جـــاءت قضية نـقـل المـتـفـجـرات مــن الـبـقـاع إلـــى بـيـروت لتبدد الآمـــال فـي أن تشكل الـذكـرى الثانية لاغتيال الأمين الــعــام الأســبــق حـسـن نـصـر الـلـه مـنـاسـبـة لمـراجـعـة خـيـارات الحزب العسكرية والسياسية، في ضوء خسائره الجسيمة وما عاناه لبنان، وبيئة الحزب بخاصة، من قتل وتهجير ودمــــــــــار؛ فـــخـــطـــاب الــــحــــزب وأمــــيــــنــــه الـــــعـــــام، نـــعـــيـــم قـــاســـم، أكـــد اســتــمــرار المـــســـار والـــدفـــاع عــنــه، بـــدل مــســاءلــة الـقـيـادة وسياساتها ونتائجها. ومع هذا الإصرار على النهج، ي ُُقد ّّم الحزب بقاءه وقدرته على الاستمرار بوصفهما دلـيلا على صـواب خياراته. فهل يكفي مجرد البقاء؟ أم أن حجم الخسائر وتغي ّّر موازين القوة يفرضان مراجعة تتجاوز التمسك بالسلاح واستحضار إرث القائد الراحل دون مساءلة خياراته؟ يستحضر الحزب نصر الله باعتباره مصدر شرعية تتكئ عليه القيادة الحالية للحفاظ على تماسك جمهورها. غير أن الوفاء للقائد الراحل لا يعفيها من تقييم خياراته، ولا يـجـعـل اســتــمــرار نـهـجـه واجـــــبا يـعـلـو عـلـى أي اعـتـبـار. فبعدما غلّّب الحزب مقتضيات دوره الإقليمي على مصالح لبنان واللبنانيين، لـم تدفعه حتى الخسائر التي ألحقها بنفسه وببيئته إلـى تغيير خياراته. ويـــزداد هـذا الإصــرار استعصاء على التبرير بعدما تغيّّرت الظروف التي صنعت نفوذ الحزب وتراجعت قدرته على التأثير وارتفعت تكلفة استخدام سلاحه. والقيادة مسؤولة عن مراجعة خياراتها في ضوء هذه الوقائع، بدل تحويل إرث القائد إلى حصانة تحول دون مساءلتها. أكد قاسم أن إسرائيل لم تنجح في كسر المقاومة. لكن بقاء التنظيم ومواصلته القتال لا يعنيان نجاحه في الردع وحـمـايـة الـسـكـان والأرض. وحين يُُــقــد ََّم بـقـاء الـحـزب دلــيلا كافيا على صواب خياراته، تصبح المحافظة على التنظيم معيار النجاح ويتراجع أمـن المـواطـنين إلـى مرتبة ثانوية. وعليه، ينبغي أن تبدأ المراجعة بتقييم قـرار الانـخـراط في الــحــرب ومـواصـلـتـهـا: هــل كــانــت تــقــديــرات الــحــزب لمــوازيــن القوة واقعية؟ وهـل احتسب حــدود دعـم إيــران وحجم الرد الإسرائيلي وقدرة المجتمع على تحمل التكلفة؟ وكيف يفسر الفجوة بين الوعود بالحماية والنتائج الفعلية للحرب؟ وتشمل المراجعة علاقة الحزب ببيئته الحاضنة، التي تحملت جــانــبا كـبـيـرا مــن تكلفة الــحــرب؛ فـاسـتـمـرار الـــولاء لــه لا ينفي التململ داخـلـهـا، ولا يحجب أصــــواتا شيعية باتت أكثر جـرأة في معارضة سلاحـه وخياراته. ولا تعني هــذه الأصــــوات انـهـيـار قـاعـدتـه الشعبية، لكنها تكشف أن تماسك الـقـاعـدة لا يعني إجماعها على جـــدوى الـحـرب أو قبولها بتكلفة الارتباط بإيران. وتقتضي المراجعة احترام حـق المتضررين فـي محاسبة الـقـيـادة، بــدل اعتبار ولائهم تفويضا مفتوحا للاستمرار في الخيارات نفسها. وتـشـمـل المــراجــعــة أيــــضا علاقــــة الــحــزب بــالــدولــة؛ فقد اتجهت خطب أمينه العام وعدد من مسؤوليه إلى مهاجمة خيارات السلطة اللبنانية، والدعوة إلى تجميد المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، ورفـض البحث في حصرية الـسلاح بذريعة استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجنوب. وهو بذلك يُُبقي سيادة الدولة معلقة على شرط يحدد بنفسه معايير تحققه وفقا لأجندة راعيته إيـران، فيما يطالبها بالحماية ووقــف الاعــتــداءات وإعـــادة الإعـمـار. وهنا يكمن التناقض: يحمل الـدولـة مسؤوليات الـسـيـادة، ويحجب عنها أدوات ممارستها باحتفاظه - بوصفه ميليشيا مرتبطة بطهران - بقرار عسكري مستقل. ولا تنفصل مراجعة علاقـة الحزب بالدولة عن مراجعة ارتباطه باستراتيجية إيران؛ فطهران تتحرك وفق مصالحها وقــــد تـــوظـــف وكلاءهـــــــا لـلـضـغـط عــلــى خــصــومــهــا وتــحــسين موقعها الـتـفـاوضـي، ولــو على حـسـاب مصالحهم ومصالح بلدانهم. ومـع تعثر المفاوضات الأميركية - الإيـرانـيـة، يبقى لـبـنـان مـــعـــرضا لـتـبـعـات حــســابــات لا يـمـلـك قـــرارهـــا. والمأزق الذي يواجهه الحزب هو مدى استعداده لتقديم حاجة بيئته وعموم اللبنانيين إلى إنهاء الحرب واستعادة السيادة على مقتضيات الدور الذي يؤديه ضمن الاستراتيجية الإيرانية. وبمعزل عن مــآلات عملية «فجر اليمن»، التي أطلقتها الــــقــــوات الــحــكــومــيــة الــيــمــنــيــة بـــإســـنـــاد جـــــوي مــــن الــتــحــالــف لاستعادة الدولة وإنهاء سيطرة الحوثيين على صنعاء، تعزز التطورات اليمنية ضــرورة مراجعة الحزب لــدوره الإقليمي؛ فقدرة الحوثيين على تهديد الملاحة في باب المندب والمصالح الـدولـيـة تـزيـد أهميتهم فـي حـسـابـات طــهــران، وقــد تمنحهم أولوية في التمويل والتسليح على حساب «حزب الله» الذي تراجعت فاعليته الإقليمية، بفعل خسائره واخـــتلال ميزان الـــقـــوة مـــع إســـرائـــيـــل، وتــصــاعــد الـــرفـــض الـلـبـنـانـي لــسلاحــه؛ فــالــدعــم الإيـــرانـــي تـحـكـمـه مـنـفـعـة الـحـلـيـف لــطــهــران لا حجم تضحياته، فيما يبقى لبنان وبيئة الـحـزب مثقلين بتكلفة دوره ضمن استراتيجيتها. بعد عامين على اغتيال نصر الله، تحتاج قيادة الحزب إلى المراجعة. وتكمن صعوبتها في أنها تقتضي إنهاء دوره الـعـسـكـري ضـمـن الاسـتـراتـيـجـيـة الإيـــرانـــيـــة وقـــبـــول حصرية السلاح والقرار في السياسة الخارجية بيد الدولة، وممارسة دوره فـي العمل السياسي الداخلي ضمن مؤسسات الدولة وقـوانـيـنـهـا. وبــالــتــوازي، تـقـع عـلـى الــدولــة مـسـؤولـيـة تمكين الـجـيـش وتكثيف الـضـغـط الـدبـلـومـاسـي لـوقـف الاعـــتـــداءات، وانسحاب إسرائيل وتـأمين عـودة النازحين وإعــادة الإعمار؛ فالتمسك بالنهج الـــذي يُُبقي لبنان سـاحـة لمـعـارك تتجاوز مصالحه يعيد إنـتـاج أسـبـاب الأزمـــة، ولا يكفي بقاء الحزب لتبرير مواصلة الخيارات التي جرّّت على لبنان، وعلى بيئته بخاصة، القتل والتهجير والدمار. منذ سنوات ليست بالقصيرة بات واضحا أن جماعات الإسلام السياسي الس ُُّنية وتنظيمات العنف الديني الس ُُّنية تــابــعــة بـشـكـل شـبـه كــامــل لإيـــــران، مــن جـمـاعـة الإخـــــوان إلـى السرورية إلى «تنظيم القاعدة» و«تنظيم داعـش» والهجوم الإرهـــابـــي الـجـبـان الـــذي اسـتـهـدف كنيسة فــي مـديـنـة الـكـرك الأردنية لا يمكن نزعه عن هذا السياق. ثلاثـة رجـال أقوياء البنية مدججون بالسلاح اختاروا عـن وعـــي أن يستهدفوا كنيسة آمـنـة ومــواطــنين مسيحيين فيهم الشيخ والعجوز والطفل، وكلهم مدنيون غافلون غير مستعدين لمواجهة أي اعتداء بهذا العنف والدموية، وهنا يت ََّضح بكل جلاء خلق الغدر وخلق الجبن، فالمؤمن الصادق ُ لا يستهدف المدنيين الضعفاء، بل يفتّّش �ًُ لا يغدر، والشجاع عـــن أقـــرانـــه مـــن الـــرجـــال الــشــجــعــان المـــســـلـــحين، ولــكــن هـــؤلاء غادرون وجبناء. مـن يستحضر الـعـقـود الأخــيــرة والعمليات الإرهـابـيـة الـتـي تفشت فيها عـلـى مــراحــل زمـنـيـة مختلفة وفـــي أمـاكـن وبلدان متفرقةٍٍ، كل منها بحسبه، يجد بوضوح أن الجامع بين كـثـيـر مـــن عـمـلـيـات الإرهــــــاب الــحــديــث أن ََّـــهـــا تـجـمـع بين خلقين ذميمين في كل الأديـان والثقافات والفلسفات، وهما خلقان مستهجنان عند كل ذي فطرة سليمة، وكل ذي شيمة ومروءة، ألا وهما الغدر والجبن. في كل عملياتهم وجرائمهم الإرهابية المخزية تجد أن هؤلاء الإرهابيين في الغالب الأعم لا يقصدون مواجهة القوى الـكـبـرى فــي الــعــالــم، بــل يـذهـبـون لـخـطـف الــطــائــرات المـدنـيـة وركابها المدنيين كما في الحادي عشر من سبتمبر وغيرها، وهـم يـفـرون مـن مواجهة الـقـوات الأميركية كما صنعوا في أفـغـانـسـتـان وغـيـرهـا، وأكــثــر مــن هـــذا فـهـم يـواجـهـون الـــدول والقوات الأمنية في بلدانهم، بل يفتشون دائـما عن أضعف الـنـاس فـي المجتمعات، الشيوخ والعجائز والأطــفــال، وبلغ بهم الجبن والخور حد إطلاق النار على التوابيت ويحاربون الموتى في أكفانهم، وقد تحدثت الأخبار عن طلقات أصابت التابوت في كنيسة الكرك. الأنكى من هذا الفعل الغادر الجبان هو نسبته للإسلام أو الجهاد بأي شكل من الأشكال، والصحيح هو أن استهداف الضعفاء وتجنب الأقــويــاء إنََّــمـا هـي سنة كفار قريش زمن البعثة النبوية الشريفة، بحيث لم يستطيعوا مواجهة حمزة بن عبد المطلب ولا عمر بن الخطاب، فقصدوا لتعذيب بلال بن رباح وعمار بن ياسر وأمثالهما، وهذا، والله، عار وسبة الدهر لو كانوا يعقلون. من الذي حرّّك المشهد من جديدٍٍ، وبات يحث أتباعه في كل البلدان العربية على التصعيد الإرهابي القبيح، سواء في العراق أو اليمن أو الأردن؟ إن الذي لا يتوانى عن استهداف الأردن بصواريخه ومسيراته ليس بعاجز عن تحريك أتباعه على الأرض، هم ومفتوهم وموجهوهم في كل مكان ٍٍ. وهذا التوجه لحركات الإسلام السياسي بدأ مع جماعة الإخـــوان المسلمين و«التنظيم الـسـري» أو «النظام الخاص» الـــــذي كـــانـــت مـهـمـتـه الــتــفــجــيــرات والاغـــتـــيـــالات فـــي أوســــاط المواطنين الآمنين الضعفاء، وهو ما انتقل لاحقا إلى جماعات الإسلام السياسي بنسخته الشيعية مع آيـة الله الكاشاني وسيد قطب، ومع الخميني وتلامذته في مرحلة لاحقةٍٍ. حين تعجز دولة ما عن مواجهة أميركا عسكرياً، فإن ََّها تختار استهداف جيرانها ممن تظن أنهم أضعف من أميركا، وحين تعجز جماعة أو تنظيم عن مواجهة الـقـوات الأمنية فإنََّهم يستهدفون الآمـــنين الضعفاء فـي دور الـعـبـادة، مثل الكنائس والمساجد، لأنََّهم لا يقيمون وزنا لحرمات الله ولا لمحرمات الإسلام. تكرََّر على مدى سنوات طويلة حشد جماعات الإسلام السياسي لكل أتباعها وتنظيم المظاهرات وتدبيج الخطب والمــــحــــاضــــرات، وتــنــظــيــم المـــؤتـــمـــرات والـــــنـــــدوات حين يـقـوم عابث أوروبــي برسم كاريكاتير يسيء إلى الرسول الكريم، وهـو عمل مــدان بكل المقاييس لأن فيه استهدافا واستهزاء بمقدسات الإسلام الكبرى والـرسـول الكريم، وهــذا حـق من حيث المبدأ. المثير اليوم والذي يدعو للمقارنة هو أن عدوان ميليشيا الحوثي على الحرمين الشريفين بالصواريخ الباليستية أو «الكروز» وبالمسيرات بات أوضح من الشمس في رابعة النهار، وهـــذا اعــتــداء على أقـــدس مـقـدسـات المـسـلـمين الـذيـن جـــاوزوا المــلــيــار ونــصــف المــلــيــار حـــول الــعــالــم، ثــم لــم تــخــرج مـظـاهـرة واحدة ولم يصدر بيان واحد يستنكر هذا الاستهداف المشين، وصمتت هذه الجماعات والتنظيمات ومفتوها صمت القبور عن هذا العدوان السافر على الحرمين الشريفين. من جهة أخــرى فقد استنكرت بعض الفرق الإسلامية تاريخيا ضرب الكعبة المشرفة بالمنجنيق زمن عبد الله بن الزبير، فما لهم لا يستنكرون ضرب الكعبة المشرفة والمسجد النبوي بالصواريخ والمسيرات! هذا تساؤل يجب أن يطرح لفهم منطق التاريخ عبر المقارنة والسؤال. أخــــــــــيــــــــــراً، فــــــــأحــــــــاديــــــــث الـــــــنـــــــهـــــــايـــــــات، حين تـــتـــعـــلـــق بالآيديولوجيات، تبدو دائـما مستعجلةًً، ولا تراعي منطق التاريخ وتطور المجتمعات وتغيرات البشر. بين حديث الرئيس الأميركي الأسبق بــــــاراك أوبـــامـــا عـــن الـــحـــق الـفـلـسـطـيـنـي في ،)2026 » أكتوبر «تشرين الأول 13( بلفاست ومراجعة فيلسوف الحرب العادلة الأميركي اليهودي مايكل والزر لموقفه من حرب غزة، أكتوبر 22( » الـتـي تناولتها «الـنـيـويـوركـر )، تكمن المأساة: عقل يرغب في معرفة 2026 الــحــق، لكنه يـتـأخـر فــي الالـــتـــزام بـــه، ويــرى المأســـــاة، لكنه يمنح نفسه مهلة لفهمها، يــدفــع الفلسطينيون ثـمـنََــهـا مــن حياتهم. امتلك أوبـامـا سلطة الــقــرار، وامتلك والــزر سلطة التبرير الأخلاقــــي؛ وبين السلطتين ظــــل الــفــلــســطــيــنــي يــنــتــظــر تــــحــــول مــعــرفــة مظلمته إلى موقف يدين الإبـادة. والمفارقة أن رجـــــل الـــــشـــــارع أدرك بـــحـــســـه مــــا تــأخــر الرئيس والفيلسوف في إدراكه. في هذه الرؤية الأميركية التي يمثلها الــرجلان بـدت غـزة تمرينا أخلاقـــياً؛ يعيش أهلها ويموتون كي يمنحوا الفلسفة مثالا أكثر إقناعاً، أو يمنحوا رئيسا سابقا فرصة لاستعادة وضوحه الأخلاقـــي. لذلك تطرح مراجعة والزر سؤالا يتجاوز نظريته: متى يصبح الفيلسوف فيلسوف القبيلة، يزن آلام الآخرين بمعيار، ويمنح جماعته مهلة إضــافــيــة قـبـل إخـضـاعـهـا لـلـمـعـيـار نفسه؟ ومــتــى تـتـحـول الأرض المـنـكـوبـة إلـــى حقل تــجــارب ينتظر فـيـه المـفـكـر اكـتـمـال الـكـارثـة حتى يعدل أدوات فهمها؟ مــــــقــــــال «الـــــــنـــــــيـــــــويـــــــوركـــــــر»، بــــعــــنــــوان «فيلسوف الحرب يغيّّر رأيه»، بقلم جوردي غراوبيرا، يتتبع مراجعة والزر للفصل بين عـدالـة الــذهــاب إلــى الـحـرب وعــدالــة وسائل خــوضــهــا. أدان الــحــصــار مــبــكــراً، لـكـنـه أيـد الحرب ورفـض وقفها. ومـع اتساع الدمار، بـدأ يـرى أن فظاعة القتال قد تسقط عدالة الـــحـــرب نــفــســهــا، وأقـــــر بـــتـــأخـــره فـــي إدراك ســيــاســة جــعــل أجــــــزاء مـــن غــــزة غــيــر قـابـلـة للحياة. هــــــــذه المـــــراجـــــعـــــة مـــــحـــــمـــــودة، لــكــنــهــا تستدعي المساءلة: لماذا احتاج الفيلسوف إلى هذا القدر من الدمار حتى يمنح الوقائع سلطة عـلـى الـنـظـريـة؟ وكـــم كـــان يـلـزمـه من الـــضـــحـــايـــا لـيـكـتـمـل اقـــتـــنـــاعـــه؟ فــالمــهــلــة لـم تكن زمـــنا فـكـريا خــالــصاً؛ كـانـت مـن أعمار الأطفال وآبائهم الذين هدمت البيوت على رؤوســهــم، ومــن فــرص الحياة الـتـي محيت أمام الناجين. تلك مأساة المثقف الـذي تتعثر كونية مـبـادئـه عـنـد حـــدود انـتـمـائـه: فــي كــل مكان إلا هـــنـــا. يـنـتـقـد الـجـمـيـع إلا قـبـيـلـتـه. وفــي حالة والزر، يصعب عليه إخضاع إسرائيل لـــلـــصـــرامـــة الأخلاقــــــيــــــة الــــتــــي يـــخـــضـــع لـهـا الآخــــريــــن. وهـــنـــاك مـثـقـفـون يــهــود واجــهــوا الامـــتـــحـــان بــشــجــاعــة، فلا يــصــح اخـتـزالـهـم فــي مــوقــف واحــــد. لـكـن الـــســـؤال يـظـل قـائـما عــن نــفــوذ الأصـــــوات الــتــي مـنـحـت إسـرائـيـل اســتــثــنــاء أخلاقــــــياً، وعـــن ثـمـن تــأخــرهــا في المراجعة. أما أوباما، فتحدث عن انتزاع الأرض من الفلسطينيين وطردهم منها، وعن فقدان إســـرائـــيـــل مــوقــعــهــا الأخلاقـــــــي حين تجعل تفوقها العسكري مبررا لأخذ ما تريد؛ وكأن ذلك التفوق الأخلاقـي كان مسلما به أصلاًً. ورد بـنـيـامين نتنياهو بــأن الأرض اسمها «يــهــودا»، ومنها جــاء الـيـهـود. كــان السؤال عن حقوق أناس اقتلعوا من أرضهم، فجاء الجواب عن اسم الأرض قبل آلاف السنين. عــــنــــدمــــا كــــنــــت شـــــــــابا كـــتـــبـــت دراســـــــة لــلــمــاجــســتــيــر بـــعـــنـــوان «فـــلـــســـطين: تـــاريـــخ اسـم». لكن الجدل حول أسبقية الأسماء لا يحسم حقوق البشر. يستطيع التاريخ أن يـشـرح صلة شعب بـمـكـان، لكنه لا يمنحه تـــفـــويـــضا لاقــــــــتلاع شـــعـــب آخـــــر مــــنــــه. ولـــو أصـبـحـت أســـمـــاء المــمــالــك الـقـديـمـة سـنـدات ملكية، لما استقر بيت لصاحبه. القوة تفسر الـقـدرة على انـتـزاع الأرض، لكنها لا تمنح الانتزاع شرعيته. حديث أوباما مهم؛ فالعودة إلى الحق متأخرا أفضل مـن عـدم الـعـودة. وللدقة، لم يكتشف المظلمة الفلسطينية بعد تقاعده؛ بــل انـتـقـد الاسـتـيـطـان وتــحــدث عــن معاناة الفلسطينيين وهو رئيس. لكن الاستيطان استمر، وبقيت الفجوة واسعة بين الموقف وأثره السياسي. ما الذي يتغير بعد مغادرة البيت الأبــيــض: وضـــوح الحقيقة أم تكلفة الاعـتـراف بها؟ ولماذا يتحرر الـــكلام عندما يفقد صاحبه أدوات تنفيذه؟ هـــنـــا يــلــتــقــي الـــرئـــيـــس والـــفـــيـــلـــســـوف: فـي المسافة بين المعرفة ومـا يترتب عليها. لـــدى الأول مـعـرفـة لا تـجـد طـريـقـهـا الـكـافـي إلى القرار، ولـدى الثاني وقائع تتراكم قبل أن تغير الحكم على الحرب. وفي الحالتين يدفع الفلسطيني ثمن الانتظار. وما يبدو مــن بـعـيـد تـــــدرجا فــي الـتـفـكـيـر، يـعـيـشـه من تحت القصف تأخرا في النجاة. ولا أزعـــــم أن الــعــقــل الأمـــيـــركـــي واحــــد. المقصود تيار نافذ فـي الحكم والجامعات والإعلام، يمنح الخوف الإسرائيلي تصديقا أولـــياً، ويطالب الخوف الفلسطيني بمزيد من الأدلـــة. تصبح الواقعة حقيقة محترمة حين ينطق بها رئـيـس سـابـق أو فيلسوف معروف، أما صاحب الأرض فيظل محتاجا إلى من يصادق على شهادته. هكذا يصبح تحول صاحب النفوذ حدثاً، وتبقى بصيرة الضحية خارج الاعتراف. تختلف مسؤولية صـاحـب الــقــرار عن مـسـؤولـيـة صــاحــب الــنــظــريــة، لـكـن كليهما يمنح شرعية تترتب عليها نتائج. القرار يـتـيـح اســتــمــرار الـــحـــرب، والــــــكلام قـــد يـوفـر غطاءها الأخلاقـي. وإذا احتفينا بالمراجعة دون مــــســــاءلــــة أســـــبـــــاب الـــــتـــــأخـــــر، تـــركـــنـــا للضحايا القادمين انتظارا مماثلاًً. لذلك لا تكتمل العودة إلى الحق إلا بتغيير شروط النظر والـفـعـل، وبـسـؤال عملي: مـــاذا يمكن إصلاحه الآن؟ ولا تكفي شجاعة الاعـتـراف إذا بقيت المؤسسات التي سو ََّغت الـحـرب بمنأى عن النقد، وظـلََّــت أصـــوات الضحايا مستبعدة من تعريف العدالة وتحديد وقت العمل بها. الـــفـــلـــســـطـــيـــنـــي يـــحـــتـــاج إلــــــى ســيــاســة تتو ََّقف عن إنتاج مظلمته، وفكر يراها قبل أن يصبح الاعتراف بها آمناً. وغزة تحتاج إلى حماية من بقي حياً، وإنهاء انتظارها أمـــام أبـــواب الضمير الأمـيـركـي. فهل تغير المـــراجـــعـــات حــيــاة الـفـلـسـطـيـنـي، أم تكتفي بتحسين إرث الرئيس ونظرية الفيلسوف؟ OPINION الرأي 12 Issue 17499 - العدد Monday - 2026/10/26 الاثنين إرهاب الكرك... غادرون وجبناء لبنان... شاحنة المتفجرات تجاهل لدروس المرحلة الرئيس والفيلسوف وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com سام منسى مأمون فندي عبد الله بن بجاد العتيبي [email protected]
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky