issue17506

الـــتـــعـــامـــل مــــع المــيــلــيــشــيــات تـــحـــد ســـيـــاســـي وعــســكــري بـالـغ التعقيد، حـيـث يعتمد عـلـى مجموعة مــن السياسات المتشابكة، كل منها يحمل صعوباتِِه ومخاطره. أولـى هذه الــســيــاســات المـــواجـــهـــة الأمــنــيــة والــعــســكــريــة وتـفـكـيـك شبكة الــقــيــادة فـــي مـسـتـويـاتـهـا المـخـتـلـفـة. الـــغـــرض هـنـا اســتــغلال اعتماد الميليشيات عادة على كاريزما القيادة، وفقر الطابع المــؤســســي. لـكـن المـــوضـــوع لـيـس بتلك الـسـهـولـة، مــن ناحية بسبب الإجـراءات الأمنية المكثفة حول قياداتها، ومن ناحية بسبب حساب رد الفعل، أو الخشية من تشظي الميليشيات إلى عصابات صغيرة غير منضبطة، أو المفاجآت، مثل خروج صـف ثـان من القيادات أشـد شراسة من سابقه. الميليشيات الحديثة ليست راكدة، تطو ّّر هي الأخرى طابعا مؤسسيّّاً. الــركــن الـثـانـي فــي مـواجـهـة الميليشيا الـخـنـق المالـــي. وصـعـوبـاتـه تتمثل فــي تـشـعـب مــصــادر الـتـمـويـل وتـعـدد وسائل التمويه. الميليشيات لا تعتمد دائما على مسارات رسمية يسهل حصرها وتتبعها، بل على أفراد وواجهات خيرية واجتماعية، ونشاطات خارجة عن القانون كغسل الأمــــوال والـتـجـارة فـي السلع الأسـاسـيـة. وهـــذه السياسة أيــــضا لا تـخـلـو مـــن مــحــاذيــر، أهـمـهـا الـخـشـيـة مـــن تـحـول المـيـلـيـشـيـا إلــــى عـــالـــم الاقـــتـــصـــاد الــســفــلــي بـــالـــتـــجـــارة في المخدرات، وتأجير الخدمات الإجرامية. وهو مسار متكرر في معظم الميليشيات التي نعرفها. الخنق المالي ينعكس أيــضا على البيئة الحاضنة، مما يمنح الميليشيا فرصة لتقديم نفسها مدافعة عن إفقار بيئتها. الــركــن الـثـالـث فــي الـسـيـاسـة تـقـويـة الـــدولــة المـركـزيـة. وهــو كما نــرى مهمة جـذريـة، إذ لـو كانت الـدولـة المركزية قــويــة لما كــانــت الميليشيا مــن الأســـــاس. نـاهـيـك أن المهمة تصطدم بركن أساسي آخر في عمل الميليشيا وهو وجود الـحـاضـنـة الاجـتـمـاعـيـة. الميليشيا مهما كـانـت قـوتـهـا لن تصمد طــــويلا أمـــام جـيـش نـظـامـي يمتلك سلاحا جـــوياً، ومدفعية ثقيلة، وتأييدا سياسياً، لولا هذه الحاضنة التي تمنح الميليشيا القدرة على التخفي وسط المدنيين، غالبا بـتـرحـاب، ولـكـن بــالإرغــام أيـــضاً. ومــا مـن مواجهة ناجعة مـع ميليشيا، إلا وتـعـرضـت لانـتـقـادات قـويـة بسبب عدد الضحايا من المدنيين، والتي بدورها تغذي الدعاية ضد القوات النظامية. تكتمل الأركان الأربعة بعقاب الراعي الأساسي، وهو فـي كثير مـن الأحـيـان دولــة نظامية. مـا ينقل المشكلة إلى بعد أكبر، قد يهدد استقرارا إقليميا في منطقة، أو يهدد السلم العالمي بتشابك المصالح. ويحتاج تنفيذه إلى فارق قـــوة حـاسـم لـصـالـح الـــدولـــة المــتــضــررة. الـــولايـــات المتحدة كونها قـوة عظمى فعلت ذلـك مع تنظيم القاعدة ورعاته، بل ومد ََّت العقاب إلى دول أخرى لا علاقة لها بالتنظيم، من باب التكشير عن الأنياب. هنا لا بد من التوقف عند نقطتين. أولاًً: تعذر الإنجاز الكامل لسياسات المواجهة لا يعني التخلي عنها. وثانياً: الإعلام القوي بطانة مصاحبة لكل تلك السياسات. يجب أن نتذكّّر دائما أن هدف القضاء على ميليشيا بوصلة في طريق الوصول إلى نقطة حل سياسي، نقطة تفاوضية إن وصلنا إليها استقرت الأوضاع بشكل معقول. وهنا تبرز الفروق بين أنواع الميليشيات وأغراضها. المشكلة الجوهرية في الميليشيات الدينية صعوبة وضع الـيـد عـلـى نقطة سياسية واقـعـيـة تـطـرح إمـكـانـيـة لإنـهـاء الص ّّراع. الص ّّراع بالنسبة لها غرض في حد ذاته، جائزته لا تـنـتـمـي إلـــى هـــذا الــعــالــم، وإن فـعـلـت فـمـسـوغـهـا الأكـبـر الإرهــــــاب والاســـتـــعـــداد لــلــمــوت، ولـــيـــس الـــــوزن الـسـيـاسـي الفعلي. بمعنى أن منحها مطلبها السياسي سيتحول إلــى مشكلة أكـبـر، على كـل مـن حولها، خـصـوصا بيئتها الحاضنة. الطرف الـذي يواجه الميليشيا يراكم بعد حين خبرة ونمط حياة تجعله قادرا على تحجيم خطرها والتعايش مـعـه، وفــي بعض الأحــيــان تركيب مجموعة مـن المصالح الـسـيـاسـيـة المـــرتـــكـــزة عــلــى وجــــود ذلــــك الــخــطــر. عــنــد هــذه النقطة تدفع البيئة الحاضنة الثمن، مؤجلا ومقدماً. يـــصـــعـــب الـــــجـــــزم بـــمـــا ســـتـــفـــضـــي إلــــيــــه الانـــتـــخـــابـــات الإسرائيلية الأخيرة، وسط تقلب موازين القوى الحزبية والانـقـسـامـات السياسية والمجتمعية، ومــا قـد تـفـرزه من ائـــتلافـــات حكومية هـشـة. ولا تـقـل الانـتـخـابـات النصفية الأمـيـركـيـة المـرتـقـبـة أهـمـيـة، لاخـتـبـارهـا قـــدرة الإدارة على تنفيذ أولوياتها وإدارة الأزمات الخارجية، خصوصا في الشرق الأوسط. إسرائيلياً، تتجاوز المسألة المفاضلة بين بنيامين نـــتـــنـــيـــاهـــو وغـــــــــادي آيــــزنــــكــــوت إلــــــى مــســتــقــبــل الـــحـــيـــاة السياسية والاجتماعية وتركيبة الحكومة وقاعدتها الـبـرلمانـيـة ومـــدى اعـتـمـادهـا على الـقـوى الأكـثـر تـشـدداً. فتغيير رئيسها لا يضمن تحولا جـذريا تجاه فلسطين وإيران ولبنان، لكن ََّه قد يبدل الأولويات وأساليب إدارة الصراع وحــدود التجاوب مع الدبلوماسية، مع أهمية دور الــنــواب الــعــرب فــي الـكـنـيـسـت. أم ََّـــا عـــودة نتنياهو وفـريـقـه، فتطرح ســـؤال اسـتـمـرار النهج الـقـائـم وحــدود تعديله. أميركياً، تمثل الانتخابات استفتاء على حكم دونالد تـرمـب، وتـحـدد مــوازيــن الـقـوى فـي الـكـونـغـرس. فاحتفاظ الجمهوريين بالمجلسين يوس ّّع هامشه، وخسارة أحدهما أو كـلـيـهـمـا تــصــع ّّــب تــمــريــر أولـــويـــاتـــه وتــمــويــلــهــا. ورغـــم صلاحـــيـــاتـــه الـــخـــارجـــيـــة الـــواســـعـــة، ســتــؤثــر الــنــتــائــج في حساباته وتكلفة خياراته، دون حسم اتجاهها. فهل تتيح التحولات في واشنطن وتل أبيب الانتقال مـــن الاســـتـــنـــزاف الــعــســكــري إلــــى تـــســـويـــات مـــســـتـــدامـــة؟ أم تــدفــع الــحــســابــات الانــتــخــابــيــة والــتــصــلــب الآيــديــولــوجــي وتضارب المصالح الإقليمية والدولية إلى إطالة الحروب وتوسيعها؟ الأرجـــــــح أن يـــتـــأثـــر مـــســـار المــنــطــقــة بـــالاســـتـــحـــقـــاقين، تــبــعا لـتـوظـيـف نتائجهما وتـكـلـفـة المـــراوحـــة عـلـى دولـهـا ومجتمعاتها وإيـران وإسرائيل والولايات المتحدة. وأمام الإقـلـيـم مــســاران رئـيـسـيـان: تسوية تـقـودهـا واشـنـطـن مع طـهـران، أو جولة عسكرية لتعديل شــروط الـتـفـاوض، مع بقاء الاستنزاف احتمالا إذا استمر الـتـردد الأميركي بين الضغط والتسوية. المـسـار الأول اتـفـاق مـع إيـــران يتصدره الملف النووي وفتح مضيق هرمز، وضمان أمن الملاحة وإمدادات الطاقة، فيما تتراجع الملفات الإقليمية الأخرى، أو ت ُُعالج بتفاهمات جزئية تحتوي التصعيد دون معالجة مصادره. الخطر أن تثبّّت التسوية نفوذ القوى المرتبطة بإيران مــقــابــل الــتــهــدئــة. فــالاكــتــفــاء بـضـبـط عــمــلــيــات الــحــوثــيين و«حـــزب الـلـه» والـفـصـائـل المـوالـيـة لـطـهـران بـالـعـراق، دون معالجة سلاحها وعلاقتها بالدولة، قد يخفف المواجهة الإقليمية، لكنََّه يعزز استقواءها على السلطات الشرعية وتـهـديـدهـا للآخـــريـــن. ليست هـــذه نتيجة حتمية، لكنََّها أرجــــح إذا اخـتـزلـت واشـنـطـن الـنـجـاح فــي تقييد الــنــووي وتأمين الممرات البحرية. المسار الثاني مواجهة أميركية - إسرائيلية مع إيـران إذا فشلت المفاوضات وأقنعت القيادة الإسرائيلية، برئاسة نتنياهو أو غيره، ترمب بجدوى القوة. والرهان سيكون على عملية سريعة تضعف قدرات طهران وتنتزع تنازلات أوسع، لكن قصر الحرب وضبطها غير مضمونين، وإنهاك إيران قد يدفعها إلى توسيع المواجهة بدل المرونة التفاوضية. وإذا فتحت الضغوط العسكرية بـاب الدبلوماسية، فالتحدي هو التوصل لتسوية تتجاوز وقف النار المؤقت، بمشاركة عربية فاعلة، خصوصا السعودية ودول الخليج، تضمن عدم اختزال مصالح المنطقة في التفاهم الأميركي - الإيـــرانـــي أو المـطـالـب الإسـرائـيـلـيـة. فــالاسـتـقـرار يتطلب معالجة سـيـادة الـــدول والـــسلاح خــارج مؤسساتها وأمـن الملاحة والملفين النووي والصاروخي، وفتح أفق سياسي للقضية الفلسطينية. هــــــذان المـــــســـــاران يـــفـــرضـــان عـــلـــى الـــعـــواصـــم الــعــربــيــة تحديد أولوياتها المشتركة دفـاعا عن سيادتها ومصالح مجتمعاتها، والمــشــاركــة فــي صـيـاغـة شــــروط الاســتــقــرار، بتنسيق يتجاوز احتواء المواجهة إلى الاستعداد لما بعدها من تفاهمات وتوازنات. كيف يحمي لبنان والـعـراق واليمن والفلسطينيون مصالحهم، رغم اخـتلاف ظروفهم وغياب سيطرتهم على قرار الحرب والتسوية وشروطهما؟ البداية بالخروج من الانــتــظــار: فــالاســتــعــداد لـلـحـرب يقتضي حـمـايـة المــدنــيين وتـــــــــأمين الأســـــاســـــيـــــات وتــــعــــزيــــز اســـتـــجـــابـــة المـــؤســـســـات والـتـنـسـيـق الــعــربــي، وتــعــزيــز الـــقـــدرات الـوطـنـيـة وتـنـويـع الشراكات. ولا تتساوى قدرات هذه الدول على التأثير، ولا تُُحل أزماتها بصيغة واحــدة. ويبدأ جهد الــدول العربية بدعم مؤسساتها الشرعية وإشراكها في ترتيبات مستقبلها، بدل الاكتفاء بإبلاغها بقرارات الآخرين. فـالـتـحـوط مـــن الـتـسـويـة ضـــــروري مـثـل الــتــحــوط من الحرب، والمطلوب تحديد المصالح الوطنية وبلورة مواقف عربية واضحة قبل استقرار التفاهمات، ورفض مقايضة الــتــهــدئــة بــتــكــريــس الــــــسلاح خـــــارج الــــدولــــة أو فــصــل أمــن فلسطين عن الحقوق الوطنية. وتزداد أهمية هذا الاستعداد لأن النجاح الدبلوماسي للقوى الكبرى قد يُُثقل أعباء الــدول الأضـعـف. فالتسوية تـــقـــاس بـضـمـانـاتـهـا وتــنــفــيــذهــا ومـــنـــع تـــجـــدد المـــواجـــهـــة. وبغياب أصحاب المصلحة، قد تكتفي المفاوضات بـإدارة النزاع وتوزيع أكلافه بدل حله، لتتحمل المجتمعات مجددا ثـمـن تـرتـيـبـات لـــم تـــشـــارك فـــي صــوغــهــا، ولا تـمـلـك أدوات مراجعتها أو الاعتراض عليها. الــــخلاصــــة أن الانـــتـــخـــابـــات فـــي واشـــنـــطـــن وتــــل أبـيـب تكشف أزمــة تتجاوز تنافس الـيـمين والـيـسـار إلــى طبيعة النظام وتماسك المجتمع، لأن الانقسام الداخلي أخطر على مستقبلهما من التهديدات الخارجية. أمََّــا المنطقة، فوقف الـحـرب مكسب إنساني وسياسي ضـــروري، لكن تحويله إلـى سلام مستدام يقتضي معالجة جـذور النزاعات، وفي مقدمها تـآكـل سـيـادة الـــدول. فتحقيق الاسـتـقـرار يتجاوز إسكات السلاح وتقاسم النفوذ إلى استعادة الدول سلطتها الشرعية وتعزيز مؤسساتها وضمان حقوق شعوبها، وإلا بقي وقف الحرب هدنة هشة تُُبقي المنطقة ساحة صراعات، وترهن شعوبها لتسويات تُُبرم دون مشاركتها. وأنــــــا أقــــــرأ أوراق ابـــنـــتـــي لــلــتــقــدم إلـــى الجامعة، خفت أن تمتد يدي، بحكم المحبة، إلــــى مــحــو شــــيء مــنــهــا. أردت أن أفـــتـــح لها باب المستقبل، فـإذا بي أتساءل عم ََّا ينبغي أن تتركه مـن نفسها عند العتبة كـي يُُفتح الباب. ولعل أشد ما يخيف الأب أن يكتشف أن حرصه قد يصبح قلم الرقيب، وأن يأتي أول درس في الصمت بصوته هو. في رسالته إلى ابن أخيه، كتب جيمس بـــالـــدويـــن: «لا ســبــب يـــدعـــوك إلــــى مــحــاولــة الــتــشــبّّــه بــالــبــيــض، ولا أســــاس لافـتـراضـهـم المـتـعـجـرف أن عليهم قــبــولــك». كـــان يحمي شابا يحبه من أحكام عالم يريد تعريفه من الـخـارج. وأمــام أوراق ابنتي، سألت نفسي: هـل أساعدها على العثور على صوتها، أم أهيئه لما أتخيل أن الآخرين يريدون سماعه؟ ابـــنـــتـــي، نـــعـــمـــة، فــــي الـــســـابـــعـــة عـــشـــرة، تريد دراسـة العلوم السياسية وفهم الشرق الأوسط، المنطقة التي تعرف لغتََها وتتحدر منها أسرتها. وحين سألت زملاء من أساتذة السياسة في جامعات تفكر في التقدم إليها، بــيــنــهــا أكـــســـفـــورد وهــــــارفــــــارد وكــولــومــبــيــا وجـــورجـــتـــاون، تـــكـــر ََّرت نـصـيـحـة أقـلـقـتـنـي: الأفـــضـــل ألا تــذكــر الـقـضـيـة الفلسطينية أو تـعـلـن مــوقـــفا مـنـهـا فـــي مــقــال الـتـقـديـم الـــذي تعرّّف فيه بنفسها وطموحاتها، وهو جزء من إجراءات القبول يختلف عما اعتدناه في بلادنا. لا أمـــلـــك دلـــــيلا عــلــى أن ســيــاســة كـهـذه تتبعها الجامعات المــذكــورة، لكن انسحاب الـــــــؤرخ رشـــيـــد خــــالــــدي، بـــعـــد تـــقـــاعـــده، مـن تــــدريــــس مــــقــــرر فــــي كـــولـــومـــبـــيـــا احـــتـــجـــاجا على اتفاقها مـع إدارة تـرمـب والـقـيـود على الــتــعــبــيــر، جــعــل نـصـيـحـة أصـــدقـــائـــي تـبـدو تحذيرا يستحق التأمل. وصلت إلـى مائدة بيتنا، وأخــــذت مـكـانََــهـا بيني وبين كلمات ابـنـتـي. صـــرت أقـــرأ بـعـيـنين: عين أب يسعد باستقلال رأيها، وعين تخشى أن تدفع ثمنه. وبين العينين فهمت كيف يدخل الخوف إلى المحبة، وكيف نعلّّم أبناءنا التنازل ونحن نظن أننا نعلّّمهم العبور. كـنـت أقــــول لـهـا دائـــــماً: تـكـبـدت صـعـاب الـحـيـاة فــي الــغــرب لـتـكـون لــي ابــنــة حــــرة، لا يحجر أحـد على رأيها. وكنت فخورا بذلك. والآن أجدني أدعوها إلى ترك رأيها عند باب الجامعة، وأقول لها إن ََّها تستطيع استعادة صوتها بعد الــدخــول. لكن إذا بــدأ التََّخلي عند الجامعة، فماذا نترك عند باب الوظيفة أو الـحـب أو المـكـانـة؟ وكــم بـــابا نعبر قبل أن نكتشف أن الطريق احتفظ بأجزاء منا أكثر مما حملنا إلى نهايته؟ عـنـدمـا كـنـت صـغـيـراً، كـنـت أتــصــور أن المـــوت يـأخـذ قـطـعا مـن أجـسـادنـا: كلما مات حبيب أو قريب، فقدنا ذراعا أو قـدماً، حتى ننتهي بعد رحيل أحبائنا. واليوم أفكر في حرية الفكر بالطريقة نفسها: كم يتبقََّى من ابنتي إذا تخلََّت عـن حريتها قطعة قطعة، من أجل جامعة، ثم وظيفة، ثم زوج؟ أعـادتـنـي الـحـيـرة إلـــى صـــوت أم ّّـــي قبل سـفـري إلـــى أمـيـركـا. قــالــت: لا تـكـن كـالـغـراب الــــــــذي أعـــجـــبـــتـــه مـــشـــيـــة الـــحـــمـــامـــة فـــحـــاول تــقــلــيــدهــا. ظــــل يـــتـــدرب حــتــى نــســي مشيته الأصـلـيـة ولـــم يتعلم مشيتها، ومـــن يومها يمشي كــالأعــرج. ســافــرت، وبـقـي غـــراب أمي يمشي معي. وكلما أغراني التقليد، تذكرت الطائر الـذي خسر خطوته وهو يتطلع إلى خطوة سواه. لم تمنعني الحكاية من التعلم والتغير، لكنََّها أبقت ســـؤالاًً: هل أتسع لما أتعلمه، أم أضيق بنفسي؟ رويتها لابنتي، فضحكت، وهي لم تر جدتها. وخشيت أن أكون، بحسن نية، أدرّّبـهـا على مشية لا تخص ّّها، بعد أن ورثت حكاية تحذرني منها. يـبـدأ الأمـــر بنصيحة مـؤقـتـة: تـجـاوزي الموضوع حتى تُُقبلي. ثم تأتي التوصيات والـوظـيـفـة والــتــرقــيــة، ولــكــل مـحـطـة أسـبـاب معقولة لتأجيل الــــكلام. وقــد يبلغ الإنـسـان المكان الذي أراده، وقد نسي ما أراد قوله عند بداية الرحلة. لـم تكن فلسطين خـبـرا بعيدا نناقشه. ََّــن يــحــق لــه الـــــكلام، وبــأي صــــارت ســــؤالا عــم ثمن. هل أقبل الحرية التي دعوت إليها حين تصبح لها تكلفة؟ وهـل أثـق بتربيتها على التفكير إذا انتهى تفكيرها إلى موقف أخاف عـواقـبـه؟ أدركـــت أنني لا أستطيع أن أعدها بعالم منصف، لكن بوسعي ألا أجعل البيت أول مؤسسة تطلب منها إخفاء نفسها، وألا أقـــدم خـوفـي إلـيـهـا فــي هيئة حكمة لا تقبل النقاش أو المراجعة. وقــد يمتد الـتـفـاوض إلــى الملامــــح. أرى إقــبــال الـشـبـاب عـلـى عمليات التجميل، ولا أتـحـدث عـن رغـبـة أبدتها ابنتي، ولا أحاكم اختيارا شخصياً. ما يقلقني ضغط يجعل ملامـــح الأصـــل عـبـئاً، ويََــع ِِــد الإنــســان بقبول أسهل إذا صـار أقـل شبها بالمكان الـذي جاء منه. ويمتد إلى رفيق الحياة: هل نختار من نحب، أم من نظن أن اختياره يثبت اندماجنا، أو يرضي أسرنا، أو يمنحنا مكانة؟ أخشى أن يصبح إرضـاء الآخرين تدريبا يبدأ أمام قارئ مجهول لطلب الجامعة، ثم يستقر في أكثر قراراتنا خصوصية. وأعــــــرف أن للأب نــصــيــبا مـــن الـخـطـر. فـقـد أطـــالـــب ابـنـتـي بــالاحــتــفــاظ بـمـا أسميه هـويـتََــهـا، فأجعل حريتََها أسـيـرة تعريفي. ليس مطلوبا منها أن تحمل آرائي وحنيني وبلادي على كتفيها. مـن حقّّها أن تتغير، وأن تصنع حـيـاة تفاجئني. وحـتـى حكاية أمـي لا تمنحني حق اختيار مشيتها؛ إنّّها تذكرني بأن أترك لها فرصة العثور عليها. هــكــذا تــدخــل الـسـيـاسـة الــدولــيــة بيتك: فـــي كـلـمـة تـقـتـرح تـخـفـيـفـهـا، وفـــقـــرة تخشى عــاقــبــتــهــا، ونــصــيــحــة حــانــيــة تــحــمــل خـــوفا أكـــبـــر مــمــا تــعــتــرف بــــه. لـــذلـــك أراجـــــع خـوفـي قبل أن أجعله وصية. تركت لي أمي حكاية تساعدني على تمييز خطوتي؛ وأتمنََّى أن أتـرك لابنتي محبة تطمئنها وهـي تكتشف خطوتها، دون اسـتـعـارة مشية أحـــد، حتى أبيها. وأدعو ربي أن يهدَيَها سواء السبيل، وكذلك أبناءكم. OPINION الرأي 12 Issue 17506 - العدد Monday - 2026/11/2 الاثنين المنطقة بعد الانتخابات... أي حرب وأي تسوية؟ مشكلة الميليشيات العقائدية عندما تدخل السياسة الدولية بيتك وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مأمون فندي سام منسى خالد البري

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky