يمث ّّل الخطاب الملكي السعودي في مجلس الشورى حـدثا مرتقبا كـل عـام؛ ففيه يستعرض الملك سياسة الـدولـة الداخلية والخارجية أمام حفل مهيب ترصده الدوائر السياسية وتتناقله وسائل الإعلام. ولا تكمن دلالات هذه الخطابات المـلـكـيـة الـسـنـويـة فــي رسـائـلـهـا فـحـسـب؛ بــل في توقيتها والمـنـاخ السياسي والاقـتـصـادي الـذي تصاحبه. وقــد اسـتـهـل الـخـطـاب المـلـكـي الـسـنـوي هذا الــــعــــام، الـــــذي ألـــقـــاه نـــيـــابـــة عـــن خـــــادم الـــحـــرمين الــشــريــفين المــلــك ســلــمــان بـــن عـبـد الــعــزيــز، ولـــي العهد الأمير محمد بن سلمان، بالتذكير بحدث مهم يرتقبه الـسـعـوديـون، وهــو احـتـفـال الـدولـة فبراير/ 22( السعودية في يوم التأسيس المقبل ) بـالـذكـرى الثلاثمائة لتأسيسها، 2027 شباط وليؤكد أن الدولة وعبر ثلاثـة قـرون قائمة على الكتاب والسنة، ومتمسكة بالتوحيد والـعـدل، وأن ََّــــهــــا لـــن تــحــيــد عـــن هــــذا الـــنـــهـــج، وســتــواصــل الحفاظ على إرثها وقيمها الأصيلة التي تزداد مـع الأيـــام تـجـذرا وقـــوةًً، وأشـــاد الخطاب الملكي في معرض ذلك بالمواطنين الذين يزدادون يوما بعد يوم تمسكا بعقيدتهم الخالصة وهويتهم الوطنية الراسخة. ولنتعمق في فهم الخطاب من جهة، وقراءة مـــضـــامين بــاقــي فــقــراتــه؛ نــقــول إن عـمـق الــدولــة التاريخي، ونهجها الإسلامي الراسخ، وخدمتها للحرمين الشريفين، وهويتها الأصيلة، لم تكن إطارا مرجعيا لها فحسب؛ بل كانت نهجا ثابتا ممتدا خلال قرون ثلاثـة، وهي قرون شهد فيها الــعــالــم مـــن الــتــحــولات الــكــبــرى مـــا قـلـب مــوازيــن الـــقـــوى غـيـر مــــرة، وغـــيّّـــر حــــدود الـــــدول الأخــــرى، وتـــوجـــهـــات شــعــوبــهــا، وأولــــويــــات حـكـومـاتـهـا. وبقيت الـدولـة السعودية كعهدها الأول مـوئلا لرسالة الإسلام والقيم العربية الأصلية، وللدول الأخرى مثًلا في الاستقرار والثبات على الموقف، وبـقـي الـشـعـب الـسـعـودي عـلـى عـهـده الــدائــم مع قيادته وفيا لها وفاء عز له نظير. استعرض الخطاب الملكي منجزات الدولة ، كأنه بذلك يؤكد 2030 خلال العقد الأول من رؤية أن تلك المنجزات ما كانت لتكون لولا ثبات نهج الحكم السعودي الرشيد منذ ثلاثــة قــرون على أسـس الـعـدل والـشـورى والمــســاواة. وأن سياسة الدولة الداخلية والخارجية وإن كانت تسترعي دوما التخطيط الـطـويـل الأمـــد لـكـل المـتـغـيـرات، إلا «أن التخطيط الطويل المـدى لا يعني الثبات والسكون؛ بل القدرة على التكيف مع المتغيرات». ولــــــــــم يــــــــــــأت الــــــخــــــطــــــاب كــــــــجــــــــردة حــــســــاب لاستعراض منجزات ما مضى من سـنـوات؛ بل ذهب إلى تحديد ملامح المرحلة المقبلة، رغم ما تمر بـه المنطقة والـعـالـم مـن تـحـولات متسارعة يصعب التنبؤ بمآلاتها. فـالمـمـلـكـة الـعـربـيـة الـسـعـوديـة حين أطلقت ، لـم تبنِِها على افـتـراض 2016 عــام 2030 رؤيـــة عــالــم مـسـتـقـر، بـــل عــلــى افـــتـــراض عــالــم متغير، واســـتـــهـــدفـــت بـــنـــاء مـــؤســـســـات أكـــثـــر قـــــدرة على التصدي لأي أزمـات والاستفادة من التحولات، وقـــد تـجـلََّــى ذلـــك فــي نـجـاح الـــدولـــة فــي التعامل مع جائحة «كورونا»، ثم فيما شهده الاقتصاد العالمي من تباطؤ نمو، وأخيرا في اضطرابات سلاسل الإمداد غير المسبوقة نتيجة للصراعات التي تشهدها المنطقة اليوم. كما تجلََّى ذلك في عناية الدولة بالاستثمار المبكر -عبر صندوقها الـسـيـادي- فـي أدوات وقطاعات المستقبل، ومن بينها تقنيات «الذكاء الاصطناعي» الذي س ُُمي بـاسـمـه إعلانا لهدفها المـنـشـود بـأن 2026 عـــام تكون المملكة العربية السعودية رائدة فيه عالمياً. فـقـوة الــــدول لــم تـعـد تـقـاس بـمـا تملكه من مـــــوارد تـقـلـيـديـة فـحـسـب؛ وإنـــمـــا بـقـدرتـهـا على امـتلاك تقنيات المستقبل وتوطينها وتحويلها إلــــى قــــــدرات إنــتــاجــيــة ومــعــرفــيــة واقـــتـــصـــاديـــة. لــذا لـم يــأت التنقل بين ملفات النفط والتعدين والخدمات اللوجستية والذكاء الاصطناعي في الخطاب كانتقال بين ملفات متباعدة؛ بل جاء تعبيرا عــن مـفـهـوم أشـمـل لـلـقـوة الـوطـنـيـة التي تتغي ََّا القيادة السعودية تعظيمها. الأرقــــــام والــنــســب المـحـقََّــقـة الــتــي وردت في الـخـطـاب لـم تقتصر وظيفتها على استعراض المــــنــــجــــزات؛ وإنــــمــــا اســـتُُـــحـــضـــرت كـــذلـــك لــلــدلالــة على أن الاقـتـصـاد الـسـعـودي أصـبـح أكـثـر قـدرة عــلــى الــتــعــامــل مـــع الأزمــــــات بـتـوسـعـه وتــنــوعــه، خـصـوصا أن المملكة العربية السعودية أدارت أزمات سابقة وتعاملت مع ارتدادات أمن الممرات المائية وتأثيراتها على الطاقة، عصب الاقتصاد العالمي، الأمـر الـذي زاد من قدرتها على تحويل الـــتـــهـــديـــدات إلــــى فــــرص تـــعـــزز مـكـانـتـهـا وتــبــرز إمكاناتها. فــــــي ثــــنــــايــــا الـــــخـــــطـــــاب، تــــقــــاطــــع الـــجـــانـــب الـــســـيـــاســـي والأمـــــنـــــي مــــع الاقـــــتـــــصـــــادي، وأتــــى المشهد الأكـثـر أهـمـيـة، وهــو أن المملكة العربية السعودية وبعد أن أطلقت رؤية تستهدف تنويع اقتصادها بعيدا عن الاعتماد الكلي على النفط، وبـــعـــد أن شــهــد الـــعـــالـــم مـــؤخـــرا أكـــبـــر اضـــطـــراب تشهده أســـواق النفط فـي الـتـاريـخ، برهنت من جــديــد عـلـى أنــهــا صــمــام أمــــان إمــــــدادات الـطـاقـة العالمية رغم أقسى الظروف؛ أتى ذلك بعد أن آتى استثمارها التحوطي القديم في خطوط ومرافق إمــــداد بـديـلـة أُُكُُـــلََـــه، وجــــاءت منظومة الـخـدمـات اللوجستية الحديثة في إطار الرؤية لتعظ ِِّم من أثرها وفاعليتها على تحمل الصدمات. من هنا، يمكن فهم مـبـادرة المملكة لإنشاء التحالف الـبـحـري الـدفـاعـي متعدد الجنسيات بــقــيــادة ســعــوديــة؛ بــهــدف بــنــاء إطــــار مؤسسي لحماية شــــرايين الاقـتـصـاد الـعـالمـي والحيلولة دون وقوع ما يحدث من اضطرابات. فـي سـيـاق متصل، جــاء تكوين «حـلـف مكة الدفاعي» لبناء قدرة ردع جماعية من ثلاث دول إسلامـيـة تملك كل منها ثــقلا استراتيجيا فريدا خاصا بها، وجاء الخطاب الملكي ليؤكد أن «الأمن والاستقرار الخليجي كل لا يتجزأ»، وهو تأكيد جديد على أن التزام الدولة السعودية بتحالفاتها -السابقة واللاحقة- هو التزام راسخ تكاملي. ورغــــم أن هـــذه الــعــبــارة لـيـسـت جـــديـــدة في الــخــطــاب الــســيــاســي الـــســـعـــودي، فــــإن توقيتها يجعلها أكثر أهمية، فالتطورات الأخيرة أثبتت أن التهديدات وفي الخليج تحديدا لا تقف عند الحدود السياسية، كما أن أمن الطاقة والملاحة والمـجـال الـجـوي والبنى التحتية بـات منظومة مترابطة لا يمكن أن تتعامل معها الدول منفردة. ََّــا يـخـالـج كـل كـمـا عــب ََّــر الـخـطـاب المـلـكـي عــم الــــســــعــــوديين مــــن فـــخـــر شـــديـــد بـــأبـــطـــال الـــوطـــن الــــبــــواســــل، مــــن مــنــســوبــي مــخــتــلــف الــقــطــاعــات الـــعـــســـكـــريـــة والأمــــنــــيــــة والاقـــــتـــــصـــــاديـــــة، الـــذيـــن يـــتـــصـــد ّّون لــلــتــهــديــدات الــقــائــمــة لـيـبـقـى «الأمــــن مظلة لـلـبلاد، والاسـتـقـرار درعا لها، والازدهـــار نهجها»، كما جاء في التعبير البديع للخطاب الملكي. الخطاب جاء أيضا ليؤكد الن ََّهج السياسي الــــســــعــــودي فــــي عـــــدم تـــقـــديـــم الــــقــــوة بــــــــديلا عـن الـــســـيـــاســـة. وهــــنــــا نـــقـــطـــة تـــســـتـــرعـــي الانـــتـــبـــاه، فــالــتــأكــيــد عــلــى امــــــتلاك المـمـلــكـة قــــــدرات بـشـريـة وعـسـكـريـة قــــادرة عـلـى الـــــردع، جـــاء مــع التأكيد عــلــى أولـــويـــة خــفــض الـتـصـعـيـد ودعـــــم الـحـلـول الدبلوماسية؛ فالحكمة السعودية فـي تغليب الـسـلـم والـــحـــوار لا تـعـنـي أبــــدا اسـتـبـعـاد خـيـار المواجهة. ويـبـقـى اسـتـحـضـار الـتـاريـخ فــي افتتاحية الـــخـــطـــاب، مــــــرورا بـنـهـج الـــدولـــة وثـــوابـــتـــهـــا، ثم ، وصـــولا إلــى تحديات 2030 الـحـديـث عـن رؤيـــة الـحـاضـر وتــحــولات المـسـتـقـبـل؛ رســالــة واضـحـة الـــدلالـــة فـــي مـضـامـيـنـهـا وتـسـلـسـلـهـا، فــالــدولــة التي تدرك كيف قامت، تعرف كيف تحافظ على ثـوابـتـهـا ومكتسباتها، وتـعـي كـيـف تـصـل إلـى وجهتها في طريق مليء بالتحديات. وبين الـــثـــبـــات عـــلـــى الأســــــس والمـــــرونـــــة فـي الأدوات، يمكن فهم ملمح مهم من قصة الدولة الـسـعـوديـة، ويــظــل هـــذا أحـــد الـعـنـاويـن الكبرى الذي حفل بها الخطاب الملكي. كان المفترض أن يرسم مؤتمر حزب العمال فــي لـيـفـربـول بــرنــامــج حـكـومـة أنـــدي بيرنهام للسنوات الثلاث الباقية من عمر البرلمان. لكن الخطاب الذي اختتم به رئيس الوزراء المؤتمر بـــدا فـــي أجـــــزاء كـثـيـرة مـنـه أقــــرب إلـــى بـرنـامـج انتخابي لحكومة جديدة. فباقة الـبـرامـج الـتـي وعــد بها تُُــقـدم عـادة قبل خوض الانتخابات، لا في منتصف الدورة البرلمانية. وبــيــرنــهــام، لا شـــك، خـطـيـب بــــارع، يعرف كيف يأسر أسماع الحضور ويمزج السياسة بـالـعـاطـفـة. وجــــاء خـطـابـه شـخـصـيا ومـــؤثـــراً، خـــصـــوصا عــنــدمــا تـــحـــدث عـــن والــــــده الـــراحـــل وأصـــول أسـرتـه العمالية فـي شـمـال إنجلترا. وقــــــــدم قــــائــــمــــة طــــويــــلــــة مـــــن الـــــــوعـــــــود: خـــدمـــة وطـنـيـة لـلـرعـايـة الاجـتـمـاعـيـة عـلـى غـــرار هيئة الـصـحـة الـوطـنـيـة، وإصلاح نــظــام المـعـاشـات، وزيـــــــادة ســيــطــرة الــــدولــــة عــلــى بــعــض المـــرافـــق الأساسية، وإصلاح نظام الرعاية الاجتماعية والانــــتــــخــــابــــات، ثــــم إعــــــــادة الـــنـــظـــر فــــي علاقــــة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي. وكان التصفيق حاراً، ومنحت استطلاعات الـــــــرأي الأخـــــيـــــرة بـــيـــرنـــهـــام و«حـــــــزب الـــعـــمـــال» أسبابا للتفاؤل. لكن الكلام «ببلاش»؛ والأيدي تحولت من التصفيق إلى الآلات الحاسبة، وارتجف دافع الضرائب. فـخـدمـة الــرعــايــة الـوطـنـيـة الــتــي يـعـد بها بيرنهام لن تبدأ قبل ثلاثة أعوام، ويقول إنها ستمول بالكامل من دون اقتراض. ومن مصادر الـتـمـويـل تـعـديـل ضـمـان الـــزيـــادة الـسـنـويـة في معاشات التقاعد لمواجهة غلاء المعيشة بعد ، ليذهب بعض ما يوفره إلى تمويل 2030 ربيع خدمة الرعاية الجديدة. خــصــوم بــيــرنــهــام يـنـتـقـدونـه لاسـتـهـدافـه كـبـار الـسـن، وقـــال صحافي إنــه يسلب بطرس ليمنح بطرس (بدلا من المثل الإنجليزي: يسلب بطرس ليمنح بولس). والمـتـقـاعـدون، بعكس الـنـاخـبين الشباب، يشاركون في الانتخابات بأعداد كبيرة. وهنا تبدأ مفارقة بيرنهام. فهو يؤكد أنه لن يدعو ، مع 2029 إلى انتخابات عامة قبل موعدها في أن جـانـبا مهما مـن «مـشـروعـه لبريطانيا» لن ينفذ إلا بعد الانتخابات المقبلة. فلماذا لا يطلب تفويضا انتخابيا خاصا به؟ بيرنهام ورث من سلفه كير ستارمر مقر رئاسة الحكومة في داونـنـغ ستريت وأغلبية برلمانية ضخمة، لكنه ورث أيضا نوابا انت ُُخبوا عـــلـــى بـــرنـــامـــج ســــتــــارمــــر، ولــــيــــس بـــرنـــامـــجـــه. والأغـلـبـيـة الكبيرة سلاح ذو حـديـن؛ فالكثرة الـــعـــدديـــة تـعـنـي تـــيـــارات مـــتـــعـــددة، وتــاريــخــيا يصعب على المسؤولين عن الانضباط الحزبي توجيههم في التصويت على القرارات المهمة. ربما يرحب بيرنهام بفقدان عـدد معتبر مـــن نـــوابـــه فـــي انــتــخــابــات يـــســـرع بــهــا الـربـيـع المــقــبــل، فـأغـلـبـيـة أصـــغـــر، تـتـفـق عــلــى بـرنـامـج بــيــرنــهــام، أســهــل فـــي الانــضــبــاط مـــن الأغـلـبـيـة الهائلة التي ورثها. والإغــــــــــــــــــــراء الآخــــــــــــر عــــنــــصــــر المــــــفــــــاجــــــأة. فــــالمــــحــــافــــظــــون مــــــا زالـــــــــــوا يـــــضـــــمـــــدون جــــــراح هزيمتهم، وحزب «ريفورم» الشعبوي بزعامة نايجل فاراج قد يتقدم في استطلاعات الرأي، لـــكـــن تـــحـــويـــل حــــركــــة احـــتـــجـــاجـــيـــة إلــــــى حـــزب جـــاهـــز لــلــحــكــم أمـــــر آخــــــر. وفـــــي الــــوقــــت نـفـسـه يتحرك بيرنهام إلى اليسار لاستعادة ناخبين انتقلوا مـن الـعـمـال إلــى حــزب الـخـضـر، بينما قــد يـسـاعـده مـوقـف أكـثـر قـــربا مــن أوروبـــــا في مــنــافــســة الـــديـــمـــقـــراطـــيين الأحـــــــرار واســـتـــعـــادة أرض خسرها العمال في اسكوتلندا. لذلك قد يقدم على مباغتة خصومه بالانتخابات قبل استعدادهم لها، وقبل أن يتاح للناخب الوقت الكافي لحساب تكلفة وعـود خطاب ليفربول. لكن برينهام أدخل بنفسه عاملا قد يقلب هذه الحسابات: «بريكست». بــيــرنــهــام نـفـسـه حــــذر فـــي مـطـلـع الـصـيـف مــــن إعـــــــادة فـــتـــح جـــــدل خــــــروج بــريــطــانــيــا مـن الاتحاد الأوروبـي، لأنه يفتح باب الانقسامات القديمة. أمـا في ليفربول فقال إن «بريكست» أضــر ببريطانيا، واقـتـرح خـيـارات مـن تعاون اقتصادي أوثق مع أوروبا إلى ترتيبات أوسع مــع الــســوق المـــوحـــدة والاتـــحـــاد الـجـمـركـي، بل وبــحــث الـــعلاقـــة الـبـريـطـانـيـة الأوروبــــيــــة على المــــدى الــطــويــل. لـكـن «بــريــكــســت» قـضـيـة تثير الانقسام داخل معظم الأحزاب، ومنها العمال، وحــتــى وزراء بـيـرنـهـام أنـفـسـهـم غـيـر متفقين بشأن أوروبا. وهنا وجد نايجل فاراج هديته. فــــزعــــيــــم «ريـــــــــفـــــــــورم» ســــــــــارع إلــــــــى جــعــل «بـريـكـسـت» مــرة أخـــرى سـاحـة مـواجـهـة، وهو يعرف أن المناطق العمالية القديمة في شمال إنجلترا، التي صــوّّت كثير منها للخروج من الاتحاد الأوروبــي، قد تكون ميدانا خصبا له. بــل تــحــدى بـيـرنـهـام إلـــى مــنــاظــرة علنية على الـهـواء حــول «بريكست». فما يقدمه بيرنهام حـــديـــثا عـــن مـسـتـقـبـل بــريــطــانــيــا الاقـــتـــصـــادي يـسـتـطـيـع فـــــاراج والـــتـــيـــار الــشــعــبــوي تـقـديـمـه محاولة للعودة إلى أوروبا من الباب الخلفي. وهـــــــــذه مــــخــــاطــــرة لــــرئــــيــــس وزراء جــعــل «الــوحــدة» شـعـار خـطـابـه؛ فـإعـادة «بريكست» إلى قلب السياسة قد توقظ الانقسامات نفسها التي يقول إنه يريد تجاوزها. وقــد يـكـون بيرنهام صـــادقا تـمـاما عندما . لكنه، 2029 يقول إنـه لا يريد انتخابات قبل مــثــل كـــل رؤســــــاء الـــحـــكـــومـــات، لا يــمــلــك دائــــما اخـتـيـار المــعــارك ولا توقيتها. وربــمــا يـجـد أن الانــتــخــابــات المــبــكــرة الــتــي يـسـتـبـعـدهـا الــيــوم تصبح غدا أقل خطرا من انتظار خصومه حتى يختاروا هم ميدان المعركة. فقد أخرج عفريت «بـريـكـسـت» مـن القمقم، وإعــادتــه أصـعـب مما يتصور. Issue 17477 - العدد Sunday - 2026/10/4 الأحد هـل هـنـاك أزمـــة غـــذاء عـالمـي، أم أن الـعـالـم مقبل على مجاعة عالمية؟ الــــتــــســــاؤل المــــتــــقــــدم، ربـــمـــا أثـــــارتـــــه بــــصــــورة أو بأخرى الحملة التي أطلقها مكتب مجلس الــوزراء البريطاني منذ نهاية أغسطس (آب) الماضــي، حين طلب مـن المــواطــنين تخزين المـــواد الغذائية، والمياه المـعـبـأة فـي زجــاجــات، وفـــقا لصحيفة «الــغــارديــان» البريطانية. أقلقت هذه الحملة العالم، شرقا وغرباً، وفتحت الأبـــــــواب لــلــهــواجــس، لا سـيـمـا فـــي ضــــوء الـفـوضـى الكونية الحادثة مؤخرا حول العالم. وللجواب الــرصين، يلزمنا الإحالة إلى الأرقـام، الـتـي لا تـكـذب ولا تتجمل، منها عـلـى سبيل المـثـال .2026 أرقام إنتاج الحبوب العالمي في )، يتوقع FAO( حسب منظمة الأغذية والزراعة مليار طـن، أي أقل 2.98 أن يبلغ محصول الحبوب ، ورغـم ذلـك يعتبر ثاني 2025 في المائــة من 2 بنحو أكبر محصول في التاريخ. )، فـيـقـدر WFP( أمــــا بـــرنـــامـــج الأغــــذيــــة الـــعـــالمـــي - 2026 مـخـزونـات الـحـبـوب العالمية بنهاية مـوسـم مـلـيـون طـــن، ونـسـبـة المــخــزون إلـى 947 بنحو 2027 فـي المائــــة، وتصفها المنظمة 31.6 الاسـتـخـدام تبلغ بأنها ما زالت مريحة نسبياً. هل في الأمر تضاد، أم أن هناك إشكالية متوارية هي سبب مخاوف الجوع العالمي؟ لـعـل الــصــواب هــو الاعـــتـــراف بـــأن الـعـالـم يـواجـه أزمة غذاء خطيرة، لكن المفارقة أنها ليست موصولة بــنــقــص الــــحــــبــــوب، ومـــــــآلات الـــــجـــــوع، بـــقـــدر مــــا هـي مرتبطة بعوامل عـدة كانت السبب وراء اتساع بؤر المـجـاعـة وانــعــدام الأمـــن الـغـذائـي، فـي نـقـاط بعينها على الخريطة الجغرافية الأممية. أدى الـتـصـعـيـد الأخـــيـــر فـــي الـــحـــرب الــروســيــة - الأوكـــرانـــيـــة إلـــى تــوقــف تــجــارة الـحـبـوب عـبـر البحر الأسود، وتحول الأمر إلى حرب على النظام الغذائي العالمي. مـنـذ يـولـيـو (تـــمـــوز) الماضــــــي، تـــجـــددت الـحـرب بين مـوسـكـو وكـيـيـف عـلـى طـــول مــحــورهــا الـبـحـري الـجـنـوبـي، منهية بـذلـك هـدنـة دامـــت ثلاث سـنـوات، ومغلقة الموانئ عشية موسم الحصاد. ومنذ ذلك الـحين، أبقت الاضطرابات أهم معبر بـــحـــري لــلــحــبــوب فـــي الـــعـــالـــم مـــغـــلـــقاً، مــعــطــلــة بـذلـك في المائة من الحبوب المتداولة عالمياً. 17 تصدير بالنظر إلى تعقد المشهد الروسي - الأوكراني، والمــــخــــاوف مـــن أن يـمـتـد الـــصـــراع إلــــى مـنـطـقـة دول البلقان، فإن احتمالات خفض التصعيد تبدو قليلة الحظ، وهذا يعني تفاقم أزمة ارتفاع أسعار الحبوب، بالتالي بقية المـــواد الـغـذائـيـة الـعـالمـيـة، مـا يمكن أن يـدفـع ملايين الأشـخـاص بـدورهـم إلــى دائـــرة انـعـدام الأمن الغذائي كمرحلة تسبق المجاعة. من هـذا المنطلق اعتبر برنامج الأغذية العالمي مليون شخص في بلدان الأزمات، 266 أن هناك نحو يـواجـهـون مستويات مـن الـجـوع الـحـاد خلال العام الحالي. أما «الفاو»، ففي تقرير أخير تشير إلى أن هناك بـــــؤرة جــــوع مــعــرضــة لـلـمـزيـد مـــن الـــتـــدهـــور بين 13 ، في 2026 ) يونيو (حزيران) ونوفمبر (تشرين الثاني مقدمها السودان، جنوب السودان، اليمن، فلسطين، مـع انـضـمـام شـمـال شــرق نيجيريا والـصـومـال إلى قائمة المخاطر الأشد، لا سيما أن تلك المناطق تبدو ضـحـيـة لـتـهـديـدات مـــزدوجـــة، مــن سـلـوك الإنـسـانـيـة والحروب والصراعات الأهلية تارة، ومن جراء قسوة المناخ العالمي تارة أخرى. يمكننا الـجـزم أيـــضا بــأن الـعـالـم يـدخـل عصرا تتسع فيه جغرافيا الــجــوع، وتــــزداد فيه احتمالات تحول أزمـات الغذاء المحلية إلى أزمـات إقليمية، إذا استمرت الحروب بنوع خاص. وإن كـانـت الــصــراعــات العنيفة تلعب دورا في أزمــــة الـــغـــذاء الــعــالمــي، فـــإن الـطـبـيـعـة الــتــى شاكسها وعاكسها بنو البشر تبدو راغبة في الانتقام خلال حاضر أيامنا. هل أتاك حديث «النينيو»؟ هو باختصار تعبير عن ظاهرة طبيعية تحدث نتيجة ارتفاع غير طبيعي فـي حـــرارة سطح مياه الـجـزء الأوســـط والشرقي من المحيط الهادئ، ما يـؤدي بـدوره لتغيرات في حركة الرياح وتوزيع الحرارة والأمطار حول العالم. بالأمس القريب حذ ّّرت وزيرة البيئة البريطانية أنــجــيلا إيــغــل، مــن أن الــكــرة الأرضـــيـــة عـلـى وشـــك أن تشهد على الأرجـــح أكـبـر ظـاهـرة «نينيو» شوهدت على الإطلاق... ماذا يعني ذلك؟ أكثر رطوبة ًً، مع 2027 باختصار، سيكون شتاء عواصف وأعاصير وفيضانات أكثر حدة، وقد رأينا بالفعل مـؤخـرا ملامـــح لطبيعة مصابة بجنون في بقاع شتى، فيما الأكثر كارثية أن صيف العالم نفسه سيضحى أكثر جفافا من جراء الحر القارس. ُُـــح في وتــصــبــح المــحــصــلــة هــنــا المـــزيـــد مـــن الـــش المـحـاصـيـل، بـالـتـالـي ارتــفــاع الأســـعـــار، ومـــن ثــم عـدم قدرة أقنان الأرض على دفع أكلاف غذائهم، ولو من الخبز الحاف. هل هذا الأمر مرشح ليصبح كارثة جوع عالمية؟ الأمر يعتمد على رجاحة عقل البشر، وسعيهم للعيش معاً، أو الـهلاك سوية، لا سيما إذا اجتمعت فـي وقــت واحـــد حـــروب شـتـى، ومـنـاخـات مضطربة، وجرت إغلاقات للممرات البحرية، مع ارتفاع أسعار الطاقة، بالتالي الأسمدة. الكارثة لا الحادثة في القصة برمتها أن الغذاء بات يتحول اليوم إلى سلاح جيوسياسي وأداة من أدوات الحرب، بعيدا عن رؤية «الطعام لكل فم». إميل أمين بندر بن عبد الرحمن بن معمر عادل درويش OPINION الرأي 14 السعودية... الثبات على الأسس والمرونة في الأدوات ًًالغذاء يتحو ّّل اليوم سلاحا جيوسياسيا هل يغامر الزعيم البريطاني بانتخابات مبكرة؟
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky