issue17495

ليس الكتاب الصوتي نصا مطبوعا أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى Issue 17495 - العدد Thursday - 2026/10/22 الخميس كتب BOOKS 17 الشرق وتحولاته بعيونرحالة بريطاني تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية »، من تأليف الرحالة 1914 حتى 1888 للأحداث من والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي. يعد الكتاب سجلا تاريخيا واجتماعيا يلتقي فـيـه الـخــاص بـالـعـام، والـسـفـر بـالـتـأمـل السياسي، عـبـر مـفـارقـة نــــادرة لـرجـل انــحــاز لـلـشـرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهـمـيـة خــاصــة لــلــقــارئ الــعــربــي لأنـــه يــقــدم شـهـادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصـل إلـى الفترة من .1914 إلى 1888 ،1922 حتى 1840 عــاش بلنت فـي الـفـتـرة مـن وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي ، ثم اتجه لاحــقا إلـى السفر والكتابة، 1869 و 1858 وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لـورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقا مزرعة لتربية الخيول العربية. ورغــــم ذلــــك، لــم يـكـن اهـتـمـامـه بــالــشــرق مجرد شغف بــالــرحلات أو بالحياة الـبـدويـة، فقد تطور تــدريــجــيا إلـــى مــوقــف سـيـاسـي نــاقــد للإمـبـريـالـيـة البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية. وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخا يكتب بـعـد عـقـود مــن وقـــوع الأحـــــداث، وإنــمــا رجـل تحرك داخــل دوائــر سياسية واجتماعية متعددة، وشــاهــد شـخـصـيـات وأحــــــداثا وصـــراعـــات كــانــت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلـــى كـامـيـرا تـتـحـرك بين لـنـدن والــقــاهــرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر. ينتقل المـؤلـف إلــى تـونـس وليبيا، فـي خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تـتـنـافـس عــلــى المــنــطــقــة، كــمــا أولــــى شــبــه الــجــزيــرة العربية اهتماما خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول الـعـربـيـة والمـجـتـمـعـات الـــبـــدويـــة، إذ انـتـقـد الـنـظـرة الغربية المنحازة سلفا ضد المجتمعات المحلية. يــتــســع المــشــهــد لـيـشـمـل الــــســــودان أيــــــضاً، من خلال فــصــل «أم درمـــــان وفــــاشــــودة»، حــيــث تـدخـل اليوميات فـي قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكا للسياسة الاستعمارية. ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبــــي عــن طـريـقـة كـتـابـة الـيـومـيـات لـــدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المـسـؤولين أو الـقـرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء الـتـصـريـحـات الـرسـمـيـة، عـبـر لـغـة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي. على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مـواقـف واضـحـة، فقد عــاش خصما للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصرا لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يــســجــلــه وطـــريـــقـــتـــه فــــي وصــــــف الــشــخــصــيــات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية. مـن هنا تكتسب المـواجـهـة بين بلنت والـلـورد كـرومـر، المـنـدوب السامي البريطاني فـي القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين مــتــنــاقــضــتين لمــصــر بــعــيــون إنــجــلــيــزيــة، فـالـثـانـي يمثل الإدارة الاسـتـعـمـاريـة ويـــدافـــع عــن تجربتها فــي مستعمرات الــشــرق، بينما كـــان بلنت يـــرى أن الــوجــود الـبـريـطـانـي تـحـول إلـــى سـيـطـرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم. اللافــــت أن هـــذه الـيـومـيـات تـجـعـل الــتــاريــخ أقـل تجريدا وحيادية كما تمنحه بعدا شخصيا ملموساً، فبدلا من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية فـي صـــورة تــواريــخ ومـعـاهـدات وأســمــاء حـكـام، نـراه مــن خلال رجـــل يـتـحـرك بين لـنـدن والـــشـــرق، ويتابع الـــعلاقـــات بين الــقــوى الـسـيـاسـيـة، ويـــراقـــب المجتمع والـــنـــاس، ويـكـتـب عـــن صــــراع الإمـــبـــراطـــوريـــات وهـي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احــــــتلال عـــســـكـــري، وإنـــمـــا شــبــكــة مـــن الـــنـــفـــوذ المالــــي والإداري والسياسي والثقافي. القاهرة: «الشرق الأوسط» اتسع نطاقه وأصبح أكثر رواجا في معارض الكتب هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟ لـــم يــعــد الــكــتــاب الــصــوتــي يــقــف عــلــى هــامــش عـالـم النشر، بوصفه نسخة أخـرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) ، احتل موقعا بــارزاً، لا بوصفه ابتكارا في وسائل 2026 الإتــاحــة فحسب، بـل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة الـقـراءة نفسها: كيف نتلقّّى الأدب حين نسمعه؟ ومــاذا يضيف صـوت الـــراوي إلـى النص؟ وهـل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟ اللافـــت، أن المـعـرض منح هـذا التحوّّل حـيّّــزا أوسـع ضــمــن «فـــرانـــكـــفـــورت أوديــــــــو»، فــجــمــع بين مـــركـــز جـديـد للقاء الناشرين والمنتجين والمنص ّّات، ومساحات تتيح لـلـجـمـهـور اكــتــشــاف الأعـــمـــال المــســمــوعــة والاقــــتــــراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسـواق ووسـائـل الإنـتـاج؛ بل شمل لـقـاءات بين الكتّّاب والـــرواة، وفضاء للاستماع إلى أدب الفانتازيا. حين يصبح الصوت جزءا من الكتاب ّــا مـطـبـوعا أضـيـف إليه �ًّ ليس الـكـتـاب الـصـوتـي نـص تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المــنــطــوقــة، يـنـشـأ عــمــل آخــــر يـشـتـغـل عــلــى المــعــنــى: نـبـرة تكشف التردّّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلا إلـى سماعها، ويصبح أداؤه ضربا من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّّة أو حزنا لم ينتبه إليه على الصفحة. وتـــزداد هــذه الـعلاقـة خصوصية حين يـقـرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أد ّّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاء بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين رانــدوم هـاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأســرع مبيعا بين كتبها الصوتية آنذاك. أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّّاء طـويلاًً، فتفتح النسخة المسموعة بــابا آخـر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّّن برنامجه لـقـاء مـع الأصـــوات التي أدّّت الكتب بـــالألمانـــيـــة. هــنــا لا يــأتــي الــجــمــهــور لاكــتــشــاف الـحـكـايـة وحدها، بل للتعرّّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأن للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة. على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة مـن الـقـراءة البصرية أو أدنــى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوق ّّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمنا يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مـخـتـلـفـتـان بــالــنــص، لـيـسـت امـــتـــحـــانا لإثـــبـــات أفـضـلـيـة أحـدهـمـا عـلـى الآخــــر. وتـكـمـن جـاذبـيـة الـكـتـاب الصوتي ّّــع الأوقـــات التي يمكن للأدب أن يجد أيــضا فـي أنــه يـوس فيها مـــكـــاناً: فــي الــطــريــق، وأثـــنـــاء المــشــي، وبين الأعـمـال اليومية. جمهور يتّّسع... ومبيعات يصعب حصرها تـقـدّّم فرنسا صـــورة دالّّـــة على اتّّــســاع هــذه الصلة. فـحـسـب بــارومــتــر «صــوفــيــا» والــنــقــابــة الـوطـنـيـة للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الـصـوتـي، الـــذي أنــجــزه معهد «مـيـديـامـتـري» ونُُــشــر في في المائة 17 مليون شخص، أي 10.1 ، استمع نحو 2026 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال 80 و 6 من السكان بين الاثني عشر شهرا الماضية. وتكشف الدراسة أيضا عن أن ّا، في المتوسط، �ًّ جمهور هـذا النوع من الكتب أصغر سن ّا ليس الرقم �ًّ مـن جمهور الكتاب المـطـبـوع. والأهـــم ثقافي وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلا إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟ رأت لـور ساجيه، المديرة العامة لـدار «أوديوليب»، فـــي اتّّـــســـاع الـــعـــرض فــرصــة لـتـجـديـد الــجــمــهــور. وقــالــت ،2024 ) لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني إن هذا التطو ّّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر ّّـــع انـــتـــشـــاره». وربــطــت ذلـــك بـإمـكـان تجربة ّـــا، ويـــوس �ًّ ســـن مؤلّّفين وأجناس مختلفة، بـدلا من حصر الاختيار منذ الــبــدايــة فــي عــنــوان واحــــد. بــهــذا المـعـنـى، قــد تــقــود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قص ّّة قصيرة لم يكن المتلقّّي ليشتريها مـنـفـردة، أو كـتـاب للأطــفــال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى. غير أن عــدد المستمعين لا يـسـاوي عــدد المشترين، ولا يــكــفــي وحـــــده لــقــيــاس مــكــانــة الـــكـــتـــاب الـــصـــوتـــي في اقــتــصــاد الــنــشــر. فـفـي مـقـالـهـا «سـبـوتـيـفـاي يــربــك عـالـم نــوفــمــبــر (تــشــريــن 26 الـــكـــتـــاب الـــصـــوتـــي» المـــنـــشـــور فـــي ، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية 2024 ) الثاني لا تُُقاس بدقّّة، بسبب امتناع منص ّّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نمو الإيـرادات في الولايات 2.43 فـي المائـــة لتبلغ 9 ؛ إذ ارتفعت 2025 المتحدة خلال مليار دولار، بما يؤكّّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكن نجاحه الثقافي يظل أوسع من حصيلته التجارية. م ََن يتحك ّّم في بوابة الاستماع؟ خــلــف الألـــفـــة الـــتـــي يـصـنـعـهـا صــــوت الـــــــراوي، تقف وساطة أخــرى أقــل ظـهـوراً: المنص ّّة التي يكتشف عبرها ّّــخـت «أوديـــبـــل»، التابعة المستمع كتابه. فـي فرنسا، رس لــــــ«أمــــــازون»، مـــوقـــعا مــهــيــمــنا فـــي هــــذا المــــجــــال. وقـــــد ّّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يــورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبـــا»، المنشور ّّــتــهــا آنــــــذاك بنحو ، حــص 2025 ) أبـــريـــل (نـــيـــســـان 11 فـــي ثلثي الـسـوق الفرنسية. وتـنـاول المـقـال نفسه استثمارا أعـلـنـت عـنـه «سـبـوتـيـفـاي» لـدعـم الإنــتــاج فــي أســــواق من بينها فـرنـسـا وهــولــنــدا. وفـــي حـديـثـهـا إلـــى «لــومــونــد»، ََــي «أوديـــبـــل» و«سـبـوتـيـفـاي» وصـفـت لـــور سـاجـيـه عــرض بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطـول، في حين يشج ّّع إمكان الـتـجـربـة عـلـى الـتـنـقّّــل بين مــؤلّّــفين وأجــنــاس أدبــيــة قبل الاستقرار على عمل بعينه. باريس: أنيسة مخالدي النص الكامل على الموقع الإلكتروني شهادات لمثقفين غربيين وكتاب عرب «صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي يــوث ِِّــق كــتــاب «كــتــابــة المـــذبـــحـــة... أشـكـال تــنــاول صـبـرا وشـــاتـــيلا»، الــصــادر عــن المـركـز الـقـومـي للترجمة بـالـقـاهـرة، للباحثة سمية مــمــدوح الــشــامــي، الـكـثـيـر مــن وقـائـعـهـا، كما يأتي مواكبا للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتـعـددت بشأنه السرديات والـشـهـادات، لكن المـــؤكـــد أنــــه يــظــل وصــمــة عــــار عــلــى جــــبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجـئين فلسطينيين في سبتمبر (أيـلـول) 18 و 16 بـيـروت بين يـومـي .1982 وحـــســـب تـــقـــاريـــر الأمــــــم المـــتـــحـــدة، دخـــل مـسـلـحـون مــن «الـــقـــوات الـلـبـنـانـيـة»، الـجـنـاح الـــعـــســـكـــري لــــ«حــــزب الـــكـــتـــائـــب»، إلـــــى صــبــرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي ساعة لتخلف أعدادا غير مسبوقة من 43 نحو الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكـاديـمـيـة الـــراحـــلـــة رضــــــوى عــــاشــــور قـــبـــل أســـابـــيـــع مـن نــوفــمــبــر (تـــشـــريـــن الــثــانــي) 30 رحــيــلــهــا فـــي ، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور 2014 ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء. يــتــوقــف الـــكـــتـــاب، الــــذي تـرجـمـتـه نسمة مـــحـــمـــد ديــــــــاب ويــــــاســــــمين أســـــامـــــة الــشــيــمــي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن يـنـظـروا إلـــى المأســــاة الفلسطينية مــن خــارج الـــقـــوالـــب الــــجــــاهــــزة، وأن يـــســـتـــنـــدوا إلـــــى مـا شاهدوه وقـرأوه وعايشوه، بدلا من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك. على رأس هـؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جـــان جـيـنـيـه، لا سـيـمـا مـقـالـه «أربــــع سـاعـات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد الـتـي رآهــــا، كـمـا تـوقـف مــطــولا عـنـد إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصـف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهــب إلــى أن الواقعة تحولت مـن منظوره إلــى مواجهة أوســـع مع الاسـتـبـداد، بعد أن بــات «يشتم رائـحـة المـوت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره. وفـيـمـا يتعلق بـالـصـحـافـي الـبـريـطـانـي روبـــرت فيسك، فقد اقـتـرب مـن مـأسـاة المخيم بـــــــأدوات الــتــحــقــيــق الــصــحــافــي المـــيـــدانـــي، إذ توجه إلــى المـكـان وعـايـن آثــار المذبحة وطـرح أسـئـلـة مـبـاشـرة حـــول الـــروايـــات الــتــي قُُــدمـت لتفسير مـا حـــدث، ومــن بين مـا لفت انتباهه الــطــريــقــة الـــتـــي جــــرى بــهــا اســـتـــخـــدام الــلــغــة، مثل استبدال تعبير فضفاض هـو «أحـــداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» مـن بعض الـصـيـاغـات، بما يسهم فـي طمس حقيقة ما جرى. أمــا المفكر الأمـيـركـي نـعـوم تشومسكي، فـــيـــركـــز عـــلـــى الـــــروايـــــات الـــرســـمـــيـــة والــحــجــج التي قُُدمت حـول المذبحة، مـحـاولا تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين مـــا قـيـل ومـــا حـــدث عـلـى الأرض. كـمـا تـوقـف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، مــــن خلال وضــــــع «مـــنـــتـــقـــدي الــصــهــيــونــيــة» تـــلـــقـــائـــيا فــــي مـــواجـــهـــة اتـــهـــامـــات بـــ«مـــعـــاداة الـسـامـيـة»، بما يـصـرف الانـتـبـاه عـن مناقشة الــظــروف السياسية الـتـي أحـاطـت بالمذبحة، على حد تعبيره. فـي المـقـابـل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طــــاهــــر، و«الـــطـــنـــطـــوريـــة» لــــرضــــوى عـــاشـــور، و«بـــاب الـشـمـس» لإلـيـاس خـــوري، إذ تتناول تـلـك الــنــصــوص المأســــــاة مـــن زوايـــــا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، مـــن خلال مــنــظــور فــنــي يـسـتـنـد إلــــى ســرديــة الواقع. تــضــع «الـــحـــب فـــي المــنــفــى» الـــواقـــعـــة في ســــيــــاق إنــــســــانــــي يــــتــــجــــاوز حـــــــدود فــلــســطين ولـــبـــنـــان، فــــالــــروايــــة تـــربـــط بين مــــا يــواجــهــه المـــعـــارضـــون فـــي الــعــالــم الــعــربــي وبين مـــآس شهدتها شـعـوب أخـــرى، مـن تشيلي وغينيا إلـــــى إســـبـــانـــيـــا، لــتــصــبــح «صــــبــــرا وشــــاتــــيلا» واحـــــدة مـــن صــــور الــقــمــع الـــتـــي يــتــعــرض لها الإنـسـان عندما يتم إخضاع الآخـريـن وسلب حـــقـــوقـــهـــم بـــالـــقـــهـــر. وتـــــقـــــدم «الـــطـــنـــطـــوريـــة» مـعـالـجـة مـخـتـلـفـة، إذ تـمـتـد أحـــــداث الـــروايـــة إلـــى تـحـريـر الـجـنـوب 1948 زمـــنـــيا مـــن نـكـبـة ، عبر حكايات الشخصيات 2000 اللبناني عام وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر ســـرديـــة تـمـتـزج فـيـهـا الـتـفـاصـيـل الـتـاريـخـيـة مــــع جــــوانــــب مــــن الـــحـــيـــاة الـــيـــومـــيـــة والــــتــــراث الـشـعـبـي الـفـلـسـطـيـنـي، مــمــا يـمـنـح الأحـــــداث بـعـدا إنـسـانـيا لافــــتاً. وتـعـيـد «بـــاب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قــــرى: عين الــزيــتــون والـــبـــروة والـشـعـب خلال ، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند 1948 عـام الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيــضا بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصـحـابـهـا، مــن أســمــاء الأمـــاكـــن إلـى حكايات العائلات وتجارب النزوح. القاهرة: رشا أحمد

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky