issue17309

، تُــوُفّــي الخميني، 1989 ) فـي يونيو (حــزيــران المـــرشـــد الأعـــلـــى لـلـجـمـهـوريـة الإســامــيــة فـــي إيــــران بعد أشـهـر مـن المـــرض، وخـــال الفترة الـتـي سبقت وفـــاتَـــه كــــان الإعــــــام الــغــربــي مـنـهـمـكـا فـــي مناقشة السيناريوهات المحتملة للجمهورية التي تناصب العداء الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب. إذ غلب التفاؤل على كثير من التقارير المنشورة آنذاك. وبعد عقد من حكم الخميني المتشدّد، وأقل من تسعة أشهر على نهاية الحرب العراقية - الإيرانية، ســـاد جـــو مــن الأمـــل بـــأن يــقــود الـــسَّـــام إلـــى إصــاح الــنّــظــام الـــثـــوري الإيـــرانـــي فــــور رحــيــل مــؤســسِــه، لا سيما أن تصريحات عدد من أركان النظام لمّحت إلى خفض التَّصعيد والتوتر مع دول الـجـوار، وحتى الـتَّــصـريـح بإمكانية الــحــوار مـع الــولايــات المتحدة «الشيطان الأكبر». ولعل المُراجع لأخبار ذلك العام يلحظ الإشـــارة فـي تقارير عــدة إلـى بـدء مباحثات غير مباشرة بين النظام الإيراني والولايات المتحدة. فـــي تـقـريـر لـهـا عـشـيـة اخــتــيــار عـلـي خامنئي مــرشــدا مـؤقـتـا لإيـــــرانَ، كـتـبـت صحيفة «نـيـويـورك يـونـيـو): «عندما أصـبـح رئيسا لإيــران 5( ،» تـايـمـز ، كـــان حـجـة الإســـام يُنظر إلـيـه على 1981 فـي عــام أنَّــه نـمـوذج للملالي المـتـشـدديـن... لكنَّه الآن ينظر إليه على أنَّه نموذج أقل تطرفاً، حيث يدعم جهود تجديد عـاقـات إيـــران مـع الـغـرب، لأنَّـــه يـريـد إنهاء عزلة بـاده وجــذب الأمـــوال الأجنبية لإعــادة إعمار الـــبـــاد بـعـد حـربـهـا الــتــي اســتــمــرت ثـمـانـيـة أعـــوام 5( ،» مــع الـــعـــراق». أمـــا صحيفة «واشـنـطـن بــوســت )، فكانت أكـثـر حـمـاسـة، وعـلَّــقـت على 1989 يونيو اختيار خامنئي قـائـلـةً: «انـتـصـار للفريق المعتدل والبراغماتي في النظام الإيراني». لا حـــاجـــة إلــــى الـــقـــول إن عــهــد خـامـنـئـي الـــذي عـــامـــا كـــــان أكـــثـــر تــــشــــددا وراديـــكـــالـــيـــة 37 اســـتـــمـــر وتـمـددا لـإرهـاب الإيــرانــي مما كــان عليه فـي فترة الثمانينات، وإن كان حكم خامنئي قد بدأ ببوادر انـــفـــتـــاح اجــتــمــاعــي واقــــتــــصــــادي، ومـــحـــادثـــات مع دول الـجـوار، بجهود مـن الرئيس الـراحـل هاشمي رفــســنــجــانــي، إلا أن الـنـتـيـجـة كـــانـــت أكـــثـــر تـطـرفـا مــــع صــــعــــود «الـــــحـــــرس الـــــثـــــوري» وهــيــمــنــتــه عـلـى الفضاء الاقتصادي والاجتماعي، وزيـــادة نشاطه الإرهابي خارجيا ليشمل «حزب الله» و«حماس»، و«الـــــقـــــاعـــــدة»، و«داعــــــــــش»، والــــحــــوثــــي، و«الـــحـــشـــد الشعبي»، وسلسلة طويلة من المنظمات الإرهابية حول العالم. فــي الــســنــوات الأخـــيـــرة، ومـــع مـــرض خامنئي وتقدمه في العمر، ورحيل كل من الرئيس إبراهيم )، واغـــتـــيـــال 2024( رئـــيـــســـي فــــي حــــادثــــة مـــروحـــيـــة )، بــــرزت مـسـألـة 2020( الــجــنــرال قــاســم سـلـيـمـانـي الـخـافـة ومستقبل نـظـام الـجـمـهـوريـة الإسـامـيـة. ويمكن تلخيص ذلـك في سؤالين اثنين: الأول، مَن سيخلف المرشد وكيف؟ أما السؤال الثاني، فيتعلق بهيئة أو طبيعة النظام المقبل، وهـل يمكن لولاية الفقيه أن تستمر؟ أمـــــام هــــذه الأســـئـــلـــة، نــوقــشــت ســيــنــاريــوهــات متعددة، ومما زاد من غموضها أن المرشد الراحل علي خامنئي تعمَّد منذ تبوئه المنصب الإبقاء على من دون 1989 مواد الدستور الإيراني المعدل في عام تفسير أو مناقشة، ناهيك بإمكانية تعديل الدستور لـيـكـون أكـثـر مــواءمــة للمتغيرات الـتـي طـــرأت على الجمهورية الإسـامـيـة منذ قيامها. أيـضـا، تعمَّد خامنئي طـوال فترة حكمه ألا يعي نائبا له، وظل لعقود يعيد تـدويـر الـقـيـادات فـي كــل مـن الرئاسة والـــبـــرلمـــان و«الـــحـــرس الـــثـــوري» والــجــيــش، بحيث خـلـق بيئة عـدائـيـة وتـنـافـسـا فــي الــــولاء والـتـطـرف لـــصـــالـــح مــكــتــب المــــرشــــد. وتـــمـــكَّـــن خــامــنــئــي أيــضــا مــن وأد مــحــاولات الإصــــاح الحقيقي مــن الـداخــل، والـــتـــي بـلـغـت أوجـــهـــا بـــدايـــة عــقــد الـتـسـعـيـنـات من القرن الماضي، فيما عُرفت حينها بـ«جبهة الثاني ) تـحـت قـــيـــادة الــرئــيــس محمد 1999( » مـــن خــــــرداد خاتمي، بيد أن الحركة الإصلاحية لم تلبث سوى بضع سنوات حتى جرى إقصاؤها من المشهد عبر المحاكمات والإعدامات في الشوارع والمنازل، والتي طالت صحافيين ومثقفين مستقلين. وخـــــال الـــعـــقـــود المـــاضـــيـــة الـــتـــي حــكــم خـالـهـا خامنئي، لم يكتف بإقصاء كل المنافسين المحتملين مـثـل آيـــة الـلـه مـطـهـري، أو الـخـلـفـاء المحتملين مثل الــرئــيــس الـــراحـــل هـاشـمـي رفـسـنـجـانـي، بـــل تعمَّد تعطيل أي تشريع من شأنه ترتيب مسألة انتقال السلطة في البلاد، أو منح صلاحيات التفويض في حال المرض أو العجز عن أداء المهام. لـعـل أهـــم مــا يـمـيـز حـكـم خـامـنـئـي هــو إقـصـاء كل رفــاق الـثـورة والمشاركين فيها، وتقريب شباب «الـحـرس الـثـوري» الــذي كـان مشرفا على تأسيسه مع مصطفى شمران منذ بدايات تدريبهم في لبنان بتمويل ليبي. هـــؤلاء هـم قـــادة «الــحــرس الـثـوري» يوما الأخيرة، وتلاميذهم هم قادة 12 عشية حرب الـ إيران اليوم. أيـضـا، تمكَّن الـنـظـام، طـــوال الـعـقـود الماضية، مــن خـــداع الــداخــل الإيـــرانـــي ودول الــجــوار والـعـالـم بأسره عبر تقديم ثنائية المنافسة بين الإصلاحيين والمحافظين، والتي لم تكن سوى تبادل أدوار لرموز السلطة الحاكمة، فالإصلاحيون المزعومون، على أفـضـل تـقـديـر، لـم يـكـونـوا ســوى منظرين للتطرف (مــثــل جــمــاعــة «الإخـــــــوان المــســلــمــن»)، فـــي حـــن أن المـــحـــافـــظـــن هــــم المــــســــؤولــــون عــــن دعـــــم الــجــمــاعــات المــتــطــرفــة، وتــمــويــل وتـنـفـيـذ الإرهــــــاب فـــي المنطقة والعالم. أمــام ســؤال الخلافة -كما أشـرنـا- بــرزت ثلاثة سيناريوهات: الأول، يكمن فـي أن يلجأ الـنـظـام إلــى اختيار فقيه مجتهد مـعـتـدل لـخـافـة المــرشــد الأعــلــى، مما قـد يمنح الفرصة لإخـــراج النظام مـن حـالـة العزلة الدولية، والدفع بإصلاحات اقتصادية واجتماعية لتغيير صـورتـه داخليا وخـارجـيـا، وإعـــادة ترتيب أولويات الدولة. السيناريو الثاني، يقتضي أن يلجأ «الحرس الـــثـــوري» إلـــى تنصيب مــرشــد ضـعـيـف يــكــون أداة بيد قادة الحرس، بحيث يتمكنون من إدارة الدولة مــع الـحـفـاظ عـلـى شـكـل الــدســتــور وصــــورة الـنـظـام الثوري، من دون أن يكونوا مسؤولين مباشرة أمام الشعب الإيراني، ولا مضطرين لتغيير النظام. السيناريو الثالث، هو أن يلجأ قادة «الحرس الثوري» إلى تعديل دستوري يتجاوز «ولاية الفقيه ، والاكـتـفـاء 1989 المطلقة» الـتـي قُـــررت فـي دسـتـور بــــ«ولايـــة مــقــيــدة» بــالــشــؤون الـديـنـيـة والأخــاقــيــة، ســــواء أُســـنـــدت إلـــى شـخـص واحــــد أو إلـــى مجلس يتولى تلك المهام. في هذا السيناريو، يكون بوسع «الــــحــــرس الـــــثـــــوري» الـــتـــحـــول إلـــــى ســلــطــة حـاكـمـة مباشرة عبر انتخابات رئاسية وبرلمانية، وهو ما قد يسمح، لأول مرة، بانتقال البلاد من حالة الثورة إلى حالة الدولة. وبخصوص السؤال الثاني، فقد طُرحت خلال العقدين الماضيين نماذج عدة محتملة، كثير منها يتعلق بتغيير النظام، مع إبراز نموذجين محتملين يمكن للجمهورية من خلالهما الاستمرار من دون اللجوء إلى تغيير شامل للنظام. أولاً، الـنـمـوذج الصيني: فـي هــذا السيناريو، يُفترض أن تتحول قـيـادات «الـحـرس الــثــوري» من جــمــاعــة عــقــائــديــة إلــــى قــــيــــادات مــؤمــنــة بــالمــشــروع القومي/الوطني، بحيث تُعطى الأولوية للأهداف الـــوطـــنـــيـــة، مــثــل الاقـــتـــصـــاد والــتــنــمــيــة، وأن تغلب المـصـالـح الـقـومـيـة عـلـى مـبـدأ تـصـديـر الـــثـــورة، بما يــفــضــي إلـــــى الانــــفــــتــــاح الاقــــتــــصــــادي عـــلـــى الــعــالــم الخارجي. ثــــانــــيــــا، الـــــنـــــمـــــوذج الــــبــــاكــــســــتــــانــــي: فــــــي هــــذا السيناريو، قد لا يتجاوز قــادة «الـحـرس الثوري» عــقــيــدتــهــم الــــثــــوريــــة كـــلـــيـــا، لــكــنــهــم قــــد يــتــحــولــون مـــن تــصــديــر الــــثــــورة إلــــى ضـــامـــن لأمــــن واســـتـــقـــرار الجمهورية، وهـو مـا قـد يمكّنهم مـن إدارة الحياة الـسـيـاسـيـة فــي الـــبـــاد، والــوصــايــة عـلـى الحكومة والبرلمان لعقود قادمة. ما إن بدأت الضربات الأميركية - الإسرائيلية فــــــي فـــــبـــــرايـــــر (شـــــــبـــــــاط) المـــــــاضـــــــي، حــــتــــى تـــبـــدلـــت الـسـيـنـاريـوهـات هـــذه المــــرة بـفـعـل تــدخــل خــارجــي. ولم تكد تمر ساعات حتى تم اغتيال خامنئي، ولم تمض سوى أيام قليلة حتى أعلن «الحرس الثوري» تنصيب مجتبى خامنئي، الابــن الثاني للمرشد. وبينما جـــرت تسمية مجتبى مــرشــدا أعــلــى، غـاب لقب «الإمام» الذي كان يتقدم اسم سلفيه، الخميني ووالـــــده، وربــمــا يعكس ذلـــك قـنـاعـة لـــدى مــن تبقى من قيادات «الحرس» بأن مجتبى لا يمكن تمريره كإمام للشيعة، سواء في إيران أو خارجها. والـــافـــت لــانــتــبــاه أن عــلــي خـامـنـئـي لـــم يكن ، لأن 1989 بــوســعــه أن يـصـبـح مـــرشـــدا أعـــلـــى عــــام رتبته الدينية كانت «حجة الإســام»، واضطر إلى الانتظار مـدة شهرين حتى جـرى تعديل الدستور لصالحه، وترقيته إلى رتبة «آيـة الله» ليتمكن من خلافة الخميني. لـــــم يـــعـــد الـــــســـــؤال المـــــطـــــروح هــــــو: مـــــن يـخـلـف خامنئي؟ بـل مـا الـــذي تبقى مـن جمهورية «ولايــة الفقيه» نفسها بعد هذا الانتقال؟ هذا السؤال مهم، ليس من ناحية دستورية أو قانونية، بل من زاوية عملية؛ فمنذ تنصيب المرشد الـجـديـد، الـغـائـب عــن الأنـــظـــار، لــم يـعـد أحـــد يعرف مَن يملك قرار السلم والحرب في إيـران إزاء الحرب الدائرة حالياً. ومع الإعلان الأميركي عن التفاوض مع قـادة إيـران «الجدد»، لم يعد واضحا كيف تدار الأزمـــة، ومَــن يملك قــرار وقـف إطــاق الـنـار أو قبول شروط التهدئة. من الناحية الدستورية، لا يزال الإطار الرسمي للجمهورية الإسلامية قائماً. فـ«الولي الفقيه» هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبيده قـرار الحرب والـــســـلـــم، والــتــعــبــئــة، وتــعــيــن رؤســــــاء المــؤســســات السيادية، والتأثير الحاسم في البنية السياسية الـعـامـة. غير أن الـنـص الـدسـتـوري وحـــده لا يكفي لفهم ما يجري حالياً؛ فالسياسة الإيـرانـيـة، خلال الـعـقـود المـاضـيـة، لـم تتحرك فقط بـالـنـصـوص، بل بمنطق مراكمة السلطة داخــل مكتب المـرشـد، وفي أيدي عدد من قادة «الحرس الثوري». إن تعيين مجتبى خامنئي، إذا ما نظرنا إليه مـن زاويـــة الشرعية الدينية، يمثل انعطافا حــاداً. فالمرشد الجديد لا يحمل رتبة «آية الله» التي باتت، عمليا وسـيـاسـيـا، مرتبطة بـصـورة الـقـائـد الأعلى فـــي المــخــيــال الــرســمــي الإيــــرانــــي. ورغــــم نـــفـــوذه في مكتب والـــده، فإنه يفتقر إلـى الثقل المرجعي الـذي يتيح لـه أن يــرث منصب «الـولـي الفقيه» بالمفهوم الذي وضعه مؤسسو النظام. وهذا يُضعف البعد الـفـقـهـي لـلـمـنـصـب، حـتـى وإن لــم يـلـغِــه دســتــوريــا. وبـعـبـارة أخـــرى، فــإن المنصب بـقـي، لـكـن مضمونه تــــبــــدَّل. الأهــــــم مــــن ذلـــــك أن هـــــذا الانـــتـــقـــال يـــقـــوّض، سياسيا ورمـــزيـــا، أحـــد الأســـس الـتـي قـامـت عليها الجمهورية الإسلامية نفسها، أي رفـض التوريث الـــــذي كــــان الــخــمــيــنــي يــقــدمــه بــوصــفــه مـــن سـمـات الأنظمة الملكية لا الثورية. هنا، لا نكون أمام «ثورة» تستمد شرعيتها من التعبئة العقائدية والمرجعية الدينية، بل أمام نظام يعيد إنتاج نفسه عبر شبكة من الولاءات المغلقة داخل بنيته. وبعبارة أخرى، لقد اختارت إيران السيناريو الـثـانـي مــن بــن الـثـاثـة: انـتـقـال الـثـقـل الفعلي إلـى «الـــحـــرس الــــثــــوري»، بـحـيـث يـبـقـى مـنـصـب المـرشـد قائما شكليا أو رمزياً، بينما تدار الدولة فعليا من قـــادة «الــحــرس» الــجــدد. فقد يملك المـرشـد الجديد اسـم العائلة وشبكة الـــولاء، لكن «الـحـرس» يمتلك السلاح والتنظيم والقدرة على الإكـراه والإدارة في أوقات الأزمات. مــــا الــــــذي يــعــنــيــه هـــــذا لمـسـتـقـبـل الــجــمــهــوريــة الإسلامية؟ لقد منحت عقيدة «الإمام الغائب» في التشيع الاثنى عشري العلماء، لا سيما المجتهدين منهم، أهـمـيـة خـــاصـــة؛ فـمـن جــهــة كــانــت «الــغــيــبــة» تعني أن كـل حكومة هـي فـي الأصـــل غير شرعية فـي ظل غيبة الإمــــام، ومــن جـهـة أخـــرى جعلت مـن العلماء المجتهدين قادة للجماعة، وحلقة وصل بين الإمام الغائب والمؤمنين. هــنــاك عـــوامـــل أسـهـمـت فـــي تـعـزيـز هـــذا الـــدور الــقــيــادي، لا سيما خـــال الـعـهـد الــقــاجــاري (الـقـرن الـــتـــاســـع عـــشـــر المـــــيـــــادي)، فـــقـــد أدى الــــصــــراع بـن الأصوليين والإخباريين في العتبات الشيعية إلى انتصار الأصوليين، مما أعـاد تأكيد دور المجتهد بوصفه قائدا للجماعة. وبخلاف الصفويين الذين كـــان بـإمـكـانـهـم ادِّعــــــاء نــــوع مـــن الـشـرعـيـة الـديـنـيـة بحكم انـتـسـابـهـم إلـــى الأئــمــة، لــم يـكـن للقاجاريين أو الــبــهــلــويــن المــعــاصــريــن أي ادعــــــاء ديـــنـــي يــبــرِّر ممارستهم للسيادة. ويمكن القول إن «ولاية الفقيه» كما دعا إليها ،)1970( » الخميني في كتابه «الحكومة الإسلامية متأثرا بكل من نـور الدين العاملي الكركي، الفقيه الـشـيـعــي الــــبــــارز فـــي الـــقـــرن الــــســــادس عـــشـــر، وأبـــو الأعـلـى المـــــودودي، هـي المـحـاولـة الـوحـيـدة لتطوير نظرية سياسية شيعية تُدخل الدولة في منظومة الاعتقاد الديني. وبينما أيَّدها في البداية عدد مهم من الـرمـوز الفكرية، مثل آيـة الله منتظري ومظفر بقائي وحسن آيـت، فإنهم عــادوا لاحقا إلـى انتقاد «الولاية المطلقة» وزُج بهم في السجون. فــي الـعـقـد الأخـــيـــر، بـــدا ظــاهــرا تـنـامـي الـنـزعـة القومية حتى داخل أروقـة «الحرس الثوري»، وفي الخطاب الرسمي للحكومة. لقد كان «الولي الفقيه» سـابـقـا ضــد كــل مـظـاهـر الــتــاريــخ الــفــارســي الـقـديـم بوصفه «جاهلية» متنافية مع الحركية الإسلامية المـعـاصـرة، بيد أنــه الـيـوم عـاجـز أمـــام هــذه النزعة، خـــصـــوصـــا مــــع تــــراجــــع الإيــــمــــان الـــديـــنـــي، وتـــجـــدد الاحتجاجات الشعبية، والحاجة إلى إنتاج شرعية وطنية جديدة وسط أزمات اقتصادية واجتماعية ) مع 2025 يــومــا (يــونــيــو 12 خــانــقــة. بـعـد حـــرب الــــــ إســـرائـــيـــل والــــولايــــات المـــتـــحـــدة، كــشــف الــنــظــام عن تمثال للملك الساساني شابور الأول على صهوة جـــواده فـي ساحة الـثـورة (انـقـاب) فـي طـهـران، مع لـــوحـــة تـــصـــور قـــائـــدَي «الــــحــــرس» الـــراحـــلَـــن قـاسـم سليماني وأمير حاجي زاده، وبكلمات: «ستجثون مرة أخرى أمام إيران». مـن أجــل ذلـــك، فــإن تعثر «ولايـــة الفقيه» يمثل انتكاسة للإسلام السياسي الشيعي الحديث. فعلى عـكـس نـظـيـره الـسـنـي الـــذي فـشـل فــي تحقيق دولــة الخلافة، فـإن فشل المـشـروع السياسي الشيعي قد يعيد العقارب إلى الوراء. إن عقيدة «الإمام الغائب» التي تقوم عليها «ولايـة الفقيه» قد منحت كلا من الخميني وخامنئي فرصة تمثيل الإمـام لأول مرة في التاريخ السياسي الشيعي الحديث، وبزوالها تعود الولاية مقيدة كما كانت. الأهــم من ذلـك كله أن النظام الإيـرانـي الراهن، أيا يكن قادته، يواجه نهاية حتمية لمشروع «ولاية الفقيه»، حتى وإن لم تنته الجمهورية؛ إذ يكفي أن العسكر لم يعودوا يكترثون كثيرا برأي الفقيه. حـــــاول الــخــمــيــنــي أن يــحــقــق نـــمـــوذج «الـــولـــي الفقيه» بديلا عن غياب السلطة السياسية للإمامة، لـتـعـود بـــدورهـــا إلـــى الـغـيـبـة فــي شـخـص مـرشـدهـا الجديد. هناك رمزية لافتة؛ فالنظام لا يتحول فقط من الإسكاتولوجيا الشيعية إلى قومية هجينة، بل يغيب المرشد غيابا واقعياً. فـي كتابه «نـهـايـة الــزمــان فـي الإســـام وإيـــران )، يــروي عباس أمـانـت أنـه توجد 2009( » الشيعية فـي مدينة كـاشـان حسينية منذ العهد القاجاري، يملؤها الزوار في موسم عاشوراء، نُقش على أحد جدرانها: «الانتظار مذهبنا». لــقــد أثــبــتــت الـــحـــرب الأخــــيــــرة أن الـجـمـهـوريـة الإسلامية، تحت الضغط، لا تتجه نحو التجديد أو الاعتدال، بل نحو مزيد من التطرف؛ أي إن النظام كلما اشتدت أزماته يعود، لا إلى «ولاية الفقيه»، بل إلى «ولاية الحرس». وعند تلك النقطة لا تعود «ولايـة الفقيه» هي الـعـنـوان الحقيقي للسلطة، بـل مـجـرد غـطـاء أخير لسلطة بـاتـت عسكرية فـي جـوهـرهـا، وأُســريــة في رمـزيـتـهـا، وعـدوانـيـة فـي سلوكها، وأشـــد هشاشة مما تبدو عليه في خطابها الرسمي. OPINION الرأي 12 Issue 17309 - العدد Sunday - 2026/4/19 الأحد نهاية ولاية الفقيه... من الإمام الغائب إلى المرشد الغائب وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com أثبتت الحرب الأخيرة أن الجمهورية الإسلامية تحت الضغط لا تتجه نحو التجديد أو الاعتدال بل نحو مزيد من التطرف عادل الطريفي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky