دعونا ننقذ عشاق الكتب من هذا الجحيم الإلكتروني

كلما وقعت أزمة بعالم النشر نجد موقع «غودريدز» المملوك لشركة «أمازون» هو جوهر المشكلة

دعونا ننقذ عشاق الكتب من هذا الجحيم الإلكتروني
TT

دعونا ننقذ عشاق الكتب من هذا الجحيم الإلكتروني

دعونا ننقذ عشاق الكتب من هذا الجحيم الإلكتروني

إذا كنت تابعت أحدث الفضائح المتعلقة بعالم النشر، تحديداً المؤلفين الشباب، فلا بد أنك عرفت أنها ترتبط بمؤلفة مبتدئة يدور حولها كثير من الضجة، والأكاذيب، والأعذار الخرقاء، و«المراجعات الناسفة»، واعتراف طويل مخيف - وبالطبع، موقع «غودريدز(جود ريدز)». في الواقع، كلما وقعت أزمة بعالم النشر نجد «غودريدز»، الموقع المملوك لشركة «أمازون»، والذي يصف نفسه بأنه «أكبر موقع للقراء وتوصيات الكتب»، بقلب هذه الأزمة.

ويثير هذا الأمر تساؤلات حول ما إذا كان موقع «غودريدز» ليس مجرد عامل مساعد على صنع الفضائح، وإنما لب المشكلة. ودعونا نتناول تفاصيل الفضيحة الأخيرة أولاً؛ فقد اكتشف محققو الإنترنت مؤلفة تدعى كايت كورين، كان من المقرر أن تنشر روايتها الأولى عام 2024، وأنشأت حسابات مزيفة على «غودريدز» من أجل طرح مراجعات سلبية للإضرار بكتب أخرى، وذلك من خلال نشر مراجعات سلبية لهذه الكتب لا تتجاوز في تقييمها للكتب نجمة واحدة فقط.

ولدى مواجهتها عبر الإنترنت، أقدمت كايت كورين على تلفيق محادثة مزيفة عبر الإنترنت لتحويل دفة اللوم باتجاه صديق وهمي لا وجود له. وعندما انكشفت هذه الخدعة، اعترفت كورين أخيراً بما اقترفته، مبررة ذلك بمعاناتها من «انهيار نفسي كامل». وجراء ذلك، تخلى عنها ناشرها ووكيلها، وجرى إلغاء النشر المخطط لروايتها.

وكما يحدث غالباً في هذه الفضائح، فإن استخدام وإساءة استخدام موقع «غودريدز» - موقع يخفي اسمه المبهج تاريخاً حديثاً من الاستغلال البغيض من جانب المستخدمين - ما تسبب في الإضرار بالكثيرين، وتدمير مسيرة شخص واحد على الأقل.

الواضح أن «غودريدز» سقط اليوم وأصبح معطلاً، فما بدأ عام 2007 بوصفه أداة واعدة للقراء والمؤلفين وبائعي الكتب والناشرين، تحوّل اليوم إلى مستنقع غير جدير بالثقة، وخارج نطاق السيطرة، بل أصبح من المتعذر تقريباً التنقل بأرجائه بسبب حجم البيانات غير الموثوقة والنوايا السيئة. وبطبيعة الحال، هناك وفرة كبيرة في البيانات السيئة وكذلك النوايا على الإنترنت. إلا أنه في بدايته، وعد «غودريدز» بتقديم تجربة مختلفة تماماً: مساحة للتجمع يمكن للقراء المتحمسين خلالها التواصل مع الكتاب ومع بعضهم البعض، وتبادل الانطباعات ومشاركة التوصيات. إنها فكرة واضحة وضرورية (القراءة نشاط فردي، لكن هناك متعة كبيرة في التحدث من خلال كتاب بعد ذلك). في الواقع، لا يزال موقع «غودريدز» فكرة جيدة تستحق القتال من أجل إصلاحها.

عندما انضممت إلى الموقع عام 2007، راودني شعور بأنني وجدت أخيراً مكاني على الإنترنت. في ذلك الوقت، كنت ما أزال استخدم دفتراً فعلياً للاحتفاظ بقائمة الكتب التي قرأتها أو أردت قراءتها. لذلك كان اكتشاف مكان لتتبع الكتب وتقييمها ومراجعتها أمراً رائعاً. بعد استحواذ «أمازون» على الموقع عام 2013، بدا أن «غودريدز» مهيأً إما للهبوط وإما الصعود. ومع أن «أمازون» لم تحظ سوى بعدد قليل من المعجبين داخل عالم الكتب، بسبب ممارساتها التجارية الشرسة، فإنها تمثل في الوقت ذاته السوق الأولى للكتب على الإنترنت. وبالتالي، فإن الموقع التابع لها المخصص لمناقشة الكتب بدا عنصراً مكملاً بوضوح، وربما مفيداً.

ورغم ذلك، سرعان ما سقط الموقع في حالة من التيه، فلا هو بائع تجزئة ولا صالون جذاب عبر الإنترنت. وعلى الرغم من هذا الأمر، فقد تحول إلى موقع مناقشة الكتب الأكثر شعبية، حتى الآن، مع وصول عدد أعضائه إلى 125 مليون عضو بحلول أواخر عام 2022. ومع انحسار تغطية الكتب ونقدها في مجالات أخرى من وسائل الإعلام الشعبية، اتخذ «غودريدز» على صعيد الواقع الافتراضي حجماً أكبر من حجمه بعالم الكتب. إلا أنه في الوقت ذاته، تحول كذلك إلى مكان يجري فيه الانغماس في أسوأ غرائز المستخدمين أو حتى تشجيعها، سواء أكان الأمر يتعلق بالممارسة المتفشية المتمثلة في طرح مراجعات سلبية مدمرة للكتب التي يجري إدراجها على الإنترنت قبل وقت طويل من نشرها (غالباً ما يجري استهداف روايات الشباب، والتي جرى سحب بعضها في نهاية المطاف من النشر)، أو بوجود العناصر التي تتعمد ممارسة مضايقات عبر الإنترنت، تطارد المؤلفين.

وبذلك، أصبحت الثقافة السائدة عبر «غودريدز» اليوم على النقيض من الروح التي بدأ بها الموقع. جدير بالذكر أن مذكراتي التي لم تنشر بعد حصلت بالفعل على تقييم اثنين فقط عبر «غودريدز»، لكنها لن تتاح للقراء قبل العام المقبل. ولذلك، أصبح من الروتيني أن يحذر الناشرون المؤلفين والكتاب من أن «غودريدز» موقع موجه إلى القراء، وليس الكتاب، وهذا يعني أن ما كان من المفترض أن يشكل منتدى للمشاركة تحول اليوم إلى مكان يدخله المؤلفون على مسؤوليتهم الخاصة.

في ظل عالم مثالي - عالم لا توجد فيه شركة «أمازون» - كان من المفترض أن يعمل «غودريدز» مثل موقع «ليتربوكسد»، والذي يشكل شبكة اجتماعية لعشاق الأفلام.

ويذكر أن «ليتربوكسد» أطلق على نفسه «غودريدز فور موفيز»، لكنه اليوم تجاوز هذا الشعار الأولي بكثير بعد أن اكتشف كيفية إنشاء تجربة استخدامية سلسة وبديهية، ونجح في توفير تجمع ممتع وجذاب، وكسب الإيرادات من كل المشاركات الاختيارية المدفوعة وكذلك من جانب المعلنين، بما في ذلك الاستوديوهات التي تنتج الأفلام التي تجري مناقشتها. وفي الوقت نفسه، لا يزال الناشرون يعتمدون على «غودريدز» للوصول إلى القراء المحتملين، وإن كانت الإعلانات المستهدفة أصبحت أقل فاعلية.

والآن، كيف يمكن إصلاح الأمر؟ يجب أن يبدأ الحل بالناس، بمعنى أن موقع «غودريدز» بحاجة ماسة إلى مزيد من جهود الإدارة البشرية لمراقبة ما يدور فيه. ومن الواضح أن جزءاً من أي مناقشة صحية يكمن في القدرة على التعبير عن الاستياء - تلك المراجعات ذات النجمة الواحدة، المصحوبة بشكل مثالي بحجج منطقية، تتسم بأهمية كبرى - لكن المشكلة أن «غودريدز» حوّل التعبير عن الاستياء إلى سلاح.

بدأ «غودريدز» عام 2007 بوصفه أداة واعدة للقراء والمؤلفين وبائعي الكتب والناشرين لكنه تحول اليوم إلى مستنقع غير جدير بالثقة بعد استحواذ أمازون عليه

اللافت أن الهجوم المدمر لا يقتصر الأمر فيه على المؤلفين الناشئين، ففي هذا العام، قررت إليزابيث غيلبرت، مؤلفة رواية «طعام، صلاة، حب» التي كانت من بين الأكثر مبيعاً، سحب روايتها الجديدة «ذي سنو فورست»، بعد أن قصف مستخدمو «غودريدز» صفحتها بمراجعات من فئة نجمة واحدة، لاعتراضهم في المقام الأول على حقيقة أن أحداث الرواية (التي لم يقرأها أحد بعد) تدور في روسيا، وسيجري نشرها في وقت تكون فيه روسيا وأوكرانيا في حالة حرب. ويشير الاحتمال الأكبر إلى أنه ما من سبيل للقضاء على الهجمات الشخصية بالكامل من الموقع. ومع ذلك، فإن وجود المزيد من الأشخاص في متناول اليد للتخفيف من الضرر من شأنه بالتأكيد تحسين التجربة عبر الموقع.

في الواقع، تعزيز حواجز الحماية لن يكون شديد الصعوبة، خاصة أن الموقع يعتمد في الوقت الحاضر على أمناء مكتبات متطوعين يتولون إضافة كتب جديدة إلى قاعدة بيانات الموقع في أوقات فراغهم. ومن شأن توظيف هؤلاء الأشخاص (والعشرات من أمثالهم) ودفع أجور لهم، أن يمكّن ممثلي «غودريدز» من التواصل مع الناشرين، الكبار والصغار، لتسهيل نشر الكتب عبر الموقع فقط عندما تنجز بالفعل مهمة تأليف الكتاب وتحريره، ويصبح جاهزاً لمشاركته مع الآخرين.

وبالنظر إلى جميع المشكلات التي يواجهها موقع «غودريدز»، فقد يبدو من السهل انجذاب الكتاب والقراء إلى منتدى آخر. وبالفعل، ظهرت مواقع مثل «ذي ستوري غراف» و«إيتاليك تايب» باعتبارها بدائل واعدة، لكنها لا تزال بعيدة عن الوصول إلى كتلة معتبرة من جمهور الكتب عبر الإنترنت.

وباعتباري ناقدة للكتب ومحترفة في مجال النشر، فقد قضيت معظم حياتي المهنية في محاولة تشجيع النقاشات المثيرة حول الفنون الأدبية في أي مكان أصل إليه، رقمياً أو فعلياً. ربما لهذا السبب ما زلت ملتزمة بفكرة أن «غودريدز»، أو أي موقع آخر مثله، يجب أن يكون موجوداً. ومع تدهور فائدة المنصات الاجتماعية الأخرى، فإن هذه المنصة تستحق محاولة إنقاذها.

* ناقدة ومضيفة بودكاست «ذي ماريس ريفيو»

- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.