5 تحقيق FEATURES Issue 17472 - العدد Tuesday - 2026/9/29 الثلاثاء ASHARQ AL-AWSAT خلال الحربين الواسعتين اللتين شنتهما إسرائيل عـلـى جـنـوب لـبـنـان، قـضـت الـــغـــارات والـتـفـجـيـرات على عشرات المعالم التراثية، وطالت البيوت السياسية التي تـوثـق بـعـمـارتـهـا ومكتباتها حـقـبـات مــن تــاريــخ جبل عــامــل الـسـيـاسـي فــي الـــقـــرنين الماضــــــيين. فـفـي مدينة منزلاًً 147 النبطية وحدها، دمـر القصف الإسرائيلي سـنـوات، وبعضها 110 سنة و 80 يـتـراوح عمرها بين عـام، وهي ممتلكات 200 توسع من منازل بُُنيت قبل تراثية عائدة لزعامات محلية، ووزراء ونـواب مروا في النبطية ومحيطها خلال الـعـقـود الماضــيــة. كما شمل التدمير بيوتا سياسية في محيط النبطية، من بينها دارة آل الأسعد في بلدة الطيبة، وجُُـــرِِف معها الكثير من البيوت القديمة، بحسب ما يقول ناشطون محليون، منها مــثلا دارة خليل العبدالله فـي الـخـيـام، أحــد أبـرز .1862 القيادات التاريخيّّة في المنطقة، والتي ش ُُيدت عام منزلا وتحفة عمرانية ش ُُيّّدت في القرنين الماضيين... وسو ّّيت بالأرض 147 إسرائيل تمحو الذاكرة السياسية لجنوب لبنان بتدمير بيوته الأثرية لم يمنع القصف اليومي لمحيط مدينة الـنـبـطـيـة وبـــلـــدة كــفــر رمـــــان مـــن أن تطلق عائلة آل الزين ورشة لترميم «ما تستطيع ترميمه» من منزل يوسف بك [الزين الذي تضرر بفعل غارات إسرائيلية مكثفة قبل أشـهـر. يــرى أحـفـاد أشهر عائلة سياسية في النبطية أن الحفاظ على الإرث هو فعل تحد لإسرائيل التي تمحو الآثار والذكرى من الأرض، وتسعى للقضاء على المنازل التاريخية ذات العمارة الخاصة والبيوت السياسية والمعالم الحضرية والتاريخية في جنوب لبنان بكافة أشكالها. مــــــنــــــزل يــــــوســــــف بـــــــك الــــــــزيــــــــن، الـــــــذي أصيب بـأضـرار كبيرة جـدا بفعل القصف الإســرائــيــلــي، يـكـاد يـكـون مــن آخـــر المعالم الــتــراثــيــة والـــشـــواهـــد الـعـمـرانـيـة المتبقية في منطقة النبطية، بعد تدمير دارة عبد الـعـزيـز الـزيــن الـتـي تحولت فـي السنوات الماضـيـة إلـى حـاضـرة ثقافية فـي المنطقة، ووس ّّعها نجله الدكتور سعد الزين لإحياء النشاطات الثقافية والشعبية. يقول الـدكـتـور سعد الـزيـن لـ«الشرق الأوسط»: «منزل عائلتي (دارة عبد العزيز الــــزيــــن) يـــتـــجـــاوز عـــمـــره الـــثـــمـــانين عـــــاماً. دمرت غارة إسرائيلية المنزل بشكل كامل، وقـضـت على كـل معالمه ليست العمرانية فقط، بل على دور المنزل الثقافي». وشرح الطبيب أن المنزل كان مساحة لاستضافة وإقـامـة نشاطات ثقافية واجتماعية منذ عـــلـــى الأقـــــــل، وكــــــان أنـــشـــأ فـيـه 2000 عـــــام متحفا صغيرا يـوثـق تـاريـخ جبل عامل، وقد «صار مقصدا ثقافيا في المنطقة»، ثم خضعت الــــدارة لتوسعة لجهة الـحـدائـق والـــــديـــــوانـــــيـــــة، وهــــــي مـــــن جــــوهــــر الـــبـــنـــاء الجنوبي فـي لـبـنـان، وبـاتـت مـعـروفـة في السنوات الأخيرة بـ«منزل سعد الزين». وإثـــــر قــصــف المـــنـــزل الـكـبـيـر أصـيـبـت «دارة آل الزين» الملاصقة بأضرار بدورها. تـلـك الـــــدارة كــانــت مــركــز زعـــامـــة سياسية واجــتــمــاعــيــة تـمـتـد لأكـــثـــر مـــن مـــائـــة عـــام، عـاماً، وسكنها 150 وأُُنشئت (الــدارة) قبل الـوالـي العثماني فـي الـقـرن التاسع عشر قـــبـــل أن تــنــتــقــل مـلـكـيـتـهـا إلـــــى آل الـــزيـــن، ويسكنها يوسف بك الزين. حتى المدافن لم تسلم كان الزين دخل الندوة البرلمانية بعد ، وباتت 1924 إعلان لبنان الكبير في عام عائلته إحـــدى أبـــرز الــعــائلات السياسية فـــي جــبــل عـــامـــل فـــي الـــقـــرن الماضــــــي، ولــم يـنـقـطـع تمثيلها فـــي الـــبـــرلمان حـتـى عـام .2018 يـــقـــول الـــدكـــتـــور ســعــد الــــزيــــن: «دارة يــوســف بــك الــزيــن تــضــررت بـشـكـل فـــادح، وطالت الأضرار السقف والساحة ومدافن العيلة، بما فيها مـدفـن يـوسـف بــك. الآن نـعـمـل عــلــى تــرمــيــم المـــنـــزل بـشـكـل حثيث وســـريـــع، لـيـعـود صـــالـــحا ويـبـقـى شـاهـدا عـــلـــى حــقــبــة ســـيـــاســـيـــة، بـــالـــنـــظـــر إلـــــى أن الـعـائـلـة هـــي مـــن الـــعـــائلات المــؤســســة في جـــبـــل عــــامــــل، وحـــــاضـــــرة عـــلـــى المـــســـتـــوى الثقافي والتنموي والمجتمعي، وهو دور متواصل ومستمر معي ومع عمي». ويرى الزين أن القضاء على البيوت السياسية والمعالم الحضرية والتاريخية «يستهدف محو الآثار والذكرى من الأرض كي يقطع اللبناني العلاقة ببيته وأرضه وإرثه». تدمير متعم ََّد وممنهج تـــــجـــــمـــــع الــــــفــــــعــــــالــــــيــــــات الــــثــــقــــافــــيــــة والاجتماعية فـي مدينة النبطية على أن هو 2026 و 2024 مـــا جــــرى خلال حـــربََـــي عملية «تـدمـيـر ممنهج لــلــذاكــرة مــن دون أي مبرر فعلي»؛ فالقصف والتدمير المركّّز لبيوت عريقة تقف تاريخيا على النقيض السياسي مع «حزب الله»، يفند ما يزعمه الجيش الإسرائيلي من أن القصف يطول منشآت الحزب ومقراته فقط. وكان لافتا جدا في هذا السياق تدمير مـنــزل مــؤســس «المـجـلـس الـثـقـافـي للبنان الجنوبي» النائب السابق حبيب صـادق في بلدة الكفور، الواقعة غرب النبطية. ويـــعـــد صـــــادق مـــن أشـــهـــر الــنــاشــطين الـــســـيـــاســـيين والـــثـــقـــافـــيين فــــي الـــجـــنـــوب، وكـــــان عـــضـــوا فـــي الــــبــــرلمان فـــي دورة عــام ، وكان من أبرز المؤرخين للانتهاكات 1992 الإسرائيلية بحق الجنوب منذ أربعينيات القرن الماضي، وشجع على إصدار مؤلفات تـبـنـاهـا «المــجــلــس الـــثـــقـــافـــي»، وجـــمـــع في مسيرته تجربة سياسية، إضافة إلى كونه أديبا وشاعرا ومفكراً. مخطوطات توثق الانتهاكات يـــــقـــــول رئـــــيـــــس فــــــــرع الــــنــــبــــطــــيــــة فــي «المجلس الثقافي» كـامـل جـابـر لـ«الشرق الأوسط»: «بعد تدمير منزل حبيب صادق ، ووقــوع 1977 فـي مدينة الـخـيـام فـي عــام ،2000 المنطقة تـحـت الاحــــتلال حـتـى عـــام واضــــطــــرار الــعــائــلــة للإقــــامــــة بين بــيــروت ومـديـنـة النبطية، كــان هـنـاك إصـــرار لدى الــعــائــلــة عــلــى بـــنـــاء مـــنـــزل خـــــارج المــديــنــة يشبه منازل الجنوبيين؛ بمعنى أن يكون فيه حديقة تحيط بها أشجار الصنوبر، وتزهر فيها الورود». ويــــضــــيــــف جــــــابــــــر: «اهــــــتــــــم صــــــادق بــديــوانـــيـــة فـــي أســـفـــل المــــنــــزل، أودع فيها الكثير مـن مخطوطاته التي كـان يقدمها عــبــر بـــرامـــج إذاعــــيــــة مـــتـــعـــددة، وكــتــابــات مـــن الـسـتـيـنـيـات والــســبــعــيــنــيــات، وأنــشــأ مـكـتـبـات ضـخـمـة فـــي الــديــوانــيــة تتضمن كتبا ومخطوطات وسائر الإرث الثقافي»، مـــشـــيـــرا إلــــــى أن صــــــــادق «كــــــــان مـــــن أبـــــرز الـفـعـالـيـات الـثـقـافـيـة الــتــي ألّّـــفـــت ونـشـرت إصـــــــــــدارات وكــــتــــبا عــــن الــــجــــنــــوب، تــــؤرخ الانتهاكات وأشكال الاحـتلال الإسرائيلي لــلــجــنــوب، ســـــواء مـــن المـــطـــامـــع بـــالمـــيـــاه أو الـجـغـرافـيـا أو غـيـرهـمـا، وأصــــدر دراســـات تظهر الإساءة للجنوب عبر الاحتلال». ومـــــن هـــــذا الـــجـــانـــب، يـــــرى جـــابـــر أن اسـتـهـداف المــنــزل «هـــو اسـتـهـداف لحبيب صادق ودوره وإرثه ومسيرته»، مستبعدا أي أبعاد أمنية لاستهداف المنزل «المغلق والذي يتفقده حارس بشكل يومي». محو إرث معماري وسياسي يـمـثـل هــــذا الــتــدمــيــر جـــــزءا مـــن خطة القضاء على الإرث الحضري والعمراني والسياسي في مدينة النبطية. بعد حرب نـــشـــأت مــــبــــادرة مـــن فـعـالـيـات 2024 عــــام المـديـنـة الثقافية، شـاركـت فيها جمعيات أهـــلـــيـــة بـــالـــتـــعـــاون مــــع الـــبـــلـــديـــة، لـتـوثـيـق المـــبـــانـــي الـــتـــراثـــيـــة الـــتـــي دم ّّــــرهــــا الـقـصـف الإسرائيلي، وتم تحديثها قبل أسبوعين فـقـط مــن الـكـتـابـة. وتــوصــل الإحــصــاء إلـى منزلا تدميرا كــاملا بحيث لم 147 تدمير يبق إلا عدد قليل جدا من تلك المنازل. تــم تـدمـيـر ما 2026 وفـــي حـــرب عـــام تبقى مــن مـنـزل فـضـل الـفـضـل فــي منطقة المنشية، وهو منزل يعود بناؤه إلى أواخر الـــقـــرن الماضـــــــي، وأشــــــرف عــلــى تصميمه مــهــنــدس مـــصـــري، وزاره الـــجـــنـــرال غـــورو فـي عشرينيات الـقـرن الماضـــي إثــر زيارته إلـى الجنوب عندما كـان المفوض السامي الفرنسي في لبنان. أمــا مـنـزل الـنـائـب الـسـابـق محمد بك الفضل، فقد دمــرت الـغـارات التي أصابت ، وهو 2024 محيطه أجــزاء كثيرة منه في منزل يبلغ من العمر مائة واثنتين. ويقول كـــامـــل جــــابــــر، الــــــذي يـــوثـــق الـــــذاكـــــرة عـبـر جمعية أهلية في النبطية، إن من اشترى المنزل اتخذ قرارا بإعادة ترميمه. القضاء على الذاكرة الثقافية ينظر أبـنـاء النبطية إلـى أن التدمير يستهدف الـعـمـارة الـتـي تـؤشـر إلــى الإرث الثقافي والذاكرة الاجتماعية والسياسية والــحــضــريــة لـلـمـكـان. فـــي الـنـبـطـيـة مـــثلا ًً، دمـــرت الـــغـــارات الإسـرائـيـلـيـة بشكل كامل دارة الوزير والنائب الراحل رفيق شاهين، كـذلـك مـنـزل سعيد شـــاهين والـــد النائبين والوزيرين غالب وفهمي شــاهين. إضافة إلــى ذلـــك، تـبـرز مـنـازل كـانـت تعتبر تحفا عمرانية، مثل قصر الدكتور بهجت الميرزا الـذي كان يُُصنف من أجمل البيوت؛ كون واجــهــاتــه كــانــت تـحـتـوي عـلـى منحوتات بالحجر الصخري، وكان الميرزا من أوائل الأطــبــاء فــي النبطية فــي الــقــرن العشرين الـــذيـــن فــتــحــوا مــنــازلــهــم لـتـقـديـم الـطـبـابـة للسكان. كذلك، دُُمر منزل محمود شاهين في . وهذا المنزل كان بمنزلة مدرسة 2026 عام فـي الـقـرن الماضـــي، وهــو مـن البيوت التي بُُنيت على آثـار بيوت قديمة كانت بُُنيت قبل مائتََي عام. قضت 2026 ) سبتمبر (أيلول 6 وفي غارة إسرائيلية على منزل الدكتور عدنان الشريف، وهو تحفة عمرانية ش ُُيّّدت قبل مـــائـــة عـــــام، كــمــا تـــم تــدمــيــر مـــنـــزل الـنـائـب الـسـابـق أنـــور الـصـبـاح، والـــد مـديـر شركة «الــصــبــاح للإنـــتـــاج الـتـلـفـزيـونـي» صـــادق الصباح، وهـو منزل بُُني على تلة مدينة الـنـبـطـيـة مــطــلــع الــتــســعــيــنــيــات، فـــي حين بـقـيـت دارة الــعــائــلــة فـــي مــديــنــة النبطية صـــامـــدة. كـمـا دمـــرت الـــغـــارات «مستشفى غندور»، أحد أبرز المستشفيات التي قدمت خدمات طبية لمنطقة النبطية خلال فترة الاحتلال منذ الثمانينيات. حرب على التاريخ لم تكتف الغارات الإسرائيلية بتدمير المنازل والقصور، بل شملت المعالم الأثرية فـــي الــجــنــوب؛ فـقـد تـعـرضـت ســــوق تـعـود إلــى العصر المملوكي فـي مدينة النبطية لقصف عنيف أدى إلى تدمير جزء منها. واقتُُلِِع تاج من أعلى عمود أثري في موقع مُُـــــدرََج عـلـى قـائـمـة منظمة الأمــــم المـتـحـدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) في مدينة صـور الساحلية في جنوب لبنان. كما دُُم ِِّر موقع ديني يحمل اسم «شمعون الـصـفـا»، يــرتــاده المـسـلـمـون والمسيحيون على حـد ســواء فـي بلدة شمع الجنوبية، كما تم تدمير قلعة شمع الصليبية. إضافة إلى ذلـك، تغيب أي معلومات عـن «الـــعين الـفـوقـا» فـي بلدة الطيبة التي دُُمر محيطها في ساحة البلدة، وهي عين لتجميع الماء بُُنيت على شكل حلزوني، وتتضمن عـنـاصـر مـعـمـاريّّــة تتقاطع مع نـــمـــاذج تـــعـــود إلــــى الــحــقــبــتين الــرومــانــيّّــة والبيزنطيّّة، وخضعت لترميم في الحقبة العثمانية. وقال وزير الثقافة غسان سلامة في تـصـريـح لـــ«رويـــتـــرز» فــي الـشـهـر الماضـــي، إن بــلــدات تـاريـخـيـة خـــارج نـطـاق المنطقة المـــذكـــورة تـعـرضـت لــغــارات جـويـة مكثفة، مـــن بـيـنـهـا صـــور والـنـبـطـيـة. وأوضـــــح أن القصف العنيف طال بلدة تبنين، ما أثار مخاوف من أن تكون أضرار لحقت بالقلعة الـصـلـيـبـيـة هـــنـــاك. وتـــابـــع: «الـــتـــراث ليس فقط الآثـار الرومانية والفينيقية، التراث هو أيضا الأبنية التراثية، الأماكن الأثرية، الأبـنـيـة ذات الـوظـيـفـة الـثـقـافـيـة». وأعـــرب سلامـــة عـن خشيته مـن أن تمحو الحملة الإســـرائـــيـــلـــيـــة تـــمـــاما قــــــرونا مـــن الــتــاريــخ اللبناني. وعــب ََّــرت «الـيـونـيـسـكـو» فــي بـيـان عن قلقها إزاء وضع مدينة صور، المدرجة على قائمة التراث العالمي والخاضعة للحماية المعززة من قبل المنظمة. وقالت أيضا إنها «تـشـعـر بـقـلـق بـــالـــغ» حــيــال تــقــاريــر تفيد بــدمــار لـحـق بقلعة شـمـع بـجـنـوب لبنان، ووقـوع معارك قرب قلعة الشقيف، منددة بما وصفته بـ«هجمات غير قانونية على الممتلكات الثقافية». بيروت: نذير رضا منزل عدنان الشريف في النبطية قبل تدميره ... والمنزل بعد تدميره بالكامل (أرشيف كامل جابر) دارة سعيد شاهين د ُُمرت بالكامل في النبطية (أرشيف كامل جابر) قصر محمد الفضل في حي الراهبات بالنبطية (أرشيف كامل جابر) تدمير بيوت عريقة يفن ّّد ما يزعمه الجيش الإسرائيلي من أن القصف يطال منشآت «حزب الله» ومقراته فقط
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky