عــــن «املـــؤســـســـة الـــعـــربـــيـــة لـــلـــدراســـات والــنــشــر» فــي بـــيـــروت، صـــدر مــؤخــرًا كتاب «نـــــيـــــران عـــلـــى الـــــرفـــــوف: حـــكـــايـــات الــكــتــب املـــمـــنـــوعـــة»، لـلـكـاتـب والـــشـــاعـــر الــســعــودي إبراهيم زولي. فــي هـــذا الــكــتــاب، يتتبع املــؤلــف عــددًا من الكتب ملؤلفني عامليني خضعت لسلطة الـرقـابـة، لكنه يميّز بني تلك األعـمـال التي مُـــنـــعـــت فـــــــع ًال ألســــبــــاب رقــــابــــيــــة، ولــيــســت املؤلفات التي حاولت االستفادة من مفهوم الرقابة في الترويج واالنتشار. وقبل ذلك، يــحــاول تتبع مـفـهـوم «مـنـع الــكــتــاب»، كما يسعى لتفكيك ظاهرة املنع نفسها، وإعادة قـراءتـهـا فـي صـــورة أشـمـل ملفهوم «سلطة الرقابة» التي تتعدى الجهات الرسمية إلى منظومة واسعة تساهم في غياب/تغييب الـــكـــتـــاب، وتـــشـــمـــل مــــشــــك ت الــــتــــوزيــــع، أو رفض الناشرين، أو الشائعات التي تحيط بـالـكـتـاب أو الــكــاتــب وتـضـعـه فـــي الـقـائـمـة السوداء. والكتاب ال يهدف إلـى الترويج لكتب ملـجـرد أنـــه تـــم مـنـعـهـا، بــل يسعى إلـــى فهم مـــا تـخـشـاه الـسـلـطـات مـــن الـكـلـمـة، وتتبع رحلة النص واملعركة املقامة حوله، رصدًا للمسافة الـفـاصـلـة بني الـيـد الـتـي حـاولـت إبعاد الكتاب واليد التي أعادته إلى الرف. مفهوم «منع الكتب» يستهل الكاتب تمهيده بسرد تجربته الشخصية مع الكتب واألشرطة املحظورة مـــنـــذ الــــصــــغــــر؛ حـــيـــث كــــــان لــــوصــــم الــعــمــل بــكــلــمــة «مـــمـــنـــوع» جـــاذبـــيـــة خـــاصـــة تــدفــع القراء الكتشاف املستور واختبار الحدود، بـــدءًا مــن كـتـب الـثـقـافـة الجنسية املـتـداولـة ســـرًّا، مـــرورًا بـأشـعـار نـــزار قـبـانـي، وصــوال إلـــى اسـتـنـسـاخ الـكـتـب الـــنـــادرة واألشــرطــة الصوتية في املرحلة الجامعية. يتساءل الكاتب: ماذا نعني حني نقول إن كتابًا ما «ممنوع»؟ وهو يميز بني الحظر القانوني واإلداري، واملـصـادرة، واملنع من التوزيع أو العرض، والرقابة السابقة على النشر، واملحاكمة، واالستبعاد من املناهج واملـكـتـبـات، والـضـغـط غـيـر املـعـلـن. ويـدعـو لضبط مفهوم الرقابة. ويــوضــح أن للمنع حـكـايـتني: حكاية الــــنــــص وأفـــــــكـــــــاره، وهــــــي تـــتـــصـــل بــالــلــغــة والشخصيات واألفكار والظروف التي وُلد فيها العمل. وحكاية ما جرى له بعد النشر، حني يصل الكتاب إلـى قــارئ، أو رقيب، أو قــاضٍ، أو موظف جمارك، فيقرأ فيه شيئًا يراه خطرًا أو خروجًا على املألوف. لــكــنــه يـــؤكـــد أن املـــنـــع لـــيـــس «شـــهـــادة جــــــــودة» لألعـــــمـــــال الـــضـــعـــيـــفـــة، بــــل واقـــعـــة تاريخية واجتماعية. فقد تصنع الرقابة ضجة حول نص عابر، مثلما قد تدفع عم ًال مهمًا إلى العزلة والنسيان. وهو هنا يبحث عن حياة الكتاب بعد املنع، ويتناول األثــر املترتب على الحظر؛ فقد يندثر الكتاب أو يكتسب انتشارًا أوسع وتــرجــمــات مــتــعــددة، مـــع مـــراعـــاة أن قيمة النص تتجلى في جوهره ال في قرار رقيبه. وفــي مـحـاولـة لفصل الكتب املمنوعة بقرار فعلي، واألخـــرى التي بنت سمعتها عــلــى إشـــاعـــة املـــنـــع، يـشـيـر إبـــراهـــيـــم زولـــي إلــــى أن كـــل فــصــل فـــي هــــذا الــكــتــاب يعتمد على تتبع والدة العمل، ووثائقه الرقابية، والـلـغـة املـسـتـخـدمـة فــي حــظــره، مــع إدراج بــــطــــاقــــة تـــوثـــيـــقـــيـــة دقــــيــــقــــة لـــلـــمـــعـــلـــومـــات واملصادر. الرقابة كظاهرة عالمية يـــقـــول مـــؤلـــف الـــكـــتـــاب إن الـــرقـــابـــة ال تــقــتــصــر عـــلـــى ثـــقـــافـــة أو نـــظـــام مــــــعني؛ بـل تــتــجــاور الـــحـــاالت الـعـربـيـة مـــع نـظـيـراتـهـا الـــعـــاملـــيـــة لــتــســلــيــط الــــضــــوء عـــلـــى الـــخـــوف املــشــتــرك مــن أثـــر الـكـلـمـة وحــريــة التعبير. فـقـد «أظـــهـــرت الــنــمــاذج الـعـربـيـة والـعـاملـيـة أن الرقابة ال تنتمي إلى ثقافة بعينها، وال تختفي ملــجــرد أن دولــــة مــا تـصـف نفسها بالديمقراطية أو الحداثة». والرقابة برأي املؤلف «تتغير درجاتها وأدواتـهـا، ويتفاوت العنف املصاحب لها، لكن الرغبة في احتكار املعنى تتكرر كلما شعرت مؤسسة بـأن كتابًا يربك صورتها عــــن نـــفـــســـهـــا». وقـــــد تـــكـــون املـــؤســـســـة هـنـا «دولة، أو محكمة، أو هيئة دينية، أو إدارة تعليمية، أو جماعة ضـغـط. وفــي كـل مرة يُختزل النص في تهمة واحدة، مع أن األدب الجيد يرفض بطبيعته أن يُحبس في خانة واحدة». وهـو يشير إلـى أن الوسائط الرقمية لم تلِغ الرقابة، بل غيرت أدواتها، ليتحول الحجب من الرفوف الخشبية إلى املنصات واملتاجر اإللكترونية. لكنه يتوقف أيضًا عن مفهوم «الرقابة الذاتية»، ويعتبرها أكثر األشكال مراوغة. «حني يـسـتـبـق الـــكـــاتـــب الــعــقــوبــة فـيـحـذف الجملة قبل أن يكتبها، أو يتجنب ناشر كتابًا ال ألنه ضعيف، بل ألنه مكلف»، هنا «ال يبقى في األرشيف قرار يمكن االعتراض عليه. يبقى فقط نص ناقص، أو مخطوط لم ير النور، أو بياض ال يعرف القارئ ما الذي كان يمكن أن يشغله». ومــــن الـــظـــريـــف هـــنـــا، ســــرد مـــا يـقـولـه الـرقـيـب عــن نـفـسـه، فـكـل قـــرار حـظـر يكتب، من حيث ال يريد صاحبه، سيرة مختصرة لـلـجـهـة الــتــي أصـــدرتـــه. الـلـغـة املـسـتـخـدمـة فــــي الـــتـــبـــريـــر تــكــشــف حــــدودهــــا أكـــثـــر مـمـا تصف الكتاب: «حماية األخ ق»، «صيانة الــعــقــيــدة»، «حــفــظ األمـــــن»، «مــنــع الـفـتـنـة»، «رعاية القاصرين». عبارات تبدو محايدة فــي ظـاهـرهـا، لكنها تخبئ تــصــورًا كـــامًال لــلــمــجــتــمــع: قــــــارئ يُـــعـــامـــل بـــوصـــفـــه هــــشًا، وحقيقة يُــفـتـرض أنـهـا ال تحتمل الـسـؤال، وسلطة ترى أن من واجبها أن تختار للناس ما يقرأون قبل أن يختاروا بأنفسهم. يــتــكــون كــتــاب «نـــيـــران عــلــى الـــرفـــوف: حـــكـــايـــات الـــكـــتـــب املـــمـــنـــوعـــة»، مــــن تـمـهـيـد وقـــســـمني رئــيــســيني يـنـقـسـمـان إلــــى تسعة فصول وخاتمة، ابتدأها بالقائمة العربية، وضمت أربعة فصول تتناول أعماال أدبية وفــكــريــة عــربــيــة تــعــرضــت لـلـحـظـر واملـــنـــع، حيث تناول الفصل األول، ث ثة أعمال هي: روايــة «القوقعة» ملصطفى خليفة (شهادة من سجن تدمر)، ورواية «ال يـقني» ملحمد الــــغــــزالــــي (الــــحــــريــــة حني تــفــقــد املــســلــمــات سلطتها)، وكـتـاب «نقد الخطاب الديني» لنصر حامد أبو زيد (حني انتقلت القراءة إلى املحكمة). والفصل الثاني، تناول كتاب «الحرب الـقـذرة» لحبيب سويدية (شهادة من قلب الجيش الجزائري)، واملجموعة القصصية «سفينة حـنـان إلــى القمر» لليلى بعلبكي (الــكــتــاب الـــذي حـوكـمـت بـسـبـبـه)، ودراســـة «الحريم السياسي: النبي والنساء لفاطمة املـرنـيـسـي». أمـــا الـفـصـل الــثــالــث، فيتناول روايـــة «الـعـشّــاق» لـرشـاد أبـو شــاور (روايــة املـــخـــيـــم واملــــــقــــــاومــــــة)، وروايـــــــــــة «الـــجـــنـــقـــو مسامير األرض» لعبد العزيز بركة ساكن، وكتاب تاريخ الكويت لعبد العزيز الرشيد (الذاكرة املحتجزة). ويتناول الفصل الرابع ديوان األوزان الـــبـــاكـــيـــة لـــثـــريـــا قـــــابـــــل، وروايــــــة/شــــــهــــــادة كريستال لجلبار نـقـاش، وروايـــة «دادابـــا» لحسن مطلك، وأثر كتاب «ألف ليلة وليلة» (الــكــتــاب الــــذي ألــهــم أهـــم كُـــتّـــاب الــســرد في العالم). الـــقـــســـم الــــثــــانــــي مـــــن الــــكــــتــــاب، فـــضـــم الـقـائـمـة األجـنـبـيـة، ويــضــم خـمـسـة فصول تتناول أعماال عاملية ممنوعة من مختلف الثقافات والـــدول، إذ يتناول الفصل األول روايــــة «مــزرعــة الــحــيــوان» لــجــورج أورويـــل (إنـجـلـتـرا)، وديــــوان «أزهــــار الــشــر» لـشـارل بودلير (فرنسا)، ورواية «شيفرة دافنشي» لدان براون (الواليات املتحدة). ويتناول الفصل الثاني رواية «اإلخوة كـــــــارامـــــــازوف» لـــفـــيـــودور دوســتــويــفــســكــي (روســيــا)، وكـتـاب «كفاحي» ألدولـــف هتلر » لــراي 451 (أملانـــيـــا)، وروايــــة «فـهـرنـهـايـت بـــرادبـــري (الـــواليـــات املــتــحــدة)، أمـــا الفصل الـثـالـث فيتناول كـتـاب «إمــيــل» لـجـان جاك روســــــو (فـــكـــر تــــربــــوي - فـــرنـــســـا)، وروايــــــة «إلــــه األشـــيـــاء الـصـغـيـرة» ألرونـــداتـــي روي (الـهـنـد)، وروايــــة «مـــدار الـسـرطـان» لهنري ميلر (الواليات املتحدة). ويــــــتــــــنــــــاول الـــــفـــــصـــــل الــــــــرابــــــــع كــــتــــاب «الــــشــــرايني املـفـتـوحـة ألمــيــركــا ال تـيـنـيـة» إلدواردو غـالـيـانـو (الــتــاريــخ كـمـا يُـــرى من مـوضـع الـــجـــرح)، وروايــــة «تـويـجـات الـــدم» لنغوغي واثيونغو (الصدام ثابت والحظر غــــيــــر مــــــوثــــــق)، وقــــصــــيــــدة «عــــــــــــواء» أللني غينسبيرغ (القصيدة التي دخلت املحكمة وخـــرجـــت أوســـــع مـــن قــفــصــهــا). ويــتــنــاول الـفـصـل الـخـامـس روايــــة «الـسـيـد الـرئـيـس» ملــيــغــيــل أنـــخـــل أســــتــــوريــــاس (الـــديـــكـــتـــاتـــور الذي ال يحتاج إلى الظهور)، ورواية «بيت األرواح» إليــزابــيــل الـلـيـنـدي (حني يصبح الـــبـــيـــت ذاكــــــــرة بــــلــــد)، وروايـــــــــة «الـــــجـــــذور» أللـــيـــكـــس هـــالـــي (االســـــــم الــــــذي قــــــاوم مـحـو العبودية). Issue 17474 - العدد Thursday 2026/10/1 اخلميس كتب BOOKS 17 فضاء تتجاور فيه الفلسفة والشعر والفكر في رسائل بين ندى الحاج وفريد الزاهي «ال تنتظر ساعي البريد»... أنسي الحاج يتشكل بين ذاكرتين ليس كتاب «ال تنتظر ساعي البريد! رســــائــــل بني نــــــدى أنــــســــي الــــحــــاج وفـــريـــد الـــزاهـــي» الـــصـــادر حــديــثًا فــي بــيــروت (دار ) مـــجـــرّد مــجــمــوعــة رســائــل 2026 - نــلــســن مـــتـــبـــادلـــة بني شـــــاعـــــرة لـــبـــنـــانـــيـــة وكـــاتـــب مغربي، نشأت بينهما صداقة أدبية بدأت مــن الـــقـــراءة قـبـل أن تــتــحــوّل إلـــى مـراسـلـة، وتــغــذّت على مـا كتب الــزاهــي وتــرجــم، وال سيّما ترجمته لكتابَي املستشرق الفرنسي هنري كوربان «الخيال الخّالّق في تصوّف ابن عربي»، و«مقدمة ملؤلفات شهاب الدين السهروردي الفلسفية والصوفية». فــمــثــل هــــذه الـــــقـــــراءة، عــلــى الـــرغـــم من وجاهتها، تـفـوّت البنية العميقة للكتاب. إذ خـلـف الـصـداقـة الـتـي تنمو بني بـيـروت واملـــــغـــــرب، ثـــمـــة شــخــصــيــة ثـــالـــثـــة ال تـكـتـب رســـالـــة واحـــــدة فــيــه، وال تـظـهـر كـمـوضـوع مباشر، لكنها حاضرة في تكوينه، عنيت شـــخـــصـــيـــة األب والــــصــــحــــافــــي والــــشــــاعــــر الـــغـــائـــب، أنـــســـي الــــحــــاج، «مــــوطــــن نـــــدى»، على حـد قـول الـزاهـي، الــذي جعله الرحيل أكثر حضورًا، وربما أكثر استعصاء على الغياب. تـــبـــدأ الـــحـــكـــايـــة، إذًا، مـــن ع قـــــة ابـنـة بأبيها، لكنها سـرعـان مـا تـتـجـاوز حـدود الـسـيـرة الـعـائـلـيـة، لـتـطـرح ســــؤال الــوجــود وجمال املعرفة واللغة واألدب واملوسيقى والترجمة والكلمات والتصوّف والحقيقة والـروح والجسد والحرب واملـوت واألديـان والكتابة والقراءة الورقية في زمن التقنيات الرقمية، ودور املقهى والصحافة واللقاء الثقافي في تشكيل الذاكرة األدبية وغيرها من أسئلة الحياة. لذلك تبدو الرسائل في هذا الكتاب ذات وجهني متكاملني: رسائل تُوجَه إلى فريد الزاهي، وردود تخرج عن «املسالك املعبَدة للكتابة»، تحلّق في فضاء رحب تتجاور فيه الفلسفة والشعر والفكر، وتتداخل فيه التجربة اإلنسانية مع التأمل فـي األسئلة الـوجـوديـة األعـمـق، مستعيدة بـــذلـــك تــقــلــيــدًا أصـــــــي ًال فــــي الـــــحـــــوار، يــعــود إلــى قـــرون بعيدة مـع رسـائـل سينيكا إلى لوقيليوس ورســائــل أبـيـقـور إلــى ت مـيـذه ومريديه، ورسائل شيشرون إلى أتيكوس، وديكارت ولوك، وروسو وديدرو، وفلوبير وجـــورج صـانـد، وصـــوال إلــى رسـائـل ألبير كــامــو ومـــاريـــا كــاســاريــس وســـواهـــم، الـتـي تــــجــــاوزت وظــيــفــتــهــا الــتــواصــلــيــة صـــائـــرة «وسـيـطًا للتفكير» واستكشاف الـــذات في حـــوار غير مـتـزامـن يـتـجـاور فيه الحضور والغياب. منذ الصفحات األولــى للكتاب يتبني أن الرسائل ال تنشأ من فراغ. إنها تأتي من تاريخ من الشعر والكتابة والــذاكــرة، ومن ع قــــة طـويـلـة بني نـــدى وإرث أبــيــهــا. لكن الزاهي ال يكتفي بمجاراة ندى في استدعاء أنسي الحاج. لعله يعيد قراءة تجربتها في إعـــادة تركيب ملا تفتحه الـرسـائـل مـن أفـق تـأمـلـي وثـقـافـي واســــع. ولــهــذا فـــإن الـحـوار معه ال يمكن فصله عن السؤال اآلتي: ماذا تفعل االبنة حني يكون األب شخصًا تحبه، وكـاتـبًا وشـاعـرًا سبقها إلـى اللغة، واسـمًا صار جزءًا من هويتها األدبية؟ هنا تحديدًا تتجاوز الرسائل بعدها الـــشـــخـــصـــي لـــتـــصـــبـــح نــــــــصًّا عـــــن املــــيــــراث الشعري، واألبـــوة، والغياب، وفعل الحب، وتكوّن الذات والنسب األدبي. ومـنـذ الــــرد األول عـلـى رســالــة «سَــفـر املرايا»، يلتقط الزاهي ما يتصل بالكتابة والشعر والنقد والترجمة والدين والرمزية، ليفتح فضاء مشتركًا للشعر والفكر، مؤكدًا أن الكتابة الحقيقية كشف واكتشاف، وأن النّص حني يكون حيًّا يتحول من «شريك» إلى «فكر»، ومن تجربة فردية إلى معرفة. واألهـــم أن الــزاهــي ال يـقـرأ نــدى بمعزل عن أبيها. فهو يعرف الحاج من داخل تجربته الـــثـــقـــافـــيـــة، ويـــــعـــــرف مـــوقـــعـــه فـــــي املــشــهــد الشعري والفكري العربي. فـإذا كانت ندى تملك الــذاكــرة الحميمة، فــإن الـزاهـي يملك ذاكرة القارئ. وبني الذاكرتني يتشكل أنسي الحاج الذي ال يعود شخصية أحادية. إنه األب الـذي عـاش في البيت، والشاعر الذي عـاش في اللغة، واالســم الــذي تـرك أثــرًا في جـيـل كــامــل مــن الــشــعــراء والـــكـــتّـــاب. ولـذلـك فـــإن رســائــل الـــزاهـــي تـبـدو أحـــيـــانًا وكأنها تـحـاول أن تحمي نــدى مـن اخـتـزال نفسها في نسبها األدبي، دافعًا الحوار باتجاه ما فعلته االبـنـة بـهـذا اإلرث وخـطـواتـهـا على طريق االستق ل عنه. وتـتـجـلـى شـخـصـيـة الـــزاهـــي بــصــورة أوضـــح فــي رسـائـلـه الـتـي تـتـنـاول تجربته املــغــربــيــة، والــــقــــراءة والــكــتــابــة والـتـرجـمـة، وع قــــــتــــــه بـــلـــبـــنـــان وبـــــالـــــتـــــراث الــــعــــربــــي. فــــفــــي رســــالــــتــــه «خــــــــط وقــــــــــــدر»، يــســتــعــيــد تــاريــخ ع قــتــه بـــالـــورق والــقــلــم، ثــم ينتقل إلــــى الــــقــــرآن، وإلـــــى بــــدايــــات وعـــيـــه بـالـلـغـة والحفظ وإلى تجربته مع الكتابة اليدوية والصحافة والترجمة. هـذه االسـتـطـرادات لـــيـــســـت خـــــــارج مــــوضــــوع املــــراســــلــــة، إنــهــا تـكـشـف شـــيـــئًا جــــوهــــريًا: الـــزاهـــي ال يفسر تجربة نـدى مـن الـخـارج، بـل يضع سيرته وتجربته الخاصة إزاء تجربتها، فيصبح الـــحـــوار تـــبـــادال لــلــســيــرتني. نــــدى تـتـحـدث عن الذاكرة، فيستدعي الزاهي ذاكرته كما فـي «جــنــوح نحو الـقـصـيـدة»؛ تتحدث عن األب، فـيـسـتـعـيـد هـــو أبــــاه األمــــي وسـيـرتـه وطـفـولـتـه وآبـــــاءه الــثــقــافــيني؛ تـتـحـدث عن الــكــتــابــة فـــي «حـــريـــة وخــــفّــــة»، فــيــعــود إلــى تاريخ كتابته وقراءاته؛ تتحدث عن لبنان وبـــيـــروت والـــتـــجـــاور والــتــعــايــش الــديــنــي، فـــيـــعـــود إلــــــى املـــــغـــــرب ومـــــدنـــــه ومـــســـاجـــده ومـواقـعـه وأديــرتــه املسيحية ومكتاباتها العامرة زمن الوجود الفرنسي وانفتاحها على اآلخر كما في رسالته حول «التجاور الـــديـــنـــي»، الـــتـــي يـــقـــرأ فـيـهـا فـــضـــاء املــغــرب الـتـاريـخـي والـثـقـافـي والــديــنــي، مستعيدًا ع قته بالتراث املسيحي، ليصل إلى فكرة أعــمــق عـــن الــتــعــدد والــــحــــوار. وفـــي املـقـابـل تستجيب نـــدى لــهــذه الـــرؤيـــة مــن موقعها اللبناني، فيصبح املغرب ولبنان تجربتني مــخــتــلــفــتني لــكــنــهــمــا تــلــتــقــيــان فــــي ســــؤال التعدد والتعايش والـذاكـرة؛ وتتحدث عن الروحانية والتوق إليها، فيدخل معها إلى نصوص وحكم محي الدين بن عربي، وترد ندى محدثة إياه عن تآلفها مع روح القرآن، وقد أتيح لها قراءته وحضور حلقات ذكر للشيخ النقشبندي محمد هـشـام قـبّــانـي. فــيــحــدثــهــا الـــــزاهـــــي عــــن قـــــراءاتـــــه لـلـكـتـاب املقدس وتعاليمه وتأثيرها على بعض من تحوَل إليها. وهكذا ال تسير الرسائل في خـط مستقيم مـن ســؤال إلـى جـــواب، وإنما في «دوائــر متراكبة»، كأن تفتح كل رسالة بابًا ال يغلقه رد الزاهي بقدر ما يفتح بابًا آخـــر يـزخـر بـشـتّــى أنــــواع املـــعـــارف، مـعـرّجًا عــلــى أســـمـــاء أدبـــــاء وفـــنـــانني كــبــار تــأثــروا بــالــثــقــافــة املــغــربــيــة األصـــيـــلـــة الـــتـــي فتنت «الــعــابــر واملــقــيــم»، وغــــدت «مـنـبـعًا ملتخيل أدبي وبصري ال ينضب». وتـتـنـاول الـرسـائـل أيـــضًا موضوعات الــــجــــفــــاف واملـــــطـــــر والــــتــــقــــنــــيــــات الـــرقـــمـــيـــة وتدويناتها النرجسية وتـجـارب الفنانني الــــكــــبــــار كــــبــــول كـــلـــي ومــــاتــــيــــس وثـــقـــافـــتـــه الــفــلــســفــيــة والـــكـــتـــابـــة الـــســـيـــريـــة والــصــمــت والحب الذي يربطه الزاهي باللغة والزمن والـــــوجـــــود. فـــفـــي رســــالــــة بـــعـــنـــوان «الـــحـــب الــــــجــــــارف» يـــــقـــــارب الـــــزاهـــــي الــــحــــب كـــقـــوة تـتـجـاوز إمـكـانـيـة امــت كــهــا أو تحديدها، فـيـصـلـه بــالــحــيــاة وبـــالـــع قـــة بــــاآلخــــر، ثم يـجـد لــه أفـــقًا صــوفــيًا فــي قــــراءة ابـــن عربي الذي يفتح أمام ندى صورة أخرى لألبوة: أبـــوة روحــيــة وثـقـافـيـة تُكتسب باالختيار والقراءة، ال بالدم. فإذا كان أنسي الحاج هو األب الذي جاءت به الحياة، فإن ابن عربي واحــــد مـــن اآلبـــــاء الـــذيـــن تـخـتـارهـم الــــروح. هكذا يتسع مفهوم النسب، نسب الجسد، ونـسـب الـشـعـر، ونـسـب الـــروح الـــذي يخرج ع قـــة نــدى بأبيها مـن حـــدود العائلة إلى فضاء أوسع تتداخل فيه القراءة والتلمذة والبحث عن الذات. وهذا تحديدًا ما يجعل الزاهي طرفًا ضروريًا في الكتاب: إنه ال يرد على ندى، بل يعيد صياغة أسئلتها. فإذا كانت الحاج تنطلق من التجربة لكي تصل إلـــى الــفــكــر، فـــإن الـــزاهـــي كـثـيـرًا مـــا ينطلق مـــن الـفـكـر لـكـي يــعــود إلـــى الــتــجــربــة، وبني االتجاهني تنشأ حركة الكتاب كلها. إن رســـائـــل الـــزاهـــي تــــؤدي فـــي الـكـتـاب وظيفة «املـــرآة النقدية». لكنها ليست مـرآة تعكس ندى كما هي؛ إنها مرآة تغيّر زاوية الـنـظـر إلـيـهـا وإلــــى األســئــلــة الــتــي تـثـيـرهـا. ولعل هذه االزدواجية هي التي تمنع الكتاب مـــن الـــتـــحـــول إلــــى ســـيـــرة وجـــدانـــيـــة صــائــرًا سؤاال أدبيًا وفكريًا يهم القارئ أينما كان. وال بـــد فــي هـــذا الــســيــاق مــن اإلشــــارة إلـــى أن الـــزاهـــي لـيـس «املـــخـــاطَـــب» فـــي هـذه املـــراس ت فحسب؛ إنـه «الـقـارئ األول الذي يـــشـــارك فـــي صــنــاعــة الــــنــــصّ». فــمــن خ لـــه تنتقل رســائــل نـــدى مــن حميمية املـراسـلـة إلى أدبية الحوار، ومن االعتراف الشخصي إلــى التفكير فـي الشعر والكتابة والـذاكـرة واملوت. فالزاهي اآلتي من خارج ذاكرة ندى العائلية، يستطيع أن يرى ما تعجز الذاكرة الـحـمـيـمـة أحــــيــــانًا عـــن رؤيــــتــــه. لــــذا يصبح شاهدًا وقارئًا ورفيقًا في إعادة بناء املعنى. ولــعــلــه فـــي قــــراءتــــه ملا تــقــولــه نـــــدى، يعيد الـــســـؤال إلـيـهـا فـــي صــــورة أخــــرى أو حـركـة مــتــبــادلــة تــمــنــح الـــكـــتـــاب حــيــويــتــه، بحيث يصبح حوارًا يتسع كلما اختلف الصوتان. ومـن الـخـاص إلـى الـعـام يمتد الكتاب نحو لبنان. وطن ندى الحاضر هنا كذاكرة وجــــرح وتـجـربـة عــيــش. األزمــــة اللبنانية، وانــهــيــار الـحـيـاة الــعــامــة، والــشــبــاب الـذيـن يحاولون مواصلة حياتهم وسط االنهيار، كلها تدخل فـي نسيج املــــراس ت. الكتابة تصبح مقاومة لفقدان املعنى؛ وحني يهدد الــواقــع بتفكيك الـحـيـاة، تستعيد الرسالة قــدرتــهــا عـلـى بــنــاء ع قــــة وذاكـــــرة وصــوت لــلــبــنــان الـــــذي يــظــهــر فـــي هــــذه الـصـفـحـات كــوطــن مــحــبــوب ومـــجـــروح فـــي آن، والــــذي تصعب مغادرته حتى حني يصبح العيش فيه امتحانًا يوميًا عسيرًا. تـــنـــبـــع جــــاذبــــيــــة الــــكــــتــــاب األدبــــــيــــــة مـن صعوبة وضعه في خانة واحدة. هو رسائل، وتـــأم ت، واعـتـرافـات، وحــوار فكري، ونص شـعـري مـــوزع بني صـــوتني يفتحان جسورًا بني لبنان واملغرب، وبني الشعر واملوسيقى والترجمة، وبني التراث والحداثة، والحوار الــــديــــنــــي والـــتـــجـــربـــة الـــصـــوفـــيـــة، والـــعـــيـــش املـشـتـرك والـعـبـور بني الـثـقـافـات. قيمته في جـعـلـه الــفــكــر يـــحـــدث أمــامــنــا كـتـجـربـة حـيّــة ال تـنـتـهـي عـنـد صـفـحـاتـه األخـــيـــرة. ذلـــك أن الـــحـــوار الـحـقـيـقـي يــبــدأ حني يـصـمـت كاتبا الـرسـائـل، ويـتـركـان لـلـقـارئ فسحة يواصل فيها التفكير، ليكتشف أن الكتابة متصلة بـــالـــحـــيـــاة اتـــــصـــــاال عــــمــــيــــقًا، وأنـــــهـــــا إحـــــدى الـــوســـائـــل الــتــي يـعـيـد اإلنـــســـان مـــن خ لــهــا صياغة ع قته بذاته، وباآلخر، وباملاضي؛ مـــتـــجـــذّرًا فــــي مــــا وراءه، ومـــمـــتـــدًّا نـــحـــو مـا ينتظره، وساعيًا إلى آفاق فكرية ال حد لها. * كاتبة لبنانية *مارلين كنعان ندى الحاج فريد الزاهي ماذا تفعل االبنة حين يكون األب شخصا تحبه وكاتبا وشاعرا سبقها إلى اللغة واسما صار جزءا من هويتها األدبية؟ كاتب سعودي يتتبع كتبا لمؤلفين خضعت لسلطة الرقيب حكايات الكتب الممنوعة الدمام: ميرزا الخويلدي
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==