الثقافة CULTURE 18 Issue 17479 - العدد Tuesday - 2026/10/6 الثلاثاء الخيال إذ يتشيطن روى المبرد في كتابه «الكامل» عن أعرابيين جلسا يتكاذبان، فقال أحدهما: خرجت مـرة على فـرس لـي، فـإذا بظلمة شـديـدةٍٍ، فيممتها حتى وصلت إليها، فـإذا قطعة من الليل لم تنتبه، فما زلت أحمل بفرسي عليها حتى أنبهتها، فانجابت؛ فقال الآخر: لقد رميت ظبيا مرة بسهم فعدل الظبي يمنةًً، فعدل السهم خلفه، فتياسر الظبي، فتياسر السهم خلفه، ثم علا الظبي فعلا السهم خلفه، فانحدر فانحدر عليه حتى أخذه. وقد انتشر هذا الفن في البوادي العربية وعقد له المبرد بـابا بعنوان «تكاذيب الأعــراب»، وقوامه التكاذب بمعنى أنـه مبارزة كلامية تعتمد توظيفا إبـداعـيا في مهارة الكذب والأكذب هو الأبدع. والمبرد بهذا العنوان يحرر مفهوم الكذب الجمالي بوصفه فنا في صناعة الخيال وتصيد مجازيات اللغة وإحالاتها الرمزية، وفي هذا الفن معارضات تشبه المعارضات بين الشعراء وفيه تتحرك اللعبة الخيالية لتكشف عن أحد أنظمة التفكير البشري، فالعقل كما قيل يعقل الأفكار بمعنى يقيدها بعقال يمسك تدفقها ومــن ثـم ينظمها فـي منظومة معقلنة وتنمو المعرفة الفلسفية عبر هــذه التفاعلية الذهنية، مما يرفعها عن درجـة الخواطر التي تخطر ثم تولي لكنها قابلة للتعقلن عبر ربطها بمنظومة متصنعة تكبح جماحها من جهة وتصنع منها معرفة متنامية حسب تراكمها من جهة أخــرى، بشرط اجتراح منهجيات تتقوى مع الزمن وتتطور لتصبح نظريات متعمقة احتلت مقامات عالية في المدونات الكبرى في الفلسفة. لكن الخاطرة إذا ما تُُركت متدفقة فستكون مثل تدفق الماء دون نظام يسوسه ويقيده. لذا تميزت الأفكار بالتعقّّلن؛ أي التقي ّّد، وقد تعلم البشر أن الكتابة تقيد الأفكار وتحبسها للإفــادة منها وقـت العودة إليها كما تحبس المياه في خزانات تجعلها ذخيرة وقت الحاجة، وكما نحتاج الماء فإننا نحتاج الأفـكـار. ومـن وجـوه الأفكار تتولد الأخيلة، وكل خيال هو بناء هرمي يتنشأ من فكرة بسيطة وعادية ثم يسعى الذهن لاستثمار الفكرة، وأولـى الفرص الاستثمارية هي عمل خطة استثمارية عبر الحبكة. فالحبكة نظام يرتب تدفق الأحـــداث اللغوية ليبني منها خلاصـــة مكثفة تمنح الـقـول صفات المتعة فتصبح نصا ينتظمه الإيقاع في الشعر، أو تنتظمه الفكرة في الخطابة، ومن ثم يترقى للفلسفة، وكان هناك ربط أولي بين الفلسفة والخطابة من حيث انطلاقهما معا من المنطق وإقامة البرهان. وفي المقابل فالشعر ينتظمه الإيقاع والمجازية. أما في الفنون النثرية فتأتي السردية فهي التي تضبط الحبكة فتميز بين الطلاقة الحرة والنص المركب، فالنكتة مـثلا هي حبكة صغرى وتتميز بصغرها وقصرها فتحقق هدفها بأقصر طريق للتعبير ولـو طالت سمجت وفقدت التركيز المكثف الضروري لأي نكتة. غير أن تكاذيب الأعراب فن تميز بتفرده عن سائر السرديات، وهو الفن الوحيد الذي جاء وصفه بالكذب وربطه بالأعراب ويأتي في صيغة تكاذب بين طرفين أي أنه لم يعد كذبا كما في المعنى الاجتماعي والأخلاقي، حيث الكذب عيب ونقص في المروءة، بينما التكاذب مهارة إبداعية متقصدة غايتها الإمتاع مع كشف مهارة المتكاذبين في مباريات تشبه السباق على الخيول لكنه ليس منازلة حربية بل رياضة ذهنية للتسلية والتدرب على المهارة، وفيه غلبة وتغالب ولكن ليس للقتل. ولبرتراند راسل قول لطيف بـأن البشر اخترعوا فنون اللعب والرياضة لكي يشبعوا رغبات الغلبة والفوز على بعضهم كبديل سلمي عن الحرب، وهذه فكرة طريفة وذكية لكن اللعنة هنا أن الرياضة لم تشبع رغبات البشر وتكفيهم عن الحرب بل إن البشر حوّّلوا الرياضة إلـى أنـواع من الحروب تتجلى في العنف الرياضي داخل الملعب، وعلى مقاعد الجماهير وخارج مبنى الملعب، مما هي ملاحـم حـروب أهلية بين الفرقاء، مما يحولها لنسقية ثقافية أخرى حول مهارة البشر في تحويل الجميل إلى قبيح وتحويل التنافس إلى تصارع، والكذب الجمالي إلى كذب سياسي وخداع اقتصادي. ومـن علامـــات خبث العقل البشري سنرى سهم الأعـرابـي المتكاذب يتحول إلى صيغة حربية تكشف خبث التدبير البشري فـي تحويل الجميل إلـى قبيح فالسهم الــذي انطلق فـي كذبة الأعــرابــي تحول إلــى صـواريـخ اتـخـذت المـجـازيـة نفسها (فعدل الظبي يمنة فعدل السهم خلفه، فتياسر الظبي فتياسر السهم خلفه، ثم علا الظبي فعلا السهم خلفه، فانحدر فانحدر عليه حتى أخذه) وهذا وصف لما تفعله الصواريخ الموجهة في تتبع الهدف حتى تأخذه. ومن ذلك حكاية بساط الريح الذي تفتقت عنه رغبات عميقة في الذهن البشري لكي يصل لسرعة أعلى من مجرد سرعاته الجسدية أو سرعات الحيوانات، إذ تحول ذلك الخيال إلى طائرات تحقق غايات الخيال الذي صنع بساط الريح وحين تعقلن جعل الآلـة تطير به لغايات سلمية وأخــرى حربية. ومثل ذلك ما وجد في رسومات لدافنشي عن غواصة بحرية، وكان ذلك تخييلا جماليا فحسب، لكنه تحول في العقل البشري من خيال جمالي إلى أداة حربية، مما يعني أن الخيال البشري يفعل فعل العقل البشري، فكلاهما ينتج الأفكار في مهارة عقلية أو مهارة تخييلية، وهذه خاصية إبداعية لكنها قابلة للتوظيف، والعقل والخيال معا كليات تتمايز فيها العقول والأخيلة حسب مهارات فردية تنسب للأفراد، وتظل فردية إلى أن تتجلى في صيغ وظيفية. وهنا يتعقلن الخيال ويتشيطن. عبد الله الغذامي صاحب «نهاية التاريخ» يدو ّّن مذكراته «في عالم الإنسان الأخير» فوكوياما وتهافت «النهاية» حين صـــــــاغ فــــرانــــســــيــــس فـــوكـــويـــامـــا أطروحة «نهاية التاريخ»، منح الديمقراطية الليبرالية منزلة المحطة الأخيرة في تطوّّر أنظمة الحكم، ووضع في نهاية هذا المسار «الإنـــــســـــان الأخــــيــــر» الــــــذي أشـــبـــع حــاجــاتــه الماديـــــــــة وظـــــــل أســــيــــر الـــقـــلـــق عـــلـــى مــكــانــتــه ومـعـنـى وجـــــوده، لتجتمع فــي الــفــكــرة ثقة بانتصار النظام وشكوك في قدرة الإنسان على الرضا بالحياة التي يتيحها. ومن هذا التوتر تكتسب مذكراته «في عالم الإنـسـان الأخـيـر»، التي صــدرت للتو، أهــمــيــتــهــا، إذ تــصــل بين لـحـظـة قـــــدّّم فيها الليبرالية بوصفها أفق البشرية النهائي، وأخرى يعود فيها إلى سيرته وسط صراع على شروط بقاء ذلك النظام، بعدما انتقل الـسـؤال من فـرص تعميم الديمقراطية إلى الـقـوى التي تعمل على تفكيكها مـن داخـل مؤسساتها، ومــن وعــد المستقبل المشترك إلى النزاع على الثروات والقدرة على تقرير المصير. تــتــبــع المــــذكــــرات تــكــويــنــه الـــفـــكـــري في مـــحـــيـــط الـــفـــيـــلـــســـوف ألان بــــلــــوم بــجــامــعــة كورنيل، والتحاقه بمؤسسة «راند» ودوائر السياسة الخارجية الأميركية، ولقاءاته مع شخصيات امــتــدت مــن معمر الـقـذافـي إلـى النخب الصينية، فتمنح طروحاته سياقا اجتماعيا ومهنيا يلحظ قرب إنتاج المعرفة مـــن صـنـاعـة الـــقـــرار فـــي الـــولايـــات المـتـحـدة. ويـكـتـسـب هــــذا المـــســـار دلالـــتـــه حين يـقـتـرن بتاريخ أسرته اليابانية الأميركية واعتقال أقـــارب لـه خلال الـحـرب العالمية الثانية، إذ تدخل التجربة الذاتية إلى قلب السؤال عن معنى الــدولــة الـتـي تنظ ّّر لحقوق الإنـسـان بــيــنــمــا تــعــيــد تـــرتـــيـــب مــواطــنــيــهــا بـحـسـب أصولهم ومنابتهم وفق الظرف السياسي. يـــســـتـــعـــيـــد فــــوكــــويــــامــــا وصـــــولـــــه إلــــى للتدرّّب فـي «رانـــد»، 1978 كاليفورنيا عـام حيث أعد دراسة عن علاقة العراق بالاتحاد الـسـوفـيـاتـي، قـبـل أن يصبح الــعــراق لاحــقا سببا في قطيعته مع المحافظين الجدد. وهذا التجاور بين البدايات المهنية والمراجعات الـفـكـريـة اللاحــقــة يتيح قــــراءة سـيـرة مفكر تشك ّّلت أحكامه داخل المؤسسات، ثم دفعته نــتــائــج الــســيــاســات الـــتـــي ســانــدهــا عـنـدئـذ إلـــــى إعـــــــادة فـــحـــص تــــصــــو ّّراتــــه عــــن مـعـنـى القوة ونتائج التغيير، بما يجعل المذكرات مناسبة لمساءلة المسؤولية التي يتحمّّلها الفكر حين يمنح المـشـاريـع السياسية لغة الحتميّّة التاريخية. ويتصل تراجعه عن تأييد غزو العراق بـمـراجـعـتـه اقــتــصــاد الـــســـوق المـنـفـلـت عقب ، فتلتقي حدود القوة العسكرية 2008 أزمة بـــــحـــــدود الــــثــــقــــة فـــــي الـــتـــنـــظـــيـــم الـــتـــلـــقـــائـــي للاقتصاد. وتتيح هـذه المراجعات الفكريّّة تـــحـــويـــل الاهــــتــــمــــام مــــن افـــــتـــــراض ســهــولــة انـــتـــشـــار الـــنـــمـــوذج الــلــيــبــرالــي إلــــى تعقيد الــــشــــروط الـــتـــي تــمــنــحــه الاســــتــــقــــرار، وفـــي مقدمتها كفاءة الـدولـة ومحاسبة السلطة وتـــمـــاســـك المـــجـــتـــمـــع، وهـــــي شــــــروط تـجـعـل الدفاع عن الديمقراطية مهمة مفتوحة على التعديل والجدل والتغيير. وتــتــيــح هــــذه المـــراجـــعـــات الــــعــــودة إلــى الأســـــــــــاس الـــفـــلـــســـفـــي لأطـــــــروحـــــــة «نـــهـــايـــة التاريخ»، التي قدّّمها فوكوياما في مقاله ،1992 ّّــعـهـا فــي كـتـابـه عـــام ووس 1989 عـــام مــســتــنــدا إلــــى قــــــراءة هـيـغـل عــبــر ألـكـسـنـدر كـوجـيـف، ورابــــطا حـركـة الـتـاريـخ بالسعي إلــــــى الاعــــــتــــــراف الــــــــذي رأى فـــــي المـــــســـــاواة الــــقــــانــــونــــيــــة والــــحــــكــــم بــــرضــــا المــــحــــكــــومين اســتــجــابــة لــــه، فــتــتــركّّــز المــحــاكــمــة الـنـقـديـة على القفزة من جاذبية هذين المبدأين إلى اعتبار الديمقراطية الليبرالية صيغتهما المؤسسية المكتملة والنهائية. لـــقـــد رفـــــع فـــوكـــويـــامـــا أزمــــــة الـــنـــمـــوذج السوفياتي وصعود الثقة بانتصار الغرب إلى منزلة تتيح الحكم على التاريخ بأسره، فـتـحـو ّّلـت الـغـلـبـة الـسـيـاسـيـة المـرحـلـيّّــة إلـى بــرهــان فـلـسـفـي، واكـتـسـب المـنـتـصـر سلطة تعريف المستقبل وقياس المجتمعات بمقدار اقترابها منه. وتكمن مشكلة هكذا طرح في اخـــتـــزال الـتـجـربـة الإنــســانــيــة داخــــل معيار يستمد صورته من مجتمعات بعينها، ثم يرفع مؤسساتها إلى مرتبة الأفق العالمي، بـيـنـمـا تـتـشـك ّّــل الــحــريــة الإنــســانــيــة عـمـلـيا مــن صــراعــات محلية عـلـى الأرض والعمل والــتــعــلــيــم والـــتـــمـــثـــيـــل، وتــــظــــل حـصـيـلـتـهـا قــابــلــة لإنـــتـــاج تــرتــيــبــات تــتــجــاوز الأشــكــال التي استقرّّت عليها الديمقراطيات الغربية بشكلها المعاصر. وتترتب على هذا التصو ّّر الفوكويامي القاصر تكلفة سياسية حين تعتبر مطالب التغيير الاقتصادي خروجا عــن الـعـقلانـيـة، ويــصــار إلـــى قـصـر الـــخلاف المشروع على إدارة النظام القائم، فتكتسب خـــيـــارات الـخـصـخـصـة وتـقـلـيـص الـحـمـايـة الاجتماعية صفة الحقائق التقنية، بينما تُُكنس الأسئلة المتعلقة بمن يستفيد ومن يـــدفـــع الـــثـــمـــن إلـــــى هـــامـــش الـــنـــقـــاش الـــعـــام وخارج مجالات التأثير الانتخابي. ويـظـهـر الـتـنـاقـض الأشــــد عـنـد فحص الـــعلاقـــة بين المــــســــاواة الــســيــاســيــة وتـــراكـــم الملكية الخاصة، إذ يحصل المواطنون على أصوات متساوية في الاقتراع، فيما تتفاوت قـــدرتـــهـــم عـــلـــى تـــمـــويـــل الــــحــــملات وامــــــتلاك وســـائـــل الإعلام والـــتـــأثـــيـــر فـــي الـــســـرديـــات الـسـائـرة. وحين تستطيع الطبقة المتنفذة تــحــويــل امــتــيــازهــا الاقـــتـــصـــادي إلــــى واقـــع تشريعي، تصبح الإرادة الـعـامـة محكومة بميزان قوى يسبق الانتخابات ويرج ّّح كفّّة مصالح بعينها في نتائجها. ولذلك تحمل صورة «الإنسان الأخير» الـــتـــي رســمــهــا فـــوكـــويـــامـــا تــعــمــيــما طـبـقـيا يـسـتـحـق المـــســـاءلـــة، لأنــهــا تـتـخـيّّــل إنــســانا أشـبـع حـاجـاتـه الماديــــة ثــم أصــابــه الضجر وفــــقــــدان الـــغـــايـــة، بــيــنــمــا يــنــشــغــل الــقــطــاع الأوســــــــع مــــن ســــكــــان المـــجـــتـــمـــعـــات الــغــنــيــة بتكاليف السكن والــعلاج والعمل المتقلّّب. وتختلف أزمة العامل القلق على أجره عن أزمـــة المستهلك المــرفــه الـبـاحـث عــن الإثـــارة حــتــى حين يـلـتـقـي الاثـــنـــان فـــي الـتـصـويـت الاحــتــجــاجــي، ولـــذلـــك يـصـبـح رد الـغـضـب الشعبي إلــى الحاجة للاعــتــراف أقـــرب إلى تــفــســيــر جـــزئـــي يــفــتــقــد ربــــــطا مـــوضـــوعـــيا بمواقع الناس داخــل الاقتصاد وبقدرتهم على السيطرة على زمنهم وحياتهم. يـــــمـــــنـــــح فــــــوكــــــويــــــامــــــا هـــــــــــذا الــــــجــــــوع للاعـــــــتـــــــراف مــــكــــانــــة مـــــركـــــزيـــــة، مــســتــعــيــدا مفهوم «الثيموس» بوصفه طلبا للكرامة والــــتــــقــــديــــر، كــــمــــا وضـــــــع داخــــــــل تــــصــــو ّّره للإنسان الأخير احتمال التمر ّّد على الرضا المادي نفسه. وتكشف هذه الفكرة عن توتر آخـــر فــي بــنــاء أطـــروحـــة «نـهـايـة الــتــاريــخ»، إذ يحمل الـنـظـام المـفـتـرض اكتماله دوافــع الاعــتــراض عليه فـي تكوين الإنــســان الـذي يـسـكـنـه، وتـصـبـح الـنـهـايـة عـنـدئـذ تسوية تحتاج إلى تجديد متتابع، بينما يستمر المجتمع في إنتاج تفاوتات تغذّّي المطالبة بالمساواة أو الرغبة في التفوّّق والسيطرة عـلـى الآخـــريـــن. وتـسـتـثـمـر الـشـعـبـويـة هـذا الــتــوتــر حين تـمـنـح الإحـــبـــاط الاجـتـمـاعـي غلافا قوميا وتختار لتوجيه الغضب عدوا قريباً، لتتحو ّّل مسائل مثل فقدان الوظيفة أو تـراجـع المـكـانـة، أو تضخم الأسـعـار إلى روايـــة عـن أمــة تـهـددت عظمتها، والمهاجر أو الأقلية بوصفهما تفسيرا جاهزا معلبا لتلك الخسارات. على المستوى العالمي، تطرح التجربة الصينية، لا سيما في الفترة ما بعد تدبيج ســــؤالا عــن اقــتــران التحديث 1989 مـقـال الــــــ الاقــــــتــــــصــــــادي بـــــالـــــحـــــريـــــات الــــســــيــــاســــيــــة، بــعــدمــا جــمــع مـــســـارهـــا بين الانــــدمــــاج في الأســـواق الدولية واستمرار سلطة الحزب الــــواحــــد، مـــقـــدّّما مـــــادة لا يـمـكـن تجاهلها لاختبار الصلة المفترضة بين الرأسمالية والديمقراطية. ويكفي هذا النموذج المغاير لإعــــادة فـتـح الـنـقـاش حـــول تــعــد ّّد الأشـكـال الــــتــــي يـــســـتـــوعـــبـــهـــا الاقــــتــــصــــاد الـــحـــديـــث، بغض النظر عـن قيم الـحـقـوق والمحاسبة والـــــحـــــريـــــات الـــــفـــــرديـــــة وحــــــــــدود مـــشـــاركـــة المواطنين في الحكم. وتــــضــــيــــف أزمـــــتـــــا المـــــنـــــاخ والـــتـــقـــنـــيـــة المــعــاصــرة أسـئـلـة تــتــجــاوز قـضـيـة ترتيب الانــتــخــابــات إلــــى تــحــديــد أصـــحـــاب الــقــرار الحقيقيين بـشـأن شـــروط الحياة والعمل، إذ تتوزّّع تكاليف التحو ّّل البيئي ومكاسب الأتمتة وفــق علاقـــات الملكية والــقــدرة على فــــرض الأولـــــويـــــات. فــــحين تـمـتـلـك شــركــات قـلـيـلـة حـــق احـــتـــكـــار المــــــرور إلــــى الــتــواصــل والمـــــعـــــرفـــــة، يـــصـــبـــح المـــــجـــــال الـــــعـــــام نـفـسـه خــاضــعا لـقـواعـد تـجـاريـة خــاصــة، دون أن تـمـتـد الـــرّّقـــابـــة الـشـعـبـيـة إلــــى تــلــك الـبـنـيـة، مـــــا يــــعــــزل الـــديـــمـــقـــراطـــيـــة عـــــن الاقـــتـــصـــاد والـتـقـنـيـة، ويحتجز إمــكــان تـطـورهـمـا في اتجاه الاستجابة لمطالب نشأت من تطوّّر المجتمع ذاته. ربما يتبقى من فكرة «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» قوة السؤال عن الاعتراف ورضـــــــا المــــحــــكــــومين، لـــكـــن ادعــــــــاء اكـــتـــمـــال التجربة الإنسانية حََوّّلها عبئا على فهم الـسـيـاسـة وإمــكــانــاتــهــا، لـتـصـبـح مــذكــرات فــوكــويــامــا شـــاهـــدا عـلـى ضـــــرورة مـراجـعـة الأحـكـام القاطعة التي نتجت تحت ضغط التجربة. فالمستقبل الــذي يستحق الـدفـاع عنه يـتـحـدّّد بـقـدرة البشر على تغيير الـشـروط الـتـي تحكمهم، وبـإمـكـان الـعـامـل والناخب والمـهـمّّــش المـشـاركـة فـي صياغة المؤسسات وتــوزيــع المــــوارد، وعـنـد هــذا الـحـد تستعيد الديمقراطية معناها بوصفها صـراعا على توسيع نطاقات الحرية والمـسـاواة، ويأخذ الإنــــســــان مـــكـــانـــه فـــــــاعلا جــــدلــــيا فــــي تـــاريـــخ تتجدّّد وجهاته مع كل مطالبة بحق، وكل محاولة لتنظيم الحياة المشتركة. فوكوياما ندى حطيط «عين جالوت»...رحلة الانحدار نحو الجنون تــــدور أحــــداث روايــــة «عين جــالــوت»، وهـــــي عـــمـــل أدبــــــي يــجــمــع بين الــغــمــوض والمـــشـــاهـــد المــــروعــــة والـــفـــكـــاهـــة الــــســــوداء، لـلـكـاتـب الأرجـنـتـيـنـي ديـيـغـو مـــوزيـــو، في أعـقـاب الـحـرب العالمية الأولــــى، وتحديدا داخـــل مصحة فــي إدنـــبـــرة، كـانـت «تـــؤوي نخبة مختارة من أعداد كبيرة من المرضى الـنـفـسـيين الـعـائـديـن مــن الـــحـــرب». يجري الــطــبــيــب الــنــفــســي فــــي المـــصـــحـــة، إدوارد بيرس، أبحاثا مثيرة للجدل حول التنويم المــغــنــاطــيــســي كــوســيــلــة لـــــعلاج الأمـــــراض العقلية؛ وفي حين يرى زملاؤه أن تجاربه «محكوم عليها بالفشل عــاجلا أم آجلاًً»، يعتبر بيرس أن أساليبهم - القائمة على العقاقير والكهرباء - «غير فعالة وبالية». يــصــل مـــريـــض جـــديـــد يُُـــدعـــى ديـفـيـد برادلي - وهو مهندس - إلى المصحة بعد أن تـقـطـعـت بــه الـسـبـل عـلـى جــزيــرة تضم مــــنــــارة مـــهـــجـــورة كـــــان قــــد أُُرســـــــل لـتـقـيـيـم حـالـتـهـا بـتـكـلـيـف مـــن جــهــة عــمــلــه. ويـــرى بـــيـــرس فــــي هـــــذه الـــحـــالـــة فـــرصـــة لإثـــبـــات جدوى إجراءاته النفسية المبتكرة. يــعــانــي بــــرادلــــي مـــن صـــدمـــة نفسية أفقدته القدرة على الــكلام، وتتملكه رغبة ملحة في السباحة طوال الوقت. وقد دو ّّن تفاصيل فترته التي قضاها في الجزيرة فــــي مـــــذكـــــرات تـــشـــكـــل الــــجــــزء الـــثـــانـــي مـن الـكـتـاب، حيث يسرد رحلة انــحــداره نحو الجنون والرعب المستمر. بعد ذلك، يعود مـوزيـو بالقصة إلــى بيرس ومـسـار علاج مريضه المحيّّر. تتميز هـــذه الـــروايـــة بحبكة معقدة، وتزخر بالتناص الأدبي؛ إذ يوظف موزيو ثيمات ومواضيع لكُُتّّاب آخرين بأسلوب يـشـبـه طـريـقـة منتجي مـوسـيـقـى «الـهـيـب هـــــوب» فـــي اســـتـــخـــدام المــقــاطــع الـصـوتـيـة )، حيث يصيغ ألحانا samples( الجاهزة جـــديـــدة عـبـر اقــتــبــاس شـــــذرات مـــن ألـحـان مـــألـــوفـــة وإعـــــــــادة تــرتــيــبــهــا وصــيــاغــتــهــا بقوالب مبتكرة. وتزخر الرواية بإشارات إلى أعمال أدبية متنوعة، مثل: «مغامرات أليس في بلاد العجائب» للويس كـارول، و«الـــجـــحـــيـــم» لـــدانـــتـــي، وســـفـــر صـمـوئـيـل الأول، وكــتــابــات عـالـم الطبيعة والـكـاتـب ويليام هنري هدسون، وقصيدة «أنشودة البحار العجوز» لكولريدج. غـــيـــر أن الـــتـــأثـــيـــر الأبـــــــــرز يــــأتــــي مـن الرواية القصيرة القوطية «قضية الدكتور جـيـكـل والــســيــد هــايــد الــغــريــبــة» لــروبــرت لـويـس ستيفنسون. فبينما تـبـرز بعض الإشارات بوضوح صارخ كلوحات النيون الـوامـضـة (مـثـل وجـــود نسخة مـن الكتاب فـي غرفة نــوم «بــيــرس»، وظـهـور مهندس المنارات ديفيد آلان ستيفنسون، وهو ابن عم روبرت في الواقع)، تظهر أيضا جوانب أكثر دقة وتعمقا في استلهام تلك الرواية. إذ تتم السيطرة على ألــم الأعـصـاب الـذي يعاني منه «بـيـرس» - وهــي حالة تسبب صداعا مبرحا ناجما عن شظايا مستقرة فـي رأســـه - عبر جـرعـات مـتـزايـدة التواتر من المـــورفين؛ وتعكس عادته هـذه اعتماد الدكتور جيكل على إكسيره السري، الذي كان يتجرعه أولا ليُُخرج إلى العالم قرينه الشرير «هايد» (ثم يعود ليتناوله لاحقا لكبح جـمـاح «هــايــد» ومنعه مـن الظهور من تلقاء نفسه). وهــنــاك واقــعــة تتعلق بـجـثـتين تُُــرى من منظورين مختلفين: أحدهما يعتبرها تـدنـيـسا لـلـحـرمـة، والآخــــر يــراهــا تعبيرا عــــن الـــــنـــــدم؛ فـــفـــي حين قــــد يـــــرى شـخـص مـا «هــايــد» فـي هــذا المــوقــف، قـد يــرى آخر «جــــيــــكــــل». كـــمـــا تـــتـــكـــرر ثـــيـــمـــات الـــتـــوائـــم والنسخ المتطابقة طــوال أحــداث الـروايـة، بما في ذلك لحظة بارعة يتضاعف فيها الكتاب نفسه. «نيويورك تايمز» خدمة* *دكستر بالمر تحمل صورة «الإنسان الأخير» التي رسمها فوكوياما تعميما طبقيا النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky