صحيح أن الرواية توث ّّق ليوميّّات مر عليها ا ّا سنة، إل 45 أكثر من أن مأساة الجنوب اللبناني كما 1948 هي منذ الثقافة CULTURE 17 Issue 17477 - العدد Sunday - 2026/10/4 الأحد أحمد عبد المعطي حجازي )4( ابن خلدون... وذكراه حين قــــرأت رســالــة طــه حـــسين الـتـي كتبها عــن ابـــن خــلــدون وفلسفته الاجتماعية ونال بها الدكتوراه من جامعة السوربون، فوجئت بطه حسين آخر لم أكن أعرفه من قبل. وأنـا، مثلي مثل كثيرين، أعرف طه حسين الأستاذ الجامعي والناقد الأدبي، وكاتب السيرة التاريخية، والسيرة الذاتية، والمقالات الصحافية، والروائي، والمترجم، وحتى طه حسين الشاعر الذي هجر النظم مبكرا فلم يعرف شـعـرََه إلا القليلون. لكني لـم أكــن أعــرف طـه حــسين الباحث المدقق فـي الـتـاريـخ والفلسفة إلا باعتبار مـا كتبه عـن أفلاطــــون، وأرســطــو، وعن الإسكندر، ويوليوس قيصر هامشا لكتابته في الأدب والنقد، حتى قرأت رسالته عن ابـن خلدون فـوجـدت عـملا جديدا جديرا بـأن يُُعتمد عليه في معرفة التراث العربي، وبـأن يحتل في أعمال طه حـسين مكانا في المركز، مثله مثل أعماله الأخرى التي لا يكتفي فيها بالتعريف أو التعبير، وإنما يتجاوزهما إلــى الاكـتـشـاف والابـتـكـار والتنظير، فيعرف هـو أولا بعمله ما لم يكن يعرفه من قبل، ويعرّّف به قارئه الـذي يجد نفسه بعد القراءة مختلفا عما كـان قبلها؛ فقد عـرف عن موضوع العمل المكتوب ما لم يكن يعرفه، واكتشف في الكاتب جانبا عرفه به من جديد. أقـــول هـــذا عــن كـتـاب طــه حـــسين دون أن أقــلِِّــل مــن قيمة أعــمــال أخــرى كُُتبت عن ابن خلدون ولم يُُتََح لي أن أقرأها، خصوصا ما صدر منها في تونس وغيرها من أقطار المغرب العربي. ونحن نعرف أن ابن خلدون وُُلد فـي تونس وتـربـى فيها؛ فمن المنتظ ََر أن يكون لـه فـي هـذه الأقـطـار مكانه المستحق. صحيح أنه اختار مصر ليعيش فيها الشطر الأخير من حياته، نحو ربع قرن تفرغ خلاله للكتابة التي لم تمك ّّنه السياسة من التفر ُُّغ لها في المراحل السابقة من حياته، لكن الأساس كان في تونس، وهذا ما جعله دون شك موضوعا أثيرا للكتابة عند المغاربة الذين يستطيعون أن يقدموا حوله الكثير، مستعينين بتراثه الـذي يملكونه بالطبع، وبما كتبه الفرنسيون خاصة عنه، وهو مصدر آخر يعرفونه جيداً، ويستطيعون الرجوع إليه. *** لكن المصريين والمشارقة عامة اهتموا في هـذا العصر بابن خلدون، وبــدأوا بطبع مقدمته في المطبعة التي أنشأها محمد علي في بـولاق مع أعمال أخــرى من الـتـراث العربي اختارها رفاعة الطهطاوي. وقـد صدرت ن الأستاذ محمد عبده عام . وحين ع ُُي ّن 1857 الطبعة الأولى من «المقدمة» عام ، قرأ 1872 مدرسا للتاريخ في «مدرسة دار العلوم» التي أُُنشئت عام 1878 «المقدمة» على طلابه وشرحها، وألََّف في موضوعها كتابا ضاعت أصوله، عـنـوانـه كـمـا ذكــر الـدكـتـور عـثـمـان أمين فــي كـتـابـه عــن الإمــــام محمد عبده «فلسفة الاجتماع والـتـاريـخ»، ثـم لا يمر وقـت طويل حتى تقرر الجامعة أن ترسل طه حسين إلى فرنسا لدراسة التاريخ، 1915 المصرية الأهلية عام فيختار ابــن خـلـدون مــوضــوعا لرسالته الـتـي حصل بها على الـدكـتـوراه ، وقد ظهرت بعدها مؤلفات أخرى وكتابات في الموضوع، 1917 بتفوق سنة منها كـتـاب محمد عـبـد الـلـه عـنـان الـــذي أشـــرت إلـيـه فــي المـقـالـة السابقة، ومقالات لأحمد رشدي صالح جمعها في كتاب قرأت عنه عنوانه «رجل في القاهرة»، كما قرأت عن كتاب للدكتور عبد الرحمن بدوي سماه «مؤلفات ابن خلدون»، وعن كتاب آخر لساطع الحصري، وقـرأت فصولا في بعض الموسوعات، ومقالات عن ابن خلدون، منها مقالة للدكتور محمد مندور سماها «أصالة ابن خلدون». *** والآن نسأل عما قدمه طه حسين في رسالته، ونجيب فنقول إنه قدم عملا جديدا وفريدا عن هذا المفكر العربي الرائد، وهذا بشهادة أساتذته في السوربون وفي «الكوليج دو فرانس». فــي هـــذا الـعـمـل جـمـع طــه حـــسين بين ثقافته الـعـربـيـة الـراسـخـة التي حصلها في الأزهــر ثم في الجامعة المصرية الأهلية، على أيـدي الأساتذة المصريين والأجانب المستشرقين الذين كانوا يحاضرون في الأدب، واللغة، والتاريخ، والفلسفة. وقد استطاع طه حسين في نهاية هذه المرحلة أن يضع يده على الموضوع الذي رأى فيه نفسه، ومنحه كل طاقاته، وهو أبو العلاء المعري الشاعر العبقري صاحب «اللزوميات» و«رسالة الغفران»، وعنه كتب طه حـسين رسالته التي حصل بها على الدكتوراه من الجامعة المصرية، وتأه ََّل بها للسفر إلى فرنسا مبعوثا من الجامعة المصرية للحصول على الدكتوراه في التاريخ. في فرنسا، بدأ طه حسين الطريق من أوله؛ فتعلم الفرنسية، وبعدها اللاتينية واليونانية، وحصل على الليسانس، ثم انتقل إلى ابن خلدون في مصادره العربية والفرنسية، فـرأى فيه مفكرا ومكتشفا سبق عصره بالمنهج الذي سار عليه في قراءة التاريخ وشرحه في «المقدمة». وبالرسالة التي كتبها طه حسين حول هذا الموضوع، بعنوان «فلسفة ابن خلدون الاجتماعية» حصل على الدكتوراه بتفوق أشاد به أساتذته. وطه حسين في مقدمته التي كتبها لرسالته يتحدث عما قدمه، فيقول بثقة له الحق فيها: «أما أنا، فسأُُعنى بأن أقدم للقارئ فلسفة ابن خلدون بطريقة صحيحة جهد الاستطاعة، وبأسلوب يقربها للأذهـــان الحديثة الـتـي لــم تعتد كـثـيـرا درس الفلسفة الإسلامـــيـــة، وسـأحـافـظ مــع ذلـــك على روحها العربي الذي يظهر فيه جليا جدل العصور الوسطى». ونقرأ الرسالة، فنرى طه حسين يناقش ابن خلدون بموضوعية واتزان؛ فهو يشهد له بما سبق إليه وتفوق فيه حتى على أفلاطون وأرسطو. يقول: «يريد ابن خلدون أن يشرح تاريخ الإنسانية بأوسع معاني الكلمة. وفي هـذا تتفوق فكرته الاجتماعية تفوقا كبيرا على فكرة أرسطو وأفلاطــون، ومن باب أولى على فكرة مؤرخي العصر القديم». لـكـن طــه حـــسين لا يغفر لابـــن خـلـدون أخــطــاءه الـنـحـويـة وخـلـطـه بين الفصحى والعامية. وهـو مع هـذه الثقة يعبر بصدق مؤثر وتـواضـع بالغ عما يجده في عمله من قصور، فيقول: «وليسمح لي بأن أعتذر عن أسلوبي الفرنسي، إذا ما بدا بلا ريب في كثير من المواضع ركيكا أو خاطئاً، وكذلك عن الأخطاء المطبعية التي قد تقع في هذه الرسالة، فما كنت إلا غريبا وأعمى!». وهكذا عرفنا طه حسين الآخر، عرفنا به ابن خلدون، فلنا الآن أن نقول له مع نزار قباني وهو يرثيه: ارم نظارتيك ما أنت أعمى! عفيفي دياب يوثق أحداثه منذ نكبة يونيو حتى اجتياح بيروت »... الجنوب وعبث الحروب 504 «بيجو فـي بيت لبناني جنوبي مـحـاذ للحدود مــــع فـــلـــســـطين والـــــجـــــولان المــــحــــتــــلََّين، تــحــتــدم السجالات بين (مريم) و(عبدو) على وقع هدير الطيران الحربي الإسرائيلي والقصف المدفعي المتقط ّّع. هي ليست نقاشات زََوجيّّة اعتياديّّة، بــل تـشـريـح لـخـيـبـات تََــراكــمــت بـفِِــعـل التمس ّّك بـــالـــعـــقـــائـــد الـــحـــزبـــيّّـــة وبـــالـــقـــضـــايـــا الـــوطـــنـــيّّـــة الكبرى. » لـكـاتـبـهـا 504 لا تـــريـــد روايـــــــة «بـــيـــجـــو عـفـيـف ديــــاب، الــغــوص فــي يــومــيّّــات الـجـنـوب تحت القصف والاحــــتلال ولا تصوير الـدمـار المتعاقب عليه منذ أجيال، بِِقََدر ما تبغي طرح الانعكاسات الإنسانية لتلك الأحداث، وذلك من خلال عائلة في حالة غليان دائم. »، وهي الرواية 504 تنطلق أحداث «بيجو الأولـــــى فـــي رصــيــد الــصــحــافــي الــلــبــنــانــي، من أواخــر ستينات القرن الماضــي وتنتهي مطلع الـــثـــمـــانـــيـــنـــات، مـــوثـــقـــة مــــا دار مــــا بين نـكـسـة واجتياح بـيـروت عام 1967 ) يونيو (حــزيــران ، لكنها لا تستقي من التاريخ والأحـداث 1982 المــــيــــدانــــيــــة، بــــل مــــن شـــــهـــــادات أبــــنــــاء المــنــطــقــة الحدوديّّة، التي أمضى دياب شطرا كبيرا من عـمـره وهــو يجمعها أو يحفظها فـي ذاكـرتـه. وعندما حــل أوان سكبها على الـــورق، اختار الراوي أبطالا عاديين، هم أبناء الجنوب الذين آمنوا لبُُرهة بـأن عشق الأرض كـاف لإنقاذها من أنياب العدو ّّ. كان ذلك هو زمن الأحزاب العلمانيّّة التي رفـعََــت، كــل على طريقتها، البندقيّّة فـي وجه المُُحتل الإسرائيلي. كانت شخصية مريم في الرواية تميل إلى أحد تلك الأحـزاب اليساريّّة، بينما ينتمي زوجها عبدو إلى حـزب عروبي ذي آيديولوجيا مختلفة. وعلى خلفيّّة تََقََدُُّم الإسرائيليين باتّّجاه القرية، ودََك بيوتها واحــدا تلو الآخــر، ترتفع الـنـقـاشـات بين الـــــزوج ََين مــن دون أن تـتـحـوّّل إلـى خلافــات. يُُحص ّّنها ضـد ذلـك كـم كبير من الـوعـي والـحـب والـنـقـد الــذاتــي المـمـهـور بنبرة تهك ّّمي ّّة. بلغ عبدو ومريم ما يكفي من الخيبة، كي يُُدركا أن البقاء بـات مُُحالاًً. لكن كان قرار الـرحـيـل مــن الـقـريـة يــؤخــره الـتـعـلُُّــق بـــالأرض، فـمـريـم تـشـعـر وكــــأن جـــذورهـــا قــد تـنـسـلـخ، إن هي ابتعدت عن شجرة الأكاسيا المغروسة في الحديقة. أمــا عـبـدو، الــذي كــان يحمل الطعام إلى الجبال الوعرة والمََــغـاور حيث المقاومون، فمتشبّّث بـأطـراف الحلم، بالرغم من معرفته أنه سيفلت من بين أصابعه لا محالة: «صــــارت الأرض أصــغــر مــن حــبّّــة زيـتـون والــبلاد تحفر قبور موتاها»، «بلادُُنــا سفينة مثقوبة»، «الـــبلاد تتقاتل ولــن أُُنـجـب لمطحنة المـــوت»... هي بعض عبارات الخيبة التي تََرِِد ِِــنـة الـشـخـصـيـات مــمــهّّــدة للرحيل أو عـلـى ألـس التهجير. لا يـسـمّّــي ديــــاب الـقـريـة الـــحـــدوديّّـــة، لأن حـــالـــهـــا حــــــال قــــــرى جـــنـــوبـــيّّـــة كـــثـــيـــرة شــهــدت الأحــــــداث ذاتـــهـــا ومــــا زالـــــت، واخـــتـــبـــرت نفس ُُــهــا مــن مــــرارة الـــواقـــع ما المــعــانــاة، وبــلــغ نــاس بلغ ََه مريم وعبدو وسائر شخصيات «بيجو ». مــــن بين هـــــــؤلاء الـــــجـــــارة «أم ولـــيـــد» 504 الــتــي حـمـل زوجــهــا الـبـنـدقـيّّــة مـتّّــجـها صـوب فـلـسـطين ولـــم يََـــع ُُـــد. و«ســـعـــدى» والــــدة عبدو الـتـي انـتـظـرت حبََها ع ُُــمــراً، ويـــوم رجــع أخـذه الموت منها سريعاً، ثم هد ّّم العدو دارها وهي آخــر ذكــرى لها منه. ولــ«راجــي» شقيق مريم خيباتُُه السياسية والعقائدية الـتـي تدفعُُه إلـى الهجرة النهائية مـن الـوطـن. أمـا «رامــز» شقيقُُها الـثـانـي فهو قـلـب الحكاية النابض والــــنــــازف، وأحـــــد رمـــوزهـــا الأســــاســــيين على هيئة طبيب تََــخـرّّج مـن الاتـحـاد السوفياتي ثـم عـاد لــيُُــداوي جــروح المـقـاومين على جبهة القتال ضد إسرائيل. بـــمـــوازاة الأبـــطـــال الـــعـــاديّّين فــي الـــروايـــة، يسير أبطال غير اعتياديّّين، ليست أسماؤهم غـريـبـة على الــقــارئ. فـي إحـــدى الـلـيـالـي، نرى الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في بيت عبدو حيث يلجأ للتخفّّي من الإسرائيليين. وتعود إطلالات عرفات لتتكرّّر في الكتاب، وذلــك في إطــار مهمّّاته التي كانت تـقـوده إلــى الجنوب مطلع السبعينيات، وقـد استقى الكاتب ذلك من وقائع حدثت فعلا ًً. تـــوثّّـــق الــــروايــــة كـــذلـــك لـــنـــقـــاشـــات فــكــريّّــة وسـيـاسـيـة مـحـتـدمـة دارت بين الـشـخـصـيـات وبين قـائـد فلسطيني آخــر هـو جـــورج حبش. ولقصر المختارة وسـيّّــدِِه وليد جنبلاط كذلك حصة من الس ََرد والأحــداث التي تمزج ما بين الواقعي والمتخيّّل. وحـده نظام الأسـد لا يُُس ََمّّى بالاسم رغم كونه محورا أساسيا يرمز إليه عنوان الرواية. » هـــو طــــراز الـــســـيـــارات الــتــي كـان 504 «بـيـجـو يتنقّّل فيها عـنـاصـر الاسـتـخـبـارات الـسـوريّّــة جـــنـــوباً، مـثـيـريـن الـقـلـق فــي صــفــوف المـقـاومـة الــيــســاريّّــة. وهــــذا مـــا يـحـصـل مـــع عــبــدو الـــذي يـرفـض المــســاومــة رغـــم كــل مــا يـتـعـرّّض لــه من مضايقات وتحقيقات على أيدي ضبّّاط «دولة القيادة العليا». ولـعـل أكثر فصول تلك الـعلاقـة الملتبسة بينه وبين الـنـظـام الــســوري حـبـسا للأنـفـاس، فصل الكلاشنيكوف. في موقف مُُــذل لعبدو، يُُصر ضبّّاط النظام على استرجاع البندقيّّة الـتـي كــانــوا قــد مـنـحـوه إيــاهــا بــهــدف مقاومة العدوّّ. في رحلة محفوفة بالمخاطر ومسيّّجة بالر ُُكام، كانت مريم قد وجدت نفسها مضطر ّّة إلى العودة إلى القرية المدمّّرة والواقعة تحت الـــنـــيـــران الإســـرائـــيـــلـــيـــة، مــــن أجـــــل الـــبـــحـــث عـن الكلاشنيكوف بين ح ُُطام بيت عائلة زوجها. » المرأة الجنوبيّّة 504 ترسم رواية «بيجو بملامحها الحقيقيّّة. مـن خلال مريم وسائر الشخصيات الأنـثـويـة، يستعيد ديــاب وجـوه النساء اللواتي تـربّّــى فـي كنفهنّّ. هـن أمّّهات وجــــــد ّّات كــــن يـــقُُـــدن المـــظـــاهـــرات ضــــد إســرائــيــل ويـــنـــقـــلـــن الــــــــسلاح والــــطــــعــــام إلـــــى المـــــقـــــاومين. يــــحــــرص ديـــــــاب عـــلـــى تـــظـــهـــيـــر صـــــــورة المــــــرأة الجنوبية المثابرة والمناضلة والساعية للعلم والـــرافـــضـــة لـلـقـمـع. فـــكـــل شـخـصـيـات الـــروايـــة يملكن حسا إنسانيا عاليا يتفو ّّق على ذكوريّّة الــــرجــــل، ويـــفـــرض رومـــانـــســـيـــة شـــاعـــريّّـــة على العلاقة الزوجية. لكن وحــدََهــا مـريـم بلغت أقـصـى درجــات الواقعيّّة فأدركت باكرا عبث الحرب والقضايا الكبرى، وفض ّّلت الانشغال بالقراءة وبتربية ابنها. بأسلوب أدبـي يغلب فيه الوصف الأنيق والـسـرد الإنـسـانـي الأحــــداث المــحــو ََريّّــة، يذهب عفيف دياب بروايته إلى فحواها: من الممكن أن تكون الحياة هانئة بعيدا عن العبث السياسي والحزبي. » الــــصــــادرة عـــن «دار 504 روايـــــة «بــيــجــو الفارابي» صالحة لأي أوان جنوبيّّ. صحيح 45 أنها توثّّق ليوميّّات انقضى عليها أكثر من أن مأساة الجنوب اللبناني كما هي ا سنة، إلّا ؛ بما فيها من قتل وتدمير وتهجير 1948 منذ وخـيـبـات مـتـراكـمـة، وحـــرق لـلـزرع والـذكـريـات والتاريخ. صـدرت الـروايـة عن دار الفارابي، وكانت لوحة الغلاف بريشة الفنانة سكينة حويلا. بيروت: كريستين حبيب «صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي تؤسس روايـة «صفر فاصل خمسة» للكاتب المصري أحمد القرملاوي عالما تتداخل فيه الحدود بين الإنساني والاصطناعي، ويختلط فيه وعـي بطلها البشري بـ«طموحات» الآلــة، وتختبر الرواية موقع الإنسان أمام تكنولوجيا لم تعد مجرد أداة مسخ ّّرة لخدمته، وإنـمـا عقل مـــواز يـشـارك فـي تشكيل تجربته واختبار إرادته. صدرت الرواية أخيرا عن دار ديوان للنشر بالقاهرة، ومنذ استهلالها بعبارة «الريلز تحاصرني»، يدخلنا الـقـرملاوي إلى وعي بطله وراويه بضمير المتكلم، وتمارس عليه الريلز (مقاطع فيديو سريعة) صــورة مـن الضغط، عبر خلق عالم بديل يبدو أكـثـر إغــــراء مــن واقــعــه؛ فـرغـم عمله مــديــرا لــشــؤون الـعـامـلين في شـركـة مـتـعـددة الجنسيات، ومــا يـبـدو عليه مـن اسـتـقـرار مـادي واجتماعي، يصف وظيفته بأنها مغموسة «في سخام الـروتين وقانون العمل واللوائح الداخلية»، ويتصو ّّر أنه لو استُُبدل مدير آخـــر بــه «لما شـعـر أحـــد بــفــارق يُُـــذكـــر»، ولا ينفصل خـوفـه مــن أن يصبح «قابلا للاستبدال» عن انجذابه إلى تجربة تعده بأن يكون مركز عالم يُُصنع من أفكاره ورغباته. يضعنا السرد أمام خريطة لوعي البطل، يبدو فيها «السأم» جزءا من تكوينه منذ الطفولة، قبل أن يتفاقم إلى أزمة وجودية وشـــعـــور بــانــعــدام المـعـنـى مـــع انــتــصــاف عـــمـــره، عـنـدئـذ يـجـد في المقاطع التي تـــروّّج لتجربة «أخـويـة صفر فاصل خمسة» وعـدا بعالم آخـــر، خـصـوصا أنـهـا تخاطب أزمـتـه مـبـاشـرة، كما يقول: «يعرفون كيف يسحبونني من خيط السأم حيث يريدونني أن أكون»، فالإعلان لا يعرض عليه متعة عابرة فحسب، إنما يلتقط شعورا قديما بالعجز عن احتمال حياته كما هي، ويقد ّّم الدخول إلى التجربة كأنه فرصة للخروج منها. عالمان وذهنان يتشك ّّل المستوى الأول في الرواية من حياة البطل اليومية، بـدايـة أزمـتـه العمرية، ووظيفته، وعلاقـتـه بعائلته الصغيرة، ويبدأ المستوى الثاني داخل الشقة التي يُُعزل فيها المشاركون في تجربة «صفر فاصل خمسة»، كل في غرفة منفصلة، ليخوض تجربته مـرتـديا «نـظـارة المـحـاكـاة»، ليجمع المـكـان الـواحـد بين المشاركة والعزلة؛ فيدخل كل مشارك عالما لا يصاحبه فيه سوى وعيه والعقل الاصطناعي. أما المستوى الثالث فهو العالم الـذي تفتحه النظارة أمام البطل، فيخوض رحلة سفر طويلة يلتقي خلالها بـ«باتريشيا»، راقصة المهرجانات التي ينجذب إليها، قبل أن تنزلق علاقتهما نــحــو الـــجـــنـــون. وتــــقــــوده مـــفـــاجـــآت الـــرحـــلـــة إلــــى مـــواجـــهـــة ذاتـــه «الأخـــــرى»، وإعــــادة اكـتـشـاف علاقـتـه بـزوجـتـه وعـالمـه العائلي، وكـــأن العقل الاصطناعي يعيد تركيب مـا يكمن داخـــل البطل، ويـمـنـحـه هيئة أشــخــاص وأمـــاكـــن ومـــواقـــف يستطيع التفاعل معها. فتغدو الرحلة مواجهة مع الذات. وتـتـجـسـد الـصـلـة بين الـــعـــالمين فـــي «ســلــمــى»، وهـــي كـيـان مــطــوّّر مــن الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي يتجسد للبطل وراء الـنـظـارة «بسمرة لطيفة وبشرة ملساء». يراها ويتفاعل معها، لكنه يظل يسألها: «هل أنت حقيقية؟»، وهو سؤال يزيد الالتباس والشك فـي الـحـدود بين الـخـوارزمـي والـواقـعـي. فملامحها البشرية لا تحسم طبيعتها، بقدر ما تجعل التمييز بين ما يشعر به البطل وما يعرفه عنها أكثر صعوبة. تكشف «سلمى» طبيعة التجربة بعبارة تبدو «نزيهة» في اعترافها بحدود العقل الاصطناعي: «أنت تخوض هذه التجربة بمفردك، ليس ثمة سواك أنت والعقل الاصطناعي، هو من يتغذى على أفـكـارك وهواجسك، يترجمها إلـى حياة وأحـــداث، وقـد يقع في أثناء الترجمة في أخطاء جسيمة، فلا يـزال أمامه كثير لكي يتعلمه»، وهكذا يتشكل وراء النظارة عالم «هـجين» من ذهنين؛ فالبطل يمد الآلــة بأفكاره وهـواجـسـه، وهـي تحوّّلها إلـى أمكنة وشخصيات وأحـــداث. فلا يكون المـكـان الـروائـي امـتـدادا خالصا لوعيه، ولا ابتكارا مستقلا للعقل الاصطناعي؛ إذ إن ما يراه ينشأ من التفاعل بين ما يعرفه عن نفسه وما تصنعه الخوارزمية من تلك المادة. مــن هـــذا الــتــبــادل تنشأ ســرديــة الـــروايـــة المـــضـــادة؛ فالعقل القاهرة: منى أبو النصر أحمد القرملاوي يرسم عالما تتداخل فيه الحدود بين الإنساني والاصطناعي النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky