issue17304

Issue 17304 - العدد Tuesday - 2026/4/14 الثلاثاء OPINION الرأي 14 لبنان: بداية تغيير رغم العثرات تـوّج القرار الحكومي تحصين بيروت، بجعلها مـــن دون إبـــطـــاء أو مـــســـاومـــة، مــديــنــة آمـــنـــة مــنــزوعــة الـــســـاح، بـــقـــرارات وطـنـيـة كــبــرى صــــدرت عــن مجلس الوزراء خلال الأشهر الثمانية الأخيرة. تندرج كلها في سياق نهج يرمي إلى تثبيت الدولة بصفتها مرجعية وحيدة لقرار الحرب والسلم، ولتعلن للمرة الأولى بعد سنة على نهاية الـحـرب الأهلية، بـدء زمـن الرشد 36 السياسي للجمهورية والتغيير رغم العثرات. فقررت السلطة الشرعية الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع الـعـدو الإسرائيلي، فـي مسعى حقيقي لوقف الحرب على لبنان وما راكمته من خسائر فلكية، كنتيجة لزج البلد قسرا في حرب «إسناد» إيران. تـقـرر حـصـر كل 2025 ) أغـسـطـس (آب 7 و 5 فـي الـسـاح بيد الـقـوى الشرعية وبـسـط الـسـيـادة كاملة عـلـى الأراضـــــي الـلـبـنـانـيـة كـــافّـــة، وإنـــهـــاء كــل مفاعيل مـــارس (آذار) المــاضــي قـرر 2 «اتــفــاق الــقــاهــرة». وفـــي مـجـلـس الــــــوزراء حــظــرا فـــوريـــا لأنـشـطـة «حــــزب الـلـه» العسكرية والأمنية، واعتبارها خارجة عن القانون ودُعـــي «الــحــزب» لتسليم الـسـاح إلــى الــدولــة. وأتبع ذلـــك بــقــرار إبــعــاد «المـسـتـشـاريـن» الإيــرانــيــن أعـضـاء «الـــــحـــــرس الــــــثــــــوري» وقــــــد ثـــبـــت دورهــــــــم فــــي قـــيـــادة العمليات العسكرية، وتنسيقها مع طهران لإحياء ما يُسمّى «وحدة الساحات». عـكـسـت هـــذه الـــقـــرارات تــحــولا لبنانيا فــي رؤيــة المـخـاطـر وتـحـديـد الــخــيــارات، فــي زمـــن زلــــزال مــا بعد كارثة «طوفان الأقصى». كما أدت إلى تموضع لبنان مع أشقائه العرب الذين يتعرضون يوميا لاعتداءات إيـرانـيـة آثـمـة. وقـطـع هــذا الـتـحـول مـع مـرحـلـة طويلة ســـادت خـالـهـا سـيـاسـات رمـــاديـــة، مـكّــنـت قـــوى الأمــر الواقع من فرض إملاءات قضت بالتعايش مع السلاح الـــاشـــرعـــي تــحــت اســـــم: «جـــيـــش وشـــعـــب ومـــقـــاومـــة»، مـا عـزل لبنان وأضعفه وهـمّــش دوره وأنـهـى تميزه. وأفـضـت الـــقـــرارات التاريخية إلــى وضــع الـنـقـاط على حـــروف المفهوم الحقيقي للشرعية، ليصبح السلاح الذي غدر باللبنانيين وقتل السوريين موضع مساءلة قانونية، يُــطـوى معها زمــن تـرهـات الـتـفـاوض بشأن استراتيجية دفاعية مـع ميليشيا تباهت بتبعيتها لإيران وحق إمرتها عليها! بـيـروت منزوعة الـسـاح قــرار صـدم «حــزب الله» ومـــن بـقـي مـعـه مـــن مـمـانـعـن. فـــبـــدأت أعـــمـــال الشغب واتخذت منحى إثارة الحساسيات المذهبية، وأرفقت بحملة مسعورة خوّنت رئيس الحكومة نواف سلام. وتـوازيـا تقاطعت معطيات عـن إقـــدام «فيلق القدس» على إقـامـة شبكة قـيـاديـة لـه فـي بــيــروت، تـرافـقـت مع مؤشرات قيام مربعات أمنية في العاصمة للسيطرة العسكرية عليها لاختطاف السلطة، في عمل انقلابي يــحــاكــي الانــــقــــاب الـــحـــوثـــي فـــي الــيــمــن (...). وحـمـل الاسـتـهـداف الآثـــم لرئيس الـحـكـومـة، بما ومــن يمثل، محاكاة للاستهداف الفارسي لبلدان الخليج، فأفضى كل ذلك إلى قرار تحصين العاصمة، وهي تستضيف ألـف مهجر لتصبح الثقل السكاني الأكبر، 400 نحو كما هـي مـركـز الثقل السياسي والاقــتــصــادي، ليرمز هــــذا الـــقـــرار الــشــجــاع إلــــى إمــكــانــيــة تـعـمـيـم تـدريـجـي لـنـمـوذج بــيــروت، بحصر الــســاح فتسقط ازدواجــيــة خــدمــت المــيــلــيــشــيــا!ولأن هــــذه الـــحـــرب تـحـمـل مـخـاطـر وجودية جدية على الكيان، فإن المفاوضات المباشرة مع العدو الإسرائيلي هي التحدي، في وقـت تتجلى فيه الكارثة في بقاء الاحتلال وتمدده وليس بالذهاب إلـــى طـــاولـــة مـــفـــاوضـــات. وبــعــيــدا عـــن الــتــذاكــي أنـزلـت الحرب الإيرانية-الإسرائيلية هزيمة قاسية بلبنان، وأولــــى الأولـــويـــات وقـــف الـهـزيـمـة عـنـد الـــحـــدود التي بلغتها. لا نزهة تنتظر لبنان، لكن تأسيسا على اتفاق الـهـدنـة ووصـــــولا إلـــى مــغــزى تـحـصـن بـــيـــروت، يأمل لـبـنـان وقـــف الــحــرب والـــوصـــول إلـــى تـسـويـات تُفضي إلى عودة المهجرين وتحرير الأسرى ولن يسلم ببقاء الاحتلال. إن الأمــــــر الـــبـــالـــغ الأهـــمـــيـــة يــكــمــن فــــي اســـتـــعـــادة المــؤســســات الــدســتــوريــة للقضية الـلـبـنـانـيـة وتثبيت ســقــوط زمـــن الــتــفــاوض بــالــوكــالــة، وهــــذا أمـــر يحصل للمرة الأولـــى منذ نهاية الـحـرب الأهـلـيـة، عندما كان لبنان-الساحة ورقـة في خدمة مصالح نظام الوجود السوري وتحول بعدها إلى خدمة إيران. إنه أمر بالغ الأهمية أن يستعيد لبنان قضيته ويمنع حكام طهران من توظيفها بوصفه أداة في خدمة مصالحهم. لقد فضحت حملات التخوين المشبوهة أصحابها، فهي لـم تنطلق مـن مـبـدأ رفــض الـتـفـاوض، بـل كـانـت حول هوية المفاوض: هل هو السلطة اللبنانية أم «الحرس الثوري»؟ لافـــت جـــدا أنـــه عـنـدمـا أُســـقـــط بـيـد قـــوى الشغب والـــتـــخـــويـــن، انـــضـــم عــلــي أكـــبـــر ولايـــتـــي إلــــى الـحـمـلـة الآثمة بتوجيهه التهديد المباشر إلى رئيس الحكومة ولـــلـــبـــنـــان. ولافــــــت كـــذلـــك أن تـــحـــديـــات كـــبـــيـــرة كـامـنـة مصدرها أن «حزب الله» سيحاول الاحتفاظ بالسلاح. ومعروف كذلك أن مطامع العدو الإسرائيلي بالأرض والمياه كبيرة. كل ذلك يبرز حجم الكارثة التي تواجه البلد، وتـواجـه المـفـاوض اللبناني، في زمـن استدراج «المقاومة» احـتـالا يغذّي مـحـاولات استمرارها؛ مما يـحـتـم المــســارعــة فــي ردم الــهــوة بــن تـاريـخـيـة الــقــرار وآليات التنفيذ وقواها، لأن استمرار الحرب سيعني مضاعفة الهزيمة ومضاعفة التنازلات التي قد تُفرض على لبنان! حنا صالح استمرار الحرب سيعني مضاعفة التنازلات التي قد تُفرض على لبنان هرمز... مضيق يهم العالم بأسره مضيق هرمز الذي كان يوصف بشريان العالم في الأدبيات الجغرافية بات اليوم أكثر بؤرة توتر بحري، تشتبك فيها مفاهيم الـحـرب والاقـتـصـاد والسياسة، وبالطبع التوصيف القانوني، بعد أن أثارت تصرفات نظام طهران بشأن المضيق استهجانا عالمياً؛ لأن هذا يــعــدُّ، بـبـسـاطـة، انـتـهـاكـا لأبـسـط حـقـوق حـريـة المـاحـة الدولية. نــحــن أمـــــام تـــحـــول كـبـيـر فـــي طـبـيـعـة الـــصـــراعـــات الـدولـيـة، بــدءا مـن التوصيف، مـــرورا بطبيعة الصراع ومـــدتـــه، وتــأثــيــره خــــارج أطـــــراف الـــنـــزاع، وصـــــولا إلـى مــــعــــادلات الــتــكــلــفــة مــــن الـــبـــشـــر إلـــــى الاقــــتــــصــــاد، ومـــن الجغرافيا إلــى الاقـتـصـاد. هــذا التحول مثير للقراءة من زاوية تغير مفهوم الحرب، حيث باتت الأسلحة لا تقاس بقوة تأثيرها، وإنما بقدرتها على إحداث الفارق على مستوى التكلفة. ومن التحولات أيضا حضور المسيّرات الرخيصة، والهجمات السيبرانية لمجموعات صغيرة مختبئة في مكان مقفر إلا من الاتصال بالإنترنت، ثم الألغام التي تُحقن في الممرات المائية الدولية ليصل تأثيرها إلى كل العالم بالمعنى الحرفي للجملة. الـحـرب الجيواقتصادية عـنـوان المرحلة والـورقـة الــرابــحــة الـتـي تلعبها طــهــران فــي المــوجــة الـثـانـيـة من المـــواجـــهـــة، الــتــي صــعــد فـيـهـا مـضـيـق هــرمــز ليتصدر الـشـاشـات، ويصبح الـعـنـوان الـعـريـض لــأزمــة، حيث لـم يكد يتحدث الآن أحــد عـن تصدير الــثــورة والأذرع الميليشياوية، ولا حتى نسب التخصيب، والحديث كله الآن حول هذا الممر العالمي الحيوي الذي يضخ الحياة لشعوب الأرض. هل التلويح بسلاح الاقتصاد أمر حـادث وجديد على عالمنا؟ بالطبع لا؛ فقد عرف العالم ذلك منذ الحرب العالمية الـثـانـيـة. وبحسب أحــد أهــم علماء الاقتصاد والاجــتــمــاع ألــبــرت هـيـرشـمـان فـــإن الـعـالـم مـنـذ انتهاء ، ودع الحياد على مستوى 1945 الحرب العالمية الثانية العلاقات التجارية. اليوم، العالم مهدد بسلاح جديد وفتاك وسريع التأثير وهو التحكم في سلاسل الإمـداد، وأصبح، مع ما نشهده من توترات حول مضيق هرمز، أمضى من أسلحة الردع التقليدية، بسبب التأثير المباشر لتعطيل حركة الملاحة، وما ينتج عنه من تأثيرات سلبية على أسـواق الطاقة والغذاء والتقنية، وبالتالي تآكل الثقة التي يقوم عليها الاقتصاد الـدولـي كمنظومة تعاون متكاملة. الأدهى والأَمَــر أن عسكرة نقاط الوصل بين أجزاء الـعـالـم (المـــوانـــئ والمـــمـــرات) تـأتـي فــي وقـــت تعيش فيه كـثـيـر مــن دول الـعـالـم حــالــة انـهـيـار اقــتــصــادي وفشل لمــفــهـوم الــــدولــــة. وهــــذا بـــالـــضـــرورة يــــؤدي إلــــى زعــزعــة الاسـتـقـرار، إضـافـة إلــى عــدم وجــود حالة اكتفاء ذاتـي بالمعنى الذي يتيح خيار العزلة، حتى في أكثر البلدان ابتعادا عن الحروب وتأثيراتها؛ لأن العالم أصبح أكثر ارتباطا ببعضه البعض. لذا فـإن إعـادة إحياء منظومات حوكمة سياسية ومـــالـــيـــة أيــــا تــكــن المــســمــيــات بـــاتـــت ضــــــرورة وجـــوديـــة لتحقيق الأمــن الجماعي الــذي يتطلب بناء تحالفات بــن الــــدول الـقـويـة والمـــؤثـــرة والـفـاعـلـة، لـبـنـاء التكامل والاستقرار والتنمية بعيدا عن استراتيجيات المقامرة التي يدفع العالم ثمنها اليوم. تعكس الـتـحـركـات العسكرية الأمـيـركـيـة الأخـيـرة محاولة لاحتواء الموقف، لكن دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة؛ حيث أعلنت القيادة المركزية الأميركية عبور مدمرتين صاروخيتين إلى الخليج العربي ضمن مهمة أوسع لتأمين الممر الملاحي وإزالة الألغام، وكان تصريح قائد القيادة المركزية الأدمـيـرال بـراد كوبر لافتاً، حين تحدث عن إنشاء ممرات آمنة لضمان استمرار تدفق السلع. للأسف، نحن أمام عقيدة بحرية إيرانية تشكلت ، حين دمرت القوات الأميركية جزءا كبيرا من 1988 منذ أسطولها خــال معركة اسـتـمـرت يـومـا واحــــداً، وحين تخلت طهران عن أي محاولة للمنافسة لتستعيض عن ذلك ببناء استراتيجية لعمليات غير متكافئة، هدفها السيطرة على الشحن التجاري، وهذا ما سيشكل نقطة ضعف أمــام انسيابية المـاحـة الـدولـيـة، خصوصا مع بقاء هذه العقيدة القائمة على «التكلفة» من خلال خلق الفوضى. مضيق هـرمـز هـو اخـتـبـار للعالم أجـمـع مـن أجل التكاتف، وكـسـر حـالـة الاخـتـطـاف هــذه. ومــن هنا فإن العودة إلى العمل الجماعي والمؤسساتي عبر تحالف متكامل للدول المعنية والمتضررة، خصوصا بالتعاون مــع دول المنطقة أحـــد أهـــم الـحـلـول المـتـاحـة بـعـيـدا عن رهانات التفاوض وسجالات التهديد، أو القبول بالأمر الـواقـع وشرعنة «الإتــــاوة»، وحتى التلويح بالتشارك فيها على طريقة توزيع الغنائم. يوسف الديني مضيق هرمز اختبار للعالم أجمع من أجل التكاتف وكسر حالة الاختطاف هذه الأمر بيد إيران... إمَّا القلاقل وإمَّا الأمان لم تؤد المفاوضات المباشرة التي جرت بين أميركا وإيران في إسلام آباد إلى التوصل لاتفاق ينهي الحرب بين الجانبين، ورغــم أن التواصل المباشر بينهما لم يحدث إلا أثناء التوقيع على ، فــإن معادلة النجاح 2015 الاتـفـاق الـنـووي فـي تطلبت شروطا تتجاوز شكل المفاوضات، وإذا ما كانت مباشرة أو غير مباشرة لتصل إلى أمور جوهرية، تطلبت تنازلات من الجانب الإيراني. والــحــقــيــقــة أن الــــســــؤال الـــــذي ســيــطــرح مع احـــتـــمـــال الــــعــــودة مـــــرة أخــــــرى إلـــــى المـــفـــاوضـــات دون تــجــاهــل أيـــضـــا إمــكــانــيــة الــــعــــودة لـلـحـرب، يتعلق بـشـروط نـجـاح أي مـفـاوضـات، ومــا هي الاستحقاقات التي ستترتب على نهاية الحرب، ويـــفـــتـــرض أن يـــلـــتـــزم بـــهـــا الـــجـــانـــبـــان الإيــــرانــــي والأميركي، ومعهما أيضا إسرائيل؟ إن أحــــد أســـبـــاب فــشــل مـــفـــاوضـــات إســـام آبــاد هـو تعامل الجانب الإيــرانــي مـع تخصيب الــيــورانــيــوم لـــأغـــراض الـسـلـمـيـة بـنـسـبـة تصل فـــي المــــائــــة، وكـــــأن إيــــــران دولـــــة طبيعية 5 إلــــى تحترم القانون ولم تتدخل في شؤون جيرانها، واختلفت أو صـارعـت فقط أمـيـركـا وإسـرائـيـل، وبالتالي يجب دعمها في برنامج نووي سلمي. والــحــقــيــقــة أن المـــقـــتـــرح الأمـــيـــركـــي نـــص بشكل قـاطـع عـلـى تفكيك الـــقـــدرات الـنـوويـة الإيـرانـيـة، كيلوغراما 450 وتسليم المــخــزون الـبـالـغ نـحـو في المائة إلى 60 من اليورانيوم المخصب بنسبة الـوكـالـة الـدولـيـة للطاقة الــذريــة، فـي حـن أبـدت أميركا قـدرا من المرونة فيما يتعلق بالبرنامج الـصـاروخـي، وطالبت طهران بـأن يقتصر على الجوانب الدفاعية. والحقيقة أن الملف النووي سيبقى معضلة لـــهـــا بــــعــــدان: الأول فـــنـــي وســـيـــاســـي، والـــثـــانـــي يتعلق بثقة المجتمع الدولي وجيران إيـران في سلوكها، ولــن يحل الـجـانـب الأول إلا إذا حلت إيران الجانب الثاني. أمـا معركة مضيق هرمز فستظل ورقـة لن يسمح العالم لطهران بها أن تفرض رسوما أو قــيــودا عـلـى حـريـة المــاحــة فــي مـمـر دولــــي، إنما هـي تستخدمه باعتباره ورقــة ضغط لتحقيق مكاسب في «الثلاثية الإيرانية» الخاصة بالملف الــــنــــووي والـــــصـــــاروخـــــي، وعـــاقـــتـــهـــا بـــــــالأذرع، وخاصة «حزب الله». إن خطاب الاستقلال الوطني الذي تتبناه إيـــــران مــنــذ ثــورتــهــا فـعـلـت عـكـسـه حـــن كـسـرت معاني الاستقلال الوطني في العديد من البلدان العربية، وكأن الاستقلال الوطني لا يمثل قيمة عليا في مواجهة أي تدخلات أجنبية، سواء كان اسمها أميركا أو إيران. استحقاقات استئناف المـفـاوضـات ليست مستحيلة إذا فهمت إيران أن لديها مشكلات مع جيرانها ومع المجتمع الدولي، أكبر من الاتفاق أو الاختلاف على نص قانوني وسياسي، وهو مـا جعل مشروعها الوطني والمستقل مختلفا عـــن مـــشـــاريـــع وطــنــيــة أخــــــرى؛ لــيــس لأنــــه أســـوأ أو أفـضـل، ولا لأنــه ليس مـن حقها بـنـاء قاعدة صناعية وعسكرية وعلمية كبيرة رغم الحصار الـغـربـي، إنـمـا لأنـهـا هـي الـتـي مـارسـت وصـايـة، وهــــددت الـسـلـم الأهــلــي فــي أكـثـر مــن بـلـد عربي وخـاصـة لبنان، حـن تـركـت «حـــزب الـلـه» يهمن عـلـى الـــقـــرار الـسـيـاسـي والــعــســكــري لــعــقــود، ثم يدخل في حرب دفاعا عن مشروع إيران الوطني والـــــنـــــووي، وفــــي مـــواجـــهـــة المــصــلــحــة الـوطـنـيـة لأغلب اللبنانيين. رســالــة طــاولــة المــفــاوضــات المـتـعـثـرة تقول إنـــهـــا جــــــاءت فــــي وقـــــت لــــم يـــصـــل فـــيـــه الـــطـــرفـــان المـتـحـاربـان للحلول الـصـفـريـة بـإسـقـاط النظام فــي طــهــران كـمـا تـحـرص إســرائــيــل، إنـمـا جــاءت طهران إلى المفاوضات وفق معادلة بقاء النظام وتغيير سلوكه، وشهدنا رئيس البرلمان ووزير الـخـارجـيـة الإيـرانـيـن يـفـاوضـان نـائـب الرئيس الأميركي، وهو مشهد قد لا نشاهده مرة أخرى إذا عادت الحرب. لـيـس مـطـلـوبـا مـــن إيـــــران فـــي حـــال الــعــودة لــــطــــاولــــة المـــــفـــــاوضـــــات أن تـــطـــبـــع عـــاقـــتـــهـــا مـع إســـرائـــيـــل، ولا أن تـنـتـقـل مـــن تــوصــيــف أمـيـركـا بـ«الشيطان الأكبر» إلى «الصديق الأكبر»، إنما المــطــلــوب طــمــأنــة جــيــرانــهــا، وعـــــدم الــتــدخــل في شؤونهم، واحترام خبراتهم السياسية، واعتبار الأذرع والــــوكــــاء داعـــمـــن ســيــاســيــن ولــيــســوا ميليشيات مسلحة تثير الانــقــســام داخـــل دول كثيرة. استئناف المفاوضات وارد إذا وعت طهران أن قضيتها ليست فقط في نص اتفاق، وإنما في مشكلات متراكمة مـع العديد مـن دول المنطقة، وحــالــة مــن عـــدم الـثـقـة بسبب مـمـارسـات عملية قامت بها، وليست مجرد أفكار نظرية وخطاب سياسي محل خلاف. عمرو الشوبكي المطلوب من إيران هو طمأنة جيرانها وعدم التدخل في شؤونهم

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky