فُـــهـــم ضمن أنماط التفكير السياسي - العقائدي في النظام الإيراني، حيث لا تُختزل السياسة في بعدها الواقعي، بل تتداخل مع أبعاد رمزية وعقدية مـركّــبـة. وأشـــار إلــى أن هــذا النمط مـتـجـذّر في الـبـنـيـة الاثـــنـــي عــشــريــة، ويــتــجــلّــى عــبــر ثـاثـة تـــصـــورات مـتـرابـطـة: الإمــــام الــغــائــب، والمــهــدي المـــنـــتـــظـــر، و«المـــــرشـــــد المـــخـــتـــفـــي» فــــي الـــســـيـــاق الــــراهــــن. وفــــي اعـــتـــقـــادي الــشــخــصــي أن الأول يحيل إلـى المـاضـي بوصفه مـصـدرا للشرعية، والــثــانــي يـجـسّــد أفـــق المـسـتـقـبـل واســتــمــراريــة النظرية، بينما يتجسّد الثالث كنقطة اتصال بــالــحــاضــر، بـوصـفـه امـــتـــدادا وظـيـفـيـا ونـائـبـا يربط بين هذين البعدين الزمنيين. والــــحــــق أن المــفــاهــيــم الـــتـــي طــرحــهــا هــذا الـخـبـيـر تـنـطـوي عـلـى دلالات بـالـغـة الأهـمـيـة. فمن حيث الزمن الماضي، لا يبدو الإمام الغائب مجرد فكرة دينية، بل يتجسّد بوصفه مصدر الشرعية التي يقوم عليها بناء ولايـة الفقيه، حيث يتولى المرشد «ولي الفقيه» موقع النائب عـــن ســلــطــة أصــلــيــة غــيــر مـــرئـــيـــة. وتـــبـــرز هــذه البنية بوضوح في خطاب النخبة؛ إذ تكشف رسـالـة التعزية المنسوبة إلــى مجتبى لـوالـده عن عمق تغلغل فكرة «الحكم من وراء حجاب» في الوعي السياسي الاثني عشري، حين وجّه التعزية إلى «سيده صاحب العصر عجل الله تعالى فـرجـه الـشـريـف» مـتـوسـا الــدعــاء منه، وهي صيغة مألوفة داخل هذا النسق الفكري. وهـنـا تصبح سلطة الإمــــام الـغـائـب مــزدوجــة: ظـــاهـــرهـــا ســـيـــاســـي، وبــاطــنــهــا ديـــنـــي مــؤجــل، ويــرسّــخ قابلية تقبّل أن الـحـاكـم الحقيقي قد لا يــكــون هــو الـظـاهـر فــي الــواجــهــة. ومـــن هـذه الـنـقـطـة تــحــديــداً، ينتقل المـنـطـق إلـــى مستوى أعمق، حيث لا يعود الغياب حالة مؤقتة، بل يتحول إلى بنية زمنية مستمرة، تربط الماضي بالمستقبل عبر اشتباكها مع النظرية الأخرى المتمثلة بفكرة المهدي المنتظر. وعـلـى عـكـس الإمــــام الـغـائـب فــي المـاضـي، تتجلّى صـورتـه الأخـــرى فـي الأفـــق المستقبلي بـوصـفـه المــهــدي المـنـتـظـر، حـيـث تــقــدّم الــروايــة الشيعية الاثـنـا عشرية سرديتها حــول ولادة الإمام الغائب محمد بن الحسن المهدي - الإمام الـــثـــانـــي عــشــر وابـــــن الــحــســن الــعــســكــري - في م)، في 869 أواخر القرن التاسع الميلادي (نحو سـيـاق سياسي كـانـت فيه السلطة العباسية تتحسب لفكرة ظهور «المهدي» بوصفه تهديدا مستقبليا محتملا لمـيـزان الـحـكـم. فبعد وفـاة والـــــده الإمـــــام الـــحـــادي عــشــر، لـــم يـظـهـر الإمـــام الــثــانــي عــشــر مـحـمـد بـــن الــحــســن المـــهـــدي كما ظهر من سبقه نتيجة الملاحقة العباسية التي اسـتـهـدفـت اغـتـيـالـه، بــل دخـــل فــي طـــور الغيبة الـــصـــغـــرى، حــيــث اســتــمــر الـــتـــواصـــل مــعــه عبر وسطاء محددين، قبل أن