تــــذك ََّــــرت -وأنـــــــا أطــــالــــع حــصــيــلــة الـــســـبـــاق الانــتــخــابــي الـرئـاسـي فـي الــبــرازيــل- شـيـئا مما كـانـت مصر قـد شهدته فـي أيــام الملك فـــاروق، عندما كــان حــزب «الــوفــد» على رأس الأحزاب بلا منافس. وقتها كانت عـبـارة عجيبة قـد شاعت بين المـصـريين، وكــانــت تــقــول: «لـــو رشـــح (الـــوفـــد) حــجــرا لانـتـخـبـنـاه» وقـد كـان للعبارة معنى بالتأكيد، وكــان معناها أن أي مرشح لـ«الوفد» سينجح من دون شك، وبصرف النظر عن إمكاناته أو قدراته الشخصية؛ إذ يكفي أن يكون قد حظي بترشيح من «الوفد» وحصل على تزكيته، وما بعد ذلك لا يهم، على رأي إحسان عبد القدوس في روايته: «لا شيء يهم». وقد جاء وقت أثبت الناخب المصري فيه أن تلك العبارة لـيـسـت مـــن نـــوع الـــــكلام الإنــشــائــي الــــذي لا رصــيــد لـــه على الأرض. وقد حدث ذلك عندما طرح إسماعيل صدقي باشا، السياسي المـصـري الشهير، اسـمـه فـي الـسـبـاق الانتخابي في محافظة الغربية شمال القاهرة. طرح الرجل اسمه في السباق البرلماني ففوجئ بأفندي وفدي لا تاريخ له ولا اسم في عالم السياسة يطرح اسمه أمامه. ولا بد من أن صدقي باشا باسمه الكبير في دنيا السياسة وقتها قد استخف بـــالأمـــر، ولـــم يـشـأ أن يـــرى أي بـــأس فــي أن يــطــرح الأفــنــدي الوفدي اسمه في السباق. فلما جــاء وقــت إعلان النتيجة إذا بـالأفـنـدي الـوفـدي هـو الـفـائـز، وإذا بإسماعيل صـدقـي بـاشـا أمـــام مفاجأة لم تخطر له على بال، ولا بد من أنه لم يعرف كيف يستوعبها، والطريف أن المرشح الوفدي لم يشتهر في التاريخ السياسي لتلك الفترة باسمه، وإنما اشتهر بأنه: «قاهر صدقي»! أطـلـق المـصـريـون عليه هـــذا الـلـقـب فاشتهر بـــه، وكــان لقبا عن حق وصدق؛ لأن الذين يعرفون حجم صدقي باشا السياسي كانوا على يقين من أن نزوله أي معترك انتخابي معناه الفوز من دون فصال، ولكن اتضح أن المعترك أمام مــرشــح وفــــدي مـخـتـلـف. ولـــم تـكـن الــفــكــرة فـــي فـــوز المـرشـح الوفدي في حد ذاته، وإنما كانت في فوزه على صدقي باشا بــجلالــة قــــدره، وذكــائــه الـــذي ع ُُـــرف بـــه، وسـعـة حيلته التي رافقته في العمل السياسي. بالقياس -مــع الإقــــرار بـوجـود وجـــوه اخــــتلاف- سوف ترى وأنت تتابع أنباء فوز لويس إغناسيو لولا دا سيلفا على المرشح المنافس فلافيو بولسونارو، أن دا سيلفا إذا جاز له أن يحمل لقبا بعد فوزه في السباق البرازيلي، فلن يكون هذا اللقب سوى «قاهر بولسونارو». ولو قلنا: «قاهر اليمين»، ما اختلف واقع الحال. ذلك أن كل الأسباب تقريبا كانت تقف مع بولسونارو، وكلها كانت تخذل دا سيلفا ولا تنتصر له ولا تسعفه. كان المد اليميني في الغالبية من دول أميركا اللاتينية ينتصر لبولسونارو ولا ينتصر للمرشح دا سيلفا، ولكن من سوء حظ بولسونارو أن الموجة اليمينية العالية في الـقـارة لم تستطع أن تحمله إلى القصر. كـــان وهـــو يــخــوض مـعـركـتـه مــع دا سـيـلـفـا يخوضها بينما وراءه إرث سياسي من والده الذي حكم أربع سنوات من قبل. ولقد تخيل الابن أن وجود الأب في الحبس حاليا يمكن أن يثير درجـة من التعاطف معه، وأن تجري ترجمة هذا التعاطف في صناديق الاقتراع لصالح الابن الذي بدا طول السباق ظلا لأبيه في كل خطوة كان يخطوها. وكــــان الــرئــيــس الأمــيــركــي دونـــالـــد تــرمــب يـنـتـصـر من مــكــانــه فـــي الــبــيــت الأبـــيـــض لــلــمــرشــح بـــولـــســـونـــارو الابــــن، تماما كما انتصر من قبل للرئيس بولسونارو الأب، وكان التصور لدى ترمب أن رهانه على الابن رهان في مكانه، فإذا به يفاجأ بفوز دا سيلفا؛ لأن البرازيل ليست أي دولة مما قد يكون فوز اليسار فيها قليل الشأن والعواقب على العلاقة مع الولايات المتحدة. ولـــم يـكـن هـــذا كـلـه هــو -فــقــط- الــــذي ينتصر للمرشح بولسونارو في سباقه مع دا سيلفا، وإنما كان اليمين في العالم ينتصر له بالدرجة نفسها، وبالذات في أوروبا التي لا يكاد يمر عليها يـوم إلا ويكتسب فيه اليمين السياسي أرضا جديدة، وقد ذاع ذلك وشاع، وبدا الأمر وكأنه عدوى سياسية تتنقل من بلد أوروبي إلى آخر. ومـن شـدة إيـمـان المـرشـح اليميني الخاسر بهذا كله، فإنه ســارع إلــى إنـكـار النتيجة، والإعلان عـن أنــه لا يُُقرها ولا يـوافـق عليها، ولكنه سـرعـان مـا أدرك أن تـقـدم اليمين من حوله في الـقـارة، ومـن حـول الـقـارة في العالم، لا يعني تقدمه هو ولا فوزه بالضرورة، فالبرازيليون عاشوا حكم اليمين وحكم اليسار في فترات زمنية متقاربة جـداً، فلما كان عليهم أن يختاروا انحازوا إلى الرجل الذي قهر اليمين للمرة الرابعة في مسيرته السياسية. لم يتوقف دا سيلفا عند حد قهر بولسونارو، ولكنه قهر معه المد اليميني الذي يبدو متصاعداً، أو هكذا كانت الرمزية في فوزه، ولا بد من أن نجاحه في ذلك يمنح الناس في العالم بعضا من الأمــل؛ لأن اليمين بنسخته العصرية الرديئة لا يفوز في أي أرض، إلا ويضع نفسه في خصام مع الإنسان من حيث هو إنسان فيها. في البرازيل، فاجأت التعبئة الكثيفة لجيل «زد» حتى قـــادة حــزب الـعـمـال الـــذي يتزعمه لـويـس إغناسيو لــولا دا سيلفا، وفـاز في الانتخابات بفضل مشاركة غير مسبوقة لـلـشـبـاب، مقترنة بحملة ضخمة عـلـى وســائــل الـتـواصـل. هذا ما نقلته مؤرخة الشؤون البرازيلية أنابيس فليشيه، في مقابلة لها مع صحيفة «لوموند» الفرنسية. وتحدث معلقون بشكل خاص عن تأثير سحري لمجموعة «واتساب» مــفــتــوحــة لــلــجــمــيــع، أنـــشـــأهـــا عـــضـــو الـــكـــونـــغـــرس أنـــدريـــه جانيوس، تمكنت من جذب أكثر من عشرة ملايين شخص، وكان لها دور في تغيير الموازين. كــل هـــذا يـبـدو ســوريــالــياً، حـتـى إن ثـمـة مــن شـكّّــك في نتيجة الانتخابات البرازيلية. لكن بقليل من التأمل، تلحظ أن جيل الألفية، يتحرك ليس فقط في البرازيل، بل في أنحاء الــعــالــم، ويـسـهـم فــي إعــــادة تشكيل المـشـهـد الـسـيـاسـي، من نيبال إلى بيرو ومن إندونيسيا إلى ألبانيا. هي ليست حركات منظمة بالمعنى الحزبي المتعارف عليه تـقـلـيـدياً. هـم شـبـاب، بينهم المـنـفـردون المتحمسون، والمنتمون لأحزاب أو حركات عابرة للحدود، وربما نقابات. ولا يقلل المراقبون من دور شبكات التواصل الرقمية وما تتيحه لجيل الألفية، من اطلاع على أحوال أقرانهم، والتأثر، وأحيانا التنسيق. هـــو أول جــيــل يـــولـــد وفــــي يــــده مـــوبـــيـــل، مـــربـــوط إلــى شبكة عنكبوتية، تتيح له التواصل مع العالم أجمع. جيل يستطيع أن يتجمّّع ويحتج ويعطل الحياة، لكنه مشتت سياسياً. لهذا، فهي تحركات محفوفة بالمخاطر، قد تؤدي إلى تغيرات منظمة كما حدث في صربيا، وربما ساقت إلى فوضى، وتلك أمثلتها شتى. المظاهرات الشبابية في أوروبــا الأسـبـوعين الفائتين، تصاعدت بشكل لافت. اختلفت السيناريوهات والهتافات تـــبـــعا لــلــبــلــد، إنـــمـــا الـنـتـيـجـة واحـــــــدة؛ الـــشـــبـــاب غــاضــبــون، والاحـتـجـاجـات تـعـم المـــدن. فـي إسبانيا والـبـرتـغـال الأزمــة الرئيسية هي السكن، وفي ألبانيا الاحتجاجات منذ أشهر عــدة هـي على الـفـسـاد. وفــي فرنسا وإيطاليا التعليم كان الـــشـــرارة. وفـــي بلجيكا حـــدث مــا يشبه الـتـضـامـن أولا مع زملائهم الفرنسيين، ثم انخرطوا في تحركات أوسع. شـبـاب يـقـال لـهـم، مــن دون كـلـل، إنـهـم سـيـكـونـون بلا وظــائــف بسبب الــذكــاء الاصـطـنـاعـي، ويــــرون بـــأم الـــعين أن الاخـتـصـاصـات تمحى وتـحـل مكانها آلات صـمـاء. هـم في مدارسهم بلا أسـاتـذة، وأزمــة مناخ تهدد بنقص حتى في الأوكـسـجين؛ مليارات تذهب لإحراقها في حـرب أوكرانيا، وحـكـومـات تـدعـو إلـــى الاسـتـنـفـار مــن أجـــل مـواجـهـة الـعـدو الـــروســـي بــمــزيــد مـــن الإنـــفـــاق الـــدفـــاعـــي، وتـــهـــددهـــم بـأنـهـم سيخضعون لتجنيد إجـبـاري إذا اقتضت الحاجة. بعض الـــــــدول الأوروبـــــيـــــة مـــثـــل بــريــطــانــيــا دعـــــت مــواطــنــيــهــا إلـــى الاحتفاظ بكميات كافية من الماء والغذاء لمواجهة أي حالة طارئة. حكومات في أوروبا، لا تملك حتى وعدا لمواطنيها، بالاستقرار، بل تنذرهم بالأسوأ. الاحتجاجات الفرنسية التي تدوم من أسابيع، كانت الأكثر إلهاما لجيل الألفية. ووسط الحراك الكبير، سافر وفد دولــة، إلـى باريس وعقدوا 11 من الــطلاب الاشـتـراكـيين من أكتوبر (تشرين الأول) الفائت، من 18 و 17 اجتماعا يومي منظمة. كان هذا اجتماعهم 27 أجل التنسيق شاركت فيه الثاني بعد لقاء في كولونيا الألمانية في يونيو (حزيران) الماضي، تم الاتفاق خلاله على إعلان إضراب شبابي شامل نوفمبر (تشرين الثاني) تحت شعار «لنناضل من 20 في أجل مستقبلنا، لا من أجل حروبهم». وبذلك تختلط مطالب زيادة عدد الأساتذة وإصلاح النظام التعليمي، في فرنسا، بمطالب جمعيات إيقاف الحرب في بريطانيا، مع المحتجين على ارتفاع إيجارات السكن في إسبانيا، ويدخل الجميع في بوتقة واحدة. لكن الشباب لا يـرون تعارضاً، ويعتبرون أن النضال ضد الحرب، يرتبط بالنضال الأوسع ضد أصحاب رؤوس الأمـــــوال ونـظـامـهـم الــــذي يُُــعـطـي الأولـــويـــة لـلـربـح، ويسلب الشباب مستقبلهم، من خلال إشعال الحروب، أو التسبب بتغير المناخ، أو المساس بمستوى التعليم والمعيشة. هذا مـا كتبته صحيفة «الــغــارديــان»، وهــي تكشف عـن تنسيق ربما لا يزال في أوله لكنه يكتسب شعبية. «نحن فخورون بالانضمام إلى هذه الحركة الرائعة التي تنمو وتتزايد في جميع أنحاء العالم في دول مثل فرنسا وبلجيكا وإيطاليا وإسـبـانـيـا والــيــونــان وألـبـانـيـا وآيــرلــنــدا والـهـنـد وتشيلي وغيرها»، يقول المنظمون. ونــشــر هــــؤلاء تـعـلـيـمـات لــزملائــهــم لإنـــجـــاح تحركهم الشامل، تقول: «ابحث عن شخصين أو ثلاثـة يرغبون في الــخــروج مـعـك. حـــد ّّد الــزمــان والمـــكـــان: مـتـى سـتـخـرج، وإلــى أيـــن سـتـذهـب. انــشــر الـخـبـر واحــصــل عـلـى الـــدعـــم. نجتمع للتخطيط معاً. استعدوا لهذا اليوم: وزّّعوا المهام وج ََهزوا العدة». هذه استعدادات فئة واحدة من فئات ألفية كثيرة، قد تكون مطامحها متضاربة، أو مصالحها متشابكة، إنما جـــل مــا هــو واضــــح، أن وســائــل الــتــواصــل، وجـيـلـهـا الأول، سيكون لتحركاته ما بعدها. قد يتفق شاب إيطالي وفتاة فرنسية على مكافحة أزمـة السكن والتعليم، لكنهما قد لا يحملان الـرأي نفسه، حول الهجرة، ودور الدولة، والقيمة الــضــرائــبــيــة. الاعــــتــــراض ســهــل أمــــا الـــبـــدائـــل والــــدخــــول في تفاصيل البناء فتلك هي المحنة. هـذه قــراءة أولية في كتاب البروفسور جــوزيــف هـنـريـك «الأغـــربـــون»، الـــذي ترجمه حديثا حمزة المزيني. وهـي ليست مراجعة للكتاب، بـل إشـــارة إلـى نقاط فـي المـوضـوع، ظــنــنــتُُــهــا مـــفـــيـــدة لــنــفــســي ولـــبـــعـــض الـــقـــراء الأعزاء. وقد أََحسن المترجم حين بدأ بتوضيح مــعــنــى الاســــــــم؛ لأنـــــه يـــخـــتـــزل جــــانــــبا مــهــما مـــن فـــكـــرة الـــكـــتـــاب. يـشـيـر الاســـــم إلــــى تــفــر ُُّد التجربة الأوروبــيــة، وإلــى أن التقدم التقني والاجتماعي ثمرة العوامل التي أنتجت هذه التجربة. ومن هذه الزاوية يمكن عََد الكتاب قـــريـــباً، عـلـى مـسـتـوى المــنــهــج، مـــن أطــروحــة ) التي تؤكد على 1920 - 1864( ماكس فيبر دور الـــعـــامـــل الــثــقــافــي المــســتــقــر فـــي تـكـويـن الذهنية والبنية الاجتماعية. فــــــــــي كـــــــتـــــــابـــــــه الــــــشــــــهــــــيــــــر «الأخلاق الــبــروتــســتــانــتــيــة» أكــــد فــيــبــر عــلــى ضــــرورة «الــرأســمــالــيــة» لـلـنـهـوض الاقـــتـــصـــادي. لكن ليس كل مجتمََع يستطيع اسـتـيلاد النظام ََــه مـــشـــروط بذهنية الــرأســمــالــي؛ لأن نــجــاح محددة، قال إنها موجودة فقط في المجتمعات التي تؤمن بالمذهب البروتستانتي، لا سيما وفق رؤية الأسقف جان كالفين. وزبدة ما قال فيبر أن البروتستانتية ت ُُعلي من قيمة العمل الـدنـيـوي، وتََــعُُــد الـنـجـاح فيه مـقـدمـة لرضا الــلــه. ومـــن هـنـا يُُــقِِــيـم هـــذا المــذهــب مصالحة واقـعـيـة بين المادي والـــروحـــي، ولا يـــرى في الإفـــراط المادي خــروجا عن الـجـادة، كما هي الحال في معظم الديانات. وعــــــلــــــى الـــــنـــــســـــق ذاتـــــــــــــه، يـــــــــرى مــــؤلــــف «الأغـــربـــون» أن الـبـروتـسـتـانـتـيـة تـركـت أثــرا عميقا في ثقافة المجتمعات التي آمنت بها، ليس باتجاه النموذج الرأسمالي كما اقترح فيبر، بل باتجاه نظام اجتماعي أقـدر على التعاقد العقلاني والتشارك المُُنص ِِف، الذي يــــؤدي بـــالـــضـــرورة إلـــى نــهــوض اقــتــصــادي. وفـــقا لـهـذا الـتـصـور، فــإن الثقافة الأوروبــيــة تـؤكـد على الـفـردانـيـة، وتــقــاوم الاتــكــال على الروابط العائلية. ولـذا؛ فإن العائلة الممتدة لا تشكل وحدة مؤثرة في النظام الاجتماعي أو فـــي تــحــديــد مــكــانــة الـــفـــرد. يــتــربــى الــفــرد الأوروبـــــــــــي عـــلـــى الـــثـــقـــة بـــــالـــــذات والــتــفــكــيــر التحليلي، ولـذا؛ فإنه لا يخشى التعامل مع الـغـربـاء. وفــي الـتـعـاملات التجارية أو شبه الـــتـــجـــاريـــة، يـــعـــو ّّل عــلــى الـــقـــانـــون والــقــواعــد المعلََنة، وليس على الاتفاقات الشخصية أو «إعلانات النيات». هـــــــــذه الـــــســـــمـــــات ســــهــــلــــت الـــــشـــــراكـــــات الـــتـــجـــاريـــة، خـــصـــوصا «شــــركــــات الأمـــــــوال»، بديلا لـ«شراكة الأشخاص» التي تقوم على التعارف المسبق أو القرابة أو الصداقة. «الأغـــــــــــــــــــربـــــــــــــــــــون»، مـــــــثـــــــل «الأخلاق الــبــروتــســتــانــتــيــة»، يـــركـــز إذن عــلــى الـبـنـيـة الاجــــتــــمــــاعــــيــــة، لا ســـيـــمـــا بـــوصـــفـــهـــا حـــــدثا تاريخياً، وليست عـاملا متجذرا في طبيعة ب ـــــــــذ ََا فـــهـــو يــنــضــم إلـــــى الــشــريــحــة �ََ الـــبـــشـــر. و الــحــديــثــة مـــن الــــدراســــات الأنــثــروبــولــوجــيــة والسوسيولوجية التي تركز على «الذهنية المكتسََبة»، مقارنة بالأبحاث القديمة التي تــــدّّعــــي أن «بـــعـــض الـــصـــفـــات بــيــولــوجــيــة»؛ تنتقل جـيـنـيا مــن الآبــــاء إلـــى الأبــنــاء مثلما تنتقل الصفات الجسمانية. وهـــذا الاتـجـاه وإن كـــان يتمثل فــي أقـلـيـة صـغـيـرة نسبياً، فــإنــه يُُـــحـــاكِِـــي مــــيلا نــفــســيا فـــي المـجـتـمـعـات ِِــب الصفات الـزراعـيـة وشبه الـرعـويـة، ويََــنـس السلوكية إلى ثوابت في العرق أو الجنس. ما زال أمامي مشوار طويل قبل الفراغ مــــن هـــــذا الـــكـــتـــاب المـــثـــيـــر لـــلـــتـــأمـــل. إلا إنــنــي سجلت ملاحـظـة أراهـــا جـديـرة بـالـذكـر، وقد لاحـظـتـهـا أيــــضا فـــي كـثـيـر مـــن الــكــتــب الـتـي اتخذت المنهج ذاتََه، بما فيها كتاب «الأخلاق البروتستانتية». وجـدت الكتاب يقرر حالة اجتماعية راهنة، ثم يبحث عن العوامل التي يُُــحـتـمََــل أنــهــا قـــد أنـتـجـتـهـا. ولا يـبـحـث في تلك العوامل بصورة مستقلة، ليكتشف ما يصفونه فـي علم الأدويـــة بــــ«المادة الفعالة» الـــتـــي تــــــؤدي دائـــــــما إلـــــى الــنــتــيــجــة نـفـسـهـا. ومـثـالا على هـذا، فقد اتخذ فيبر من ألمانيا وشــــمــــال أوروبـــــــــا دلــــــــيلا عـــلـــى الـــــعلاقـــــة بين الــبــروتــســتــانــتــيــة والـــنـــهـــوض الاقـــتـــصـــادي. لكننا نجد مجتمعات أخـرى بروتستانتية بــقــيــت حـبـيـسـة مــاضــيــهــا، بـيـنـهـا - مـــــثلا - لاتـفـيـا وإسـتـونـيـا الأوروبـــيـــتـــان، وليبيريا وكينيا الأفريقيتان. ونظيرة هـذه؛ المقارنة بين الــبــرتــغــال وفـــرنـــســـا، فــمــع أن كلتيهما كـــاثـــولـــيـــكـــيـــة، فـــــإن فـــرنـــســـا مــــن أبــــــرز الـــــدول المتقدمة، بينما البرتغال أدنى منها بكثير. أردت مـن هــذه المحاججة الإشــــارة إلى أن إيحاء الكتاب بعلاقة سببية بين الثقافة والـــبـــنـــيـــة الاجـــتـــمـــاعـــيـــة، قــــد يـــنـــطـــوي عـلـى مبالغة. وأظنها أقرب إلى فرضية مشروطة، منها إلـى علة قوية. هناك بالتأكيد عوامل أخــــــرى يــمــكــن ع ََــــد ُُّهــــا أســــبــــابا مــحــتــم ََــلــة، أو شـــروطا لتأثير تلك الأســبــاب. وربـمـا نعود إليها لاحقاً. OPINION الرأي 12 Issue 17502 - العدد Thursday - 2026/10/29 الخميس جيل «زد» يشب ّّك ويتوسع قاهر اليمين «الأغربون»... قراءة أولية وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com توفيق السيف إيحاء الك ِِتاب بعلاقة س ببية بين الثقافة والبنية الاجتماعية قد ينطوي على مبالغة سوسن الأبطح سليمان جودة
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky