issue17505

صدر حديثا عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قـرأوا حتى أصبحوا أغـــبـــيـــاء: مـــرافـــعـــة ضـــد الـــغـــبـــاء» لـلـنـاقـد والأكـــاديـــمـــي الـبـحـريـنـي الــدكــتــور نـــادر كاظم. والكتاب مرافعة متعددة المداخل ضد الغباء، ضد أبرز أشكاله وتجلياته مــنــذ الـــقـــرن الــتــاســع عــشــر حــتــى الــيــوم، وضـــد مـــن يـقـف وراء تـعـمـيـمـه مـــن أجـل تـحـويـل الــنــاس إلـــى أغـبـيـاء بـكـل الـطـرق الممكنة، وحتى عبر القراءة. فصلاًً، تعالج 15 يتكون الكتاب من مـــوضـــوع الــــقــــراءة مـــن مــنــظــور ثــقــافــي، وتـطـرح العديد مـن الـتـسـاؤلات حولها، بوصفها أساسا للمعرفة، وبوصفها قد تـكـون أحـيـانا مـوضـوعا لإنـتـاج الغباء، فـهـي لـيـسـت دائـــــما وسـيـلـة لـلـتـقـدم، بل قــد تصبح إحـــدى وســائــل إعــــادة إنـتـاج الـــتـــخـــلـــف، الـــــذاتـــــي والـــجـــمـــعـــي، لـيـسـت الـــقـــراءة فــقــط، بـــل الـكـتـابـة أيـــــضاً. وهـو مـا يتبدّّى فـي عناوين بعض الفصول، مـــثـــل «الـــكـــتـــابـــة مــــن أجـــــل المال لا تـنـتـج غير الهراء»، و«الكاتب النجم، والكاتب النيزك»، في إشارة إلى أن بعض الكتّّاب ي ُُضيئون سريعا وينطفئون سريعاً. كما يـنـاقـش فـــي فــصــول أخــــرى مـوضـوعـات ثقافية ملحة في الواقع الثقافي والأدبي العربي، مثل «صناعة الثقافة والخداع الـجـمـاهـيـري»، و«هـــل أصـبـحـت الــروايــة أفيون الشعوب؟». ولـــنـــادر كـــاظـــم، الــــذي يـعـمـل حــالــيا أســتــاذا لـلـدراسـات الثقافية فـي جامعة البحرين، العديد من الإصــــدارات، منها «تـمـثـيلات الآخـــر»، و«الـهـويـة والـسـرد»، و«اســـــتـــــعـــــمـــــالات الــــــــذاكــــــــرة»، و«خــــــــارج الـــــجـــــمـــــاعـــــة»، و«الـــــشـــــيـــــخ والــــتــــنــــويــــر»، و«كراهيات منفلتة»، وغيرها من الكتب المـعـنـيـة بـالـنـظـريـة الـنـقـديـة والـــدراســـات الثقافية. من أجواء الكتاب نقرأ: م)، 79 - م 23( «ي ُُروى أن بليني الأكبر عالم الطبيعة الـرومـانـي، كـان مهووسا بالقراءة، وأنه كان يقرأ باستمرار، وفي كـــل مـــكـــان؛ عـلـى المائــــــدة، وفـــي الــــرحلات والسفر، وفي الحمام عندما يدلك الخدم بدنه ويجففونه، بـل كـان الـرجـل يُُحمل في أرجــاء رومـا على كرسي من أجـل أن يتفرّّغ للقراءة، حتى إنه وبّّخ، مرة، ابن أخـيـه، بليني الأصـغـر، لأنــه كــان يمشي على قدميه ويُُهدِِر وقته بلا فائدة. كان الرجل يقرأ كل ما يقع بين يديه من كتب جـــيـــدة أو رديـــئـــة. عــلــى الـــضـــد مـــن هـــذا، كــان آرثــر شوبنهاور يشمئز مـن هوس بليني الأكبر الغريب بالقراءة، بل اعتبر هـــذا الــهــوس علامــــة عـلـى الــغــبــاء، وكـــأن الـــرجـــل كــــان (يـفـتـقـر بـــشـــدة إلــــى أفـــكـــاره الـخـاصـة، لـدرجـة أنــه كــان لا بـد مـن نقل أفكار الآخرين إليه باستمرار، تماما كما يُُــعـطـى الـحـسـاء الـصـافـي لمــريــض السل لإبـقـائـه عـلـى قـيـد الــحــيــاة). كـــان بليني الأكــبــر، بحسب شـوبـنـهـاور، عـاجـزا عن الــتــفــكــيــر الــــذاتــــي، فـــعـــو ّّض هــــذا الـعـجـز بكثرة القراءة. وماذا تفعل كثرة القراءة؟ إنــهــا تـشـل تـفـكـيـرنـا، وتـجـعـلـنـا أغـبـيـاء أكثر مما كنا، فهل هذا صحيح؟». الثقافة CULTURE 17 Issue 17505 - العدد Sunday - 2026/11/1 الأحد أحمد عبد المعطي حجازي مع بداية الألفية الثالثة جنحت الثقافة مع الاقتصاد والاجتماع إلى العولمة تاريخ العالم الحديث في كبسولة إلى 1950 «تاريخ العالم الحديث من يومنا هذا» عنوان كبير لكتاب صادر في هذا العام من تأليف جيرمي بلاك (الناشر: أركتوروس، لندن). Jermy Black، A History of the( to the Present 1950 Modern World: from ،Day (Arcturus Publishing Ltd، London 2026 لــلــوهــلــة الأولـــــــى يـــتـــســـاءل المـــــــرء: هـل 254 يمكن لكتاب واحـــد لا يتجاوز طـولـه عـــــاما كـانـت 76 صــفــحــة أن يــلــم بــــأحــــداث مــن أحـفـل الأعــــوام بــأحــداث جليلة شكلت تـصـوراتـنـا للحياة عـقـب الــحــرب العالمية الـــثـــانـــيـــة؟ الإجـــــابـــــة أن مــــؤلــــف الــــكــــتــــاب - وهـــــو أســــتــــاذ لـــلـــتـــاريـــخ بــجــامــعــة إكـسـتـر البريطانية - ينجح في بلوغ هـذا الهدف شـبــه المـسـتـحـيـل وذلــــك مـــن خلال تـركـيـزه على الانفجار السكاني العالمي، وتغيرات المـــنـــاخ والاحـــتـــبـــاس الـــــحـــــراري، وانــتــشــار قيم ليبرالية جديدة بخصوص الأقليات، ودخول التلفزيون كل بيت تقريباً، وعصر الحاسوب والشبكة العنكبوتية الدولية، والاكتشافات في مجال الفضاء، والتقدم الطبي والتكنولوجي. يقسم المؤلف كتابه إلى فصول تحمل هذه العناوين: البيئة، الإنسانية، المجتمع، الـتـقـنـيـات، الاقــتــصــاد، الـثـقـافـة، السياسة الـعـالمـيـة، الـسـيـاسـة الـقـومـيـة - الـنـظـر إلـى المستقبل. وأقتصر هنا، في ضـوء الحيز المكاني المتاح، على عرض جانب واحد من هذه الجوانب هو الجانب الثقافي. كـــانـــت الـــثـــقـــافـــة فــــي مــنــتــصــف الـــقـــرن الماضــــي محكومة إلـــى حــد كبير بالحرب الــبــاردة بين معسكرين: المعسكر الشرقي ويـــمـــثـــلـــه الاتـــــحـــــاد الـــســـوفـــيـــاتـــي والـــــــدول الـشـيـوعـيـة الــــدائــــرة فـــي فــلــكــه، والمـعـسـكـر الـــغـــربـــي الـــرأســـمـــالـــي وتـــمـــثـــلـــه الــــولايــــات المـــتـــحـــدة الأمـــيـــركـــيـــة وأوروبــــــــــا الــغــربــيــة. اعـــتـــنـــق المــعــســكــر الأول مـــبـــدأ «الـــواقـــعـــيـــة الاشـتـراكـيـة» فـي الفن والأدب، بينما مال المعسكر الثاني إلـى التجريب الحر شكلا ومـضـمـوناً. وانـعـكـس الــصــراع بين هذين القطبين المتقابلين على الكثير مـن بلدان أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية كما في الـجـدال الـــذي ثــار فـي أكـثـر مـن قطر عربي حـــول عـقـيـدة «الــفــن لـلـفـن» وعـقـيـدة «الـفـن للمجتمع». ومــــع بـــدايـــة الألــفــيــة الــثــالــثــة جنحت الثقافة - مـع الاقـتـصـاد والاجـتـمـاع - إلى العولمة نتيجة لمحو الأمية (كما حدث في الصين) وارتفاع نسبة المتعلمين في العالم الثالث والدخول في عصر الرقمنة. وتجلى ذلــك فـي عــدة مــجــالات: الـريـاضـة البدنية، والــســيــنــمــا، والـــتـــلـــفـــزيـــون، وفــلــســفــات ما بعد الحداثة، والموسيقى الـدارجـة، والفن التشكيلي، والعمارة. فــــالــــريــــاضــــة الــــبــــدنــــيــــة - خــــصــــوصا كـــــرة الــــقــــدم - أصـــبـــحـــت وثـــيـــقـــة الارتــــبــــاط بالسياسة. ومن الأمثلة على ذلك مقاطعة عـــديـــد مــــن الـــــــدول لـــجـــنـــوب أفـــريـــقـــيـــا حين كانت تمارس نظام الفصل العنصري بين البيض والسود، ثم في فترة أحدث ما ثار من خلاف حـول مشاركة روسيا في دورة الأولمبية بعد غزوها لأوكرانيا. 2024 وفـــــي مـــجـــال الـــفـــن الــســيــنــمــائــي أكـــد الـنـمـوذج الأمـيـركـي وجـــوده بافتتاح عدة مـــدن تـرفـيـهـيـة عـلـى نـسـق «ديـــزنـــي لانـــد» فـي كاليفورنيا وفـلـوريـدا ثـم فـي طوكيو وبــــاريــــس (اســتــقــبــل هــــذا الأخـــيـــر فـــي عــام مليون زائر). 375 :2022 ولـــــكـــــن الــــفــــيــــلــــم الأمـــــيـــــركـــــي لــــــم يــكــن الوحيد في الساحة فقد نافسته السينما الإيـــطـــالـــيـــة بــــــأفلام «الـــواقـــعـــيـــة الـــجـــديـــدة» مـنـذ أواخــــر الأربــعــيــنــات، وفـرنـسـا بـــأفلام «الموجة الجديدة» في أواخر الخمسينات، والسينما الألمانـيـة الجديدة (مـن أعلامها ،1982 -1962 فيرنر هــرتــزوج) فـي الفترة والـــســـيـــنـــمـــا الـــهـــنـــديـــة (بــــولــــيــــود) غـــزيـــرة الإنــتــاج، والسينما النيجيرية (المـعـروفـة بــاســم نـــولـــيـــود)، أمــــا الـسـيـنـمـا الصينية فظلت موثقة إلى عجلة النظام السياسي. وظهرت أفلام جريئة في نقدها للسياسات الأمـيـركـيـة، مثل فيلم «يـــوم القيامة الآن» ) وهـــــو إدانــــــــة لـــحـــرب أمـــيـــركـــا فـي 1979( فيتنام. وأدى انتشار التلفزيون إلــى تراجع نسبي في عدد متابعي الإذاعة والسينما، وارتـــفـــاع مـمـثـلـي الــشــاشــة الـصـغـيـرة إلـى شـــهـــرة لا تـــقـــل عــــن شـــهـــرة أبــــطــــال الأفلام الــســيــنــمــائــيــة. وكـــثـــرت المـــســـلـــسلات الـتـي تـــتـــنـــاول الـــحـــيـــاة الاجــتــمــاعــيــة فـــــضلا عن الحلقات الفكاهية والبوليسية. وتزايدت ساعات الإرســـال وظهرت قنوات فضائية جــــديــــدة. ومـــــن المـــســـلـــسلات الـــتـــي حـظـيـت بنسبة مـشـاهـدة عالية مـسـلـسلات تركية وبعض مسلسلات عربية. فإذا جئنا إلى مجال الفلسفة والأفكار وجدنا أن الوجودية التي أرسى قواعدها كـيـركـغـارد الـدنـمـاركـي وهـايـدغـر الألمانـــي وسارتر الفرنسي كانت قوية التأثير في العقدين التاليين للحرب العالمية الثانية، وتـزامـن ذلـك مـع مسرح العبث الــذي كتبه صمويل بكيت ويــوجين يونسكو وأرتـور أدامـوف. ولكن ظل الوجودية بدأ ينحسر مـع ظهور البنيوية على أيــدي فـرنـان دى سـوسـيـر وكــلــود لـيـفـي ســـتـــراوس ورولان بـــارت. وأعقبتها مـذاهـب مـا بعد الحداثة مـثـل الـتـفـكـيـكـيـة (جــــاك دريـــــدا) وفـلـسـفـات ميشيل فوكو وجاك لاكان ولوي ألتوسير وهــــــــي تــــــرتــــــوي مــــــن الأنـــــظـــــمـــــة الـــفـــكـــريـــة للماركسية والتحليل النفسي الفرويدي. عـلـى أن هـــذه ظـلـت فــي الأغــلــب الأعــم فـلـسـفـات أوروبـــيـــة وغــربــيــة لـــم تــتــرك أثـــرا يــذكــر فــي الــعـالــم الإسلامـــــي وفـــي الـــصين. وفـــــي الـــعـــالـــم الـــعـــربـــي كـــــان الــــجــــدل يــــدور أســاسا بين النظرة إلـى العالم من منظور ديني والنظرة من منظور علماني. وفــي مـجـال الــروايــة أفسحت روايـــات الـــحـــداثـــة عـمـيـقـة المــحــتــوى (مـــثـــل روايـــــات جيمس جـويـس وأنـــدريـــه جـيـد وتـومـاس مـــان وفــرانــز كـافـكـا) الـطـريـق لأعــمــال أكثر مـبـيـعا وأعــظــم رواجا مـثـل روايــــات أجـاثـا كـــريـــســـتـــي الــــتــــي تـــرجـــمـــت إلــــــى أكــــثــــر مـن مـائـة لـغـة، وحـظـيـت الأفلام المأخـــــوذة عن روايــاتــهــا مـثـل «جـريـمـة فــي قـطـار الـشـرق ) و«مـــــــوت عـــلـــى الــنــيــل» 1974( » الـــســـريـــع ) بملايين المشاهدين. 1984( وتـــتـــكـــامـــل الـــــصـــــورة مــــع الـــكـــلـــمـــة فـي كتاب جيرمي بلاك فنجد فيه، إلى جانب الـخـرائـط والــرســوم البيانية، عـــددا كبيرا مـــن الـــصـــور الـــفـــوتـــوغـــرافـــيـــة لـشـخـصـيـات وأحـــداث وأمـاكـن شتى تجتمع على رسم صـــورة حـيـة لأجــــواء الـعـصـر الـحـديـث في عقل القارئ ومخيلته. جيمس جويس جان بول سارتر د. ماهر شفيق فريد كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي الشعر... ونقد الشعر لا تزال الأسئلة التي ط ُُرِِحت على حركة الشعر الجديد أو شعر التفعيلة تُُطرََح حتى الآن، ولا تجد في معظم الأحيان من يلتفت لها أو يجيب عنها. ونـحـن نـعـرف أن حـركـة الـتـجـديـد الـشـعـريـة فـرضـت نفسها فــي أواســـط القرن الماضــي على أقـل تقدير، وأثــارت عواصف من التأييد ومـن المعارضة، وطرحت أسئلة قدمت فيها إجابات مختلفة، ناقشها المؤيدون والمعارضون وأجابوا عنها إجابات شتى، لكن الحركة ظلت تشق طريقها، وتنتج أعمالا وأجيالا جديدة أضافت الكثير دون أن تواكبها بالقدر الكافي أعمال نقدية تضيف للأعمال النقدية التي سبقت، وتستخرج من الإبداع الجديد المختلف تفسيرات جديدة يحتاج إليها الشعر، وتحتاج إليها الأجيال الجديدة من قراء الشعر حتى تعرف عن النصوص الجديدة التي تقرأها ما يثير تطلعها، ويساعدها على التأمل والتذوق، ويعدها بقراءة ممتعة. متى ظهرت حركة التجديد في الشعر؟ وأيــن ظهرت؟ وعلى يد مََــن مِِن الشعراء؟ وما الذي أضافته للشعر العربي؟ هذه الأسئلة تجعلنا نتساءل في مقابلها عن الأسباب التي تح ُُول بين النقاد ومؤرخي الأدب وبين التصدي للإجابة عن أسئلة مطروحة على حركة أدبية نشيطة تبنتها الأجيال الجديدة من الشعراء في مختلف الأقطار العربية، وكان لها دورها في نشاطنا الثقافي في الأدب والمسرح، وكان لها حضورها في نشاطنا العام. مــا هــي الأســبــاب الـتـي حـالـت دون الـتـصـدي للتعريف الــواجــب بحركة تمردت على التقاليد الشعرية المـوروثـة التي ظلت ثابتة لا تتطور أكثر من ألـف وخمسمائة عــام، وتـحـررت منها، وإن ظلت وفية للأصـــول التي نبعت منها هـذه التقاليد، وأنـشـأت لنفسها تقاليد جديدة وقـف الشعراء والنقاد المحافظون في وجهها، ودارت بينهم وبين المجددين معارك مشهودة انتهت بانتصار الحركة الجديدة؛ لأنها وجدت من يتحمسون لها ويدافعون عنها، ليس فقط من الشباب أصحاب الموهبة الذين وجدوا فيها تعبيرا عن أنفسهم وعن المناخ العام الذي نشأوا فيه، وعن التطورات والتحولات التي عاشتها بلادنـــــا فـــي الـــقـــرنين الماضـــــيين ورفـــعـــت فـيـهـمـا رايــــة الـتـجـديـد فـــي كـــل شـــيء، وجعلته استجابة طبيعية لما تطورت إليه أوضاعنا السياسية والاجتماعية والثقافية، بل أيضا من عامة القراء الشباب والمثقفين. وبهذه الروح انطلقت حركة التجديد التي شهدها هذا الفن العريق، فن الشعر الذي بدأت به ثقافتنا وكل الثقافات. ثقافتنا العربية بدأت بالمعلقات التي احتاجت إلى شرح وتعليقات في اللغة، والتاريخ، والعروض، والمعاني، وأنساب الشعراء تحولت هذه المعلقات ثقافة أدبية ولغوية جامعة كانت أساسا للثقافة العربية التي بدأت مسيرتها الحافلة في القرن السادس الميلادي. والدور الذي أداه فن الشعر في الثقافة العربية أداه في الثقافة الغربية القديمة والحديثة. الثقافة اليونانية بــدأت بـملاحـم هـومـيـروس، والثقافة اللاتينية بإنيادة فرجيل، والإيطالية بكوميديا دانتي، والفرنسية بأغنية رولان، والإنجليزية بقصائد تشوسر. *** فإذا كنت قد بدأت بحركة التجديد، وهي موضوع هذه المقالة، وانتقلت منها إلى دور الشعر في خلق اللغة وبناء الثقافة؛ فذلك لأني أرى أن حركة التجديد الشعرية أسهمت فـي إحـيـاء الفصحى مـن ناحية، وكـانـت إضافة اغتنى بها تراثنا الشعري وثقافتنا العربية، كما كانت الفنون القصصية والمسرحية إضافة اغتنى بها النثر العربي والثقافة العربية كلها. ومن هنا حاجتنا إلى دراسات تؤرخ للشعر الجديد، وتعرّّف الأجيال الجديدة برواده ّّــروا بـه وسـبـقـوا إلـيـه، ومنهم المشاهير الـذيـن ظـهـروا فـي الـعـراق، الـذيـن بــش ومصر، وسوريا ولبنان، وتلاهـم من ظهروا في غيرها من الأقطار العربية التي لم يبق منها قُُطر إلا وأسهم شـعـراؤه في حركة التجديد التي احتلت مكانا متقدما في شعر هذا العصر؛ لأنها كانت إضافة حقيقية للشعر العربي. هذه الحركة لم تكن مجرد خروج على الطرق الموروثة في الوزن والتقفية، ولكنها كانت إبــداعا أصــيلا تجلى في اللغة الشعرية بعناصرها المختلفة، وتجلى فـي العالم الـــذي قدمته بصورها وموسيقاها وتـأملاتـهـا الفكرية، وارتباطها بقضايا الواقع وهمومه التي تدور حولها ثقافتنا الحديثة. وهذا هـو الـفـرق بين مـا قدمه شـعـراء هـذه الحركة ومـا كـان يقدمه معظم الشعراء التقليديين. هــؤلاء لم يكونوا تقليديين بالمعنى المذهبي، أي بالتزامهم بالتقاليد الشعرية الموروثة فحسب، بل كانوا تقليديين بالمعنى السلبي، أي بكونهم مقلدين لمن سبقوهم. لم يضيفوا لهم شيئاً. غير أن التقاليد الشعرية الموروثة ظلت حية بعد ظهور حركة التجديد وانتصارها؛ لأن هذه الحركة الجديدة لم تكن بديلا عن شعر التراث، وإنما كانت إضافة احتلت مكانها المتقدم في ساحة الشعر، وظل أنصار التقاليـــد يـدافـعـون عـن التقاليد ويـقـدمـون فيها شعرا جـديـرا بـالإعـجـاب، كما ظهرت قـصـيـدة الـنـثـر الـتـي وجـــدت فــي الأجــيــال الــجــديــدة مــن يـنـاصـرهـا، لكنها لم تحصل على اعتراف كامل. هـكـذا تـعـددت الـتـجـارب، وتــعــددت المــــدارس الفنية والـفـكـريـة؛ فالشاعر الــــذي بـــدأ طـريـقـه بـالـقـصـيـدة الــعــمــوديــة غـيـر الــــذي عـــرف بـالـشـعـر الـجـديـد، والـذي قرأ لبعض الشعراء الأجانب وتأثر بهم يختلف عن سـواه. ومن هنا تعددت الظواهر والتيارات، وأصبحت الحركة الشعرية العربية بكل أشكالها واتجاهاتها، وخاصة حركة التجديد في هذا العصر الحديث في حاجة إلى الدراسة والمراجعة والتعريف والتقييم. وهناك من يتسرع فيطلق الأحكام وينسب حركة التجديد لمصادر دون غيرها، فإن كان هذا جائزا في ثقافة بلد واحد أو عصر محدد فهو لا يجوز في الثقافة العربية بأرجائها المترامية، وعصورها المتوالية. والذين يتعصبون لبلد أو لشاعر يسيئون لما يتعصبون له، ويسيئون لهذا الفن الـذي يرحب بالتعدد وينتفع به، ويتمكن من الوصول عن طريقه لإضافات وإبداعات لا يضيق بها الفن، بل يغتني ويزدهر. وهــذا ما ننتظر من نقادنا أن يتناولوه ويوضحوه للأجـيـال الجديدة الـتـي يـحـتـاج إلـيـهـا الـشـعـر؛ فالشعر هــو عـمـاد الـبـيـت فــي الـثـقـافـة العربية. والثقافة العربية هي عماد البيت في الوجود العربي. وفي المقالة القادمة نواصل هذا الحديث. هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟ القاهرة: «الشرق الأوسط»

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky