هــــــــذه الــــــــــــرة، لــــــن تـــقـــتـــصـــر جـــولـــتـــك السياحية فـي لبنان على الـواقـع األثـريـة والـــنـــاظـــر الـطـبـيـعـيـة، وال عــلــى شـواطـئـه وجـــبـــالـــه. فــقــد اخــتــرنــا لـــك ثالث وجــهــات مــخــتــلــفــة فــــي بــــلــــدات كـــوســـبـــا وبـــخـــعـــون وحــــمــــانــــا، حـــيـــث تــخــتــبــئ مـــعـــالـــم مــمــيــزة تستحق الـزيـارة، وتـروي كل منها حكاية خـــاصـــة تــجــعــلــهــا مــحــطــة ســـيـــاحـــيـــة غـيـر تقليدية. ففي كـل بـلـدة مـن هــذه الـبـلـدات قصر أثـــــــري يــســتــحــق الـــــزيـــــارة والــــتــــعــــرّف إلـــى قـصـتـه، وحــكــايــة تـشـيـيـده، وخـصـوصـيـة عـــمـــارتـــه. لـــذلـــك اخــتــرنــا لـــك ثالثـــــة قـصـور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عـن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخـوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة ال تشبه ســـواهـــا. وتـتـألـف هـــذه الـعـالـم مــن «قصر األحالم» في بلدة بخعون. و«الـقـصـر األســــود» فـي بـلـدة كوسبا وقصر «مزهر» الشهور باسم «المارتني» في حمانا. قصر األحالم حني يـتـحـول الــخــيــال إلـــى حجر فــــي أعــــالــــي الـــضـــنـــيـــة، وتـــحـــديـــدًا فـي بـــلـــدة بـــخـــعـــون، يـصـعـب أن تـــمـــر من أمــــــام «قـــصـــر األحالم» مــــن دون أن تتوقف للحظة. فالبنى الذي ينتشر عــلــى مــســاحــة تــتــجــاوز خـمـسـة آالف مــتــر مـــربـــع، ويـــضـــم طــبــقــات وأروقـــــة وســـاحـــات واســـعـــة، يــبــدو أقــــرب إلــى عـــالـــم مــــن قـــصـــص الـــخـــيـــال مـــنـــه إلـــى مـنـزل تقليدي. وقــد تـحـول مـع مـرور السنوات إلـى أحـد العالم السياحية الالفتة في النطقة. لـكـن جــمــال الـقـصـر ال يـكـمـن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ الشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شـارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت األفكار والـــرســـومـــات إلــــى حــجــر ومـــوزايـــيـــك وفـسـيـفـسـاء ومـنـحـوتـات، فــي ورشــة استمرت سنوات طويلة. ويـتـردّد أن العمل فـي القصر بــدأ فـي ثمانينات الـــقـــرن الاضـــــي. ومـــا يـمـيـز الـــكـــان أن زائــــره ال يــدخــل إلـــى قـصـر ذي طابع مـعـمـاري واحـــد، بـل إلــى عـالـم يجمع رمــــــــــوزًا مــــســــتــــوحــــاة مـــــن حـــــضـــــارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الــحــضــارات الـفـرعـونـيـة والفينيقية والـــرومـــانـــيـــة والـــعـــربـــيـــة، إلــــى جـانـب عــنــاصــر مـــن الـــتـــراث الــلــبــنــانــي. كما تـــنـــتـــشـــر فــــــي أرجـــــــائـــــــه مـــنـــحـــوتـــات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قالعًا ومـعـالـم لبنانية، فيما تشكل األرزة أحد الرموز البارزة في الكان. حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعًا خاصًا؛ فالحجر اللون والوزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران واألروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والنحوتات الـضـخـمـة. ولــهــذا تـبـدو زيــــارة الـكـان أشـــبـــه بـــجـــولـــة بني صـــفـــحـــات كــتــاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية. القصر األسود... قلعة ولدت من قلب الحرب مــــن بـــخـــعـــون نــنــتــقــل إلـــــى كـــوســـبـــا فـي قـــضـــاء الــــكــــورة، حــيــث يـنـتـظـر الــــزائــــر مـعـلـم مختلف تمامًا في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مـبـنـى دائـــــري ضـخـم يــعــرف بــاســم «الـقـصـر . اللون هو أول Château du Liban األسود» أو ما يلفت االنتباه. فقد شُــيّــد القصر مـن الحجر البركاني األســــود، الـــذي جُــلـب مـن منطقة عـكـار، وهو مــا مـنـحـه مـظـهـره الـــداكـــن وجـعـلـه يــبــدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات األوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بني العمارة والطبيعة. أمـــــا وراء هـــــذا الـــشـــكـــل غـــيـــر الألــــــــوف، فتوجد قصة الطبيب الـراحـل إيلي صــرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي فـي بلدته األم كوسبا. وعـــاد إلــى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الـظـروف الصعبة وغياب الـدعـم. واخـتـار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف الحقًا باسم «القصر األسود». وشــــــارك صــــــرّاف بـنـفـسـه فـــي هـنـدسـتـه وبــنــائــه، مـسـتـعـيـنًا بـعـائـلـتـه وبــعــض أبـنـاء الـنـطـقـة. وبــــدأت الـخـطـوة األولــــى للمشروع ، فيما اكتمل البناء األساسي عام 1984 عام .1990 لــــكــــن الــــقــــصــــر ال يـــكـــتـــفـــي بــــالــــواجــــهــــة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الـــفـــن والـــــتـــــراث والـــثـــقـــافـــة. وتـــضـــم أرجــــــاؤه أعـمـاال فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلــى متاحف ومـسـاحـات ثقافية. ونجد فيه األرزة اللبنانية والـرمـاح والسيف والترس والـــبـــنـــادق والــــقــــارب الـــبـــدائـــي. ومـنـقـوشـات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي السيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة مــن الـحـجـر اللبناني. فـيـمـا تـظـهـر فـــي مـحـيـطـه عـنـاصـر تستعيد جــــوانــــب مــــن الـــحـــيـــاة الــلــبــنــانــيــة الــقــديــمــة. وتـتـحـول الـــزيـــارة بـذلـك إلـــى رحـلـة فــي عالم صـاحـبـه الـفـنـي، ال إلـــى مــجــرد جــولــة داخــل مبنى غريب الشكل. قصر مزهر و ّثّق جماله المارتين في مؤلفاته أمــــــا الـــحـــطـــة الـــثـــالـــثـــة فـــتـــأخـــذنـــا إلـــى حمانا، حيث يختلف الشهد كليًا؛ فهنا ال نكون أمـام قصر حديث نسبيًا أو مشروعًا فـرديًا نشأ من حلم شخصي، بل أمـام بناء تــاريــخــي ارتـــبـــط بــتــاريــخ الــبــلــدة وبـعـائـلـة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثرًا في ذاكرة الكان. يـقـف قـصـر الـــقـــدمني، الـــعـــروف أيـــضًا بـقـصـر عــائــلــة مـــزهـــر، عــلــى جــــرف صـخـري تتدفق الـيـاه عند قدميه فـي فصل الربيع، فــي مشهد يجمع بني الـعـمـارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خــاص، فيما يستند البناء إلـــى صـخـور قـديـمـة تحتضنه فــي محيطه الطبيعي. وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في الـنـطـقـة، وكـــان لـهـا دور فــي حـكـم النطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ الـبـلـدة، وال سيما خالل النصف األول من القرن التاسع عشر. لـــكـــن حـــكـــايـــة صــــــارت تــــتــــردد عـــلـــى كـل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو المارتني. ففي مارس ، وخالل رحــلــتــه إلــــى الــشــرق، 1833 ) (آذار حـل المـــارتني ضيفًا في القصر بعد الوفاة الأســـاويـــة البـنـتـه جـولـيـا. وقـــد تـــرك وصــفًا للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقـارنـه بـالـقالع القوطية الرائعة فـي أوروبـــا. وهـنـاك ولــدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزنًا على وفاة ابنته. لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلـــى الـــشـــرق». وقـــد وثّــقـهـا بـوصـفـه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق فـــي األنـــاقـــة والـنـعـمـة والــســمــو عـلـى كـــل ما رأيته من هذا النوع... وال يمكن مقارنته إال بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الـــوســـطـــى». وهـــكـــذا ال تـــكـــون زيــــــارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في الكان نفسه الذي استقبل أحد أبــرز أدبـــاء فرنسا فـي الـقـرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الـجـولـة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالها الـــتـــراثـــيـــة وطـبـيـعـتـهـا الــجــبــلــيــة، لـتـتـحـول الـــزيـــارة إلـــى رحــلــة تـجـمـع الــتــاريــخ واألدب والعمارة. سفر وسياحة في كل بلدة قصر أ ري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته TRAVEL 21 Issue 17481 - العدد Thursday - 2026/10/8 اخلميس من «قصر األحالم» إلى «القصر األسود» وقصر «المارتين» معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة 3 بيروت: فيفيان حداد قصر مزهر (الشرق األوسط) تاريخها يختبئ تحت األرض وطبيعتها تمتد فوق التالل ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين ماذا يمكن أن تخفي بلدة إنجليزية هـــادئـــة تــحــت شـــوارعـــهـــا؟ فـــي ريــغــيــت، الــــواقــــعــــة فــــي مـــقـــاطـــعـــة ســـــــاري جــنــوب إنجلترا، قـد تكون اإلجـابـة بـدايـة رحلة ســيــاحــيــة كـــامـــلـــة، ال مـــجـــرد زيــــــارة إلــى موقع تاريخي واحـد. فهذه البلدة التي مـــيال جنوب 19 تـقـع عـلـى مـسـافـة نـحـو وسط لندن تجمع في مساحة محدودة بني تاريخ يعود إلى العصور الوسطى، وآثـــــار قـلـعـة قــديــمــة، وحـــدائـــق واســـعـــة، وتالل خضراء، ومواقع عسكرية، واألهم مـــن ذلــــك شــبــكــة مـــن الـــكـــهـــوف واألنـــفـــاق تختبئ تحت األرض وال يعرف كثيرون بوجودها. تبدو ريغيت، للوهلة األولى، مدينة إنجليزية هادئة يمكن استكشافها في يوم واحد، لكنها سرعان ما تكشف عن طبقات متعددة مـن الـتـاريـخ والطبيعة تجعلها محطة الفتة للباحثني عن وجه مختلف لساري، بعيدًا عن صخب وسط لــنــدن. وتــقــدم هـــذه الـقـاطـعـة مـزيـجـ من البلدات التاريخية والساحات الخضراء والتالل والناظر الطبيعية، وهي قريبة بما يكفي من لندن لتكون وجهة مناسبة للرحالت القصيرة. لكن أفضل طريقة الكتشاف ريغيت ربـــمـــا تـــبـــدأ مــــن مـــكـــان ال يــظــهــر فــــي أي صـــورة بـانـورامـيـة لـلـمـديـنـة؛ ألن أجمل معالها هي تحت األرض. فــخــلــف بــــاب مـــتـــواضـــع داخـــــل أحــد أنفاق الطرق، تظهر الجدران الصخرية والمرات الداخلية، فيما يستعيد الكان مالمـــحـــه تــحــت ضــــوء ضـعـيـف ال يلغي تمامًا اإلحساس بالعزلة. إنه مشهد يصعب ربطه بما يحدث فوق األرض؛ ففي األعلى تمر السيارات ويــــواصــــل الـــســـكـــان حــيــاتــهــم الــيــومــيــة، بينما في األسفل يسود صمت مختلف تـــمـــامـــ ، داخـــــل كـــهـــوف احــتــفــظــت بــآثــار استخدامات متعاقبة على مدى سنوات طويلة. ويــــذكــــر أن بـــــورغـــــس، الـــعـــضـــو فـي «جـمـعـيـة كـهـوف ومـنـاجـم ويـــلـــدن»، هو واحــــد مـــن الـتـطـوعـ الـــذيـــن يـشـاركـون في الحافظة على هذه الكهوف وتنظيم الجوالت التي تتيح للزوار التعرف على تاريخها. ويــــقــــول إن الــــكــــان قــــد يــعــطــي الـــزائـــر إحساسًا بأنه ابتعد كثيرًا عن البلدة، رغم أن السافة الفعلية قصيرة للغاية. ويــشــرح: «تشعر بـأنـك قطعت مسافة طويلة، لكنك تستطيع على األرجح االنتقال 30 مـن أحــد الـطـرفني إلــى اآلخــر خالل نحو ثانية فقط إذا كنت فوق سطح األرض». ويـــرى بــورغــس أن الـكـهـوف تمثل نــوعًا خــاصًا من اآلثــار التي ال تحتاج إلى عمليات تنقيب الكتشافها. ويقول: «إنها آثار يمكنك التجول فيها من دون الحاجة إلى الحفر. إنها موجودة هنا ليراها الجميع». ورغـــم أن الـكـهـوف فتحت أبوابها أمــــــام الـــــــــزوار بــــصــــورة مــتــقــطــعــة عـلـى مــدى ســنــوات، فإنها ال تـــزال مجهولة بــالــنــســبــة إلـــــى عـــــدد كــبــيــر مــــن ســكــان الـــنـــطـــقـــة. ويــــقــــول بــــورغــــس إن بـعـض الزوار يصلون بعد سنوات طويلة من الـعـيـش فـــي ريـغـيـت لـيـكـتـشـفـوا للمرة األولـــــى أن هــــذا الــعــالــم مـــوجـــود تحت أقدامهم. وتـــــضـــــم ريــــغــــيــــت مــــجــــمــــوعــــة مــن الكهوف، لكل منها تاريخها الخاص؛ ففي أراضي القلعة، توجد أنفاق يُعتقد أنـهـا تمثل آخـــر هيكل بـــاق مــن القلعة الـــتـــاريـــخـــيـــة، وارتـــبـــطـــت هــــذه األنـــفـــاق باستخدامها كقبو لحفظ الشروبات، مستفيدة مـن بـــرودة البيئة الـوجـودة تحت األرض. لكن التاريخ منح الكان وظـــيـــفـــة أكــــثــــر أهـــمـــيـــة خالل الـــحـــرب العالية الثانية. خالل الــــحــــرب الـــعـــالـــيـــة الــثــانــيــة، تحولت الكهوف إلى مالجئ للمدنيني، وكــــان تالمـــيـــذ الـــــدارس مـــن بني الـذيـن اســــتــــخــــدمــــوا هـــــــذه الـــــســـــاحـــــات تــحــت األرض للحماية من القنابل. بعد الــخــروج مـن الـعـالـم السفلي، يمكن للزائر أن يبدأ رحلة االستكشاف من القلعة حيث تتقاطع ذاكـرة الدينة مع الشهد الحضري الحديث. مــــن أجــــمــــل األمـــــاكـــــن الــــتــــي يـمـكـن إدراجــــهــــا فـــي بـــرنـــامـــج زيــــــارة ريـغـيـت «برايوري بارك»، وهي مساحة خضراء ذات أهمية تاريخية في قلب الدينة. تضم الحديقة بحيرات، ومساحات لـلـنـزهـات، ومـقـهـى، ومــرافــق رياضية، وملعبًا لألطفال، إلى جانب مساحات واسعة مناسبة للمشي واالسترخاء. كـمـا تـتـمـتـع بـتـنـوع طـبـيـعـي الفــــت؛ إذ سجلت فيها أنــواع عديدة من الطيور والفراشات. يمكن للزائر أن يبدأ يومه بجولة فـــي وســـط الــديــنــة ومـــوقـــع الـقـلـعـة، ثم يتوجه إلى برايوري بـارك لالستراحة والشي، قبل االنتقال إلى ريغيت هيل والحصن والسارات الطبيعية. لندن : عادل عبد الرحمن الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار على مدى سنوات (موقع ريغيت) طاحونة هوائية في المدينة (موقع ريغيت) قصور بتصاميم مميزة (الشرق األوسط) مدخل أحد األنفاق وسط المدينة (موقع ريغيت)
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==