لــيــس ســــرا أن جـــي دي فـــانـــس، نـــائـــب الـرئـيـس الأمـيـركـي، وقـف ضـد حـرب إيـــران، أو على الأقــل كان له فيها رأي مختلف عن رأي الرئيس دونالد ترمب وأركـــان إدارتـــه. وحين تــوارت أخـبـاره عن الإعلام في الأسابيع الأولى للحرب، فإن التفسير الذي قيل كان أن رأيه المختلف في الحرب هو السبب. وقد شاع عنه بعدها، ثم ربما إلى اليوم، أنه من بين الوجوه القليلة في الإدارة التي تتبنى آراء أقرب إلى التوجهات التقليدية للمؤسسة الأميركية، ومن بين الدلائل المُُضافة لاحقا إلى ذلك أنه هاجم الحكومة الإسرائيلية في بعض المواقف التي رآهـا لا تعجبه. صحيح أنـــه عـــاد بـعـد ذلـــك لـيـقـدم مــا يشبه الاعــتــذار لهذه الحكومة، ولكن بقي الانطباع لدى كثيرين. وحين كـــتـــب عـــلـــى مــنــصــة «إكـــــــس» عــــن أحـــــداث العنف فـي فرنسا، بــدا فيما قاله متشددا إزاء ملف الـــهـــجـــرة. فــهــو تـكـلـم عـــن الأحــــــداث فـــي فــرنــســا، وعــن عمليات السلب والنهب المؤسفة التي رافقتها، فقال مــا مـعـنـاه إن الـسـبـب هــو «اســتــيــراد الـعـالـم الـثـالـث» إلــى فرنسا، وإن الهجرة الـتـي استقبلتها الأراضـــي الفرنسية جـاءت بمهاجرين لا يريدون أن يتوافقوا مـع المجتمع الــذي يعيشون داخـلـه، ولا أن يندمجوا فــيــه، فـكـانـت مـــا تـسـمـى أحـــــداث «أصـــحـــاب الـسـتـرات الصفراء» من قبل، و«السترات السوداء» في الأحداث الأخيرة، هي الحصيلة في النهاية. هــــذا مـلـخـص مـــا ذكــــــره، ونـــجـــد فــيــه مـــوقـــفا من المهاجرين في العموم، من دون تفرقة بين مندمجين ومتوافقين فيهم، وآخرين ليسوا كذلك. حدث هذا من جانبه رغم أن تحقيقات لم تتم لتقول للفرنسيين ثم لنا، ما إذا كان الذين مارسوا العنف ونهبوا وسلبوا ه ُُــــم كــلــهــم مـــن المـــهـــاجـــريـــن بــالــفــعــل، أم أنـــهـــم شـبـاب أوروبي غاضب بوجه عام، من دون أن يكون الغضب مقصورا على المهاجرين وحدهم؟ ِِّـــم الـــحـــكـــم عـلـى والمـــشـــكـــلـــة الـــكـــبـــرى أنـــــه لا يـــعـــم المـهـاجـريـن فــقــط، وإنــمــا يــذهــب بـالـحـكـم المُُــعــمــم إلـى بلاد العالم الثالث كلها، مـن دون تفرقة هنا كذلك، بين دول أرسلت مهاجرين غير قادرين على التوافق والانـــدمـــاج، ودول أخـــرى لـم تـرسـل مـهـاجـرا مـن هذه النوعية الـتـي رأيـنـاهـا تحطم واجــهــات المـــحلات في باريس، وتقتحمها، وتستولي على ما فيها، ثم تفر هـاربـة وهــي تحمل مـا استطاعت أن تستولي عليه بالقوة. المـشـهـد كـــان مــؤســفا ومــحــزنا عـلـى الـــســـواء، ولا يمكن لعاقل أن يُُقر بـه أو يـرضـاه، ولا يتصور أحد أن يكون ذلك في عاصمة النور، أو في فرنسا بوجه عام. ذلك أن «بلاد الفرنسيس»، على حد تعبير المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي وهـو يتحدث عـن الفرنسيين في كتابه الشهير، هي بلاد نور، وثقافة، وحضارة، وهذه كلمات ثلاث لا تقال هكذا بغير رصيد وراءها، وإنـمـا معناها أن فرنسا قـد قطعت خـطـوات طويلة لـتـصـل إلـــى مــا وصــلــت إلــيــه مــن الـتـحـضـر بين الأمــم الراقية في هذا العصر. وعـنـدمـا أراد المـــؤرخ الأمـيـركـي وِِل ديــورانــت أن يضع عـبـارة على سبيل التقديم فـي كتابه الضخم عــــن «قـــصـــة الــــحــــضــــارة» لــــم يـــجـــد أفـــضـــل مــــن عـــبـــارة للفيلسوف الـفـرنـسـي فولتير يـقـول فـيـهـا: «أريــــد أن أعرف الخطوات التي قطعها الإنسان من البدائية إلى التمدن والمدنية». مـــا شــهــدتــه فــرنــســا إذن لــيــس مـنـهـا فـــي شـــيء، ولا هـي منه فـي شــيء، ولا تعرف كيف انطلق عنف كهذا فجأة هكذا وبغير مقدمات؟ ثم لا تعرف ما إذا كانت احتجاجات التلاميذ التي سبقته هي المقدمة التي أدت إليه؟ أم أن احتجاج التلاميذ شيء، بينما عنف الـسـتـرات الــســوداء وأصحابها الملثمون شيء مختلف؟ لا تـعـرف، ولـكـن مـا تعرفه أن أوروبــــا كلها، لا فــرنــســا وحـــدهـــا، مـمـتـلـئـة بــالمــهــاجــريــن المــنــدمــجين المــــتــــوافــــقين الــــذيــــن يــــعــــد ّّون أنــفــســهــم مــــواطــــنين لا مقيمين، والذين يندمجون ويتوافقون، ولا يضعون أنــفــســهــم فـــي أي مـــواجـــهـــة مـــع مـجـتـمـعـاتـهـم الـتـي يعيشون فيها. إن الحديث عن العالم الثالث في العموم يصادر على حق أصيل من حقوق الإنسان هو حقه في التنقل أو السفر من دون قيود، وهذا الحق جرى وضعه منذ وقت مبكر، فصار في مقام حريات أربع للإنسان هي: حرية الـرأي والتعبير، وحرية العبادة، والتحرر من الخوف، والتحرر من الحاجة أو العوز أو الفقر. وكـــان الـرئـيـس الأمـيـركـي فـرانـكـلين روزفــلــت قد ، فصارت 1941 أعلنها في خطاب حالة الاتحاد عـام مـن بعدها محفوظة للإنـسـان مـن حيث هـو إنـسـان. ولــيــس مـــن المــتــصــور أن يـضـعـهـا روزفـــلـــت فـــي وقـتـه ويعدّّها مما يشبه المقدسات بالنسبة إلى الشعوب، ثـم يأتي نائب رئيس أميركي ليقول مـا يظهر كأنه نــــوع مـــن الـتـحـلـل مــمــا ســبــق بـــه الــرئــيــس الأمــيــركــي الأسبق. المــهــاجــرون لـيـسـوا ســـواء بحكم طـبـائـع البشر، والعالم الثالث ليس سواء فيما يضمه من الشعوب، والتعميم في قضية الهجرة خطأ لا يجوز التمادي وراءه، فضلا عن الوقوع فيه. Issue 17495 - العدد Thursday - 2026/10/22 الخميس لـم يقْْتصر درْْس الطائفيّّة بوصفه واقـعـة اجتماعيّّة على مـجـال بعينه، بل يهتم به كل متخصص على طريقته بأي حقل علمي «اجتماعي، ديني، سياسي، فــكــري» مــا يهمنا الآن هـنـا درْْســــه ضمن المجال الاقتصادي. نـعـم؛ لــم تـكـن الـطـائـفـيـة بـعـيـدة عن الـــتـــفـــســـيـــر الاقـــــتـــــصـــــادي. بـــالـــتـــأكـــيـــد إن التمييز الطائفي يبدأ عـادة من القاعدة ومن ثم يتصاعد إلى الأعلى يص ّّع ّّد أثره مـــكـــو ّّنا مـجـمـوعـة أفــكــار وأنـــمـــاط ونُُــظ ُُــم واستراتيجيات فتّّاكة. غير أن الإمساك بعصب تأثير هذا الــثــلــم الاجــتــمــاعــي بـغـيـة تـحـجـيـمـه قــدر الإمكان مطمح كل باحث. ّّــــــون حــــــول وقـــــــــــد كــــــتــــــب المــــــخــــــتــــــص دور مـــفـــهـــوم الــــدولــــة بـــكـــل مـؤسـسـاتـهـا وشرائعها وقوانينها وقو ّّتها التنفيذية على تحييد الطائفية على الأقـل من أي تأثير مباشر على التعايش فـي المجال الـعـام. ثـمـرة ذلــك المـخـاض مجموعة من الـــقـــوانين والـتـشـريـعـات الـتـي تكفل حق الجميع بـاتـبـاع مـا يــريــدون مـن ديـــن أو طائفة أو طريقة روحيّّة، ولكن من دون تـسـيـيـلـهـا كــبــرنــامــج دعــــــوة أو أســلــوب تفوّّق على الآخرين، فـضلا عن أن يصل إلــــى اســتــتــابــة المــخــالــف أو تــكــفــيــره، بل يكون الـواقـع مدنيا خاليا من صراعات الطائفية الفتّّاكة، والـتـزام كل مجموعة أو فرد بنظم الدولة وشرعتها. لم يُُعن الفيلسوف وعالم الاجتماع الـــكـــبـــيـــر مــــاكــــس فـــيـــبـــر بـــالـــطـــائـــفـــة عـلـى الطريقة المدرسية والتربوية التقليدية، بل هرع نحو تقص ّّي معنى الطائفة من زاويتها الرأسمالية، وذلـك في مقالة له بعنوان «الطوائف البروتستانتية وروح ، نشرت 1920 الرأسمالية» كتبها في عام فـــي كـــتـــاب «مــــقــــالات فـــي عــلــم الاجــتــمــاع الاقـــــتـــــصـــــادي» الـــــــذي حــــــــرّّره ريـــتـــشـــارد سويدبرغ، وترجمتْْه ابتسام خضرا. مــــيــــزة مـــــا طــــرحــــه فـــيـــبـــر أنــــــه حـــلّّـــل الــطــائــفــة مـــن مــنــظــور اقـــتـــصـــادي، حيث بـــــــدأ بــــمــــوضــــوع الـــتـــعـــمـــيـــد، إذ يـعـتـبــر الـــــدخـــــول فــــي الـــطـــائـــفـــة ضـــمـــانـــة أكـــيـــدة لـــلـــصـــفـــات الأخلاقــــــيــــــة لـــلـــرجـــل المــــهــــذب، وخـصـوصا الصفات المطلوبة فـي أمـور الأعمال التجارية. فالتعميد يكفل للفرد «المصرفي» الحصول على ودائع المنطقة كـلـهـا والائـــتـــمـــان غــيــر المـــحـــدود الــــذي لا يـنـافـسـه فـيـه أحــــد. إنـــه «رجــــل واثــــق من النجاح». والملاحظات الإضافية تؤكد أن هذه الظواهر، أو ما يشابهها على الأقل، تتكرر في أشد المناطق تنوعاً. وبصورة عـــامـــة، لـــم يـنـجـح مـــن رجــــال الأعـــمـــال إلا مـن ينتمون إلــى الطائفة المـيـثـوديـة، أو الطائفة المعمدانية، أو طوائف أخرى، أو تجمعات دينية شبه طائفية. لـــكـــن مــــــاذا عــــن الــــفــــرد فــــي طـائـفـتـه ودورها في تنظيم شؤونه الماليّّة؟! يــجــيــب فــيــبــر «عـــنـــدمـــا يـنـتـقـل عضو طــائــفــة لـيـقـيـم فـــي مــكــان آخــــر، أو إذا كــان بــائــعا مــتــجــولاًً، فــإنــه يـحـمـل مـعـه شـهـادة انتمائه إلــى طائفته؛ وبـذلـك يسهل عليه الـتـواصـل مـع أعـضـاء طائفته، بـل ويكون أيــــضاً، وعلاوة عـلـى كــل شــــيء، مـحـل ثقة ائـــتـــمـــانـــيـــة فــــي كــــل مــــكــــان. فــــــإذا دخـــــل فـي ضائقة اقتصادية بلا خطأ ارتكبه، تقوم الطائفة بتنظيم شؤونه». هـــــذه الـــجـــمـــل الـــســـريـــعـــة مــــن الــبــحــث الطويل أعلّّق عليها بنقطتين. الأولــــى، ضـــرورة التركيز على الــدور الاقـــتـــصـــادي الـــعـــام والمادي الـــخـــاص في تــوجــيــه الأفــــكــــار؛ وفــــي تــبــويــب الــطــوائــف وإيــقــاظ نـزعـاتـهـا فــي كـثـيـر مــن الأحــــايين، وهــــو ولــئــن كــــان تــأثــيــره كـــامـــنا فــــإن فيبر وضـــع مــشــرط نـظـريّّــتـه حـــول الـرأسـمـالـيـة عــلــى الـــجـــرح حين شــــرّّح الـبـروتـسـتـانـتـيـة وعلاقـــــــــــات الــــتــــصــــد ّّع الـــطـــائـــفـــي داخـــلـــهـــا ي ـــــــــــــة مــــمــــا جــــعــــل مــــعــــارك � بـــالمـــنـــافـــســـة الماد الــطــائــفــة فـــي مـــكـــان مـــا تــحــتــدم أكـــثـــر حين تكون مشبوبة بوقود المال، حينها يصب زيته على أحاديث الـخلاص والنجاة مما يؤسس للتنافر والحروب الأهلية، وأحيا أدبيات الاصطفاء. الـــثـــانـــيـــة: أهـــمـــيـــة رصـــــد الـــشـــبـــه بـمـا يتعلق بـالـتـصـدّّع الـطـائـفـي بـغـض النظر عن الانتماء لأي ملّّةٍٍ، فثمة تشابه تكويني على النحو الذي لخ ّّصه فيبر، صحيح أن منطلقه كما في كل نظريته حول «الن ُُّس ُُكي ّّة البروتستانتية» غير أنها تصح على بقيّّة الطوائف وإن بدرجات أقـلّّ. إن الفتوحات التي منحنا إياها فيبر لموضوع الطائفة ن المستوى البشري للنزعات التي يزعم تبي ّن أصحابها أنها نابعة من الطهرانيّّة بينما تتبدى آثــار المصالح الدنيوية لنا مـع كل اضطرام لنار الطائفية المُُه ْْلِِك. الــــــخلاصــــــة؛ أن مــــاكــــس فـــيـــبـــر لـئـن لـــــم يـــقـــصـــد فـــــي بـــحـــثـــه عـــــن «الــــطــــائــــفــــة» الـسـيـاسـات الـطـائـفـيـة بـالمـعـنـى المـيـدانـي الـتـي نعيشها نـحـن فـي الإقـلـيـم، فــإن من المفيد الاستئناس بما طرحه لجهة الأثر الـتـنـافـسـي الــدنــيــوي والأثـــــر الـرأسـمـالـي عــلــى تــعــزيــز أفـــكـــار الـــتـــصـــد ّّع والــتــنــاحــر والتكاره. لا تُُــــخــــاض الـــــحـــــروب بـــــالـــــسلاح وحــــــــده، ولا تُُــحــســم نتائجها في ميادين القتال فحسب؛ فهناك جبهات أخرى لا تقل خطورة، في مقدمتها جبهة الاقتصاد، حيث تتحول مـعـانـاة المــواطــنين وضـغـوط المعيشة إلــى أدوات تستهدف تماسك المجتمعات وثقتها في مؤسسات الدولة. والسودان، ، يواجه 2023 ) الذي يخوض حربا شرسة منذ أبريل (نيسان الــيــوم تـــــداخلا مـعـقـدا بين المــواجــهــة الـعـسـكـريـة والـضـغـوط الاقـتـصـاديـة، وتـصـاعـد الهجمات بـالـطـائـرات المـسـيّّــرة، في توقيت بالغ الحساسية. يتزامن هذا التصعيد مع التقدم الذي يحرزه الجيش السوداني والقوات المساندة له في جبهات القتال، ولا سيما فـي غـرب الـــبلاد. وفـي مثل هـذه الـظـروف، تصبح الأوضــاع المـعـيـشـيـة جــــزءا مـــن مــعــادلــة الــــصــــراع؛ إذ يـمـكـن للضائقة الاقتصادية، إذا تفاقمت من دون استجابة حكومية فعالة، أن تستنزف صبر المواطنين. فـالمـواطـن الـسـودانـي الـيـوم يعيش فـي قلب العاصفة، إذ تتجلى الأزمـــة فـي الارتــفــاع المـتـواصـل والمتقلب لأسعار السلع، وتآكل الدخول، وتراجع القدرة الشرائية للأسر. ينام المـواطـن على أزمـــة وقـــود، ويستيقظ على أزمـــة خـبـز، فيما تعجز الرواتب عن الوفاء بالاحتياجات الأساسية. وتزداد الأعــبــاء مــع عـــودة طلاب المـــــدارس، حين تـرتـفـع مـصـروفـات التعليم والمواصلات وتضيق الخيارات أمام الأسر محدودة الدخل. وفي ظل هذه الأوضاع، تثير بعض القرارات الحكومية، مثل حظر استيراد الـفـول، تـسـاؤلات بشأن مـدى مراعاتها للآثـــار المـبـاشـرة على الأســــواق ومعيشة المـــواطـــنين. فحتى الــقــرارات الـتـي تستهدف حماية الإنــتــاج المحلي أو تنظيم التجارة تحتاج إلى دراسة دقيقة لنتائجها. ولا يكفي أن تتخذ الحكومة قـراراتـهـا ثـم تنتظر من المـواطـن تحمل نتائجها؛ بـل يتعين عليها شـرح دوافعها، والإفــصــاح عـن أهـدافـهـا، وتـوضـيـح الـبـدائـل المـتـاحـة والمــدة اللازمــــــة لـظـهـور نـتـائـجـهـا. فــالــتــواصــل الــفــع ّّــال لـيـس تـــرفا إعلامـــياً، وإنما هو جـزء من إدارة الأزمــة، وعنصر أساسي في تحصين الجبهة الداخلية. الـــضـــغـــوط الـــتـــي يــواجــهــهــا الــــســــودان لا تـنـفـصـل عن اضـطـرابـات الاقـتـصـاد الـعـالمـي. فقد ألـقـت الـحـرب الروسية - الأوكـرانـيـة بظلالها على أســـواق الطاقة والـحـبـوب، فيما زادت الـتـوتـرات فـي المنطقة، فـي ظـل المـواجـهـة الأمـيـركـيـة - الإسرائيلية على إيران، والحرب في اليمن من الاضطرابات في إمدادات النفط والغاز وحركة التجارة عبر مضيق هرمز وباب المندب. وتنعكس هـذه التطورات على تكلفة استيراد الوقود والأسمدة ومـدخلات الإنتاج الزراعي، فتزيد أعباء الزراعة المـحـلـيـة، وتـضـعـف قـــدرة كثير مــن المـــــزارعين عـلـى مواصلة الإنتاج. وتضاف إلى ذلك تقلبات المناخ وشح الأمطار، وما قد يترتب عليهما من تراجع المحاصيل وضغوط إضافية على أسعار الغذاء. وفـــي هـــذا الــســيــاق، جـــاء رفـــع الـسـلـطـات سـعـر الــــدولار فـي المائـــة فـي خامس تعديل 29 الجمركي بنسبة تتجاوز منذ مطلع الــعــام، مـتـزامـنا مـع ارتــفــاع سعر صــرف الـــدولار فـــي الـــســـوق المــــوازيــــة إلــــى مــســتــويــات قــيــاســيــة. تــبــعا لـذلـك تزيد تكلفة الــواردات، وتنتقل آثارها إلى أسعار السلع، ما يستدعي تقديرا دقيقا لتبعاتها الاجتماعية والإنتاجية. لــقــد فـــرضـــت الـــحـــرب تــوجــيــه جـــانـــب كـبـيـر مـــن مــــوارد الدولة المحدودة إلى المجهود الحربي. ومع أن حماية البلاد ومؤسساتها تبقى ضرورة قصوى في ظل استمرار القتال، فـــإن إطــالــة أمـــد الــحــرب تـعـنـي مــزيــدا مــن اســتــنــزاف المــــوارد وتعميق مـعـانـاة المـــواطـــنين، الأمـــر الـــذي يجعل البحث عن وفـاق سياسي ومجتمعي ضـرورة لا تقل أهمية عن تعزيز القدرات الدفاعية. ومـن هنا، تبرز أهمية الـحـوار الوطني الــذي يوسع المشاركة، ويعالج جـذور الأزمـــة، ويضع أسـسا لمعالجات تحفظ سيادة الـسـودان ووحــدة أراضـيـه. وأي مسار جاد للحوار يحتاج إلى إرادة وطنية، وضمانات عملية، وبيئة تسمح بمشاركة القوى المجتمعية والسياسية بعيدا عن الإقصاء. أما تعطيله، سواء بفعل حسابات أطراف داخلية أو تدخلات خارجية، فيهدد بإطالة أمد الحرب، وتوسيع تكلفتها الإنسانية والاقتصادية. المــطــلــوب الـــيـــوم خــطــة إســعــافــيــة تـخـفـف الـــعـــبء عن المـــــواطـــــن، وتـــشـــمـــل تــــــأمين الـــســـلـــع الأســـاســـيـــة والــــوقــــود، ومـــراجـــعـــة الـــــقـــــرارات ذات الأثـــــر المـــبـــاشـــر عــلــى الأســـعـــار، وتــوســيــع مـظـلـة الـــدعـــم لـلـفـئـات الأكـــثـــر تـــضـــرراً، وضـمـان وصـول الإمـــدادات إلى المناطق المحتاجة. لكن الاستجابة الـعـاجـلـة، مهما بلغت أهميتها، لـن تكفي مـن دون رؤيـة استراتيجية تعالج الاختلالات البنيوية للاقتصاد. فالسودان يمتلك مقومات كبيرة: مياه النيل وروافده، والأمـطـار والمـيـاه الجوفية، والأراضـــي الـزراعـيـة، والثروة الحيوانية، والمعادن. وهذه الموارد تمثل فرصة للنهوض، لكنها قد تتحول أيضا إلى مصدر للأطماع والتنافس إذا غابت المؤسسات القوية والإدارة الرشيدة. ولـــذلـــك، يـنـبـغـي أن تـتـقـدم الـــزراعـــة والأمـــــن الـغـذائـي أولــــويــــات المـــشـــروع الـــوطـــنـــي، عــبــر الاســتــثــمــار فـــي الــــري، وتـطـويـر الـــبـــذور، وتـوفـيـر الـتـمـويـل والأســـمـــدة والــوقــود، وتأهيل الطرق ومرافق التخزين والتصنيع، وربط الإنتاج بــــالأســــواق. عـنـدهـا فـقـط يـمـكـن تـحـويـل شــعــار الـــســـودان بوصفه سلة غـذاء العالم العربي إلى واقـع يخدم المواطن أولاًً، ويفتح آفاقا أوسع للصادرات والتنمية. إن مــعــركــة الــــســــودان لـيـسـت مـعـركـة سلاح فـحـسـب، ولا مــعــركــة أســـعـــار ومــــــوارد وحـــدهـــا؛ إنـــهـــا مــعــركــة على قــدرة الـدولـة على الصمود، وعلى حـق المـواطـن فـي حياة كريمة، وعلى مستقبل بلد يمتلك من الإمكانات ما يؤهله للنهوض. والانتصار الحقيقي هو أن تتحول تضحيات الـحـاضـر إلـــى مــشــروع وطـنـي يحقق الــــسلام والاسـتـقـرار والإنـتـاج، ويجعل ثــروات الـسـودان سندا لشعبه لا سببا لاستنزافه. فهد سليمان الشقيران عثمان ميرغني سليمان جودة OPINION الرأي 14 السودان في مواجهة حرب الاقتصاد والمسيّّرات الأثر «الرأسمالي» على سياسات «الطائفة» خطأ التعميم في قضية الهجرة المهاجرون ليسوا سواء بحكم طبائع البشر... والعالم الثالث ليس سواء فيما يضمه من الشعوب
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky