issue17493

لافـت أن يختار الإنـسـان النار التي قضى جانبا طـويلا من تاريخه يحاول اتّّـــقـــاءََهـــا، أداة لـصـنـاعـة الــجــمــال. فمنذ اكــتــشــاف قــدرتــهــا عــلــى تــحــويــل المادة، ارتبطت النار بالتقدُُّم الإنساني مثلما ارتبطت بالخسارة. بها ص ُُهرت المعادن ِِــرََف، وبها أيضا وتطوّّرت صناعات وح اخـتـفـت مـــدن ومـخـطـوطـات وآثــــار. ومـن هــذا التناقض بين الـقـدرة على الإنـشـاء واحــتــمــالات الــفــنــاء، يـعـمـل الـفـنـان جـان بوغوصيان في معرضه «شعلة دائمة» بــ«غـالـيـري صـالـح بــركــات» فـي بـيـروت، مُُستدرجا النار إلى ممارسة فنّّية تقوم على إخـضـاع المادة لـتََــحـوّّل قـد يحتفظ بنتائج تتجاوز نيات صاحبها. تحمل اللوحة عادة آثار ما يُُضيفه الفنان إلى سطحها. أما الحرق فيجعل الإزالـــة فــعلا تشكيلياً، ويُُــحــوّّل الفقدان إلـــــــى عـــنـــصـــر مـــــرئـــــي. مـــــا يـــخـــتـــفـــي مــن الــســطــح يُُــــشــــارك فـــي تــحــديــد مـــا يبقى منه. وتصبح المادة شاهدا على حادثة وقعت لها، فيما يحمل العمل النهائي آثار عملية صنعه، بما فيها احتمالات التلف التي رافقتها. تبدو بعض أعمال بوغوصيان أكثر إقناعا حين تترك النار آثارا يصعب على الـفـنـان التحكّّم بها بـالـكـامـل، فتحتفظ المادة بـــشـــيء مـــن طـبـيـعـتـهـا الــخــاصــة. فالشقوق والتجاعيد والحواف المتفح ِِّمة تكشف عن تفاعل فيزيائي حقيقي، وعن زمـن قصير وعنيف يترك علاماته على سطح كان مستقراً. وتغدو النار شريكا يصعب التنبّّؤ بسلوكه، مع بقاء الفنان مسؤولا عن اختيار اللحظة التي يتوق ََّف عندها التحو ّّل. و ُُلـــــــد بـــوغـــوصـــيـــان فــــي حـــلـــب عـــام لعائلة لبنانية أرمنية تعمل في 1949 المــــجــــوهــــرات، ودرس الاقـــتـــصـــاد وعــلــم الاجــتــمــاع فــي جـامـعـة الــقــديــس يوسف بـبـيـروت، قبل انتقاله إلــى بلجيكا عام مـع انـــدلاع الـحـرب اللبنانية. عام 1975 ، بدأ تجاربه مع النار التي أصبحت 1988 محورا ثابتا في ممارسته الفنّّية. ومنذ ذلــــك الــــــحين، أخــــذ يـخـتـبـر تــأثــيــرهــا في مــواد مختلفة، من الــورق والقماش إلى الخشب والخزف، ليكتشف ما يمكن أن تفعله الحرارة بالسطح والشكل واللون. وفــــــي مـــنـــحـــوتـــات «أبــــــــــراج بــــابــــل»، يـــســـتـــعـــيـــد بــــوغــــوصــــيــــان إحـــــــــدى أكـــثـــر الــحــكــايــات الـــتـــصـــاقا بــطــمــوح الإنـــســـان إلــى تـجـاوز حــــدوده. ترتفع التكوينات الخزفية عبر طبقات متراكمة، تتخلّّلها فـــجـــوات وتـــصـــد ّّعـــات وحـــــواف مـتـفـاوتـة الانـــتـــظـــام. وتـسـتـحـضـر بـعـض الأعــمــال عـــمـــارة قــديــمــة أنــهــكــهــا الــــزمــــن، وتــبــدو أخرى أقرب إلى صفحات متراكبة فقدت اســـتـــواءهـــا. فـــي هــــذه الأعــــمــــال، يحضر الــبــنــاء والــكــتــابــة شـــاهـــد ََيْْـــن عــلــى رغـبـة الإنـسـان الأزلـيـة فـي أن يبقى شــيء منه بعد رحيله. تحضر في هذه الأبـراج أيضا فكرة غـرور البشر التي تقوم عليها أسطورة بابل. فقد أراد الإنـسـان بناء بـرج يصل إلى السماء، مدفوعا باعتقاده أن قدرته على البناء تجعل كل شيء ممكناً. وفي منحوتات بوغوصيان، ترتفع الطبقات بعضها فوق بعض، لكنها تبدو متآكلة ومتصدِِّعة، كأنها بقايا مشروع عظيم انتهى إلــى الــخــراب. بـذلـك تـبـرز مفارقة إنـسـانـيـة تـتـكـر ََّر فــي تــاريــخ الـحـضـارات الــــتــــي اعـــتـــقـــدت أنــــهــــا بـــلـــغـــت مــــن الـــقـــوة مـــا يـحـمـيـهـا مـــن الـــســـقـــوط. بــعــض هــذه المنحوتات يوحي بأن انهيار البرج بدأ مـن داخـلـه، والإنــســان فـي انـدفـاعـه نحو العظمة قد يزرع أسباب سقوطه بيديه. تــصــبــح هـــــذه الـــفـــكـــرة أكـــثـــر تـــأثـــيـــرا فـي الأعــمــال الـتـي تحمل آثـــار الـتـآكـل، فيما تفقد بعض الأبراج الأكثر انتظاما شيئا من قدرتها على إثارة التأم ُُّل. وفـــي المـنـحـوتـات الـخـشـبـيـة، يلفت الانتباه اختيار بوغوصيان العمل على جـذوع الأشجار، بما تحمله من أشكال صنعتها الطبيعة عـلـى مـــدى سـنـوات. يتدخ ََّل الفنان بالحفر والحرق، فتظهر الـتـواءات وفتحات تجعل بعض القِِطع أقـــــرب إلــــى أجـــســـاد تـــتـــحـــرّّك أو تُُـــحـــاول الــتــحــر ُُّر مـــن وضـعـيـتـهـا الــثــابــتــة. تـبـرز علاقــــة الإنـــســـان بالطبيعة ورغـبـتـه في إعــــــــادة تــشــكــيــل مــــا أنـــتـــجـــتـــه مــــن قــبــل. فالخشب الذي احتاج إلى سنوات طويلة لينمو، يستطيع الفنان تغيير مظهره خلال وقــت قصير. وفــي هــذا الاخـــتلاف بين زمن الطبيعة وزمن الإنسان، يمكن أن نقرأ شيئا من استعجال البشر الدائم في تغيير العالم من حولهم وإخضاعه لتصو ّّراتهم. لـكـن هـــذه المــنــحــوتــات مـتـفـاوتـة في تأثيرها. فبعضها يلفت النظر بأشكاله الملتوية والفراغات التي تتخلََّل الخشب، فـــــي حين يــــبــــدو بـــعـــضـــهـــا الآخــــــــر أقـــــرب إلـــى تــكــرار الـفـكـرة نفسها مــع تغييرات مــحــدودة. وتصبح آثـــار الـحـرق والحفر فـــي بــعــض الــقــطــع مـــتـــوق ََّـــعـــة، خــصــوصا حين تتشابه طريقة معالجتها، فتضعف قدرة العمل على إثارة اهتمام المُُشاهد. وفــــــــــي أعــــــــمــــــــال أخـــــــــــــــرى، يـــســـتـــلـــهـــم بوغوصيان الفنان الياباني كاتسوشيكا )، صاحب العمل 1849-1760( هوكوساي الشهير «الموجة العظيمة قبالة كاناغاوا». ، حين اتّّخذ الجص 2018 بدأت الفكرة عام الذي كان يعمل به شكل موجة عن طريق المصادفة، فدفعه ذلك إلى تطوير سلسلة تـــســـتـــحـــضـــر حــــركــــة الــــبــــحــــر. تـــظـــهـــر فــي الـلـوحـات ألـــوان زرقـــاء وبيضاء وصـفـراء ووردية، تتداخل مع الجص وآثار الحرق، وتـوحـي أحـيـانا بـأمـواج تتكس ََّر أو مياه تتدفََّق. والمثير أن بوغوصيان يستعين بــالــنــار لتشكيل أعـــمـــال تـسـتـوحـي الماء، ن في فـيـجـمـع بين عــنــصــرََيْْــن مـــتـــعـــارض ََي ْن الـطـبـيـعـة. وتـــبـــدو بـعـض الــلــوحــات أكـثـر حيوية حين تترك الألوان والمواد انطباعا بحركة يصعب تثبيتها. يــكــشــف الــــتــــفــــاوت بين أعـــمـــالـــه عـن أحـــــد الــــتــــحــــد ّّيــــات الــــتــــي تــــواجــــه الــفــنــان حين يــعــتــمــد تــقــنــيــة مــعــيــنــة عـــلـــى مـــدى ســنــوات طـويـلـة. فـالـنـار الـتـي بـــدأت أداة لــلــتــجــريــب والمـــــفـــــاجـــــأة، قــــد تـــصـــبـــح مـع الـــوقـــت وســيــلــة لإنـــتـــاج أشـــكـــال مــألــوفــة. ويـــظـــهـــر ذلـــــك فــــي بـــعـــض الأعــــمــــال الــتــي تتكرََّر فيها آثــار الحرق وطريقة توزيع المــــواد والألـــــوان، حـتـى يصبح بـالإمـكـان تـــوقُُّـــع الـنـتـيـجـة. وفــــي المـــقـــابـــل، تحتفظ أعــــمــــال أخــــــرى بـــقـــدرتـــهـــا عـــلـــى مــفــاجــأة المُُــشــاهــد، حين تــــؤدّّي الــنــار إلـــى أشـكـال يصعب تخيُُّلها مـسـبـقاً. هــذا مـا يجعل تجربة جان بوغوصيان مثيرة للنقاش. فبعد سـنـوات مـن العمل بالنار، يصبح التحد ّّي الأكبر أمامه أن يواصل اكتشاف إمـكـانـاتـهـا ويـتـجـن ََّــب الـــوقـــوع فــي تـكـرار الأسلوب الذي ع ُُرِِف به. بعد عام على سرقة مجوهرات ملكية نـــــادرة مـــن مـتـحـف الــلــوفــر فـــي بـــاريـــس، لا يـــــزال مـصـيـر الــقــطــع المـــســـروقـــة مــجــهــولاًً، رغـــم تـوقـيـف عـــدد مــن المـشـتـبـه بــهــم. وفـي الـــوقـــت الـــــذي تــتــواصــل فــيــه الـتـحـقـيـقـات، تزداد الضغوط على إدارة المتحف لمعالجة مشكلات المبنى التاريخي، في ظل مشروع تجديد قد تصل تكلفته إلى مليار يورو. ووفـــــــقا لـصـحـيـفـة «الـــتـــايـــمـــز»، حــــذ ََّر كــريــســتــوف لــيــريــبــولــت، مــديــر «الـــلـــوفـــر»، مـــــن أن المـــتـــحـــف قـــــد يـــضـــطـــر إلــــــى إغلاق أبوابه أمـام الجمهور إذا تخلََّت الحكومة الـفـرنـسـيـة المـقـبـلـة عـــن مـــشـــروع الـتـجـديـد الـــــــذي أطــــلــــق عـــلـــيـــه الــــرئــــيــــس إيـــمـــانـــويـــل مـاكـرون اســم «النهضة الـجـديـدة». ويـرى أن تـأجـيـل الإ اصحلــــــات لــن يــــؤدي إلا إلـى تـفـاقـم المـــشـــكلات المـرتـبـطـة بـتـقـادم المبنى والتسربات والازدحام. وتــــأتــــي هـــــذه الـــتـــحـــذيـــرات فــــي وقـــت تواجه فيه فرنسا ديونا عامة تُُقد ََّر بنحو تــريــلــيــون يـــــورو، مـــا يـثـيـر تـــســـاؤلات 3.6 بشأن قدرتها على تمويل مشروع ارتفعت مليون يورو إلى 600 تكلفته المتوقعة من نحو مليار يورو، مع فترة تنفيذ قد تمتد عاما ً. 15 إلى مجوهرات غائبة وأسئلة م ُُعل ََّقة ،2025 ) أكتوبر (تشرين الأول 19 في قطع تاريخية 8 نجح لصوص في سرقة من المجوهرات، بينها مقتنيات مرتبطة بـالإمـبـراطـورة أوجـيـنـي، زوجــة نابليون الـــثـــالـــث، مـــن بـيـنـهـا تــــاج ودبـــــــوس، إلــى جانب قطع ملكية وإمبراطورية أخرى. وكـشـفـت العملية عــن ثــغــرات أمنية فـــــي المــــتــــحــــف، شـــمـــلـــت نـــقـــص كـــامـــيـــرات المــراقــبــة وتـــقـــادم بـعـض أنـظـمـة التحكم. وردا على ذلك، أعلن «اللوفر» تخصيص مليون يــورو لمعالجة أوجــه القصور 83 وتحديث المعدات الأمنية. مشتبهين رئيسيين 4 ورغم توقيف أيـــام مــن الـسـرقـة، لــم يُُــعـلََــن عن 10 خلال استعادة المجوهرات، ولا يـزال المحققون يـسـعـون إلـــى تـحـديـد الـجـهـة الـتـي دب ََّـــرت العملية والمسار الذي سلكته القطع بعد خروجها من المتحف. وتـــــتـــــراوح الـــفـــرضـــيـــات بين إخـــفـــاء المـجـوهـرات فـي مـكـان قـريـب مـن بـاريـس، وتسليمها إلى وسطاء متخصصين في تصريف المسروقات، ونقلها إلى الخارج. ويحذ ِِّر خبراء من أن إعادة قطع الأحجار الكريمة وصقلها قد تجعل التعرف على مــصــدرهــا أكــثــر صــعــوبــة؛ خــصــوصا إذا وصلت إلى شبكات إجرامية منظمة. ومع ذلك، لا يستبعد المتخصصون استعادة القطع في المستقبل. فقد عادت مقتنيات فنية مـسـروقـة إلـــى أصحابها بـــعـــد ســــنــــوات طـــويـــلـــة، أحـــــيـــــانا بـفـضـل معلومات جديدة، أو تعاون أحد المتهمين مع السلطات. ولا تزال المجوهرات مدرجة فـي قـاعـدة بيانات «الإنـتـربـول» للأعمال الفنية المسروقة. تجديد ضروري وفاتورة باهظة لا تقتصر التحديات التي تواجه «اللوفر» على تداعيات السرقة. فالمبنى الــذي بـدأ تشييده فـي القرن السادس عشر قصرا ملكياً، قبل أن يتحول إلى متحف، يـواجـه صـعـوبـات متزايدة في استيعاب ملايين الـزوار سنويا ً. وتشمل خطة «النهضة الـــــــجـــــــديـــــــدة» إنـــــــشـــــــاء مــــــدخــــــل جــــديــــد وتـــخـــصـــيـــص قــــاعــــة مــســتــقــلــة لــلــوحــة «الموناليزا» لليوناردو دافنشي، بهدف تــخــفــيــف الازدحـــــــــــام وتـــــحـــــسين حــركــة الـزوار. ولكن المشروع يواجه انتقادات مــــن نـــقـــابـــات تـــــرى أن الأولـــــويـــــة يـجـب أن تـــكـــون لإ لاصح المــــرافــــق وتــحــديــث الأمـــن، بـــدلا مـن الالــتــزام بـإنـفـاق ضخم قـــد يـصـعـب تــبــريــره فـــي ظـــل الـضـغـوط المالية. ولــــتــــخــــفــــيــــف الـــــــعـــــــبء عـــــــن دافـــــعـــــي الــــضــــرائــــب، يــســعــى المـــتـــحـــف إلـــــى جـمـع مـلـيـون يــــورو مـــن الـتـبـرعـات، 360 نـحـو مع استهداف جهات مانحة في الولايات المـــتـــحـــدة والــــشــــرق الأوســـــــط، إلــــى جـانـب تقليص بعض النفقات واحتمال زيـادة أسعار التذاكر. وبـيـنـمـا تـنـتـظـر الـتـحـقـيـقـات خـيـطا يـــقـــود إلــــى المـــجـــوهـــرات المـــفـــقـــودة، يبقى مـشـروع التجديد موضع جـــــــــــــدل ســـــــيـــــــاســـــــي ومــــــــالــــــــي. وســـــــيـــــــكـــــــون عــــــلــــــى الإدارة الفرنسية المقبلة أن توازن بين تكلفة الحفاظ على هـذا الإرث الـثـقـافـي ومـتـطـلـبـات الإنــفــاق العام، في قرار سيحدد ملامح الــــــــــــرحــــــــــــلــــــــــــة المــقــبــلــة لأحـــد أبــرز المتاحف في العالم. يوميات الشرق منذ اكتشاف قدرتها على تحويل المادة، ارتبطت النار بالتقد ُُّم الإنساني مثلما ارتبطت بالخسارة ASHARQ DAILY 22 Issue 17493 - العدد Tuesday - 2026/10/20 الثلاثاء «شعلة دائمة»... معرض يستعيد غرور بابل ويضع الفنان أمام حدود أسلوبه بعد عام على السرقة... مصير القطع مجهول وخطة تجديد بمليار يورو تواجه ضغوط التمويل جان بوغوصيان يرسم بالنار ما يبقى بعد الاحتراق «اللوفر»... بين مجوهرات مفقودة ومستقبل م ُُعل ََّق بيروت: فاطمة عبد الله باريس: «الشرق الأوسط» بعض الجمال ابن حادثة غير مقصودة (الشرق الأوسط) تحتاج الشجرة عمراًً... وتكفي النار لحظة (الشرق الأوسط) سياح يصطفون خارج متحف اللوفر في باريس (أ.ب) تاج الإمبراطورة أوجيني المتضرر إثر سقوطه خلال سطو على اللوفر (أ.ف.ب)

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky