يوميات الشرق ASHARQ DAILY 22 Issue 17477 - العدد Sunday - 2026/10/4 الأحد من ساعات ألفريدو جار إلى خيوط زهرة الغامدي وممرات راشد آل خليفة... جولة بين أبرز محطات «كونتمبوراري إسطنبول» ترسانة إسطنبول تتحول إلى متحف مفتوح للفن المعاصر في منطقة ترسانة بإسطنبول، وعلى امـتـداد سـاحـل الـقـرن الذهبي حيث كانت تُُبنى السفن العثمانية، يشعر الزائر بأنه يقف عند تقاطع بين التاريخ والحاضر؛ بين المــــســــتــــودعــــات الـــحـــجـــريـــة الــضــخــمــة وأشـــــرعـــــة الـــســـفـــن مـــــن جــــهــــة، والأســـــــــواق والمـــطـــاعـــم ومـــســـاحـــات الــتــرفــيــه مـــن جهة أخــــرى. ومـــن الطبيعي أن تستقطب هـذه المنطقة الفنون أيـضاً، وهو ما تجسد في معرض «كونتمبوراري إسطنبول» الذي سبتمبر. 27 و 23 أقيم بين واصـــل المــعــرض نـمـوه هـــذا الــعــام، إذ صالة 70 ارتفع عدد الصالات المشاركة إلى صــالــة فـــي الـــــدورة الـسـابـقـة، 52 مــقــارنــة بـــــ عـملاًً 1372 فـنـانا عـرضـوا 736 بمشاركة ألفاً، وفق 38 فنياً. كما تجاوز عدد الزوار وكالة الأناضول. وفـــــي الــــيــــوم الأول اســـتـــعـــرض عـلـي غورلي مدير المعرض مسيرة «كونتمبراري عـــاما ً، 21 إسـطـنـبـول» المــمــتــدة عـلـى مــــدار ومـكـانـة إسطنبول فـي عـالـم الـفـن الـدولـي مشيرا إلى أن المعرض أصبح يمثل حلقة تـــربـــط بين تـــركـــيـــا وســــــوق الـــفـــن الــعــالمــيــة قـبـل أن يضيف بـتـفـاؤل حـــذر: » يـجـب أن نـضـع فــي الـحـسـبـان الأوضــــاع السياسية والأمـنـيـة فــي المنطقة والــتــي أثـــرت بشكل سلبي على العالم الفني». خلال حديثه، قدّّم عرضا لأبرز المستجدات في دورة هذا الــعــام، ومـنـهـا قـسـم المـنـحـوتـات الضخمة المنتشرة خـارج القاعات الرئيسية ومنها أول مـنـحـوتـة لـلـفـنـان الــعــالمــي جــونــي دب وعمل تركيبي للفنان البحريني راشـد آل خليفة، ويشير إلى أنها من الجوانب التي تفتقدها تركيا. ننطلق في جولة على قاعات العرض وهـــي مهمة ليست سـهـلـة، ولكنها 70 ال ممتعة جـــدا، نتوقف عند بعض الأعـمـال اللافـــــتـــــة ونـــــعـــــرف تـــفـــاصـــيـــل أكــــثــــر عـنـهـا ولـــكـــن فـــي الــنــهــايــة يـصـعـب الـــحـــديـــث عن كـل الـقـاعـات بشكل وافـــي، ولـكـن مـا يبقى في الذاكرة بعد التجول بينها هي أعمال متفردة يصعب نسيانها نستعرض هنا بعضا منها. ساعات الكارثة في غاليري «فرانسيسكو فينو» من لشبونة بالبرتغال: ثلاث سـاعـات حائط متجاورة كل منها مثبتة على وقت معين، في البداية لا نعرف رمزية الساعات الثلاث ولا الأوقات لكن بالنظر لبطاقة العمل نقرأ أنها العمل للفنان ألفريدو جـار وعنوانه «هـــيـــروشـــيـــمـــا، نـــــاغـــــازاكـــــي، فــوكــوشــيــمــا )، يظهر لنا شـريـط معدني مثبت 2019( داخــل الساعة التاريخ الــذي توقفت عنده العقارب، وهو يوم سقوط القنابل النووية 1945 على هيروشيما وناغازاكي في عام )1945 مـن شهر يونيو عــام 9 و 6 (يـومـي واليوم الذي حدثت فيه كارثة فوكوشيما .2011 مارس 11 النووية في أسراب الحمام فوق المخيم فـــي غــالــيــري «كــارلــيــيــه غــيــبــاور» من برلين نرى عمل بعنوان «تحليق-الجلزون» لـلـفـنـان الأمــيــركــي نــيــدا سـيـنـيـكـروت. في الـــصـــورة المـلـتـقـطـة لــــيلا نــــرى أســـرابـــا من الحمام الأبـيـض يحلق فـوق بيوت مخيم الــجــلــزون فــي الـضـفـة الـغـربـيـة بفلسطين، في أرجل الحمام LED ثبت الفنان أضواء نــــري تــأثــيــرهــا فـــي خـــطـــوط الـــضـــوء الـتـي تسجل تحليق الحمام في دوائر «تحاكي أنــــمــــاط الـــهـــجـــرة ســــــواء كـــانـــت قـــســـريـــة أو طبيعية»، حسب بيان العمل. الخبيزة مـــــن فـــلـــســـطين أيـــــــضا نــــــرى لـــوحـــتين مـعـلـقـتين تـــحـــملان طـبـعـة نــبــاتــات بـاهـتـة للمصو ّّر دور غويز، وهو مقيم في القدس مـن أصــول مسيحية يهودية فلسطينية. يحمل العمل عنوان «خبيزة». تعلق دليلة المعرض أن الفنان استخدم نبات الخبيزة واســــع الانــتــشــار فـــي فــلــســطين، لأنـــه غـــذاء أساسي يلجأ له الفلسطينيون حين يندر الــــغــــذاء: «أخـــــذ الــفــنــان ســيــقــانا مـــن نـبـات الـخـبـيـزة، وطبعها عـلـى الــــورق للوصول لهذه النتيجة». زهرة الغامدي في غاليري «بيرل لام بروجيكتس»، نـرى سلسة مـن أعـمـال الفنانة السعودية زهـــــرة الـــغـــامـــدي، بـــعـــنـــوان «نـــبـــض واحـــد وحــيــوات مـتـعـددة» تستخدم فيه الخيط الأسود على القماش. وبحسب الغاليري، تستلهم الغامدي عملها مـن «الممارسات الحرفية التقليدية والمناظر الطبيعية في جنوب غربي المملكة العربية السعودية. وتـــســـتــكــشـــف ســلــســلــة (نــــبــــض - حـــيـــوات مــتــعــددة) الـــعلاقـــات المـتـغـيـرة بين الجسد الـــبـــشـــري والمـــنـــاظـــر الــطــبــيــعــيــة والــــذاكــــرة والانتماء». يعلق المشرف على المعرض أن الفنانة تعبّّر عـن رهـافـة الـعلاقـات الإنسانية عبر اســـتـــخـــدام الـــخـــيـــط، وأنــــهــــا «تــتــعــامــل مـع تــقــاطــع الــــعلاقــــات الـثـقـافـيـة والـشـخـصـيـة والاجتماعية»، مضيفا أن الغامدي «تميل بـــشـــدة إلـــــى الـــتـــفـــاعـــل الـــحـــســـي المـــبـــاشـــر»، وأن طابع أعمالها «يفيض بصلة وثيقة بالأرض». إسطنبول بين الشعر والحديد فــــي غـــالـــيـــري «فــــــيلا ديـــــل آرتـــــــي» مـن برشلونة نرى عملا يتوسط القاعة للفنان لويس سـيـرا، بعنوان «إسطنبول»، وهو عبارة عن عمود من الحديد والرخام وفي وســـطـــه عـــقـــدة تـــضـــم طـــرفـــيـــه فــــي تـشـكـيـل جــــمــــيــــل، يـــحـــمـــل الـــــجـــــزء الأســــــفــــــل، وهــــو مـصـنـوع مــن الـــرخـــام الإيـــرانـــي النحاسي اللون، كتابات متعددة يقول عنها الفنان إنــهــا مـــأخـــوذة مـــن قـصـيـدة لـشـاعـر تـركـي مـــعـــروف، ويــشــيــر إلــــى الـــجـــزء الــثــانــي من الـعـمـود المـصـنـوع مــن الـحـديـد بـأنـه يعبر عـن أوروبــــا، وكــأن العمل يقدم إسطنبول المـلـيـئـة بـالـشـعـر والـثـقـافـة والــجــمــال على أنها الرابط مع أوروبــا الحديثة المعتمدة على الصناعة. خفة رغم الكتلة من الأعمال التي توقف عندها الزوار تمثال بديع للفنان بهادر براوتر نرى عدة نسخ منه حول المعرض وخارجه، بعنوان «الـــســـمـــيـــنـــات». الــبـــعـــض قـــــال إنـــــه يـــصـــو ّّر راقـصـات بالية ممتلئات الجسم يرقصن غـيـر عـابـئـات بـمـن حـولـهـن وتـرتـسـم على أوجــهــهــن ابــتــســامــة لـطـيـفـة، أيا مـــا كـانـت الشخصية التي يصورها العمل؛ فهو يظل مـن الأعـمـال التي أمتعت الـــزوار، ورسمت الابتسامة على وجوههم؛ فما بين الكتلة الضخمة للتمثال ورشـاقـة الحركة هناك كثير من المعاني والمتعة. شراع الضوء فـــي مـــدخـــل المـــعـــرض نــــرى مـنـسـوجـة بــــيــــضــــاء عــــــملاقــــــة لـــلـــفـــنـــانـــة تـــشـــيـــســـاتـــو ماتسوموتو تمثل كائنا أسـطـوريا ربما. المـنـسـوجـة دقـيـقـة الـتـفـاصـيـل ومصنوعة بـــالـــيـــد، تــصــيــح إحــــــدى الــــحــــاضــــرات عـنـد الاقتراب من العمل قائلة: «هناك حركة!». وبالنظر، نرى أطراف العمل وهي تتحرك بـطـريـقـة ميكانيكية وكــــأن أصـــابـــع خفية تتحرك تحت القماش الأبيض الممتد. بـــحـــســـب بــــيــــان غــــالــــيــــري بــــيــــرل لام، فالعمل صممته الفنانة خصيصا للموقع، وتـم نقله مـن هيروشيما فـي اليابان إلى مـنـطـقـة تــرســانــة إســطــنــبــول الــتــاريــخــيــة. اســتــخــدمــت الــفــنــانــة قـــمـــاش «شـــيـــبـــوري» ) المــــربــــوط يــــــدويا عــبــر المـسـاحـة shibori( بـــاســـتـــخـــدام الـــحـــبـــال والــــبــــكــــرات، لـتـشـكـل هـــيـــاكـــل عـــضـــويـــة تـــذكـــرنـــا بــــالأشــــرعــــة أو الأجــنــحــة؛ إذ يـوحـي تــراكــم هـــذه الأشـكـال بالحركة المستمرة للسفن وتجمّّع الناس فـــــي المــــيــــنــــاء قـــبـــل الانـــــــــــطلاق مـــــجـــــددا فـي رحلاتهم حول العالم. بعد ساعات من التجول بين القاعات والمنحوتات المنتشرة على ضفاف القرن الـذهـبـي، تـتـوارى أسـمـاء الـفـنـانين وتبقى الانــطــبــاعــات. خــيــوط، وأشـــرعـــة، وطــيــور، وســـاعـــات مـتـوقـفـة، وهــيــاكــل مـــن الـحـديـد والــــضــــوء؛ أعـــمـــال مـخـتـلـفـة فـــي أشـكـالـهـا ولغاتها، لكنها تلتقي عند أسئلة مشتركة عن الذاكرة والهوية والحركة والحدود. إسطنبول: عبير مشخص من معرض «كونتمبوراري إسطنبول» (الشرق الأوسط) عمل للفنانة السعودية زهرة الغامدي (الشرق الأوسط) «شراع الضوء» للفنانة تشيساتو ماتسوموتو (الشرق الأوسط) أعمال من الشرق والغرب في «كونتمبوراري إسطنبول» (الشرق الأوسط) ساعات الفنان ألفريدو جار (الشرق الأوسط) أعمال مختلفة في أشكالها ولغاتها، لكنها تلتقي عند أسئلة مشتركة عن الذاكرة والهوية الفنان البحريني راشد آل خليفة أمام عمله (كيهان كايغوسوز) راشد آل خليفة و«الصندوق المأهول ــ متعدد الألوان» ضــمــن الأعــــمــــال الــتــركــيــبــيــة المــــوز ََّعــــة على أرض المعرض يقف مربع من الحديد الملو ََّن مطلا على القرن الذهبي. موقعه في منطقة الترسانة بماضيها في بناء السفن يــعــيــدنــا لـلـبـحـريـن وعلاقـــتـــهـــا بــالــتــجــارة البحرية عبر الأزمنة، فيبدو وكـأن العمل الـــضـــخـــم المـــعـــنـــون «الــــصــــنــــدوق المأهـــــــولمتعدد الألـوان»يـدخـل في حــوار مع موقع ترسانة، بكل أصداء ماضيه.يبدو العمل كشبكة ضخمة مــن الــفــولاذ تـتـألـف من شــبــكــات مــتــقــاطــعــة، وهــــي بــنــيــة تـدعـو الـــــــزوار إلــــى الـــتـــجـــول داخـــلـــهـــا بـــــدلا من الاكتفاء بمشاهدتها من الخارج. بــحــســب الـــفـــنـــان راشـــــد آل خـلـيـفـة، فــــــإن الـــعـــمـــل فــــي تــصــمــيــمــه الــهــنــدســي ورؤيـــتـــه يــؤكــد عـلـى مـفـهـوم الـشـفـافـيـة؛ فهو يسمح للناظر بـالـرؤيـة كاملة من الداخل والخارج، ويبدو بالفعل وكأنه كـــائـــن شـــفـــاف مــــلــــو ََّن مــــن بـــعـــيـــد. وعــنــد دخوله والمشي فيه يرى الزائر ما حوله بنفس الـشـفـافـيـة، وإن كـــان مــن منظور مـخـتـلـف. فـــي الـــداخـــل نـشـعـر بـأنـنـا في مـــكـــانين فـــي الـــوقـــت ذاتـــــه، رغـــم الــحــدود الفاصلة المصنوعة من الحديد المجلفن، ولكن بحكم التصميم واستخدام الألوان اللطيفة على الـعين (لا توحي بالقسوة بحسب تعبير الـفـنـان) ينتابنا شعور بـتلاشـي الــحــدود الفاصلة بيننا وبين العالم الخارجي. يشير الفنان إلى نقطة مهمة، وهي أن الــــدخــــول والمــــشــــي داخــــــل المــــربــــع فـي ممرات صغيرة تشبه المتاهة «جـزء من العمل».
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky