issue17493

غــــرام مـــن مــــادة «سـي 500 بـعـبـوة مـــن نـحـو )» الـــشـــديـــدة الانـــفـــجـــار، اغـتـيـل الـكـاتـب C4( فـــور والمفكر الرؤيوي سمير قصير. وبعبوة مشابهة اغــتــيــل جـــــورج حــــــاوي؛ الـــقـــائـــد الـــرمـــز لــ«جـبـهـة المـقـاومـة الـوطـنـيـة الـلـبـنـانـيـة» الـتـي انطلقت من بـيـروت لتحرير العاصمة ولـبـنـان مـن الاحـــتلال الإســـرائـــيـــلـــي. ووحــــدهــــا الـــصـــدفـــة أنـــقـــذت حــيــاة الإعلامــــيــــة الــشــجــاعــة مـــي شـــديـــاق بــعــد تفجير ََــكـلـت مــــادة «سـي سـيـارتـهـا بـعـبـوة مـشـابـهـة. وش )» مع كــرات الحديد العنصر الأساسي C4( فـور فــي الــعــبــوات الـنـاسـفـة الــتــي اغـتـالـت قــــادة كـبـارا ومؤثرين لبنانيين؛ من الرئيس رفيق الحريري، إلى الوزير محمد شطح. كيلوغراما من هذه المادة ومثلها 250 ت ُُرى مع كيلوغراما من 350 )»، و TNT( مـن الــ«تـي إن تـي الكرات الحديدية، وهي الشحنة المصاد ََرة من ق ِِبل الجهات الأمنية اللبنانية، كم اغتيالا كان يُُمكن أن يحدث؟ بالإضافة إلى التهديدات الأخـرى من «حــــزب الــلــه» ضــد رئــيــس الـجـمـهـوريـة، جـوزيـف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام. اعـــتـــرف «حــــزب الـــلـــه» بــلــســان الــنــائــب حسن فضل الـلـه بـأنـه مـالـك شحنة المـتـفـجـرات، وبتحد غـيـر مـسـبـوق؛ هـــدد رئــيــس الـحـكـومـة، داعــــيا إلـى الـــتـــراجـــع عــــن حـــظـــر الـــعـــمـــل الـــعـــســـكـــري والأمـــنـــي لـ«الحزب»، ومطالبا باستعادة الشحنة المصادرة (...)، وكـــأن لبنان مـسـتـودع أسلحة ومتفجرات للفرع اللبناني في «فيلق القدس» الإيراني. لكن بعد أكثر من أسبوعين على مصادرة شحنة الموت، ما زالـت السلطة السياسية تنتظر نتائج توسع الـتـحـقـيـق (...)، فـتـتـعـامـى عـــن مـسـؤولـيـتـهـا في حماية أرواح اللبنانيين، رغم ما أثاره الحدث من قلق عام. وزراء «حزب الله» لم تََجر محاسبتهم، ولم تُُح ََل القضية إلى المجلس العدلي. سبق للسلطة السياسية أن اتخذت قـرارات جريئة بحصر الـــسلاح فـي يـد الـقـوى الشرعية، وبــرفــع الـغـطـاء عـن «المــقــاومــة»، وبـحـظـرِِهـا، لكن هـذه الـقـرارات لم تنفََّذ، رغـم التمادي في حملات التخوين والتهديدات بالاغتيالات والتفجيرات والـــحـــرب الأهــلــيــة. فــــرأى «حـــــزب الـــلـــه» فـــي تـــردد السلطة بـشـأن اسـتـخـدام قــوة الشرعية فـي وجه الـخـارجين عليها، فـرصـة للمضي فـي سياسات تُُضعِِف الموقف الرسمي، معتمدا خطابا خشبيا 2000 يد ّّعي «المقاومة»، وهي منذ التحرير في عام تحولت إلى «مقاولة» يُُسنََد إليها تنفيذ الجرائم عــلــى امــــتــــداد المــنــطــقــة. فــتــولــت هــــذه «المـــقـــاولـــة» تــــدريــــب وإســــنــــاد مـيـلـيـشـيـات الـــغـــدر الــحــوثــيــة، وأُُرسلت إلى سوريا لـ«إسناد» نظام بشار الأسد، وأخذت لبنان قسرا إلى حرب «إسناد» السنوار، وغدرت بالجنوب في حرب «إسناد» إيران والثأر لخامنئي، فاستدرجت الاحتلال مجدداً. فـي التعامي عـن أبـعـاد أداء «حـــزب الــسلاح الإيـــرانـــي»، الـــذي كـبّّــد الجنوب ولبنان الـــويلات، سـذاجـة كاملة. مـن نهج التخوين، إلــى الإصــرار عــلــى اســـتـــعـــادة شــــيء مـــن الــــقــــدرات، والمــــصــــادََرة المـتـكـررة لـلـسلاح والمـتـفـجـرات، هـنـاك إصـــرار من النظام الإيراني على تقديم صورة مغايرة لواقع ما بعد كارثة «الطوفان»، تُُبرز قدرته على إشعال المـنـطـقـة بــوهــم الـــقـــدرة عـلـى كـسـر الإيـــقـــاع الـعـام نتيجة الـحـصـار الأمــيــركــي، وتـطـبـيـق واشـنـطـن عقوبات مشددة وفق خطة «المنبوذ الاقتصادي». هنا ينبغي التوقف مليا عند التزامن بين تمادي المــيــلــيــشــيــات الــحــوثــيــة فـــي ارتــــكــــاب آثــــــام طـالـت المـــطـــارات والأعـــيـــان المـدنـيـة فــي الـسـعـوديـة، ومـا يجري في لبنان لإحــداث إربــاك كبير.العدوانية الإيرانية، عبر المتبقي من الأذرع، إذا كانت تكشف عن حقيقة رهانات النظام الإيراني التي لا تقيم وزنا لمــصــالــح بـــلـــدان المــنــطــقــة وأمـــــن شـعـوبـهـا، فهي كـذلـك تكشف فـي لبنان عـن مـحـاولـة ترمي إلـــى إعـــــادة تــمــتين بـنـيـة «حــــزب الــلــه» وتمكينه، خصوصا مع اتساع المناخ في البيئة الحاضنة لـــ«الـــحـــزب» الـــــذي يــحــمّّــلــه المــســؤولــيــة عـــن نكبة البيئة الجنوبية. فبعد نـداءات النبطية وصور، وبــلــدات جنوبية كـثـيـرة، الـتـي طالبت بالسلطة مرجعية وحـيـدةًً، وبـالـسلاح الشرعي للحماية، كََش ََف استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «ليبانون ستاتيستكس» عن تراجع نوعي في نسب تأييد فـــي المائــــــة يـضـعـون 78 «الــــحــــزب» مـــع أكـــثـــر مـــن في المائة يطالبون 66 ثقتهم بالجيش، وأكثر من بتسليم السلاح اللاشرعي للشرعية، وجعل قرار الحرب والسلم من الصلاحيات الحصرية للدولة. ، خـــــصـــــوصا بـعـد 2023 مـــنـــذ أواخـــــــــر عــــــام صــــــواريــــــخ الـــــغـــــدر فـــــي مــــــــارس (آذار) الماضـــــــي «إســـنـــاداً» لإيــــران ومـــا جــرّّتــه مــن ويلات، تبدلت التوازنات الداخلية كما في الإقليم. لـذا؛ لم يعد جائزا للتركيبة السياسية، التي جـاءت بأجندة واضـــحـــة: نـــزع الــــسلاح والإصلاح، أن تــبــدو في موقع العجز عن القطع مع الماضـي، والأخطر ما يظهر فــي بـعـض الأداء مــن رغـبـة فــي الـقـطـع مع المستقبل. ما من سلطة ترتضي تنظيما مشارِِكا فـــي الـــحـــكـــم، وفــــي الـــوقـــت عـيـنـه يـــديـــر ميليشيا مــســلــحــة خــــارجــــة عــــن الـــقـــانـــون تــنــفــذ إملاءات خارجية، ويـحـدث ذلـك رغـم أن كـل ديناميات ما بعد «طوفان الأقصى» تََح ُُول دون عـودة عقارب الساعة إلى الوراء. صــــار واجــــــبا الــــخــــروج مـــن زمــــن اســتــرضــاء الخارجين عن القانون. إن استقرار البلد والمضي فـي متطلبات مـعـادلـة «الأرض مقابل الـــسلاح»، التي أكدها «الاتفاق الإطـاري» الثلاثي، لا يمران عبر المساومات والإفلات من العقاب واستباحة الدستور. Issue 17493 - العدد Tuesday - 2026/10/20 الثلاثاء قـــد ََّم رئـيـس الــــوزراء الـعـراقـي علي الــزيــدي، فـي مقالته أكتوبر (تشرين 14 ،» المنشورة بصحيفة «الـشـرق الأوســـط الأول) الـحـالـي، عشية زيــارتــه للعاصمة الــريــاض، تـصـورا لـــلـــعلاقـــات مـــع الـــســـعـــوديـــة يـــتـــجـــاوز الــــصــــورة الـكلاسـيـكـيـة المحدودة إلى شراكة مستقبلية تقوم على المصالح البينية والـــتـــعـــاون فـــي مــجــالــي الأمـــــن والاســــتــــثــــمــــارات، خــصــوصا أن الـــريـــاض وبـــغـــداد تـمـتـلـكـان الــعــديــد مـــن المـــقـــومـــات الـتـي باستطاعة البلدين اسـتـغلالـهـا فـي توثيق الــــصلات؛ وهو أمر ممكن ومتعذر في آن معاً، كونه يواجه صعوبة تتعلق بمسألة بنية المؤسسات في العراق، ووجود فصائل مسلحة تستخدم عتادها فـي مهاجمة أهـــداف حيوية واقتصادية في المملكة، وبالتالي تشكل تهديدا أمنيا يستوجب التزاما واضــــحا مــن الـحـكـومـة الـعـراقـيـة بـمـنـع هـــذه الأعـــمـــال؛ وهـو مـا أعــرب عنه السيد الـزيـدي حين قـال إن «مـوقـف الحكومة العراقية الثابت بعدم السماح باستخدام الأراضي العراقية مـنـطـلـقا لأي اعـــتـــداءات أو أعــمــال تــمــس أمـــن المـمـلـكـة ودول المـنـطـقـة»، مــكــررا «حـــرص الـحـكـومـة الـعـراقـيـة عـلـى الالــتــزام بـــمـــبـــادئ حــســن الــــجــــوار واحــــتــــرام ســـيـــادة المــمــلــكــة والـــــدول الشقيقة»، وذلك وفق البيان الذي نشرته «واس» بُُعيد لقاء جـمـع ولـــي الـعـهـد الأمــيــر محمد بــن سـلـمـان بـالـرئـيـس علي أكتوبر الحالي. 14 الزيدي، في العاصمة الرياض بالعودة إلـى مقالة الـزيـدي، سنجد أنها تعتني كثيرا بمفهوم «السيادة الوطنية»، حيث عـد أنها «ليست مجرد مناسبة للاحتفال، بل هي مسؤولية يومية». هــــذه المـــقـــاربـــة تــنــال أهــمــيــة أكــبــر بـتـقـاطـعـهـا مـــع إدارة العلاقات الخارجية للدولة، وحماية المصالح الاقتصادية، واستخدام الدبلوماسية لتعزيز استقلالية القرار الوطني - الذي تعرض لكثير من الارتباك نتيجة سنوات من التدخلات الـخـارجـيـة والأعـــمـــال الإرهــابــيــة - وهـــو تـصـور يـتـعـامـل مع السيادة بوصفها قــدرة الـدولـة على ممارسة وظائفها من دون منازعة قوى ما دون الدولة! عراقياً، ما يعرّّض «السيادة» إلى الهشاشة في أحايين كثيرة، هو عدم تطابق الصلاحيات الدستورية للحكومة مع قدرتها الفعلية على ضبط جميع التشكيلات المسلحة التي فرضت ذاتها بقوة الأمر الواقع ودعم «فيلق القدس». وعليه، فـــإن المـشـكـلـة الــتــي تـــواجـــه بـــغـــداد تـتـصـل بــتــداخــل الـهـيـاكـل الأمـنـيـة الـرسـمـيـة مــع قـــوى تمتلك نــفــوذا سـيـاسـيا وقـــدرات عـسـكـريـة وعلاقـــــات إقـلـيـمـيـة، تــتــعــارض فــي أولــويــاتــهــا مع القرار السيادي الحكومي. ولذلك؛ فإن «السيادة» التي يدعو إليها الـزيـدي، تقتضي معالجة بنية اتخاذ الـقـرار الأمني، وضمان خضوع استخدام القوة لسلطة الدولة ومساءلتها القانونية، من دون غيرها من باقي التشكيلات! الزيدي أكد في مقالته أن «أمن العراق واستقرار المملكة الـعـربـيـة الـسـعـوديـة ليسا مـسـألـتين مـنـفـصـلـتين»، مستندا في ذلـك إلـى قناعته بـأن الاعـتـداءات العابرة للحدود ترتب تكاليف على البلدين، وتنعكس سـلـبا على قدرتهما على التعاون، وتخلق أجواء من الاحتقان الشعبي. هنالك تصور أيـضا قدمه الزيدي إلـى الــدور الخارجي لبغداد، بوصفها جسرا للحوار بين القوى الإقليمية، حيث تمتلك علاقات متنوعة تتيح لها التواصل مع أطراف يصعب جمعها في إطار واحد. غير أن فاعلية الوساطة هذه تعتمد على قدرة الحكومة على تنفيذ التفاهمات التي تساعد في الوصول إليها، ومنع الجهات غير الحكومية من تقويضها، خـصـوصا أن هنالك تـجـارب سابقة إبــان حكومة مصطفى الكاظمي، عملت فيها بغداد على استضافة وفود سعودية وإيـرانـيـة لتقريب وجـهـات النظر، قبل إعلان «اتـفـاق بـكين» ، إلا أن ما جعل قـدرة الحكومة العراقية 2023 ) مـارس (آذار مــحــدودة – رغـــم مـسـاعـي الـكـاظـمـي الحثيثة وصـــدق نـوايـا فريقه الخاص كما يشهد مطلعون على المحادثات حينها – هو عدم وجود آليات للرقابة والتنفيذ تمنع حلفاء إيران من القيام بأعمال عدائية، وأيضا غياب الضمانات التي من الممكن أن تقدمها بـغـداد وتـلـزم الأطـــراف المختلفة بتطبيق بنود أي اتفاق. يتضمن طـــرح الــزيــدي أيـــضا بـعـدا اقــتــصــادياً، يرتبط بـاضـطـرابـات مضيق هـرمـز، والـحـاجـة إلــى تنويع مـسـارات الـتـجـارة والـطـاقـة، كما يـدعـو الــزيــدي إلــى «ضــــرورة تنويع ُُــول دون ارتهانها لمـسـار واحـد المــســارات الـتـجـاريـة، بما يـح أو ظـرف استثنائي بعينه»، عــادََّا أن «الاضـطـرابـات الحادة التي شهدتها الأســـواق وحـركـة التجارة وإمــــدادات الطاقة، نتيجة إغلاق مضيق هرمز» قد ألحقت «أضرارا باقتصادات المنطقة». وعليه، فـإن «الـعـراق في حاجة إلـى اقتصاد أكثر مـرونـة، يـقـوم على تنويع مـصـادر الـدخـل، وتوسيع منافذ التجارة... وفتح المجال أمام القطاع الخاص والاستثمار». وهذه التطلعات المشروعة عراقياً، تحتاج إلى بيئة مستقرة جاذبة وقوانين حديثة قابلة للتطبيق بقوة القضاء المستقل، وكل ذلك يقود تلقائيا إلى ملف «السيادة وحصر السلاح»؛ كي يشعر المستثمرون بالطمأنينة وإمكانية بناء مشاريع كبيرة تكون فيها مصالح مشتركة للطرفين. يمكن أن تبدأ المرحلة المقبلة في عملية الإصلاح التي يـروم الزيدي تعزيزها، بآلية اتصال أمني منتظمة داخليا وخارجيا مع الشركاء الإقليميين وفي مقدمتهم السعودية؛ وإجراءات واضحة للتحقيق في الاعتداءات العابرة للحدود ومـحـاسـبـة مرتكبيها، وتــبــادل المـعـلـومـات الاستخباراتية حـــول مــصــادر الـتـهـديـد، ومـتـابـعـة الـنـتـائـج عـبـر المـؤسـسـات المختصة، وحشد رأي عام داخلي مؤيد لهذه الخطوات. الـتـرتـيـبـات فــي حـــال نـجـاحـهـا الــتــراكــمــي، سـتـكـون في صـالـح تحقيق أمـريـن هـدفـت لهما مقالة الــزيــدي: السيادة والاسـتـثـمـار، وهـمـا بـرأيـي هـدفـان لا تعارضهما الـريـاض، بل تشاطر بغداد التطلعات، وستكون داعمة لتحقيقها في حـال كانت هنالك خطوات واضحة من المؤسسات المعنية؛ كي يتجاوز البلدان مرحلة اختبار ح ُُسن النيات، إلى الثقة والـشـراكـة الفعلية، خـصـوصا أنــه، وحسب مـصـادر مطلعة تحدثت معها، أكدت أن لقاء الأمير محمد بن سلمان برئيس الـــوزراء العراقي علي الـزيـدي، نُُظر لـه فـي الـريـاض بأهمية بــالــغــة، خـــصـــوصا فـــي تــوقــيــتــه، وأنـــــه يــشــيــر بـــوضـــوح إلــى وجود إرادة لدى الرياض في إنجاح مهمة الزيدي في بسط سيادة الدولة، وتحقيق شراكة مستدامة مع السعودية في المجالات المختلفة، لخلق شبكة أمان إقليمية أوسع، تحد من الاضطرابات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط. تكشف أزمة الحوثيين وتهديد الملاحة فـي «بـــاب المــنــدب»، بـالـتـوازي مـع اضـطـراب «هرمز»، وتصاعد الاحتجاجات في فرنسا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى، عن اختلال يتجاوز الـحـدود الإقليمية لكل أزمــة. نحن أمام تفاعل بين تراجع الضبط الدولي الذي كــانــت تــمــارســه الـــقـــوى الــكــبــرى؛ خـصـوصا الــــولايــــات المـــتـــحـــدة، ومـــؤســـســـات المـجـتـمـع الدولي على ضعفها، وصعود دول مأزومة ذات مــشــروعــات عـــابـــرة لـــحـــدودهـــا، وأذرع مـــن المــيــلــيــشــيــات والــتــنــظــيــمــات المــتــطــرفــة، وتـــــآكـــــل قــــــــدرة الــــحــــكــــومــــات عـــلـــى احــــتــــواء التكلفة الاجتماعية للاضطرابات؛ وهو ما يمكن تسميته «عولمة الفوضى». وتتغذََّى هــذه الحالة مـن العدمية لــدى قطاعات من الأجـيـال الجديدة، بفعل تداخل الشخصي والمجتمعي، مـع الـتـدفـق الـهـائـل للمحتوى المتصل بالقضايا العامة. تـسـاعـدُُنـا نظرية «الاعـتـمـاد المـتـبـادل» على تفسير هذا التحول؛ فقد ربطت العولمة اسـتـقـرار الـــدول بشبكات الـتـجـارة والطاقة ََّــعــت المـصـالـح الـتـي تجعل والـتـمـويـل، ووس التعاون ضرورة. ولكن هذا الاعتماد لا ينتج الاستقرار تلقائياً؛ فقد يتحول إلى مصدر ضغط حين تتمكن دولة مارقة أو ميليشيا مسلحة مـن تهديد عـقـدة استراتيجية في الاقــتــصــاد الــعــالمــي. وهـنـا يـحـضـر «هـرمــز» و«باب المندب» لاختبار قدرة النظام الدولي على حماية المصالح المشتركة من الابتزاز العسكري والسياسي، وما يخلقه من غلاء وتعطل لتدفق السلع وحالة من اللايقين. تــــكــــشــــف المـــــقـــــارنـــــة بين المـــــمـــــريـــــن عــن اخـــــتلاف الـــفـــاعـــلين ووحـــــدة الأثـــــر: تــمــارس إيـــــران الـضـغـط مــن مـوقـع الــدولـــة المأزومـــــة، بينما تمارسه ميليشيا الحوثي الإرهابية مـــن مــوقــع الـجـمـاعـة الــتــي اخـتـطـفـت الـيـمـن ومـــؤســـســـاتِِـــه ومـــــــــــوارده. ويـــقـــلِِّـــص تـــزامـــن الاضــــطــــراب الـــبـــدائـــل، ويــضــاعــف المــخــاطــر، ليجعل أمن البحر الأحمر والخليج مسألة تتصل مباشرة بالاقتصاد الدولي، وهو ما يغيب عن المقاربات الجزئية للأزمة. كــــانــــت هــــــذه المـــــمـــــرات مــحــمــيــة بـــإطـــار يمكن وصفه بـ«الاستقرار بالهيمنة»، الذي يربط انتظام الاقتصاد الدولي بوجود قوة كبرى مستعدة لتحمل تكلفة حماية المنافع العامة، وفي مقدمتها أمن الملاحة واستقرار الـــتـــحـــالـــفـــات. ولا تـــعـــنـــي الـــنـــظـــريـــة عـــدالـــة الـنـظـام، ولكنها تفسر حاجته إلــى ضامن يمتلك القدرة والإرادة. والأزمة الراهنة، في تقديري، تتصل باتساع الفجوة بين امتلاك الــــولايــــات المـــتـــحـــدة أدوات الـــقـــوة وتـــراجـــع اســتــعــدادهــا لـتـقـديـم الـــتـــزام مـسـتـقـر يبني الحلفاء سياساتهم عليه. مــــــن هــــنــــا نــــفــــهــــم الـــــــتـــــــردد الأمــــيــــركــــي والانكفاء عن الشرق الأوسط؛ وهو لا يعني بـــالـــضـــرورة تـقـلـيـص الانــتــشــار الـعـسـكـري؛ بـــــل الـــتـــخـــلـــي عـــــن وظـــيـــفـــة الــــضــــامــــن الـــــذي يــربــط اســتــخــدام الــقــوة بـقـواعـد وتـسـويـات والتزامات ممتدة. فما نراه تدخلا عسكريا مـــؤقـــتاً، تـــم الـتـعـامـل مــع نـتـائـجـه بوصفها قضايا تخص الدول ذاتها. لــــم تــــبــــدأ الــــتــــحــــولات مــــع تــــرمــــب؛ فـقـد سبقتها انتقائية كبيرة في تطبيق القانون الدولي، ومثال غزة أكبر دليل كما هو الشأن ََّــمــت الــــــدول ومـنـهـا فـــي الــــحــــروب الـــتـــي هــش حـــرب الـــعـــراق، أو فــي المــقــاربــات المتناقضة ومـنـهـا مــلــف إيـــــران، والــتــي رســخــت سلطة الـتـنـظـيـمـات والمــيــلــيــشــيــات المــســلــحــة، غير أن الـنـهـج الـقـائـم عـلـى شخصنة الــعلاقــات يعمق أزمــة صدقية الالــتــزام، ويـدفـع الـدول إلـــى الــتــحــوط، ويـضـعـف الـعـمـل الـجـمـاعـي، ويــوســع فـــرص الــقــوى الــتــي تختبر حــدود النظام. مــا يــحــدث فــي فـرنـسـا وإيـطـالـيـا ليس بـــعـــيـــدا عــــن اضــــطــــرابــــات الــــشــــرق الأوســــــط؛ فــالــضــغــوط الــخــارجــيــة تــفــاقــم الاخــــــتلالات الداخلية. وللاحتجاجات أسبابها المستقلة في المعيشة والخدمات والتعليم والسكن، ولــكــن الــســيــاق الـــدولـــي ضــاعــف مـــن الأزمــــة ويشي بتفاقمها، وقد أقر البيان الفرنسي الإيـــطـــالـــي المــشــتــرك بـــارتـــبـــاط أزمـــــة الـطـاقـة بـــأوضـــاع الـــشـــرق الأوســــــط، بـيـنـمـا عكست الاحـــتـــجـــاجـــات تــــراكــــم مـــطـــالـــب اجـتـمـاعـيــة مــتــعــددة وفـــشـــل فـــي مــلــفــات كــثــيــرة ومـنـهـا الهجرة، كما أن هناك أزمة كبيرة تتمثل في ضـيـق هــوامــش الـحـكـومـات الأوروبـــيـــة بين مطالب متعاظمة وموارد محدودة، وحاجة إلـــى إنــفــاق أمـنـي كـبـيـر، فــي ظــل الــحــرب في أوكــرانــيــا. وهـنـا تـتـدخـل الــقــوى الشعبوية والأحــــــــــــــزاب الانـــــتـــــهـــــازيـــــة، لــــتــــقــــدم الـــعـــزلـــة القومية حلا لأزمات عجزت الحكومات عن معالجتها. الــــفــــارق كــبــيــر بــالــطــبــع؛ حــيــث تمتلك المـــؤســـســـات الأوروبـــــيـــــة آلــــيــــات لـلـمـسـاءلـة وتـــــــداول الــســلــطــة وتــصــحــيــح الــســيــاســات، بـيـنـمـا تــبــقــى الــــــدول الــفــاشــلــة أو الأســـيـــرة للميليشيا في أزمة مستدامة؛ لأن ََّها تستبدل بالولاء الوطني الولاء للآيديولوجيا. وفي الـحـالـة الـحـوثـيـة، يصبح التعطيل مصدر قـــوة، فبعد الـفـشـل فــي تـقـديـم نــمــوذج حكم قابل للحياة، تفرض الميليشيا حضورها بـــالـــهـــيـــمـــنـــة داخــــــلــــــياً، وتـــعـــطـــيـــل المـــصـــالـــح الحيوية خارجياً، والارتهان لمحور التأزيم الذي تتزع ََّمه طهران. مــــواجــــهــــة عــــولمــــة الــــفــــوضــــى تـقـتـضـي دعــــم دول الاعــــتــــدال ومــشــروعــهــا، لحماية الاستقرار واستعادة الدولة، وفي مقدمتها الــســعــوديــة الــتــي تــتــصــدر الـــيـــوم حـــل أزمـــة الإقـــلـــيـــم والـــعـــالـــم، مـــن خلال الـــيـــمـــن؛ لأنـهـا حــمــلــت عـــلـــى عــاتــقــهــا اســـتـــعـــادة الــشــرعــيــة والــــدولــــة الـيـمـنـيـة المــخــتــطــفــة، وردع قـــدرة الميليشيا على ابتزاز الجميع؛ بل وحماية المــــمــــرات الـــدولـــيـــة مـــن الارتــــهــــان لـلـمـشـروع الإيراني. بـــــــاخـــــــتـــــــصـــــــار: نــــــحــــــن الـــــــــيـــــــــوم أمـــــــــام «فــــــســــــطــــــاطين» لا ثـــــالـــــث لــــهــــمــــا: فـــســـطـــاط المـيـلـيـشـيـات، وفـسـطـاط الـــدولـــة. وكـــل تــردد فـــي دعـــم الـــدولـــة يـمـنـح المـيـلـيـشـيـات فـرصـة لــتــرســيــخ ســلــطــتــهــا وتـــوســـيـــع تــهــديــدهــا، ويجعل تكلفة مواجهتها لاحــقا أشــد على الجميع. حسن المصطفى وسف الدينيي حنا صالح OPINION الرأي 14 عولمة الفوضى... من ميليشيا الحوثي إلى أوروبا السيادة والاستثمار مفتاحا الزيدي لشراكة متينة مع السعودية دينامية التحولات تمنع عودة لبنان إلى ما قبلها ينبغي التوقف مليا عند هجمات الميليشيات الحوثية على السعودية وما يجري في لبنان مواجهة عولمة الفوضى تقتضي دعم دول الاعتدال ومشروعها لحماية الاستقرار واستعادة الدولة

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky