الثقافة CULTURE 18 Issue 17486 - العدد Tuesday - 2026/10/13 الثلاثاء «أبواب»... قصائد تنتصر للبيئة في مواجهة الجنرالات يــــتــــكــــون ديــــــــــوان «أبـــــــــــــــواب»، لـــلـــشـــاعـــرة الـسـوريـة «بسمة شـيـخـو»، مـن سـت وثلاثين قصيدة، مقسمة بالتساوي على ثلاثة أقسام، كل منها يضم اثني عشر نــصاً؛ القسم الأول بعنوان «بــاب كبير: الـحـيـاة»، والثاني «بـاب أوســـــط: أنـــــا»، والــقــســم الأخـــيـــر عــنــوانــه «بـــاب صـغـيـر: قـلـبـي»، وهـــذه الصيغة فــي العنونة تمنح الديوان ترابطه البنيوي، فتبدو أقسامه بمثابة دوائـر، أو بنى متراوحة الحجم، وكل بنية كبيرة تحتوي داخلها على بنية أصغر، والذات الشاعرة تنتقل من الدائرة الكبرى إلى الصغرى، متأملة الحياة ثم ذاتها ثم قلبها، بـهـذا الـتـرتـيـب الـــذي ينتقل مــن الاتــســاع إلـى الـضـيـق، ومـــن الــعــام إلـــى الـــخـــاص، فــالأبــواب الــثلاثــة يفضي أحـدهـا إلــى الآخـــر، مـن الباب الأكبر إلى الأصغر، وهذه الذات تبدو ككاميرا رائية وفاحصة، أو عين تحدق بأقصى اتساع، كـلـمـا عــبــرت بــــابا يـسـلـمـهـا إلـــى بـــاب أضـيـق، لتتبصر الوجود حولها أولاًً، ثم تتحول إلى الـــدوائـــر الأضـــيـــق، مـتـأمـلـة الأفـــكـــار والمـشـاعـر الــقــارّّة فـي داخـلـهـا، محاولة النفاذ إلــى عمق المتاهة الوجودية التي تدور في دوائرها. الـــــديـــــوان صــــــادر فــــي الــــقــــاهــــرة، عــــن دار «بــــتــــانــــة» لـــلـــنـــشـــر، ويــــركــــز فــــي قـــســـمـــه الأول عــلــى تــفــاصــيــل الـــعـــالـــم ومـــرتـــكـــزاتـــه، وتـحـمـل كــــل قـــصـــيـــدة عـــــنـــــوانا مـــبـــاشـــرة لـــــواحـــــدة مـن هــــذه الــتــفــاصــيــل، ســـــواء كـــانـــت مـــاديـــة؛ مـثـل: «الـضـوء، الـصـوت، الشمس، البحر، الـتـراب»، أو معنوية ومفاهيمية مـجـردة؛ مثل «الأمـل، الـصـمـت، الـحـلـم». وفـــي كلتا الـحـالـتين تعيد الــقــصــائــد تــعــريــف هــذا الــــعــــنــــوان، عـــبـــر إعــــــادة تــقــديــمــه بــــرؤيــــة الـــــذات الــــــشــــــاعــــــرة، وتـــلـــقـــيـــهـــا لــــــه، وفـــهـــمـــهـــا لــجــوهــر وجـــــــــــوده، إنــــهــــا تـكـتـب عـن أثـر هـذه التفاصيل فـــي نـفـسـهـا، وتـأويـلـهـا لــــــه، وتـــعـــيـــد صــيــاغــتــه وتــــــقــــــديــــــمــــــه شـــــــعـــــــرياً، وتفيد في هذا التشكيل الـــشـــعـــري مــــن تــقــنــيــات الفن التشكيلي، بحيث تـصـيـر الـقـصـيـدة أقــرب إلـــــى لـــوحـــة تـشـكـيـلـيـة، تعبر عن روح الموضوع الشعري، كما نرى مثلا في قصيدة «الضوء»، حيث تبدأها بملمح تشكيلي واضح، قائلة: «بأصابعه يلم ستائر العتمة يفتح شبابيك الكون يتمطى يتثاءب فيخرج النهار من فمه كالمارد» ولا تـــتـــوقـــف الـــنـــزعـــة الــتــشــكــيــلــيــة عـنـد تصوير التفاصيل الماديــة للحياة، بل تتردد أصـداؤهـا فـي كـل قصائد هـذا القسم تقريباً، وتـــواصـــل حــضــورهــا فـــي الــنــصــوص المعنية بالتمثيل الـشـعـري للمفاهيم المـــجـــردة، كما يتجسد هـــذا الـــنـــزوع التشكيلي فــي قصيدة «الـــــصـــــمـــــت»؛ إذ تـــحـــضـــر الألـــــــــــوان، والـــكـــتـــلـــة والـــــفـــــراغ، والـــخـــلـــفـــيـــة، والـــســـكـــون والـــحـــركـــة، وتعيد تعريف الصمت عبر رسـمـه بشكل لا يخلو مــن سـريـالـيـة، لكنها سـريـالـيـة مفعمة بالدلالات. تقول: «الصمت يفتح أوراقه على الطاولة بيضاء لم يمسسها سوء يومئ برأسه فينهمر فوق رؤوس الكلمات مطر غزير يغرق الحكاية» وإذا كانت الطبيعة، من شمس وصوت وضـــــــوء وبــــحــــر، حــــاضــــرة بــــقــــوة فــــي الــقــســم الأول، بــــاب الــحــيــاة، الــــذي تــوجــه فـيـه الــــذات الشاعرة نظرها إلى مفردات العالم، خارجها، فــإنــهــا حين تــحــدق فـــي الــــداخــــل، وتـــدخـــل من الـبـاب الأوســـط، بــاب الأنـــا، لا تنقطع صلتها بالطبيعة، بـل تبدو هـي نفسها مـعـادلا لها، وتهيمن في هذا القسم التشبيهات بين الذات ومــفــردات الطبيعة، مـن نـبـاتـات وحـيـوانـات، فلا تخلو قـصـيـدة فـيـه مــن حـضـور جـوهـري لمفردات طبيعية، بحيث تبدو الذات الأنثوية مـــــــــرادفا لــلــطــبــيــعــة، وتـــتـــعـــدد تـــجـــلـــيـــات هـــذا الحضور، مثل «أراهــن على نفسي وأركـض/ كـــحـــصـــان مـــتـــمـــرس فــــي الـــســـبـــاقـــات»، و«بين الـنـجـوم/ تـركـت عيني ّّ/ شـهـاب مـسـرع طرف عـــيـــنـــا/ وأطــــفــــأ بـــريـــق الأخــــــــــرى»، و«بــعــيــنــي طــــائــــر/ أحــــــدق بـــشـــجـــرة الـــكـــيـــنـــا/ المـــطـــر بـلـل شـعـرهـا مـثـلـي»، وغـيـرهـا كثير مــن الـنـمـاذج الــتــي تـنـطـوي عـلـى مـشـابـهـات مــا بين الـــذات وعناصر الطبيعة، بل كثيرا ما يحدث تبادل بينهما، فـالـذات تمنح عينيها أحـيـانا لعالم النجوم، وأحيانا أخرى تستعير عيني طائر، وثمة تعالق عبر أدوات التشبيه، مثل تشبيه نفسها بالحصان أو بشجرة «الكينا». غير أن هـذا الحضور للطبيعة ليس دائــما حانيا وحميماً، فقد تحضر أحيانا بوجهها القاسي الــغــاضــب، مـثـل حـضـور الـشـهـاب الـــذي يدمر النجوم والعينين المخبأتين، أو حضور المطر الذي يغرق رأس الشجرة وشبيهتها. هـــذا الـــنـــزوع نـحـو الـتـعـالـق بالطبيعة، يــمــنــح الـــــديـــــوان وقــــصــــائــــده أبـــــعـــــادا بـيـئـيـة، ويــجــعــلــه مـــتـــصلا بــمــا يــســمــى فـــي الـنـظـريـة الأدبـيـة المعاصرة بتيار «النسوية البيئية»، ويــتــأكــد هــــذا الاتـــصـــال عــبــر حـــضـــور نقيض الـبـيـئـة، أي بــأوجــه الـحـضـارة المـصـنـوعـة من جـــهـــة، ومـــــا يـــحـــدث فــــي الـــعـــالـــم مــــن نـــزاعـــات وحـــروب مـن جهة أخـــرى؛ إذ يـأتـي هــذا النقد لــــلــــواقــــع المــــعــــاصــــر عــــبــــر تــــمــــثــــيلات المـــديـــنـــة والـــشـــوارع والــبــنــايــات المـصـنـوعـة، بوصفها نــقــيــضا لـلـبـيـئـة الــبــكــر الـــتـــي تــفــقــد تــوازنــهــا الــطــبــيــعــي، تـــقـــول فــــي قـــصـــيـــدة «تــفـــاصـــيـــل»: «ســــمــــاء مــنــخــفــضــة/ وشـــمـــس قـــريـــبـــة/ بـشـر برؤوس محنية/ يقولون نعم/ ويبتسمون./ فوق جسد المدينة/ تنتصب الأبنية أشواكاً/ وتـــــــتـــــــمـــــــدد الــــــــشــــــــوارع جروحا في أرجائها». هـــــــذا الـــتـــمـــثـــيلات لـلـطـبـيـعـة الـــتـــي فــقــدت أبـعـادهـا المـعـتـادة، هي نـــتـــاج طــبــيــعــي لــلــمــدن الـــــتـــــي تــــقــــتــــل الـــبـــيـــئـــة. وتــــــــبــــــــدو اســــــتــــــعــــــارات الأشـــــــــــــــواك والـــــــجـــــــروح للأبــــنــــيــــة والـــــــشـــــــوارع، دالـــــــــــــــة عــــــلــــــى ابــــــــتــــــــذال الـــــحـــــضـــــارة، وتـــلـــويـــث الطبيعة، وبينهما يتم تـدمـيـر الإنـــســـان، الــذي فـــقـــد حــــضــــوره الــفــاعــل والــــــــفــــــــطــــــــري، وفـــــقـــــدت الـــــــرؤوس اســتــقــامــتــهــا وانـــتـــصـــابـــهـــا، وصـــار الــــنــــاس مـــبـــرمـــجين عـــلـــى الـــطـــاعـــة فــــي ضـيـق المـــدن وشــوارعــهــا. كما تحضر فـي القصيدة نفسها صور أخرى لافتة من النقد السياسي لأوضـــــــــاع الــــعــــالــــم الــــــراهــــــن، «أعـــــبـــــئ الـــضـــوء فــــي جـــيـــبـــي/ وأنــــثــــره فــــي الـــلـــيـــالـــي المــعــتــمــة/ السماء خالية من النجوم/ كلها فوق أكتاف الجنرالات»، فثمة حضور استعاري لسطوة الـجـنـرالات وتكاثرهم وحـروبـهـم، حتى إنهم أفرغوا السماء من نجومها، ومن طبيعيتها، لتصبح أكتافهم متخمة بـهـا. فـهـذه الجملة مسكونة بكثير من الدلالات التي تشير إلى ما يشهده العالم من سطوة الجنرالات، وانتشار الـــحـــروب، الــتــي لا تـنـتـهـك فـقـط الإنـــســـان، بل البيئة والطبيعة بشكل رئيس. في القسم الثالث، الباب الأصغر، يبدو القلب ملاذا ومهرباً، فهو موطن الحب، حتى لـــو كــــان حــــبا مـــتـــخـــيلاًً، لـــرجـــل غــيــر مـــوجـــود، ومـجـرد تـوهـمـات أو «خــيــال»، حسب عنوان إحـدى القصائد. لكن القلب هنا يعيد إنتاج الشوق والحنين، وكل المعاني والقيم المفتقدة، ومـن ثم يبدو مكانا ملائــما لإعــادة الانــطلاق منه، فالقلب يعيد صناعة الحب، والحب قادر على إعـــادة تشكيل الـــذات، وبـدورهـا يمكنها إعادة تشكيل الحياة (الباب الأكبر، والدائرة الأكـــبـــر)، إنــهــا حــركــة ارتــــداديــــة إيـجـابـيـة في الاتــجــاه المـعـاكـس، لإعـــادة ترميم الـعـالـم، لذا لــيــس غـــريـــبا أن تـنـهـي الـــشـــاعـــرة هــــذا الـقـسـم الأخير بقصيدة عنوانها «انتظار»، نرى فيها حــالــة تــأهــب لـكـي يـتـطـايـر الــحــب مـــن جـديـد، ويـــرفـــرف بـجـنـاحـيـه عــلــى الـــعـــالـــم، مــعــيــدا له براءته الأولى. «كالغبار فوق العتبة المهجورة يجثو الحب بهدوء أمام بيتي ينتظر خطواتك ليتطاير». عمر شهريار يصدر روايته الجديدة بعد سنوات من الصمت والعزلة أنطوان الدويهي: «الشتاء الكبير» عهد بيني وبين نفسي لا أخفي عنك سـروري بصدور «الشتاء > الكبير»، خصوصا بعد سنوات عدة من الصمت والــعــزلــة، مـنـذ صـــدور روايــتــك «آخـــر الأراضـــــي » ، ثم إعادة نشر «كتب الحالة» في العام 2017 عام الـتـالـي، الـــذي يحتل مـكـانـة خـاصـة فــي مكتبتي، فلماذا هذه الرواية الآن؟ - هذه الرواية عهد بيني وبين نفسي. تـعـلـم أن جـمـيـع أعــمــالــي الأدبـــيـــة مستمدة من «يوميات الحياة الداخلية» التي دأبت على تدوينها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم. من بين هـذه المخطوطات المحفوظة لــدي ّّ، ثمة مـدونـات عن روايـــتين كنت أعمل عليهما فـي الصبا الأول، لـم أنجزهما في حـيـنـه. وهـــا أنـــا بـعـد أكــثــر مـــن نـصـف قـرن أعـــود إليهما، فأكملهما مـن حيث توقفت آنــــــذاك، وقــــد دمـجـتـهـمـا فـــي روايــــــة واحــــدة بعنوان «الشتاء الكبير». لماذا عنوان «الشتاء الكبير»؟ > - كــــان عـــنـــوان الــفــصــل الأخـــيـــر الـــذي تـــوقـــفـــت عـــنـــده فــــي حـــيـــنـــه، وقـــــد اعــتــمــدتــه عــــنــــوانا لـــلـــروايـــة. و«الـــشـــتـــاء الــكــبــيــر» هو الــشــتــاء الـــرهـــيـــب، المــفــعــم بـــعـــذابـــات الــــروح التي أتحدث عنها، في تلك المراهقة المتألمة، المـتـوهـجـة، المسكونة بـالـهـواجـس وبنزعة المـــطـــلـــق. هـــي عــــذابــــات عــيــش الـــحـــيـــاة قبل عـيـشـهـا. وقـــد صـــدف أن آلام الـصـبـا الأول الــذاتــيــة قـــد تــم ّّــت فـــي مـجـتـمـع كـــان يعيش مـرحـلـة مــن الاضـــطـــراب العميق أيــــضاً، مع أني أرى تماما أن الاضطراب الذاتي لم يكن ناتجا قط عن الاضطراب المجتمعي، وكان سيحدث في ذلك المكان أو سواه. لكن المكان، أي موريا القديمة، التي تقع > فيها تلك الأحـداث المأساوية، هي شديدة الأهمية بـالـنـسـبـة لــــلــــراوي. يـــذكـــر فـــي مـسـتـهـل «الــشــتــاء الـكـبـيـر» كــم يـعـجـب مــن الــذيــن يــســافــرون، كيف يستطيعون الانتقال من مكان إلـى آخــر، وكيف يمكنهم الـعـيـش فــي بــلــدان وأنــحــاء لا علاقـــة لها بحيواتهم الماضـيـة، أمـا هو فلا يستطيع العيش إلا في هـذا المكان الـواحـد، هـذا الحي القديم الذي هو فيه، ولا يستطيع مبارحته إلى أي مكان قريب أو بعيد في هذه الدنيا، ولا يمكنه تصور حياته خارجه، أليس كذلك؟ - لا شك في ذلك. كان ثمة تعلّّق شديد بذلك المكان. لكن عذابات الصبا الأول، أي أزمة الراوي الشخصية، كان لا بد أن تحدث في أي مكان، لأنها ناتجة عن طبيعة ذاته العميقة، ولـيـس عــن المــكــان الـــذي هــو فيه. مع ذلك يتوقف الـراوي عند تعلقه الشديد بـمـوريـا الـقـديـمـة، ويــحــاول إدراك أسبابه. يتساءل إذا كان ارتباطه بذلك الحي القديم عائدا إلى طبيعة الحي شبه الدائرية، شبه المغلقة، أم لفصول العنف وطـقـوس المـوت التي رافقته فيه منذ وصوله إليه طفلاًً، أم بسبب ولهه الرهيب بهند، مع أنها لم تكن تقيم في موريا القديمة. لكن توالت في هذا الـحـي فـصـول ولـهـه الـداخـلـي بـهـا، القائمة لـــيـــس عـــلـــى حـــضـــورهـــا، بــــل عـــلـــى غـيـابـهـا النهائي. كــذلــك يــربــط الــــــراوي عـمـيـقا بين دعـوتـه > الأدبية وموريا القديمة... - أجــل، كمسرح لهذه الـدعـوة. يذهب بــعــيــدا جــــدا فـــي هــــذا الـــربـــط، إذ يـــقـــول: «لا حـــاجـــة لــــي لمـــعـــرفـــة مــــا جـــــرى فــــي مـــســـارات التاريخ، أو ما يحدث الآن في أرجاء العالم الــشــاســع، كــي أعــبّّــر عــن المــغــامــرة البشرية وعـــن المـصـيـر الــبــشــري. يكفيني أن أعيش فصول الحياة والمــوت في موريا القديمة، ويكفيني عيش ولـهـي بهند، حـت ألــج كل شـــيء وأشــهــد لـكـل شـــيء مـنـذ بـــدء الــزمــان. حي موريا القديم هو مسرحي الكوني». لكن هنا أيــضاً، وعلى الرغم من هذا الربط العميق بالمكان، تبقى الدعوة الأدبية قائمة كليا في ذاتها، بمعزل عن المكان. كان يمكن أن تعب ّّر عن نفسها في أي مكان يقوده صباه الأول إليه. فعالم الراوي الأدبي قائم، ليس في المكان، بل في ذاته الأعمق، ويبقى فـــي جـــوهـــره هـــو نــفــســه، بــمــعــزل عـــن تـغـيّّــر الأماكن وطبيعتها وظروفها. يـــذكـــر الــــــــراوي أنــــــه، عـــلـــى الــــرغــــم مـن وجوده في موريا القديمة وصلته الوثيقة بـأهـلـهـا، فـهـو مقيم فــي «مــكــان نـــاء عنهم، بعيد عن عالمهم». ويوضح ذلك أكثر بقوله: «أعجب كيف يرى الناظر إلي وراء سحنتي الهادئة وظلي الناحل، هذا المـدى الشاسع الذي أنا فيه. وأنا لم أختره ولم أسع إليه، ولا علاقة له برغبتي أو إرادتـي كأنه مكان إقامتي منذ ما قبل ولادتي بزمن طويل». أود التوقف قليلا عند دعوة الكتابة التي > ترتدي كثيرا من الأهمية في هـذه الـروايـة. كيف تحدد هذه الدعوة؟ - يــــحــــددهــــا الـــــــــــراوي فـــــي «الـــشـــتـــاء الكبير» تحديدا وافياً، فهو يذكر أن لا غاية معرفية أو فكرية أو فلسفية أو توجيهية لما يـكـتـبـه، بـــل غــايــة جـمـالـيـة بــحــتــة، وأن مـا يكتبه هـو شــهــادة، إذ يـقـول: «فـمـا أنا إلا شـاهـد، أشـهـد لما أنــا فـيـه، وحين أكتب لا أكــتــب لأحـــــد، ولا أتــخــيــل أحـــــدا أمــامــي، ولا أهتم بمن سيقرأ أو لا يقرأ ما أخط ّّه، فصدق شهادتي وجماليتها هما غايتي الوحيدة». ويضيف: «هو هاجس الكتابة المطلقة التي أتوق إليها، وهاجس الكتاب المطلق الذي أسعى إليه. فالكتابة هي خلق عالم جديد، فريد، شعري الجوهر، يكون عـلــى صــــورة الــكــاتــب ومــثــالــه، ولــيــس من أدب كبير إن لم يكن شـعـرياً»، أي جمالي الجوهر. ومن أين يأتي هذا الأدب الكبير؟ > - من مصدر أوحـد، من نهر الأعماق. نهر الحياة الداخلية الـذي لا يتوقف، بما يحمله من لحظات مضيئة، متوهجة. وهو لـيـس تـعـبـيـرا عــن الــــذات الــفــرديــة فــقــط، بل أيــضا مـن حيث يــدري الكاتب أو لا يــدري، عــــن وجـــــــدان الـــشـــعـــب، وعـــــن روح الأرض. والــحــيــاة الــداخــلــيــة لـيـسـت فـسـحـة ضيقة، محاصرة، كما يظن البعض، بل هي الكون لرمته، وحين تنطفئ ينطفئ الكون. وبــــشــــأن الأدب الــكــبــيــر أيـــــــضاً، يــذكــر الــــــــراوي أنـــــه «لا حـــاجـــة لــلــبــحــث عـــنـــه هـنـا وهناك، لأنه يكون موجودا بأكمله، وجودا مسبقاً، في ذات الكاتب. ويكفي لتجسيده شعور عميق يقود إليه، كأنه دليله، والبقية تأتي كفعل تأليفي ولغوي، لا أكثر». ثـمـة تـــســـاؤلات تــفــرض ذاتــهــا حـــول هـذا > الـعـمـل: كـيـف يـمـكـن إكــمــال روايــــة بـعـد أكــثــر من نصف قرن على بدئها؟ وكيف يبقى عالم الكاتب هو نفسه؟ وكيف تبقى لغته هي نفسها؟ - يحق للمرء التساؤل والاستغراب، لــكــنــه أمــــر جـــد طـبـيـعـي بــالــنــســبــة لــــي. أنــا اكتملت لغتي منذ ذلك الزمن، زمن الصبا، ولــم تعد تتغير. كذلك هواجسي ورؤيتي للأشـــيـــاء، وجـــوهـــر حـيـاتـي الــداخــلــيــة. كل مـسـاري الأدبـــي يشهد على ذلـــك. ويوضح الــــــراوي فـــي مـسـتـهـل «الـــشـــتـــاء الــكــبــيــر» ما يلي: «كنت أشـرت مـرارا إلى غرابة علاقتي بالزمن، كيف كأنه يمر لـدي ولا يمر. كأنه يجتاز الخارج ولا يلج إلى الداخل. كيف أن المـسـافـات الفاصلة بين الماضـــي والحاضر مصابة بقصر نظر مريع، وأن كل شيء حي ومحفوظ بكامله في فسحة الذات، لم تضع ذرة واحدة منه». وبشأن العالم الداخلي الـذي بقي في جـــوهـــره هـــو نـفـسـه عــلــى مــــر الـــزمـــن، يـذكـر الـــــــــراوي: «كـــــل مــــا عـــرفـــتـــه بـــعـــد ذلــــــك، عـلـى مـــر الـــســـنين، مـــن مــشــاهــد وأمــكــنــة وأنــفــس وحـيـوات لا تحصى، فـي جغرافية حياتي الفسيحة على ضفتي الـعـالمين... لم يضف كـثـيـرا إلـــى مــا كـــان يختلج فــي حـنـايـا ذلـك الفتى اليافع الصامت». وعــن اللغة والــرؤيــة، يضيف الـــراوي: «كـمـا أود الإشــــارة إلـــى أنـــي لــم أغــيّّــر شيئا في لغته التي بقيت هي عينها على الدوام. هـــي لــغــة نــفــســي، فــأنــى لـــي تـغـيـيـرهـا؟ ولا اسـتـطـعـت الـــغـــوص أبــعــد مـنـه فـــي غياهب ذاتي، ولا أعمق منه في ولوج ما يُُرى وما لا يرى من عوالم». ترتبط عـذابـات الصبا الأول المبرّّحة في > «الشتاء الكبير» بوله الراوي بهند. لكن الراوي لم يقترب مـن هــذه الصبية أبـــداً، بـل كــان يـراهـا من بعيد واقفة على تلك الشرفة. وهو لا يعرف عنها شيئاً، ولا يدري إذا كانت شعرت بشيء تجاهه، وقـد أولاهــا اسـم هند، لأنـه لا يعرف اسمها. فما طبيعة هـــذا الــولــه الـغـريـب الـــذي كـانـت لــه النتائج النفسية المهولة؟ - ثـــمـــة علاقـــــــة وثـــيـــقـــة مــــبــــاشــــرة بين الــــولــــه بــهــنــد «صـــبـــيـــة الـــشـــرفـــة» وعــــذابــــات سـنـوات مفعمة 3 الصبا الأول التي دامــت بـــــآلام الـــــــروح، وتـــتـــوقـــف الــــروايــــة عــنــدهــا. يذكر الـراوي بهذا الشأن: «أسميه (الشتاء الكبير) وهــو (الـشـتـاء الـرهـيـب) حــقاً، حين أضحت (صبية الشرفة) الهاجس الداخلي، الــســري، الـطـاغـي، المـضـنـي، الـــذي لا يبارح ذاتــــي فــي أي وقــــت. وكـــم تــســاءلــت إذا كـان مــــن كــــائــــن بــــشــــري آخـــــر عـــــرف الاضــــطــــراب الـــذي أعـيـش، عـلّّــه يحمل لـي بعض الـعـزاء وبعض الإضاءة لما أنا فيه. أحاول الاقتراب بالكتابة من الحالة التي تمتلكني، آملا أن تسعفني كتابتها على تحملها والخروج ذات يوم منها، وأنا في كل مرة أحاول ذلك، أجد ما أكتبه بالغ النقصان». أمـا عن الوله بهند، فهو الحب الأول، وهــــو حـــب عــــــذري. لـكـنـه أبـــعـــد وأغــــــرب من ذلك. ففي حالة الحب العذري، لا يكون من تــواصــل جــســدي طــبــعاً، لـكـن تــكــون هـنـاك، على الأقل، معرفة متبادلة ما. أما في حالة الـــولـــه بــهــنــد، فــهــو ولــــه بــالــغــيــاب المــطــلــق. فـبـعـد أن ولــجــت الـصـبـيـة أعـــمـــاق الـنـفـس، وأضــحــت هـاجـسـهـا الأكـــبـــر، يخبر الـــراوي أنها «اختفت فجأة بعد نحو عـام ونصف عام مع عائلتها التي غـادرت ذات يوم إلى جـهـة أجـهـلـهـا». ومـنـذ ذلـــك الـــحين أضحى الـولـه بها ولـــها بالغياب النهائي الـــذي لا خاتمة له. هـــذا فـــي جــانــب اضـــطـــراب الـصـبـا الأول > وعـــذابـــات الــولــه ودعــــوة الـكـتـابـة. لـكـن كـيـف تـرى الاضــــطــــراب المـجـتـمـعـي الـعـمـيـق الــــذي رافــــق تلك المـرحـلـة، ومــا حمله مـن عنف ومـــوت؟ فـي بعض القراءات النقدية التي اطلعت عليها، للرواية، كان التركيز على تاريخية أحـداث العنف التي عرفها مجتمع طفولتك وصباك الأول في حينه. ما رأيك في ذلك؟ - لا شــــك أن مــــا حــمــلــتــه الـــــروايـــــة مـن اضــــطــــراب مـجـتـمـعـي ومـــــن أحـــــــداث عــنــف، لا يــأتــي مـــن الـــعـــدم. فـهـو مـنـبـثـق مـــن واقـــع مــــأســــاوي عـــشـــنـــاه فــــي تـــلـــك المـــرحـــلـــة، لـكـن الـــعـــنـــف فـــــي «الــــشــــتــــاء الـــكـــبـــيـــر» يـــتـــجـــاوز تـــاريـــخـــيـــة الأحــــــــــداث ولا يـــتـــوقـــف إطلاقا عـنـدهـا. وإذا ركّّــــز بـعـض الـنـقـد عـلـى ذلــك، فلأنـــــــه يـــســـهـــل عـــلـــيـــه الـــتـــحـــرك فــــي المـــجـــال التاريخي ومساراته المعروفة، بما تحمله من لفت نظر وإثـارة. لكن العنف الجماعي في «الشتاء الكبير» هو في مكان جد بعيد عـن تاريخية الأحــــداث، فـأنـا لا أحــب الأدب التاريخي ولا ألجأ إلـيـه، وقــد تحدثت عن ذلك مرارا من قبل. لكن إذا كان العنف الجماعي في «الشتاء > الكبير» يتجاوز تاريخية الأحداث ويقيم خارجها وفي منأى عنها، فأين يكون؟ - يـــتـــخـــطـــى الــــعــــنــــف الــــجــــمــــاعــــي فــي «الشتاء الكبير» سردياته ليمثل في أبعاده الــوجــوديــة، الــواعــيــة واللاواعــــيــــة، المـجـردة مـن الأحـــداث الـواقـعـة، ويـنـزح نحو أســراره النفسية والشعورية القصيّّة. فهو يحضر مـجـردا مـن ماديته، تـائـقا إلـى مـا ورائيته. فالراوي يذكر بهذا الشأن: «هو في ذاكرتي موت بلا دم، وليس في ذاكرتي مكان للدم المــــراق. وحين كـــان يـقـتـرب الـــدم أحــيــانا من صــــورة مـوتـهـم فــي مخيلتي، كـنـت أرفــض بقوة تتخطاني وتتجاوز وعيي وإرادتـي. لذلك كلمة (دم) شبه غائبة عـن قاموسي، لا أحــب استعمالها قــط، وأسـتـغـرب كثيرا الذين يفرطون في ذكرها، فهم ينتمون إلى عالم جد ناء عن ذاتي». والعنف في الرواية يكمن في محاولة الإجـــابـــة المـسـهـبـة عـــن تـــســـاؤلات لا إجــابــة عنها، مثل: «كيف يمكن للوالد أو الوالدة العيش بعد موت ولدهما؟»، والغوص في ّّــي حالة أغـــوارهـــا ومـجـاهـلـهـا. ومـثـل تـقـص الاشــتــبــاك الـجـمـاعـيـة بين مــوريــا الشرقية ومـوريـا الغربية ومحاولة ولــوج أسرارها ومـعـانـيـهـا فـــي غـيـاهـب الـــوعـــي واللاوعـــــي الـــفـــرديين والــجــمــاعــيين، عـبـر الانــتــقــال من مادية العنف إلى احتفاليته، وإلى ما يشبه ميتافيزيقيته. أنطوان الدويهي بيروت: شوقي الري ّّس مع روايته الأخيرة «الشتاء الكبير» الصادرة في بيروت عن «الــدار العربية» و«دار المــراد»، يستمر أنطوان الدويهي على مدى ثلث قرن في صوغ عالمه الأدبـي، إذ يستند إلى الحياة الداخلية، ويتوغل في أقاصي النفس البشرية، كما يتماهى مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي الـــذات الـفـرديـة بــذات الأرض وذات الجماعة، وحيث سحر الـــذاكـــرة الـتـي يـــرى فيها الــدويــهــي «شـمـس الـــــروح». وكــان الشاعر أنسي الحاج قال عن الدويهي: «إنه يُُقرأ كما تُُفرد حبات اللؤلؤ». وبمناسبة مشاركة الدويهي في «معرض بيروت العربي والــدولــي للكتاب»، خـــروجا عـن تنس ّّكه المـعـتـاد فـي الكتابة والحياة، دار الحوار التالي... «الشتاء الكبير» هو الشتاء الرهيب، المفعم بعذابات الروح التي أتحدث عنها، في تلك المراهقة المتألمة، المتوهجة، المسكونة بالهواجس
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky