ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده الثقافة CULTURE 18 Issue 17508 - العدد Wednesday - 2026/11/4 الأربعاء جاسم سلمان في روايته الأخيرة «وقوفا على الأصابع» التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى «لا أحـد يعرف كيف مــات. أكـانـت إبـرة صـــغـــيـــرة حـــقـــنـــوا بـــهـــا وريـــــــده لــيــعــجــلــوا لـه بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً». كــان يمكن لـهـذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفا على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف مـنـذ الـلـحـظـة الأولــــى عــن مـــآل بطله الأخــيــر، ولـكـن مـا حــدث هـو العكس تـمـاماً. ذلـــك أن المـفـتـتـح الـــروائـــي الــــذي ط ُُـــرحـــت من خلالــــــه واقــــعــــة المـــــــوت، والـــــــذي يــــتــــراوح بين الإخـــبـــار والاســـتـــفـــهـــام، فـــــضلا عـــن الأسـئـلـة المـتـعـلـقـة بمعنى الـــوجـــود نـفـسـه، وفّّــــرا لنا كـــقـــراء دوافـــــع عـــديـــدة لمـتـابـعـة الــعــمــل، ليس الفضول سوى واحد منها. في الصفحات الأولـى للرواية، نتعرف عـلـى المـحـطـات الأبــــرز فــي حــيــاة ميخائيل، الـعـراقـي المسيحي، الـــذي وُُلـــد فـي البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مـع أمــه إلــى بـغـداد ليقيم فـي أحــد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فـوارق. ومع إنــهــائــه المــرحــلــة الــثــانــويــة، يــقــرر ميخائيل دراســة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة الـتـابـع لكلية الآداب فـي الجامعة المستنصرية. بين أروقـة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءًً، الـــتـــي كـــانـــت هــــي الأخـــــــرى قــــد فـــقـــدت أبـــاهـــا وخالها فـي يــوم واحـــد، بعد أن لُُفقت لهما تـهـمـة الانــتــمــاء إلـــى أحـــد الأحـــــزاب المـنـاوئـة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان الـعـاشـقـان فــي تـتـويـج علاقـتـهـمـا بـــالـــزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فــصلا آخر مـن فصولها، فيفقدان المــولــود الـذكـر الـذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومـع انـعـدام فـرص العمل أمــام الـــزوجين، لم يجد ميخائيل بــداً، ورغــم صـراعـه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية الـتـي قـامـت بـغـزو الــعــراق فــي مطلع الـقـرن، والــتــي أعـلـنـت عــن حـاجـتـهـا إلـــى مـتـرجـمين فوريين. غـــيـــر أن المـــبـــلـــغ الــــــذي كـــــان مـيـخـائـيـل يــتــقــاضــاه عـــن عـمـلـه مـــتـــرجـــماً، وإن منحه شــــعــــورا بـــــالأمـــــان المـــعـــيـــشـــي، إلا أنـــــه سـلـب مـنـه بـالمـقـابـل احــتــرامــه لنفسه ورضــــاه عن الـخـدمـات الـتـي يقدمها لــغــزاة بلاده. وهـو شـعـور لـم يخفف منه كـرهـه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خـــفـــت مــــن شـــــيء فـــقـــع فــــيــــه»، لــــم يـجـد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الـفـرار مـن الــعــراق، لا يعني أبـــدا أن الـعـراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب. وتعبيرا عـن شـعـوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب بـه مـوظـف الـــجـــوازات فـي نـيـويـورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خــــائــــن»، عــلــى نــحــو عـــفـــوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بـالمـتـاهـة، لــم تـكـن لـتـبـدو مدينة سهلة وألـيـفـة فـي عـيـون قـاصـديـهـا، فــإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عـرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعــمــال الأدبــيــة والـتـراثـيـة. وبينهم لــــيــــزا، زوجـــــــة جــــــــوزف، وهـــــــــــارون، الـــشـــاعـــر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الـــدمـــوي، وروبــــن، بـــواب الـبـنـايـة الأمـيـركـي، الـــذي شـــارك ابـنـه جيمس فــي غـــزو الــعــراق، وتـــزوج مـن فـتـاة عـراقـيـة، قبل أن يـعـود إلى بلاده مقطوع الرجلين. وبينما يـتـبـدى لـلـقـارئ بـــأن الانــدمــاج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات الــقــاتــلــة»، والاغــــتــــراب الـخـيـانـي عـــن الــــذات، يـــنـــعـــطـــف ســـلـــمـــان بـــعـــمـــلـــه المـــلـــحـــمـــي نـحـو مــســالــك غــيــر مــنــتــظــرة، حــيــث يــقــرر أبـطـالـه جـــوزف ولـيـزا وميخائيل ومـــاري وهـــارون، الــــعــــودة ثــانــيــة بـــاتـــجـــاه الــــشــــرق؛ بـــحـــثا عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست فـــي حقيقتها ســـوى إلـــحـــاح الـــــذات المــهــددة فـي البحث عما يعصمها مـن الإمــحــاء. أما الــثــري الـتـركـي تـيـمـور طــابــال الـــذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال مــاري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حـــيـــث تـــجـــد الـــــــذات المــســتــلــبــة، فــــي مــراكــمــة الــثــروات والتماهي مـع الـغـرب؛ مـا يجنبها عـنـاء الأسـئـلـة المقلقة والـتـأرجـح المـريـر بين الخيارات. وإذ يـــقـــرر مـيـخـائـيـل وهـــــــارون إكــمــال الــــرحــــلــــة بــــاتــــجــــاه مـــــارديـــــن وبــــعــــض المـــــدن الأخـــرى؛ أملا فـي الحصول على ضالتهما المـــنـــشـــودة، تـنـتـقـل الــــحــــدود المــتــداخــلــة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بـــالـــهـــويـــة والــــتــــاريــــخ ونــــشــــوء الـــحـــضـــارات ومــعــنــى الـــوطـــن والـــخـــيـــانـــة. وفــــي ظـــل هــذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حـسـنـاء، ويــقــرر الارتـــمـــاء فــي كـنـف الـحـريـة المــطــلــقــة، بــعــد أن قــــال لـــه صــديــقــه الـغـجـري «اتـــرك كـل شــيء وراءك وانـسـحـب. دعــك من الأزمــنــة والأمــكــنــة». ومـــع إصــــرار ميخائيل عــلــى إكـــمـــال المــهــمــة الـــتـــي جــــاء مـــن أجــلــهــا، واختفائه اللاحـق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك. واللافــــت، أن تـقـدم الـسـرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثا على الــســأم، بــل تستمر الـــروايـــة فــي تصاعدها، مع وقــوع ميخائيل في حالة من الانشطار الــهــذيــانــي بين الـــواقـــعـــي والمــتــخــيــل، عــائــدا حينا إلـى الحقبة الأندلسية، ومـا صحبها من ازدهــار فكري وحضاري، ومتماهيا مع كريستوفر كولومببس فـي فتحه لأميركا حينا آخـر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأمــــيــــركــــيــــة، بـــعـــد أن وجــــهــــت إلــــيــــه تـهـمـة الــخــيــانــة، عــبــر تــعــمــده تــرجــمــة الـنـصـوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين. إثــر ذلــك يُُحمل ميخائيل إلــى أميركا، لـيـسـاق إلـــى المــحــاكــمــة، بـحـضـور أصـدقـائـه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجـتـه مــاري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف مـــاري بـزوجـهـا قـائـلـة: «لماذا لم تـخـبـرنـي أنـــك لــم تـخـن أهــلــك فــي الـــعـــراق؟»، تـذكـرنـا بـصـرخـة الـسـائـق فــي روايــــة غسان كنفاني «رجــال في الشمس»، الـذي اكتشف أن الـــفـــلـــســـطـــيـــنـــيين الـــــذيـــــن خــــبّّــــأهــــم داخـــــل شاحنته قد قضوا نحبهم من شـدة القيظ، فــهــتــف بــهــم قـــــــائلاًً: «لماذا لـــم تـــقـــرعـــوا بــاب الــخــزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتـهـا مع التطابق الـتـام بين الـخـريـطـتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصر الأخير على تحويل موته لغزا آخر، شبيها بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحا على انتحاره، أو إعــــدامــــه بـــكـــرســـي كـــهـــربـــائـــي، أو وفـــاتـــه الـطـبـيـعـيـة بــفــعــل عــجــز جـــســـده عـــن تحمل الصدمات. ولــيــس مـــن المـبـالـغـة الـــقـــول بـــأن العمل الــــذي قــدمــه جــاســم سـلـمـان إلـــى قـــرائـــه، هو بمثابة ملحمة روائـيـة معاصرة، لا تنغلق دائـــرتـــهـــا عــلــى الـــشـــأن الـــعـــراقـــي وحــــــده، بل هـي تبلغ مـن الاتــســاع؛ مـا يجعلها تلامـس الأسـئـلـة الأكــثــر عــمــقاً، الـتـي تتعلق بنشوء الــحــضــارات وتــحــولاتــهــا، وبـمـعـنـى الـهـويـة والانـــتـــمـــاء وعلاقـــــة الـــوطـــن بـالمـنـفـى، والأنـــا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلــى مضبطة اتـهـام متعددة الـوجـوه لواقع الـعـصـر ومـــآلاتـــه، حـيـث يـتـم تـــزويـــر الـقـيـم، ويــبــلــغ الــفــســاد ذروة اســـتـــشـــرائـــه، ويـحـكـم الأقــــويــــاء قـبـضـتـهـم عــلــى الـــعـــالـــم. ولــــم يكن أمـرا بلا دلالـة أن يطلب هــارون من مرضاه، وقــد اخـتـار التحول إلــى مـــدرب ريـاضـي في إحـــدى المـصـحـات، الــوقــوف عـلـى أصابعهم أطـــول مــدة ممكنة؛ بـهـدف امـتـحـان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جــعــلــه المـــؤلـــف عــــنــــوانا لـــروايـــتـــه، يــمــكــن أن يعصم الأفـــراد والجماعات، من الـوقـوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة. أمـا تساؤل المؤلف بلسان جــوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كـان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو الـسـؤال الأكـثـر الـتـبـاسا وتعقيدا الـذي دفــع المترجم الـعـراقـي حياته ثمنا لــه. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب عــلــى نــفــســه وعـــلـــى الـــعـــالـــم، حين هــتــف في ْْقصيدته «غريب على الخليج» قائلا ًً: إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون أيخون إنسان بلاده؟ إن خان معنى أن يكون ََ، فكيف يمكن أن يكون ْْ؟ شوقي بزيع مجسمات من قصر الحير الغربي جلساء العرش الأموي رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي تـطـوّّر فـن النقش التصويري خلال العصر الأمــوي حـيـث اعــتُُــمــد بـشـكـل أســـاســـي فـــي صـــوغ الـحـلـل الـزيـنـيـة الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّّة التي شيّّدها الخلفاء في نواح متعد ّّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخـر يقع جنوب غـرب تدمر، يُُــعـرف بـاسـم قصر الحير الـغـربـي. مـن بين أطلال هذين القصرين، خرج كم هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاخـتـصـاص على تصنيفها وتـحـديـد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هـذه القطع شهرة واسعة، وظــل البعض الآخــر فـي الـظـل، مصدر بعض منها قصر ّّــمـات يـمـثّّــل كـل الـحـيـر الـغـربـي، ومـنـهـا تـبـرز ثلاثـــة مـجـس منها قامة على عرش وثير، وفقا لطراز كلاسيكي انتشر انتشارا واسعا خلال الحقبة الرومانية. تعود هذه المجس ّّمات إلى القاعة التي تشكّّل مدخلا للقصر، وهي من الحجم المتوس ّّط، ويبلغ طول كل منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعد ّّدة، وع ُُـــــرف فـــي مـعـجـم الــفــنــون الـكلاسـيـكـيـة بــاســم «الــعــرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في الـقـرن الــرابــع، حيث ظهر المسيح مـتـرّّبـعا عليه، وظهرت أمّّـــه الـسـيـدة مـريـم الــعــذراء فـي وضعية مماثلة، وتـحـوّّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلـى واجـهـة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّّى من هذا النقش الناتئ سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، 90 متر، وعرضه مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي. تُُعتبر هـــذه القطعة مــن أشـهـر قـطـع قـصـر الحير الــغــربــي، وهـــي لـيـسـت فــريــدة مــن نـوعـهـا، إذ تقابلها المجس ّّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بـشـكـل كــامــل، وهـــي تـتـشـابـه مــن حـيـث الـتـكـويـن، غير أنـهـا تختلف اخــــتلافا كبيرا فـي التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّّل رجلا ملتحياً، يجلس على عــرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الـوسـط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما مـحـدّّدان، ويعلوهما حــاجــبــان عــريــضــان مــنــفــصلان. سـقـط الأنــــف الـنـاتـئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يــفــصــل بين شـــفـــتين غــابــتــا تــحــت شــــــاربين عــريــضين تـــتـــصلان بـلـحـيـة كـثـيـفـة حـــــد ّّدت خـصـلـهـا بـشـبـكـة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفا عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الــكلاســيــكــي، غـيـر أنـــه يـحـمـل مـسـحـة محلية خـاصـة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقا لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني. تــتــكــرّّر صـــــورة الـــعـــرش فـــي المــجــســمين الـشـبـيــهين، وتـحـضـر فــي كـــل منهما امـــــرأة، فـقـدت إحــداهــمــا رأسـهـا بشكل كــامــل. يظهر الــــرأس الـــذي نـجـا عـلـى قـامـة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كل منهما. الحاجبان مقوّّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهش ّّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشـــبـــه بــشــبــكــة زخـــرفـــيـــة. الـــلـــبـــاس بـــســـيـــط، زيـــنـــتـــه عـقـد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حـول الـخـاصـرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية. تظهر المــرأة الأخــرى في وضعية مشابهة، زينتها ّّــطــه قلادة مــســتــديــرة تــتــدلّّــى منها عــقــد لـــؤلـــؤي تــتــوس ثلاثـــة فـصـوص بيضاوية، وحـــزام يـأخـذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّّز جليسة هذا العرش بما تــرفــعــه ذراعــــاهــــا نــحــو الأعـــلـــى. تـنـتـصـب الــيــد اليمنى عـــمـــودياً، وتـحـمـل كـتـلـة تــبــدو أشــبــه بــكــوز مــن الــرمــان، يقابلها عنقود من العنب يحتل طـرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهـو في قــامــوس الـفـن الـكلاسـيـكـي «قـــرن الـــوفـــرة» المــلــيء بثمار الأرض، وقـــد فــي الــقــرن الــخــامــس قـبـل المــــيلاد فـارتـبـط بسيد العالم السفلي الــذي عُُــرف باسم «هــاديــس»، أي «مــانــح الـــثـــروة»، كـنـايـة عـمـا يحمله بــاطــن الأرض من كنوز تشكّّل جزءا من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال. يــصــحــبــنــا الـــكـــاتـــب الأردنـــــــــي هــاشــم ّّــــار... حـــي ولا غـــرايـــبـــة فـــي روايــــتــــه «الــــبــــح أخـــــــاف»، فـــي رحـــلـــة لاســتــكــشــاف الـــذاكـــرة الإنـــســـانـــيـــة، ومـــــا تــخــتــزنــه مــــن تـفـاصـيـل صغيرة تبدو عابرة، لكنها تظل حاضرة فــي الـــوجـــدان، عــاكــسا فــي أحـداثـهـا سيرة الإنسان عبر تحولات المجتمع، والانتقال بين الطفولة والفقر والشيخوخة، وخوض التجارب الشخصية والعامة التي تطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان والحياة والمصير. تحمل الــروايــة الـتـي صـــدرت طبعتها الـــثـــانـــيـــة عــــن «الآن نــــاشــــرون ومــــوزعــــون» ) فـــي ثــنــايــاهــا عـــــالما روائـــــــيا قــائــما 2026( عـــلـــى الاعـــــتـــــراف واســــتــــعــــادة الـــــذاكـــــرة، مـن خلال شـخـصـيـة «ســلــيــم الـــنـــاجـــي»، الـــذي تظهر مسيرته الحياتية بوصفها تجربة إنسانية بسيطة، بعيدة عن صورة الأبطال التقليديين. تبدأ الـروايـة التي جـاءت فيما يقارب صــــفــــحــــة، مـــــن الــــفــــصــــل الأول «عـــلـــى 130 الـــرصـــيـــف»، حـيـث يـجـد الــــــراوي نـفـسـه في المـديـنـة، بعد انـتـهـاء التحقيق مـعـه، لتبدأ رحــــلــــة اســـــتـــــعـــــادة الماضــــــــــي والــــبــــحــــث فــي تـفـاصـيـل حــيــاة امـــتـــدت عـبـر عـــقـــود. ومـنـذ الصفحات الأولـــى، تتشكل علاقـة وتتوطد تــدريــجــيا بين الـــذاكـــرة والــكــتــابــة؛ إذ يـقـرر الراوي أن يكتب كل ما يعرفه، وكل ما عاشه وقـــــرأه وســمــعــه، لـتـصـبـح الأوراق وسـيـلـة لاستعادة ما غاب من حياته. ويستعيد الكاتب مجموعة من الصور والـروائـح والأصـــوات التي بقيت عالقة في الذاكرة، من صلاة الأم في غبشة الفجر، إلى مذاق «الكردوش» (خبز الشعير) الساخن، وهطول الشهب في ليالي الحصاد، ومذاق الـعـسـل مــع الـسـمـسـم، ورائـــحـــة فــتّّــة الـشـاي بـــالـــخـــبـــز، والــــــــرور بــمــيــنــاء هـــامـــبـــورغ فـي ألمانـيـا، ورذاذ المياه عند شلالات نياغارا، وقـمـر سبتمبر (أيــلــول) على درب مهرّّبي البضائع على الحدود. وتنتقل الــروايــة بين هــذه التفاصيل الحميمة وبين أسئلة أكثر قسوة، تتعلق بــالــفــقــر والمــــــرض والــــحــــروب والـــتـــحـــولات الــســيــاســيــة والاجـــتـــمـــاعـــيـــة. ويــظــهــر ذلــك بوضوح في الفصل الثاني المسمى «زمن الـــخـــســـارات»، الــــذي يستعيد فـيـه الــــراوي طـــفـــولـــة قـــاســـيـــة، مـــنـــذ وُُلــــــد «بين حــــربين عـــــالمـــــيـــــتين»، فـــــي زمــــــــن لـــــم يـــكـــن تـسـجـيـل المـــوالـــيـــد فــيــه أمـــــرا شــــائــــعاً، فـــي حين كــان الفقر والجوع والأمراض ومخاطر الحياة اليومية تحاصر الناس. ويروي البطل جانبا من تلك الطفولة، فيقول إن من ينجو من الإسهال والحصبة والجدري قد يموت بعض ّّة أفعى أو رفسة بغل أو انهيار سقف، قبل أن يذكر حادثة الشقيق الرضيع الذي خطفته «الش ُُّوحة» (طائر الحدأة الجارح) عن البيدر، في حين ِِــمْْــل الــقــش عن كــانــت الأم منشغلة بـفـك ح الناقة. كــمــا يـــتـــنـــاول الـــنـــص علاقـــــة الأجـــيـــال الجديدة بالمجتمع والوطن، عاد ََّا أن جيلا كـــاملا نشأ وســط غياب المـشـاريـع الكبرى التي تستثمر طـاقـات الشباب، وأن هناك ضعف اهتمام بالثقافة والفنون والبحث العلمي، وهو ما يربطه الراوي بالتحولات الـــتـــي دفـــعـــت حــفــيــده «أحــــمــــد» إلــــى مـسـار مختلف تماماً. محمود الزيباوي عمان: «الشرق الأوسط» مجس ّّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر النص الكامل على الموقع الإلكتروني النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky