issue17306

قامت الصني، وللمرة األولى، 2013 في عام بإطالق مبادرة تُسمّى «طريق الحرير الجديد»، و«طــــــريــــــق الــــحــــريــــر الــــبــــحــــري لـــلـــقـــرن الــــحــــادي والعشرين»، وهي مشروع عاملي تقوده الصني مـسـتـوحـى مـــن «طـــريـــق الــحــريــر الـــقـــديـــم»، الـتـي لــم تنقل الـحـريـر فـقـط، بــل نقلت أيـضـا ديـانـات وحــــضــــارات وثـــقـــافـــات بـــأســـرهـــا. ويـــهـــدف هــذا املشروع إلى تعزيز التواصل والتجارة وتدفقات رؤوس األمــــــوال بـــ آســـيـــا وأفــريــقــيــا وأوروبـــــا والــشــرق األوســــط وأمـيـركـا الالتينية عـبـر ربـط شبكة مـن السكك الحديدية واملــوانــئ وخطوط أنـــابـــيـــب الــنــفــط واملـــــمـــــرّات الــبــحــريــة فـــضـــ عن شبكات االتـصـاالت. وهي استراتيجية تنموية تعتمدها الـحـكـومـة الصينية تتضمّن تطوير 150 البنية التنموية واالستثمارات في أكثر من دولة ومنظمة دولية. ) هــي BR1( مــــــبــــــادرة الــــــحــــــزام والـــــطـــــريـــــق االستراتيجية االقتصادية والتجارية الرئيسية للصني في مجال التعاون الدولي، «حزام واحد - طريق واحد». مشروع يهدف إلى االستثمار عبر ممرات اقتصادية برية وطريق الحرير البحري، إذ يعزّز التبادل التجاري ودور الصني القيادي في الشؤون العاملية، ويشكّل جوهرًا محوريا في انفتاح الصني االقتصادي على العالم، ويتيح فـرصـا للشركات الصينية فـي الــخــارج، ويـعـزّز البنية التحتية والتنمية في الــدول املستفيدة، في املائة 75 نحو 2025 التي بلغ عددها في عام من سكان العالم، وأكثر من نصف الناتج املحلي اإلجـمـالـي الـعـاملـي، اسـتـنـادًا إلـــى عـــدد األعـضـاء والبيانات االقتصادية الدولية. ال سيما أن هذه املـــبـــادرة ارتــبــطــت، فــي الــوقــت نـفـسـه، بمخاوف تتعلق باألثر البيئي، وحقوق اإلنسان، ومعايير لبعض الحوكمة، واستدامة الديون، واالستقدام املزدوج في مشاريع البنية التحتية. أخـــــــــذت الــــشــــركــــة الـــصـــيـــنـــيـــة طــــابــــعــــا شــبــه استراتيجي منذ توقيع اتفاقية التعاون املمتدة ، حـــيـــث بـــلـــغ الـــتـــبـــادل 2021 ســـنـــة فــــي عـــــام 25 لـــــــ مليار 13.37 الـتـجـاري بـ إيـــران والـصـ نحو . وهذا يعكس توجّها متبادالً؛ 2024 دوالر في عام إيـــــران تـبـحـث عـــن اســتــثــمــارات وأســــــواق جـديـدة لــكــســر عــزلــتــهــا االقـــتـــصـــاديـــة بــســبــب الــعــقــوبــات األميركية، والصني تبحث عن موطئ قدم مستقر فــي منطقة مـضـطـربـة يتيح لـهـا الـحـصـول على طاقة ذات تكلفة منخفضة نسبيا. وهكذا تتجاوز العالقة بـ البلدين األهـــداف التجارية لتصبح جــزءًا مـن تــوازنــات أوســع فـي مواجهة الضغوط الـــغـــربـــيـــة، بـــعـــد أن أصـــبـــحـــت الـــصـــ املـــســـتـــورد الرئيسي لنفط الـخـام اإليــرانــي. لــذا فــإن الحرب األميركية - اإلسرائيلية ضد إيران تتصل بشكل وثــيــق جـــدًا بــالــنــزاع الـــدائـــر حـــول طـــرق الـتـجـارة العاملية، والفاصل الــذي تحتاج إليه الصني في مـشـروع الـحـزام والطريق العابر لـلـقـارات؛ حيث «الــحــزام» يرمز إلـى املـمـرّات االقتصادية البرية، بينما «الطريق» يرمز إلى طرق الشحن البحرية، بحيث تمثل إيــــران بالنسبة إلـــى الـصـ خـيـارًا استراتيجيا محوريا وممرًّا محتمال بني الشرق والغرب الذي يربط آسيا الوسطى باملياه الدافئة جــنــوبــا. كــذلــك يَــربــط الــتــجــارة الــبــريــة الصينية بـمـوانـئ الـخـلـيـج. لـذلـك فـــإن طـريـق الـحـريـر عبر إيــــــران لــيــس وجـــهـــة جـــغـــرافـــيـــة أو مـلـتـقـى طــرق تاريخيا فحسب بـل هـو مـجـال استراتيجي في شبكة الربط التي تهدف الصني إلى تحقيقها. فـــي الــســيــاق، هــنــاك مـضـيـق مـلـقـا - مـاالكـا )، املمر البحري الذي يقع ضمن املياه Malacca( اإلقليمية إلندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، ذو األهـــــمـــــيـــــة االســــتــــراتــــيــــجــــيــــة والـــســـيـــاســـيـــة واالقـــتـــصـــاديـــة الـــــذي تـعـتـمـده الـــصـــ كـلـيـا في مـجـال أمــن إمــــدادات الـطـاقـة، لكنه خــ ل الحرب األميركية - اإلسرائيلية ضد إيران أصبح مصدر قـلـق لـلـعـ قـات بــ الــصــ والـــواليـــات املـتـحـدة بــســبــب الــســيــطــرة والــهــيــمــنــة األمـــيـــركـــيـــة عليه نظرًا الرتباطها بأغلب دول العالم، مما يجعل من هذه الحرب تهديدًا لخسارة إيــران، الشريك الــنــفــطــي األســــاســــي الـــــذي تـــراهـــن عـلـيـه الـصـ لـتـعـزيـز مـرونـتـهـا االقــتــصــاديــة بـعـد أن حـوّلـت أنـــظـــارهـــا نــحــو مـضـيـق هـرمـز اإليــــرانــــي، حيث وجدت في إيران املوقع الذي يوفّر للصني مسارًا بريا يقلّص اعتمادها على املمرّات البحرية التي تهيمن عليها الواليات املتحدة. تــســبــبــت الــــحــــرب بـــأضـــرار 2026 فــــي عـــــام جسيمة ملـبـادرة الـحـزام والـطـريـق الصينية في الشرق األوســط، حيث أدّت إلى تعطيل اإلمـداد، وتـــهـــديـــد مــــمــــرّات الـــطّـــاقـــة عــبــر مــضــيــق هــرمــز، وارتــــفــــاع تــكــالــيــف الـــشـــحـــن، واضــــعــــة ضـغـوطـا هـــائـــلـــة عـــلـــى اســـتـــثـــمـــارات الـــصـــ فــــي املـنـطـقـة وزادت مـن مخاطر التضخّم الـعـاملـي والــركــود. كـمـا أن اســتــهــداف إيـــــران يـــهـــدّد بتفكيك شبكة الـــحـــزام والــطــريــق واملـــمـــرّات الـبـحـريـة الحيوية وممر مضيق هرمز، ويجعل مـسـارات إمــدادات الطاقة باهظ التكلفة، وأطـول أيضا، ومحفوفة بــاملــخــاطــر املــنــاخــيــة أحــيــانــا والـجـيـوسـيـاسـيـة أحـيـانـا أخـــرى، مما يـفـرض على الـصـ تنويع وتوسيع بدائل مساراتها التجارية، وفي الوقت نفسه، عدم االعتماد على مسار واحد. إن الهجمات على إيـــران تُقصي هــذا البلد فـعـلـيـا مـــن اســتــراتــيــجــيــة «الــــحــــزام والـــطـــريـــق»، مـمـا يـــؤدي إلـــى انـهـيـار هـــذه املـــبـــادرة التجارية واالقتصادية فـي جميع أنـحـاء الـشـرق األوسـط واســتــبــعــاد مـنـطـقـة جـغـرافـيـة واســـعـــة مــنــه، مع مـــا يـتـرتـب عـلـى ذلـــك مـــن عـــواقـــب عـلـى تـنـفـيـذه، واألســــــعــــــار الـــنـــهـــائـــيـــة املـــرتـــفـــعـــة جــــــدًا لـلـسـلـع والــــخــــدمــــات والـــنـــقـــل والـــطـــاقـــة لــلــســلــع واملــــــواد الغذائية... وفـي نهاية األمـر نتساءل: هل تُعد الحرب األمـيـركـيـة - اإلسـرائـيـلـيـة عـلـى إيــــران جــــزءًا من استراتيجية تستهدف الصني؟ وهل هذه الحرب تفتح الباب نظريا أمام استخدام امللف اإليراني الــنــووي أداة ضـغـط عـلـى االقـتـصـاد الصيني؟! األغــلــب أن أمـيـركـا تـريـد أن تـضـرب عصفورين بحجر واحد. Issue 17306 - العدد Thursday - 2026/4/16 اخلميس لــم يـكـن الـشـاعـر كـامـل الــشــنــاوي يتخيل أن مـــا قــالــه وهــــو يــصــف نـفـسـه فـــي قصيدته «حبيبها» سـوف يعيش ليصور حـال عاملنا الـبـائـس فـي العقد الـثـالـث مـن الـقـرن الـحـادي والعشرين. كان يتكلم عن نفسه حائرًا تائها ويقول: «بــعــضــي يـــمـــزق بـــعـــضـــي»، ولــــم يــكــن يـتـوقـع أن هـــذا الـشـطـر مــن بـيـت الـشـعـر فــي قصيدته الشهيرة، أو تلك العبارة ذات الكلمات الثالث، سوف تنتقل من توصيف حالته على مستواه فـــي وقـــتـــه، إلــــى وصــــف حـــالـــة عــاملــنــا الـــــذي ال يستيقظ في أول كل نهار، إال وبعضه يضرب بعضه، أو يحطم بعضه، أو يمزق بعضه! وال يــــتــــوقــــف األمــــــــر عــــنــــد حــــــــدود كـــامـــل الشناوي، وإنما يتجاوزه ليصل إلى الشاعر صالح عبد الصبور من بعده، فال يكاد العالم يفيق في مطلع كل نهار، وإال ويجد أنه يردد مع عبد الصبور ما أطلقه في قصيدته «الظل والصليب» فـقـال: «رؤوس الـنـاس على جثث الـحـيـوانـات، ورؤوس الـحـيـوانـات على جثث الناس». هـــــي حــــالــــة يـــجـــد الــــعــــالــــم أنــــــه واقـــــــع فـي قبضتها، فــ يستطيع الــخــ ص مـنـهـا، وال يعرف كيف يمكن أن يغادرها، وال يدري كيف يمكنه أن يـنـأى بنفسه عـنـهـا. حـالـة أدخلته فيها أطراف قررت أن تشعل الحرائق بدال من أن تطفئها، وأن تصب الزيت على النار بدال مـــن أن تـبـاعـد بـــ االثـــنـــ ، وأن تـضـيـف إلـى هموم إنسان العصر بدال من أن تخفف منها. فــي الـقـلـب مــن مشهد هـــذه هــي مالمحه، ال بــد أن تتابعه وأنـــت تـتـسـاءل عـمـا إذا كـان هــنــاك رابــــح فــي هـــذا كــلــه، أم أن الــخــســارة لن تستثني أحدًا؟ وإذا كان هناك رابح، فمن هو هـذا الـطـرف الــذي يستطيع أن يبتعد بثيابه عن هذه النيران، التي ال تترك ثيابا إال وتمتد إليها، وإال وتتنقل بينها، وإال وتتمدد فيها من بقعة إلى بقعة، ومن رقعة إلى أخرى، ومن مساحة إلى مساحة. كــــأن لـعـنـة قـــد أصـــابـــت عــاملــنــا املــعــاصــر، فاستيقظ ذات يـــوم غـيـر بعيد عـلـى جائحة حــبــســتــه فــــي الـــبـــيـــوت، ولـــــم تـــفـــارقـــه إال وقـــد أنهكته، وأرهقته، ونالت من قواه وعافيته، ثم تركته يلملم أشالء وبقايا ما فقده على مدى سنوات الوباء. ومـــا كـــاد يتخلص مــن أجــــواء االخـتـنـاق التي عاشها طـوال أيـام الجائحة، حتى وجد أنه على موعد مع الحرب الروسية - األوكرانية ، فلما 2022 ) فبراير (شباط 24 التي نشبت في دخلت عامها الخامس في الرابع والعشرين مــن الـشـهـر قـبـل املــاضــي، كـــان األمـــل أن يكون دخولها السنة الخامسة ذهابا إلى نهاية لها، ال إلى نشوب حرب أخرى في الخليج. ذلك أن دورانها في نطاقها املباشر فيما بني روسيا وأوكرانيا، لم يمنع أن تنشأ دوائر متتابعة خـرجـت مــن دائـرتـهـا املــبــاشــرة، فلم تتوقف الدوائر في تتابعها، وال في تتاليها مــن وراء بعضها بـعـضـا. وألنــهــا كـانـت على هذه الصورة التي تراها على سطح املاء الراكد إذا أُلقيت فيه حجرًا، فإن بيتا في أرجاء العالم لم يفلت من تداعيات دوائر تأثيرها. كانت في حركتها تلحق ببعضها بعضا، فتظل تتصل وال تنمحي، إال بعد أن تبلغ الشاطئ كدوائر املاء تماما، ولم يكن الشاطئ في حالة الحرب إال كل بيت في أركان األرض. ثـــــم مـــــا كـــــــاد أســـــبـــــوع واحـــــــــد يــــمــــر عــلــى بـــــدء الـــســـنـــة الـــخـــامـــســـة لـــلـــحـــرب بــــ الـــــروس واألوكـــــرانـــــيـــــ ، حـــتـــى كـــانـــت حـــــرب الـخـلـيـج الـثـالـثـة قــد اشـتـعـلـت، فـــأزاحـــت حـــرب روسـيـا وأوكــــرانــــيــــا فــــي ركـــــن بــعــيــد مــــن كــــل شـــاشـــة، واسـتـولـت هــي عـلـى الـشـاشـات والـصـفـحـات، ومألت الدنيا وشغلت الناس، وانقلب مضيق هــرمــز الــــذي يــــدور حــولــه الـــصـــراع مــن مـمـر ال يكاد يسمع به أحد، إلى أكثر الكلمات ترديدًا على ألسنة سكان العالم. لم يُطلق أحـد على هذه الحرب مسمى حرب الخليج الثالثة بعد، ولكنها مسبوقة بحربني في املنطقة نفسها، إحـــداهـــمـــا كـــانـــت حــــرب الــخــلــيــج األولــــــى بني العراق وإيــران، واألخــرى كانت حرب الخليج الثانية عند تحرير الكويت من الغزو العراقي. لذلك؛ ال شيء سوف يمنع بعد سكوت املدافع، أن تُسمى هـذه الحرب حـرب الخليج الثالثة، وال أحـــد يستطيع أن يخمن حـجـم مــا سـوف تخلفه حرب الخليج الثالثة هذه من ركام حني تذهب إلى التاريخ. هـــل كـــان وجــــود الـنـفـط فـــي هـــذه املنطقة مـن الـعـالـم، هـو السبب فـي الــحــروب الـثـ ث؟ وهـل كـان النفط هو السبب فيما أصــاب أهل منطقتنا في حربني سبقتا، ثم في حرب ثالثة ال تكاد نارها تخبو في البر، حتى تكون قد اشتعلت في البحر؟ ال... لـيـس الـــذنـــب فـــي رقــبــة الــنــفــط؛ ألنـه ظهر ويظهر في مناطق أخرى بامتداد العالم، فـــ تــعــرف حــربــا وال ضــربــا بـكـل ســـ ح مما شهدناه هنا ونشهده. فالحرب بني روسيا وأوكرانيا ال وجود لـلـنـفـط فـيـهـا بــاعــتــبــاره سـبـبـا مــبــاشــرًا على األقل، وال وجود له بالكيفية نفسها في حرب غزة التي أكملت عامني ونيف طحنت فيهما البشر والحجر، وال وجـود له كذلك في حرب الــــســــودان الـــتـــي تــنــافــس الـــحـــرب الـــروســـيـــة - األوكرانية في طولها، وال في كل حرب نشبت أو تـنـشـب عـلـى هــامــش هـــذا «الـكـوكـتـيـل» من الحروب! كــأن لعنة قـد أصـابـت العالم فـ تنطفئ له حـرب، وال ينام له صـراع، وال يتوقف على أرضــــه قـــتـــال، وال يــخــرج مـــن أزمــــة إال ليغرق فـي أزمـــات، وال يـغـادر مشكلة إال ليسقط في مـشـكـ ت، وال يــفــارق مــأســاة إال لـيـذهـب إلـى مآسٍ. مع دخول الحرب عامها الرابع، يقف السودان عـنـد حـافـة لحظة مفصلية بــ اســتــمــرار التآكل في مفاصل الدولة، أو تكثيف الجهود في املسار الـشـاق نحو التعافي. فـالـحـرب، مـع امـتـدادهـا، ال تـدمـر البنية التحتية فـحـسـب، بــل تُــعـيـد تشكيل املجتمع واالقتصاد وتفرض تحديات أكبر مع كل عام يمر. تشير تقديرات حديثة إلـى أن الحرب أعـادت االقــتــصــاد الـــســـودانـــي أكــثــر مـــن ثــ ثــ عــامــا إلـى الوراء، وفقا لدراسة مشتركة صدرت هذا األسبوع عــــن بـــرنـــامـــج األمـــــــم املـــتـــحـــدة اإلنــــمــــائــــي ومــعــهــد الـــدراســـات األمـنـيـة. فقد تضاعفت مـعـدالت الفقر مـــيـــ شخص 7 بـشـكـل حـــــاد، مـــع انـــــزالق نــحــو إلــى الفقر املــدقــع، وتــراجــع مستويات الـدخـل إلى ما كانت عليه في أوائـل تسعينات القرن املاضي. وحتى في حـال انتهاء الحرب هـذا الـعـام، سيظل ،2030 التعافي بطيئا، أما إذا استمرت حتى عام فـي املـائـة من 60 فقد تـتـجـاوز نسبة الفقر املـدقـع السكان. هذه األرقام ليست مجرد مؤشرات اقتصادية، بــل تـعـكـس واقــعــا إنـسـانـيـا قـاسـيـا: أســـر مشتتة، وأطـــفـــال خــــارج املــــــدارس، ومـــصـــادر رزق انــهــارت بـالـكـامـل، وحــــرب أفــــرزت واحــــدة مــن أكــبــر أزمـــات النزوح في العالم. ورغم قتامة املشهد، تظل هناك نافذة أمل. على الصعيد األمني، تجاوز السودان املرحلة األخطر التي مر بها في بدايات الحرب. فقد تمكن الجيش والقوى املتحالفة معه من استعادة زمام املــــبــــادرة، وعــــاد قـــدر مـــن االســـتـــقـــرار إلـــى عـــدد من الواليات. كما تشير تقارير حديثة إلى عودة نحو أربــعــة مـ يـ نـــازح والجـــئ إلـــى مناطقهم، وهـي خطوة مهمة، لكنها تطرح أيضا تحديات ضخمة. نـجـاح بـرامـج الــعــودة يتطلب تسريع وتيرة اســـتـــعـــادة الـــخـــدمـــات األســـاســـيـــة، ويـتـطـلـب بسط األمــــن وتـوفـيـر الــحــد األدنــــى مــن االســتــقــرار الــذي يسمح بعودة الدولة إلى أداء وظائفها. األمن هنا ليس شــعــارًا، بـل هـو شــرط وجــــودي. ال استثمار مـــن دون أمــــن، وال تـعـلـيـم مـــن دون اســـتـــقـــرار، وال عــــــودة مـــســـتـــدامـــة لـــلـــنـــازحـــ مــــن دون ضــمــانــات حقيقية لحمايتهم. األمن املطلوب ليس أمن القوة الـغـاشـمـة، بـل أمــن الـقـانـون؛ حيث يشعر املـواطـن بـــأن حـيـاتـه وممتلكاته مـصـونـة، وأن الــســ ح ال يُستخدم إال تحت مظلة الدولة. غـــيـــر أن األمــــــن وحــــــده ال يـــكـــفـــي. فــالــتــعــافــي االقـــتـــصـــادي يــحــتــاج إلــــى إعــــــادة تـشـغـيـل عجلة اإلنــــتــــاج، ال سـيـمـا فـــي الــقــطــاعــات الــحــيــويــة مثل الـــزراعـــة والـتـعـديـن والـــخـــدمـــات. الـــســـودان يمتلك مـوارد هائلة، لكن الحرب عطّلت سالسل اإلمـداد، وأربـــكـــت األســــــواق، وأفـــقـــدت الـعـمـلـة اســتــقــرارهــا. املـــطـــلـــوب تــــدخــــل مــــركــــزي مــــــــدروس يـــعـــيـــد الــثــقــة تدريجيا: دعم املزارعني باملدخالت، وتأمني طرق النقل، وضبط النظام املالي. في قلب هذا املشهد، يقف اإلنسان السوداني الـذي أصبح أكثر إنهاكا من أي وقت مضى، لكنه يبقى رغم ذلك الرافعة األساسية ألي نهوض قادم. الـتـعـلـيـم، فــي هـــذا الــســيــاق، أولـــويـــة استراتيجية ال تحتمل التأجيل. جيل كـامـل مـهـدد بالضياع، وهـــــذا أخـــطـــر مـــن أي خـــســـارة مـــاديـــة. عـــــودة فتح املـــــــدارس، وتـــدريـــب املــعــلــمــ ، وتــحــديــث املـنـاهـج لتشمل مهارات الحياة والتعايش، كلها خطوات ضرورية إلعادة تشكيل مجتمع قادر على تجاوز آثار الحرب. أمّـــــا الــبــنــيــة الـتـحـتـيـة فــهــي الـــعـــمـــود الـفـقـري ألي تــعــاف حقيقي. الــطــرق، والــكــهــربــاء، واملــيــاه، واالتـــــصـــــاالت لــيــســت مـــجـــرد خــــدمــــات، بـــل أدوات السـتـعـادة الـحـيـاة الطبيعية، وعـــودة الـنـاس إلى بيوتهم. إعادة اإلعمار هنا يجب أن تكون مدروسة ومــوجــهــة، ال عـشـوائـيـة أو خـاضـعـة لـلـفـسـاد. كل مشروع بنية تحتية يجب أن يُنظر إليه كاستثمار طويل األمد في االستقرار، ال مجرد إصالح مؤقت. يبقى السؤال األكثر إلحاحا: ما تكلفة كل ذلك؟ اإلجـــابـــة الــصــريــحــة هـــي أن الـتـكـلـفـة هـائـلـة، وتــتــجــاوز عــشــرات املــلــيــارات مــن الـــــــدوالرات. لكن الكلفة الحقيقية ليست في األرقـــام، بل في الزمن الضائع والفرص املهدرة. كل يوم يمر دون خطة واضـــحـــة لـلـتـعـافـي هـــو خـــســـارة إضــافــيــة يصعب تعويضها. التمويل يمكن أن يأتي من مزيج من املـــــوارد املـحـلـيـة، والـــدعـــم اإلقـلـيـمـي، واملــســاعــدات الــدولــيــة، لـكـن هـــذا مــشــروط بــوجــود رؤيـــة شفافة وإدارة فعالة. العالم ال يمول الفوضى، بل يدعم املشاريع القابلة للحياة. األسس الجوهرية لعودة السودان إلى ما كان عليه – أو حتى إلى ما هو أفضل – يمكن تلخيصها في معادلة دقيقة: أمن مستدام، واقتصاد منتج، وتـعـلـيـم فـــاعـــل، وعـــدالـــة اجــتــمــاعــيــة. هــــذه ليست أولويات متنافسة، بل منظومة مترابطة. لـــكـــن ربــــمــــا األهـــــــم مـــــن كـــــل ذلــــــك هـــــو اإلرادة السياسية. ال يمكن فــرض التعافي مـن الـخـارج، وال يـمـكـن تـحـقـيـقـه بــــقــــرارات فــوقــيــة مــعــزولــة عن الـواقـع. املطلوب هـو عقد اجتماعي جـديـد، يعيد تــعــريــف الـــعـــ قـــة بـــ الــــدولــــة واملـــــواطـــــن، ويـضـع مصلحة الــســودان فــوق الحسابات الضيقة. هذا يبدو مثاليا، لكنه في الحقيقة شرط عملي لبداية الخروج من هذا النفق. الـــســـودان الــيــوم أمــــام لـحـظـة اخــتــبــار. إمـــا أن تــتــحــول هــــذه املــرحــلــة إلــــى نـقـطـة انـــطـــ ق إلعــــادة البناء، أو تبقى مجرد امتداد لدوامة االستنزاف. الــطــريــق طــويــل ومــكــلــف، لـكـنـه لــيــس مـسـتـحـيـ ً. فـــالـــشـــعـــوب الــــتــــي عــــاشــــت الـــــحـــــروب قــــــــادرة عـلـى الـنـهـوض، إذا تــوفــرت الـقـيـادة الـرشـيـدة والــرؤيــة الواضحة واإلرادة السياسية. والــــســــؤال الــحــقــيــقــي لــيــس مـــا الـــــذي يخبئه هــذا الـعـام، بـل مـا الـــذي سيختار الـسـودانـيـون أن يصنعوا فيه. سليمان جودة عثمان ميرغني سعاد كريم OPINION الرأي 14 ماذا يخبئ عام الحرب الرابع للسودان؟ كأنها لعنة أصابت العالم إيران والحزام والطريق

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==