تنقطع أخباره تماما م، وهي 941 مع بداية الغيبة الكبرى منذ عـام الحالة التي ما تزال مستمرة حتى اليوم. ومــنــذ ذلـــك الــتــحــول، يـتـأسـس الـتـصـور العقدي على فكرة استمرار الغياب بوصفه امـــــتـــــدادا زمـــنـــيـــا مـــتـــصـــا يــعــبــر مــــن المـــاضـــي نحو المستقبل، لا حـدثـا عـابـرا منفصلا عن سياقه. ففي العقيدة الشيعية الاثني عشرية، يُعتقد أن محمد بن الحسن المهدي، المعروف بــ«المـهـدي المنتظر»، لا يــزال حيّا رغـم مضي أكــثــر مـــن اثــنــي عـشـر قــرنــا عـلـى غـيـبـتـه منذ القرن الثالث الهجري، إذ يُؤوَّل امتداد عمره، على نحو يتجاوز القوانين الطبيعية المُحتمة لفناء الـكـائـنـات الـحـيّــة، بوصفه فـعـا إلهيّا مؤسَّسا على حكمة الغَيبة، ومتصلا بمنطق الانتظار إلـى حين تحقّق لحظة الظهور في آخــــر الـــزمـــان لإقـــامـــة الـــعـــدل. وهــــذا يـعـنـي أن هــذه الشخصية تعيش فـي الـوعـي الشيعي بــــوصــــفــــن لــــشــــخــــص واحــــــــــد؛ فــــهــــو «الإمــــــــام الغائب» من حيث حالته الماضية (الاختفاء وعدم الظهور)، وهو في الوقت نفسه «المهدي المنتظر» من حيث دوره المستقبلي؛ إذ يُعتقد أنه سيعود ليملأ الأرض عدلا بعد أن مُلئت جــوراً؛ أي أن الفرق ليس في الشخصية، بل في الامتداد الزمني: ماض غائب، ومستقبل مُـــنـــتـــظَـــر. وبـــــذلـــــك، لا تــــبــــدو فــــكــــرة «المــــهــــدي المنتظر» منفصلة عـن «الإمــــام الـغـائـب»، بل تــمـــثّـــل امـــــتـــــدادا عــضـــويـــا لــهـــا حـــيــث يـتـحـول الغياب من واقعة تاريخية إلـى بنية عقدية دائمة، تُعيد تشكيل تصور الزمن والسلطة، وتؤسس لانتظار مستقبلي مؤجل. ولا تــكــتــفــي ســـرديـــتـــا «الإمـــــــــام الـــغـــائـــب» و«المـــهـــدي المـنـتـظـر» بـإضـفـاء بــعــد روحــــي، بل تؤسّسان لقبول عملي لفكرة «الغياب الحي»، أي افـــتـــراض وجــــود قـــيـــادة غـيـر مـرئـيـة يُبنى عـلـيـهـا الــفــعــل الـــســـيـــاســـي، عــلــى نـــحـــو يجعل الامتداد الزمني لهذه الفكرة ممتدا بين ماض مـؤسِّــس للشرعية ومستقبل مـؤجَّــل للتحقق. وبــــهــــذا المـــعـــنـــى، لا تــــعــــود الأســـــطـــــورة مــجــرد حكاية، بل تتحوّل إلـى إطــار إدراكـــي يُعاد من خلاله تفسير الواقع وإضفاء المشروعية على بنيته. ومن هنا، يغدو الانتقال إلى بعد زمني ثالث أمـرا منطقياً، حيث تتجلّى إعــادة إنتاج مــعــاصــرة لـــهـــذه الــفــكــرة فـيـمـا يـمـكـن تسميته «المـــــرشـــــد المــــخــــفــــي»، بـــوصـــفـــه تـــمـــثـــيـــا لــلــزمــن الحاضر الــذي يربط بـن «الإمـــام الـغـائـب» في الماضي و«المهدي المنتظر» في المستقبل. ومــــن هـــنـــا، لا يـــبـــدو طــــرح وجـــــود المــرشــد المـخـفـي - مجتبى - فــكــرة مـعـزولـة عــن النسق الزمني، بل امـتـدادا مباشرا للحلقة الحاضرة فـي هــذه البنية الـفـكـريـة. فـــإذا كـانـت الشرعية تتأسس على الإمـام الغائب في الماضي، وكان الوعي الجمعي الاثنا عشري يتقبّل حضوره رغــم غيابه وبقائه حـيّــا منذ اثـنـي عشر قرناً، مع ترقّب ظهوره في المستقبل بوصفه المهدي المنتظر، فـإن افتراض وجـود مرشد أعلى غير مــعــلــن عــنــه فـــي الـــحـــاضـــر - يـــنـــوب عـــن الإمــــام الـغـائـب فـي دهـالـيـز المــاضــي، ويمهد الأرضـيـة لاســتــقــبــال المـــهـــدي المــنــتــظــر مـسـتـقـبـا - يحل مـــحـــل الـــقـــيـــادة الــــظــــاهــــرة، يــصــبــح أمــــــرا قـــابـــا للتصديق. بل إن احتمال وفــاة القائد المُعلن، مـجـتـبـى، أو عــجــزه، مــع الإبـــقـــاء عـلـى صـورتـه واجـــهـــة للتضليل الاســتــراتــيــجــي، بـمـا يحول دون استهداف القيادة الفعلية المتمثّلة في آية الله عرافي - إن صحّت رواية التميمي - ينسجم مع نمط يجمع بين الخداع الاستراتيجي وهذه البنية السياسية - الدينية. في المحصلة، فإن ما أشار إليه هذا الخبير اقتصر على المفاهيم الثلاثة - الإمــام الغائب، والمــهــدي المـنـتـظـر، والإمــــام المـخـفـي - بوصفها مداخل تفسيرية لهذا النمط من التفكير، هو مـــا حــفّــزنــي عـلـى تـتـبّــعـهـا وبـــنـــاء قـــــراءة تصل بينها ضمن إطــار تحليلي واحـــد. ومــن خلال هذا الربط، يتبي أن القاسم المشترك بينها لا يتمثّل في غياب اعتباطي، بل في توظيف هذا الغياب بوصفه أداة استراتيجية ضمن أدوات ممارسة السلطة. ولا يــقــتــصــر هـــــذا الـــغـــيـــاب عـــلـــى تـشـكـيـل الـــوعـــي الــعــقــدي أو الآيـــديـــولـــوجـــي، بـــل يـــؤدي وظـــيـــفـــة مــــــزدوجــــــة: تـــرســـيـــخ الــــتــــصــــورات فـي الــداخــل، وإربــــاك إدراك الـخـصـوم فـي الـخـارج، بما في ذلك القوى المعادية كالولايات المتحدة وإســـرائـــيـــل، عـبـر امـــتـــداد زمــنــي مـتـصـل يشمل المـــاضـــي والـــحـــاضـــر والمــســتــقــبــل. وبــــنــــاء على ذلــــــك، يــمــكــن فـــهـــم هـــــذه المـــفـــاهـــيـــم ضـــمـــن نـسـق وظـــيـــفـــي مـــتـــكـــامـــل؛ فــــالإمــــام الـــغـــائـــب يـــؤسّـــس لمصدر الشرعية في الماضي، والمهدي المنتظر يرسّخ استمرارية الفكرة في المستقبل، بينما يتكفّل «الإمام المخفي» بإعادة إنتاجها كسلطة سياسية في الحاضر. وبهذا المعنى، لا تعود «الأسطورة الدينية ذات الـدلالات السياسية» مجرد عنصر رمزي، بـــل تــتــحــول إلــــى جــــزء فـــاعـــل مـــن آلـــيـــات إدارة السلطة. والمـفـارقـة أن هــذا النمط مـن التفكير - الـــذي يـقـتـرب فــي بنيته مــن هـــذه الـتـصـورات - لا يــــزال حـــاضـــرا ومـــؤثـــرا فـــي الـــقـــرن الــحــادي والعشرين. عـلـى أهـمـيـة كــتــاب «حـــضـــارة فـــي طــريــق الـــــزوال: الــقــريــة الـلـبـنـانـيـة» لأنــيــس فـريـحـة وعــلــى ريـــادتـــه في مـــوضـــوعـــه، حـــيـــث إنـــــه أول دراســـــــة أثـــنـــوغـــرافـــيـــة عـن القرية اللبنانية، فإنه لم يحظ بتقديم عـروض له ولا بتعليقات على بعض ما ورد فيه منذ صدوره في عام ، سوى عرض صغير كتبه محمد وهبي في مجلة 1957 ، تضمن تحفظات 1958 ) فبراير (شباط 1 «الآداب» في نقدية. إن ما كتب عنه من تاريخ صــدوره إلـى يومنا هذا - إذا استثنينا ما كتبه محمد وهبي عنه - ليس أكثر من إشارات قصيرة له مع تثمين لموضوعه. المثير للانتباه أن الـذيـن تـعـرضـوا لـذكـر الكتاب أخـفـقـوا فــي تـحـديـد جـنـسـه أو هـويـتـه الـعـلـمـيـة. فمن قــائــل بــأنــه دراســـــة اجـتـمـاعـيـة إلـــى قــائــل بــأنــه دراســـة أنثروبولوجية إلى قائل بأنه دراسة أثنولوجية. الذي قال بأنه دراسة اجتماعية أظنه اعتمد على قـــول أنـيـس فـريـحـة فــي مـقـدمـة الـكـتـاب: «كـــان غرضنا فــي الـــدرجـــة الأولـــــى إثـــــارة المـــوضـــوع وتــبــيــان أهميته الاجتماعية آملين أن تؤدي إثارة الموضوع إلى ترغيب طلاب الاجتماع للمزيد من البحث والجمع على أسس أدق». والـــــــذي قـــــال بـــأنـــه دراســـــــة أنـــثـــروبـــولـــوجـــيـــة، قـد يـــكـــون مــنــشــأ الـــلـــبـــس عـــنـــده أن الأنـــثـــروغـــرافـــيـــا فـــرع قــديــم مــن الأنــثــروبــولــوجــيــا، وأن جـــذورهـــا نـابـعـة من الأنـــثـــروبـــولـــوجـــيـــا الاجـــتـــمـــاعـــيـــة والأنـــثـــروبـــولـــوجـــيـــا الثقافية. في أواخر القرن التاسع عشر بدأ علم الأثنوغرافيا، وكـــذلـــك عــلــم الأثـــنـــولـــوجـــيـــا تـــدريـــجـــيـــا، يــســتــقــان عن الأنثروبولوجيا التي كانت علما نظريا فيزيقياً، ثم اتسع هذا العلم في العقد الثالث من القرن العشرين. وبعد اتساع حقل الأنثروبولوجيا بدأت الأثنوغرافيا والأثنولوجيا تقتربان من الأنثروبولوجيا مرة أخرى. والـــذي قــال بــأن الـكـتـاب دراســـة أثـنـولـوجـيـة، قال بهذا، نظرا للتداخل بين الأثنوغرافيا والأثنولوجيا. الأثـنـوغـرافـيـا انفصلت عـن الأثـنـولـوجـيـا فـي النصف الثاني من القرن الثامن عشر. ويشترك هذان العلمان بـــأنـــهـــمـــا مـــعـــنـــيـــان بـــــدراســـــة المـــجـــتـــمـــعـــات الـــصـــغـــيـــرة. الأثــنــوغــرافــيــا تـــــدرس كـــل مـجـتـمـع صـغـيـر عــلــى حــدة دراسة ميدانية. والأثنولوجيا تدرسها دراسة نظرية تحليلية مع المقارنة بين ثقافة وثقافة أخرى. مـــرد هـــذا الـلـبـس والاخـــتـــاط فــي تـوصـيـف مــادة كـتـاب «حــضــارة فـي طـريـق الــــزوال: الـقـريـة اللبنانية» توصيفا دقـيـقـا أن مــن كـتـب عـنـه عـرضـا قـصـيـرا ومـن أشـــــاروا إلــيــه إشـــــارة قـصـيـرة كـــانـــوا مـــن المـثـقـفـن ولـم يكونوا مـن المتخصصين فـي علم الاجتماع وفـي علم الأنثروبولوجيا. تعرضت المجتمعات العربية في مصر وفي بلدان شــمــال أفـريـقـيـا وفـــي بـــلـــدان الـــشـــام مـنـذ أواخـــــر الـقـرن الـتـاسـع عشر إلــى دراســــات أثـنـوغـرافـيـة كــان روادهـــا، كما في علوم أخـرى، المستشرقون. بعضها عن الدين وبعضها عن المعتقدات الشعبية أو الدين الشعبي. ففي الدين - على سبيل المثال - تعاون أدولف در مع الأب هنري لامانس في دراسة أثنوغرافية عن الدين النصيري. وألّف هنري غي كتابين عن الدين الدرزي. وفي المعتقدات الشعبية أو الدين الشعبي كتبت ل. إينزلر عن المعتقدات الفلسطينية كالعين الشريرة. واشـــتـــركـــت مــــع إ. ابـــيـــا فــــي دراســـــــة عــــن الاســـتـــخـــدام السحري لأسماء الله الحسنى. وكتب جولدزيهر عن العادات التقوية المتعلقة بالقديسين والأولياء. ولتوفيق كنعان، الطبيب الفلسطيني، دراسـات أثــنــوغــرافــيــة عـــديـــدة مـيـدانـهـا المـجـتـمـع الفلسطيني، أغــلــبــهــا بــالــلــغــة الإنــجــلــيــزيــة، والــقــلــيــل مـنـهـا بـالـلـغـة الألمـــانـــيـــة نـــشـــرهـــا بـــمـــجـــات اســـتـــشـــراقـــيـــة إنــجــلــيــزيــة وألمـــــانـــــيـــــة. وقــــــد بــــــدأ هــــــذه الـــــــدراســـــــات فـــــي أول عـقـد العشرينات الميلادية. ومـن هـذه الـدراسـات «الينابيع المسكونة وعـفـاريـت المـيـاه فـي فلسطين»، و«الـجـن في بلاد الإنجيل»، و«اللعنة في الفلكلور الفلسطيني». فــــي قـــائـــمـــة مــــراجــــع كـــتـــابـــه بـــالـــلـــغـــات الأجــنــبــيــة، عــــــــــــاد أنـــــــيـــــــس فــــــريــــــحــــــة إلــــــــــــى ســـــــــت دراســــــــــــــــــــات مـــن دراســــــــات تـــوفـــيـــق كـــنـــعـــان. واحـــــــدة بــالــلــغــة الألمـــانـــيـــة والأخريات باللغة الإنجليزية. الـــعـــربـــي الآخـــــر الـــــذي رجــــع إلــــى كـــتـــاب لـــه ضمن هــذه القائمة، هـو عفيف طـنّــوس، والـكـتـاب هـو كتابه «مجتمع القرية العربية في الشرق الأوســط» الصادر . وهـــذا الـكـتـاب يقع من 1944 باللغة الإنجليزية عــام حيث صنفه ضمن نطاق علم الاجتماع الريفي، الذي كان عفيف طنّوس متخصصا فيه. امـتـدح محمد وهـبـي كـتـاب أنـيـس فريحة، فقال: «وبوسعنا اعتبار هـذا الكتاب مـن الكتب الضرورية الـتـي يـحـتـاج إلـيـهـا الـفـكـر الـعـربـي الــبــاحــث. وهـــو في الواقع من أثمن ما يقدم لطلبة علم الاجتماع في بلادنا. والــكــتــاب لا يمثل دراســــة بـالمـعـنـى الـعـمـيـق لـلـدراسـة، مــن حـيـث الـبـحـث والتحليل والمـنـاقـشـة والاسـتـنـتـاج، وإنما قوامه الوصف: فهو يقدم صورة دقيقة مفصلة لـشـؤون محلية مـن المجتمع الــذي يتناوله، ولــذا فهو مادة غزيرة يجد فيها طالب علم الاجتماع ثروة يبني عليها بحثه وتحليله، ولعله أول كتاب عربي يظهر في هذا الباب». يــتــضــح مــــن قـــــول هـــــذا أنـــــه عـــلـــى غـــيـــر عـــلـــم بـعـلـم الأثنوغرافيا، لا اسما لا مضموناً. فهذا العلم ليس من شأنه التحليل والمناقشة والاستنتاج، وإنما غرضه الوصف المستند إلى بحث ميداني. يـــخـــتـــلـــف كــــتــــاب أنــــيــــس فــــريــــحــــة الأثــــنــــوغــــرافــــي (حـــضـــارة فـــي طـــريـــق الـــــــزوال: الــقــريــة الــلــبــنــانــيــة) عن الدراسات الأثنوغرافية التي ذكرت بعض الأمثلة لها، بأن غايته خلق هوية قومية لبنانية، ترتكز على طرق العيش وأسلوب الحياة المـوروث في القرية اللبنانية وعـلـى مـأثـورهـا الشعبي، وعـلـى بنيتها الاجتماعية واحـتـفـالاتـهـا الجماعية، وعـلـى معمار الـبـيـوت فيها وعلى حقولها الزراعية المدرّجة. عارض محمد وهبي أنيس فريحة في استعمال لـفـظـة «حـــضـــارة»، فــقــال: «ثــبــت أن الــتــاريــخ لــم يعرف لـجـمـيـع شـــعـــوب الأرض أكـــثـــر مـــن ثــمــانــي حـــضـــارات بالمعنى الدقيق هي حسب تحديد اشبنجلر الحضارات المــصــريــة والـبـابـلـيـة والــهــنــديــة والـصـيـنـيـة والـقـديـمـة (اليونانية الرومانية) والعربية والمكسيكية». ثــم ســلّــم لــه بـبـعـض مــا قــالــه، فــقــال: «صـحـيـح أن الحضارة كما يلاحظ المؤلف ليست العلوم والمعارف، ولـــكـــن هــــذه مــنــهــا، وصــحــيــح أن الـــحـــضـــارة عــلــى حد قوله هي الآلة أو الصنع والبناء والعمران بل يفيض مدلولها عـن هــذه المفاهيم. ولـكـن هــذا لا يعني جـواز اســتــثــنــاء هــــذه المــفــاهــيــم وإخــــــراج الــعــلــوم مـــن مــدلــول الحضارة». لــــذا فـــإنـــه رأى أن فـــي عـــنـــوان الـــكـــتـــاب شــيــئــا من التجاوز. وهو تجاوز رأى أنه لا يتفق والروح العلمية التي أحب المؤلف أن يضفيها على مباحث الكتاب. يقول محمد وهبي: «ووجه التجاوز الذي يلمسه الـقـارئ يقوم على اعتبارين: أولاً، أن الكتاب يتناول الفلكلور فقط، فهو إذا لا يتناول حـضـارة مــا، وإنما يــتــنــاول وجـــهـــا حـــضـــاريـــا. ثــانــيــا، أن الــفــلــكــلــور الـــذي يعالجه الكتاب يختص بالقرية اللبنانية وحدها أي أنه جزء من شعب ولا يتناول شعبا بأكمله... وقد نقول إن هـذا التجاوز جائز بدعوى ما قد يتطلبه العنوان أحيانا من المعاني الأدبية الجذابة ولكن المؤلف يقرن في العنوان لفظة (حضارة) بعبارة (في طريق الزوال)، فـمـعـنـى هــــذه الـــعـــبـــارة يــفــيــد تـــحـــديـــدا قـــاطـــعـــا، إذ إن (الزوال) يشير إشارة واضحة إلى أن موضوع الكتاب هــو حــضــارة بـالمـعـنـى الـكـامـل ذات خـصـائـص معينة مميزة، خصوصا وأن ما سماه بـ(الفضائل اللبنانية)، واعتبره مادة الحضارة المقصودة ببحثه يمثل أمورا يعلم الــنــاس أنـهـا مـــوجـــودة عـلـى وجـــوه مختلفة في الحضارة الإنسانية السائدة، وأنها ليست في طريق الزوال منها». بـعـض مــا قــالــه أنــيــس فـريـحـة الــــذي ســلّــم محمد وهبي له به وفي الوقت نفسه ناقشه فيه، أراد أنيس فريحة منه تسويغ إطلاقه اسـم «حـضـارة» على نمط حياة تقليدية قروية ثابتة وراكـــدة من قــرون، مهددة - مـــن وجــهــة نــظــره - مـــن قـبـل «حـــضـــارة» أخـــــرى، هي الــحــضــارة الـغـربـيـة بالتغيير والـتـطـويـر والـتـحـديـث والذي يسميه هو زوالاً! وزيادة في التسويغ كتب تحت لفظة «حضارة»: «رغـــم أن بعض الـكـتـاب المـحـدثـن أخـــذوا يـفـرقـون بين حضارة وثقافة على أساس أن الحضارة تقابل لفظة )، فإنني أوثــر إطـاق Culture( ) وثقافة Civilization( لفظة الحضارة على الناحية الروحية من المدنية. وذلك لأنني أشعر أن عامة الناس من العرب يقرنون لفظة ثقافة ومثقف بمعنى التعلم والمتعلم أي الــذي دخل مدرسة. التعلم من الحضارة ولكنه ليس الحضارة». مـا الصلة المنطقية بـن أول الـكـام وهـو التفرقة بين الحضارة والثقافة وبين خاتمته، وهو قرن عامة الـنـاس مـن الـعـرب لفظة ثقافة ومثقف بالمتعلم الـذي دخل مدرسة. هذا إضافة إلى أن دعواه الشعورية غير صادقة. فعامة الناس من العرب - ولا أظنه يقصد بهم العوام الأميين - يفرقون بين المثقف وبين المتعلم. خـــاتـــمـــة كـــامـــه فــــي الـــهـــامـــش خــتــمــهــا بـمـغـالـطـة «لـــيـــســـيـــة»، وهـــــي الــتــعــلــم لـــيـــس الـــحـــضـــارة لــكــنــه مـن الـحـضـارة والـتـي أكـمـل بها مغالطاته الـتـي بــدأ فيها كلامه في أول صفحة من متن الفصل الثاني المعنون بـ«الفضائل اللبنانية»، وزبدتها: «العلوم والمعارف» لـيـسـت هـــي الـــحـــضـــارة لـكـنـهـا مـــن الـــحـــضـــارة. «الآلــــة» لـيـسـت هـــي الــحــضــارة لـكـنـهـا نـاحـيـة مـنـهـا. «الـصـنـع والبناء والـعـمـران» ليست هـي الحضارة لكنها نـواح من الحضارة. وهذه المغالطات حبكها «كرمال عيون» «حضارة» قريته، قرية رأس المتن. للفظتا «ثــقــافــة» و«حــــضــــارة» تـــاريـــخ طــويــل في الـلـغـات الأوروبــيــة ومــر عليهما طــور كــان يستعملان بمعنى واحـــد. وأتـــى عليهما طــور اسـتـدعـى التمييز بينهما. فأطلق اتـجـاه على الإطـــار المـــادي كالصناعة والـــبـــنـــاء والـــعـــمـــران والـتـقـنـيـة والـــعـــلـــوم والمــخــتــرعــات حـــــضـــــارة، وأطــــلــــق عـــلـــى الـــجـــانـــب الـــعـــقـــلـــي والـــديـــنـــي والروحي والنظم الاجتماعية والأخلاقية والمعتقدات والأساطير، ثقافة. وعــكــس اتــجــاه آخـــر هـــذا الـتـقـسـيـم. أي أن أنيس فريحة يفضّل ما قال به الاتجاه الآخر. إن أنيس فريحة يفضل إطـاق لفظة «حضارة» على الناحية الروحية من المدينة. فـــــي الـــلـــغـــة الـــعـــربـــيـــة الـــحـــديـــثـــة تـــرجـــمـــت لـفـظـة » إلــــــى «مــــدنــــيــــة» وإلـــــــى «حـــــضـــــارة». Civilization« فــ«الـحـضـارة» و«المـدنـيـة» فـي اللغة العربية الحديثة تشيران إلى معنى واحد. وكذلك هو الحال في لفظتي «التحضر» و«الـتـمـدن». والـتـرادف بينهما في المعنى مستعمل عند ابن خلدون. ولفظة «مدنية» مشتقة من لفظة «مدينة» وتحيل إلـــى ســكــان المـــــدن. و«الـــتـــمـــدن» يـعـرفـه كــتــاب «المـعـجـم الوسيط» بقوله: «عاش عيشة أهل المدن وأخذ بأسباب الحضارة». يـــقـــول قـسـطـنـطـن زريـــــق فـــي كــتــابــه «فــــي مـعـركـة ) الـفـرنـسـيـة أو Civilisation( الـــحـــضـــارة»: «أمــــا كـلـمـة ) الإنجليزية فمشتقة كذلك من اللاتينية: Civilization( ) أي المدني أو المواطن في المدينة». Civis( من أظنه لم ينتبه لهذه المشكلة التي خلقها لنفسه بــاســتــعــمــال لـفـظـة «مـــدنـــيـــة». فــــ«مـــدنـــيـــة» فـــي أصـلـهـا العربي وفي أصلها اللاتيني ليست مشتقة من لفظة «ضيعة» اللبنانية، ولا تحيل إلـى سكان «الضيعة». وللحديث بقية. عبد الغني الكندي علي العميم OPINION الرأي 14 حضارة «ضيعة» أنيس فريحة من الإمام «الغائب» حتى المرشد «المختفي»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky