issue17470

دعـــا الـزعـيـم الـبـريـطـانـي آنـــدي بـيـرنـهـام، من مـنـبـر الأمــــم المــتــحــدة، إلـــى وضـــع ضـــوابـــط دولـيـة للذكاء الاصطناعي لضمان سيادة الإنسان، معلنا وضـع الملف ضمن أولـويـات الرئاسة البريطانية لمجموعة العشرين العام الـقـادم، طــارحا مسارين متكاملين: الأمــم المتحدة منبرا للتوافق الـدولـي، ومجموعة العشرين إطــارا أكثر واقعية للتوصل إلى معايير مشتركة؛ إذ تضم الاقتصادات الكبرى، ولديها الاستثمارات والإمكانات التقنية اللازمـة لتطوير الذكاء الاصطناعي، على أن تتولى الدول تطبيق المعايير داخلياً. لكن الــســؤال الحقيقي هـو عـن إمـكـان تحو ُُّل الدعوة إلى التزامات قابلة للتنفيذ، وسط تنافس الــقــوى الــكــبــرى، وتـــضـــارب المــصــالــح، والـضـغـوط الاقتصادية داخل الدول. استعاد بيرنهام تجربة التعاون الدولي عقب ، عندما اتفقت الحكومات 2008 الأزمـة المالية عام على مبادئ عامة، ثم اتخذت كل دولة إجراءاتها. ولكن الذكاء الاصطناعي يتطور ويتجاوز الحدود بـسـرعـة تـسـبـق قــــدرة الـحـكـومـات عـلـى الـتـفـاوض ومراقبة الالتزام بالاتفاقيات. وتبدأ الصعوبة من واشنطن وبكين. فبينما دعـا بيرنهام إلـى قواعد مشتركة، رفـض الرئيس الأمـيـركـي دونـالـد ترمب ضـوابـط دولـيـة تحد من تطوير الذكاء الاصطناعي. أما الرئيس الصيني شي جينبينغ، فقد استحضر خلال لقائه ترمب، الخميس: «فـخ ثيوسيديدس»، نسبة إلـى المـؤرخ الإغـــريـــقـــي الــــذي وصــــف الــقــلــق مـــن صــعــود أثـيـنـا ومـــواجـــهـــة إســـبـــرطـــة لـــهـــا، مـــؤكـــدا إمـــكـــان تجنب الصدام بين القوتين. اسـتـحـضـار الــتــاريــخ الإغــريــقــي لـيـس نـبـوءة بحرب أميركية صينية؛ بل للتذكير بأن التنافس قـد يُُــعََــو ِِّق الـتـعـاون عند الـحـاجـة إلـيـه. فالطرفان يــدركــان مـخـاطـر التكنولوجيا، ولـكـن أيا منهما يرفض قيودا تمنح منافسه أفضلية استراتيجية أو اقتصادية. والــعــقــبــة تـــتـــجـــاوز الــتــنــافــس بين واشــنــطــن وبـــــكين؛ وإذا اتـفـقـت الــحــكــومــات فـسـتـظـل تـواجـه ضغوطا متعارضة بين حماية المجتمع، وتشجيع الابتكار، وجذب الاستثمارات، وتوفير الوظائف، والــخــشــيــة مـــن أن تـسـبـقـهـا الـــشـــركـــات الأمـيـركـيـة والصينية في سباق التكنولوجيا. فتشديد الــروابــط سيرفع تكاليف الشركات الأوروبـــــــيـــــــة ويــــعــــرقــــل ابــــتــــكــــاراتــــهــــا، بــيــنــمــا تـقـل الـــضـــوابـــط عـــلـــى مــنــافــســيــهــا فــــي بـــيـــئـــات أخـــــرى. وتـــواجـــه الــحــكــومــات مــطــالــب حــمــايــة الــوظــائــف، والـــخـــصـــوصـــيـــة، والأمـــــــــن، والاعـــــتـــــراضـــــات عـلـى استهلاك مراكز البيانات للكهرباء والمياه، مع أنها تجلب استثمارات وفــرص عمل. فالمسألة ليست اختيارا بسيطا بين التقدم والمخاطر. ويـخـتـلـف الــذكــاء الاصـطـنـاعـي عــن الأسلحة التي حاولت القوى الكبرى ضبطها خلال الحرب الـــبـــاردة. فـــالـــرؤوس الـنـوويـة والــصــواريــخ أشـيـاء مادية يمكن عدّّها والتفتيش على مواقعها. أما الـبـرامـج فيمكن تطويرها ونقلها عبر الـحـدود، وقد تتغير قدراتها قبل أن تنتهي اللجان الدولية من صياغة قواعد تنظيمها. أما السؤال العابر للحدود فهو: مََن المسؤول عندما يتسبب نظام للذكاء الاصطناعي في ضرر؟ الشركة التي طورته، أم من استخدمه، أم المسؤول الذي سمح له بالعمل دون إشراف بشري كاف ٍٍ؟ بـائـع السندويتشات على الرصيف يخضع لـــشـــروط الــبــلــديــة ومـــراقـــبـــة سلامـــــة الــــغــــذاء، وقــد يـــواجـــه المــســاءلــة إذا عــــرّّض زبــائــنــه لـلـخـطـر. أمـا عندما يتسبب بـرنـامـج طـورتـه شـركـة بمليارات الجنيهات فـي ضـــرر، فقد تضيع المـسـؤولـيـة بين المــبــرمــجين، والمــديــريــن، والمـتـعـاقـديـن والمــحــامين. فـتـحـديـد الــقــانــون والــقــواعــد لما يـمـكـن للمسؤول منعه من ضرر أهم من إدانته بعد وقوعه. تذك ّّرنا المعضلة برواية ماري شيلي الصادرة : «فـــرانـــكـــنـــشـــتـــايـــن؛ أو بــرومــيــثــيــوس 1818 عـــــام المـعـاصـر»؛ تجربة فيكتور فرانكنشتاين، دارس الــطــب الــــذي دفــعــه طـمـوحـه وخــيــالــه الـعـلـمـي إلـى تــجــاوز الــحــدود الطبية والأخلاقـــيـــة المألـــوفـــة، ثم عجز عن تحم ّّل مسؤولية ابتكاره. وبروميثيوس، فـي الأسـطـورة الإغريقية، حمل الـنـار إلـى البشر. فالسؤال عن حـدود المعرفة ومسؤولية صاحبها أقدم من عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي. لكن الضوابط تحمل خطرا آخـر إذا تحولت مـن تنسيق أنظمة الــذكــاء الاصـطـنـاعـي إلــى منح الـحـكـومـات سلطة تحديد مـا يـجـوز للمواطن أن يسأل عنه أو يعرفه. فحماية المجتمع لا ينبغي أن تـصـبـح ذريـــعـــة لـلـرقـابـة عـلـى الأفـــكـــار وتقييد الوصول إلى المعلومات. وقد أثبت مجلس الأمـن إمكان تعاون القوى الكبرى عندما تتلاقى مصالحها، كما حدث عقب . ولكن الاتفاق على مبادئ 1990 غزو الكويت عام غــيــر تـحـويـلـهـا إلــــى الـــتـــزامـــات قــابــلــة لـلـتـطـبـيـق، والمـحـاسـبـة شـــيء آخــــر؛ خــصــوصا حين تتشابك المـــصـــالـــح الاســـتـــراتـــيـــجـــيـــة مــــع أربــــــــاح الـــشـــركـــات وطموحات الحكومات. اخــــتــــبــــار مـــــبـــــادرة بـــيـــرنـــهـــام لـــيـــس فــــي عـــدد داعميها في الأمم المتحدة؛ بل فيما قد تتفق عليه مجموعة العشرين، وما تقبل الحكومات تطبيقه داخلياً. فالمطلوب ليس وقف الابتكار، ولا إطلاق يده بلا مسؤولية، وإنما تحديد ما يجب أن يبقى تحت رقابة الإنسان، ومن يتحمل تبعات الإخلال بذلك. ولعل مغزى رواية ماري شيلي قبل أكثر من مائتي عام ليس الخوف من الابتكار؛ بل التحذير من أن يتجاوز الابتكار قدرة صاحبه على التحكم فــي نـتـائـجـه. والـــســـؤال الــيــوم لـيـس فــي صفحات الأدب؛ بــــل فــــي مـــخـــتـــبـــرات الــــذكــــاء الاصــطــنــاعــي وقــاعــات الأمـــم المـتـحـدة: كيف نضمن بـقـاء الـقـرار في يد الإنسان؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا أفلتت الأمور من سيطرته؟ Issue 17470 - العدد Sunday - 2026/9/27 الأحد في استمرار ترك بعض الدول بصمات تربوية واجتماعية فـي لبنان بعد انتهاء حــــالــــة انـــــتـــــداب لــــهــــذا الـــــوطـــــن، عـــلـــى نـحـو الـــســـنـــوات الانـــتـــدابـــيـــة مـــن جـــانـــب فــرنــســا، إنشاء مشاريع تربوية تشك ِِّل استمراريتها، وحـــــالات مـــن تـــفـــو ُُّق المـنـتـسـبين إلـــى المــراكــز التعليمية التي أنشأتها الدولة في لبنان، وكـــمـــا لــــو أن الــــهــــدف مــــن ذلـــــك هــــو إشـــعـــار الشعب اللبناني بهذا الـدور التربوي الذي تــؤديــه هـــذه الـــدولـــة تــجــاه وطـــن خــــارج م ِِــن حقبة انتداب كان فاقدا فيها قراره الوطني السيادي. بـالـنـسـبـة إلـــى انـــتـــداب فـرنـسـا للبنان 1920 على مــدى ثلاثـــة وعشرين عـــاما (مِِـــن ) نلاحظ أن الحكومات الفرنسية 1943 إلى مـــا بــعــد الانــــتــــداب لـــم يــكــن يـعـنـيـهـا إنــشــاء مــيــلــيــشــيــا فـــــي لـــبـــنـــان وتــــــزويــــــد أفـــــرادهـــــا بمختلف أنـواع سلاح ذلك الزمن، وتطوير الــــــــدور إلـــــى درجــــــة تـــأســـيـــس حـــــزب تــأتــمــر قيادته بما يأتي مِِن تعليمات، وإنََّما الذي عملت عليه هو التركيز على إنشاء مدارس ومؤسسات تربوية، يعزز المسؤولون عنها الفرنكوفونية، ونرى في هذا المنحى إنشاء شبكة مدارس تتساوى فيها اللغة العربية مـع اللغة الفرنسية. وخـيـر مـثـال على هذا المـنـحـى إنــشــاء «الـلـيـسـيـات»؛ أي مــا يشبه الجامعة، لا تقتصر أمكنة إقامتها على حي مسيحي أو على حي مسلم، كما لا يقتصر الإنشاء على العاصمة، وإنما يشمل بلدات في الساحل اللبناني وجبله. كما أن فرنسا بتعاقُُب حكومات ما بعد الانتداب حرصت ن العربية على أن يكون الـتـدريـس باللغتيْن والــفــرنــســيــة. وهـــــذا عــــدا مـسـتـشـفـيـات غير ربحية. في ضوء هذا الـدور المنز ََّه عن التدخل فــــي ع ُُــــمــــق الـــســـيـــاســـة الـــلـــبـــنـــانـــيـــة، اســتــمــر الــلــبــنــانــيــون يـــتـــوارثـــون تــوصــيــف فـرنـسـا ﺒ«الأم الـــحـــنـــون»، مـــا دامــــت لا تـتـطـلـع إلــى إنــشــاء دولــــة ضـمـن الـكـيـان الــــذي انـتـدبـتْْــه. ولماذا تتطلع مــا دام الأمــــر لـهـا عـلـى مـدى سـنـة انـــتـــدابا تـنـوعـت فـيـهـا «حـكـومـات 23 لــبــنــانــيــة» بــصــيــاغــة م ِِـــــن جــــنــــرال فــرنــســي، فضلا عن تعيين رؤساء للجمهورية أمثال شارل دباس، وحبيب باشا السعد، وألفرد نـقـاش، وأيـــوب تـابـت، وبـتـرو طـــراد. وهـذه العلاقة القائمة على التبصر وعـدم اعتبار لبنان كوكبا في سماء السياسة الفرنسية، هي التي تحمل كل رئيس تولََّى الح ُُكم في فــرنــســا مــنــذ الـسـبـعـيـنـات وحــتـــى الـرئـيـس إيــمــانــويــل مـــاكـــرون عــلــى أن تـــكـــون أحــــوال لـــبـــنـــان المـــتـــأزمـــة مـــوضـــع اهـــتـــمـــامـــه، حـيـث يقوم بزيارة المتفقد على نحو ما فعل جاك شـــيـــراك، ومـــا زال يـفـعـلـه مـــاكـــرون زائـــــرا أو مستضيفا ً. ظــاهــرة «فـرنـسـة لـبـنـان» قـبْْــل انـتـدابـه، تتشابه فــي بـعـض فصولها وأشخاصها مـــع «فــرســنــة لـــبـــنـــان»، وذلــــك أنــــه فـــي خلال مـــدة مثيلة لـلـمـدة الـتـي اسـتـغـرقـتْْــهـا حالة الانتداب الفرنسي، استطاعت الجمهورية الإيـــــرانـــــيـــــة وربـــــمـــــا م ِِــــــن بــــــاب اســــتــــخلاص الأحــوال والعِِبر والخسائر والصدمات مِِن الحرب مع العراق الصد ََّامي، والتشابه هنا إيجابي لصالح فرنسا واحتوائي لصالح ِِــمْْــن مخطط ذي إيــــران، حيث إن إيـــران وض طـــابـــع فــرنــســي أنـــشـــأت عــلــى مــــدى الـعـقـود الأربعة «جيشها» المزود بأنواع لم يحصل عليها لبنان الدولة الرسمية. وإلـى جانب هــــذا «الـــجـــيـــش» ذي الـتـسـمـيـة «المـــقـــاومـــة»، ومـعـه الكشافة المـؤهـلـون عـسـكـرياً، أنشأت عشرات المساجد والمشافي والمراكز الدينية والـــتـــجـــاريـــة والمـــصـــرفـــيـــة، وأدخــــلــــت الـلـغـة ِِــمْْــن مناهج مـــدارس أنشأتْْها. الفارسية ض وهـــذه كلها حققت نـشـوء مجتمع فـارسـي التقاليد والعادات بلسان عربي، فضلا عن أن تسميات المؤسسات التربوية والكشفية والمـصـرفـيـة كــانــت عـلـى نـحـو مــا هــي عليه بــرامــج التعبئة والتثقيف المـذهـبـي. وهــذا كـلـه لــم يقتصر عـلـى الـضـاحـيـة الجنوبية (عاصمة المقاومة) جارة العاصمة بيروت، وإنـــمـــا شــمــل المــنــاطــق ذات الـــــولاء لـلـقـيـادة الإيــــرانــــيــــة م ِِـــــن الـــجـــنـــوب إلـــــى الـــبـــقـــاع، إلـــى مناطق بعلبك. ُُــكـم الإيــرانــي اخـتـار الصيغة لـو أن الـح الـــفـــرنـــســـيـــة والأمــــيــــركــــيــــة وأنـــــشـــــأ مــــــدارس وجامعات بمستوى المؤسسات التعليمية الــفــرنــســيــة والأمـــيـــركـــيـــة، لـــكـــان هــــذا أفـضـل لأجيال مِِن الطائفة. وهذا على سبيل المثال النموذج المـصـري، حيث إن الرئيس جمال عبد الناصر وفي ذروة تألُُّق زعامته ارتأى أن تكون لمصر جامعة في لبنان، وهذا حققه بإنشاء «جامعة بيروت العربية». فـي نهاية ليست بعيدة للحقبة التي يعيشها العالم العربي لـن يُُكتب للفرسنة البقاء كما خط ََّط لذلك الح ُُكم الإيراني الذي تراوده على ما يجوز الافتراض حقبة الح ُُكم الفارسي. وسنكتشف أن جيلا جرى تثقيفه بوسائل التعبئة سيجد نفس ََه يعيش حالة من الحيرة بسبب تمازُُج هوية أجــداده مع ُُــكـم الإيـــرانـــي الــــذي ربــمــا يـــرى أن هــويــة الـح الفرسنة في لبنان تُُحقق له مبتغاه، وهو في ذلك يناقض حالة واقعية لا خشية منها، وهـي الفرنسة التي بــدأت انـتـدابا وخرجت مِِن دون إزهـاق أرواح، وجعلت قادة فرنسا فيما بعد يحققون في لبنان دورا تعليميا وتثقيفيا كالذي تؤديه الجامعة الأميركية و«جامعة بـيـروت العربية»، وتتم خطوات هذا الدور في منأى عن التحديات. ولا تزال الفرصة مواتية التأمل في عوائد الفرنسة لإعادة النظر في الفرسنة. أرسـل إلي أحد الأصدقاء مقطعا مرئيا لا يتجاوز سـبـعين ثانية للدكتور عبد الـلـه النفيسي، وردت فيه ُُــهـا مُُــخـتـلـق ٌٌ، وبعض ُُها سـبـع مـعـلـومـات مـضـلـلـة؛ بـعـض محر ّّف ٌٌ، وبعضها نُُسب إلى مصادر لم تقله أصلا ًً، وهي ليست كل ما رصدته، وإنما ما اتسعت له مساحة المقال. وقد جرى تداول المقطع على نطاق واسع، ولا سيما في الأوساط الحوثية والمؤيدة لها. والمفارقة أن النفيسي لم يكتف بعرضها بثقة قاطعة، بل عاتب الجمهور العربي لأنََّـــه لـم يترجم التقرير الـــذي زعــم أنــه اقتبس بعضها منه. وهنا تبلغ المفارقة حـد العبث والإخلال بالأمانة العلمية، حيث يختلق قصصا لا أصل لها في المصدر، ثــم يــوبّّــخ الـجـمـهـور لأن ََّـــه لــم يـتـرجـم قـصـصا وهـمـيـة لم تُُكتب أصلا إلا في مخيلته. فمنذ عام، قال النفيسي في بودكاست «محفوف» إن الباحث جيم كرين، من معهد بيكر بجامعة رايس، نشر تقريرا عن الحوثيين، ونسب إليه خمسة ادعاءات: «تدمير ثلاثين سفينة وباخرة كانت متجهة إلى إيلات تــدمــيــرا كــــــاملاًً»، و«ضـــــرب حـامـلـة طـــائـــرات أمـيـركـيـة»، وإن «روســـيـــا تـتـصـل بــالــحــوثــي وتــــــزوده بــإحــداثــيــات الملاحـــة والـسـفـن المتجهة إلــى إسـرائـيـل، لإربـــاك أميركا فـي المنطقة»، وإن «حـركـة الشباب الصومالية السنية اتصلت بالحوثي، عارضة عليه التعاون لتحويل القرن الأفريقي إلى ساحة»، وإن «وضع الحوثي كان جزءا من المفاوضات الإيرانية – الأميركية حول الملف النووي». وأتـــبـــع ذلــــك بـــادعـــاءيـــن آخـــريـــن لـــم يـنـسـبـهـمـا إلــى كرين مباشرة. أولهما أن «جزيرة حنيش كانت محطة اســتــراحــة وتـــزويـــد ومــراقــبــة لـلـسـفـن، وتـفـتـيـش السفن ومـصـادرة أي بضائع مشبوهة ذاهـبـة إلـى إسرائيل». أما ثانيهما، فهو أن صحيفة «ميدل إيست آي»، حسب وصـــف الـنـفـيـسـي، «مــوقــع بـريـطـانـي تــابــع للمخابرات البريطانية»، وأنـهـا ذكــرت أن «عــدد أعـضـاء الحوثيين ألـــف مــقــاتــل، وأصــبــح بـعـد حـــرب الأســبــوعين 220 كـــان ألف مقاتل». والمثير للسخرية، أنه اختتم تلفيقاته 350 المــركــبــة بـتـوبـيـخ الــجــمــهــور عــلــى عــــدم تــرجــمــة مــصــدر يفضح مغالطاته! وكـــــأي بـــاحـــث يـهـمـه مـــصـــدر الادعـــــــــاءات، راجـــعـــت ،2024 ) مباشرة تقرير جيم كرين الصادر في مارس (آذار والتقرير المشترك الصادر في أغسطس (آب) من العام نفسه، فلم أجد فيهما شيئا من الادعاءات الخمسة التي ن أن جميع إحالاته في هذا نسبها النفيسي إليه، وتبيّن الشأن مختلقة. ولمزيد من التحقق، تواصلت مع كرين مباشرة عبر بريده الإلكتروني، فأكد أن الادعاءات التي عرضتُُها عليه لا تظهر في أعماله. واستكمالا للتحقق من المصدر مباشرة ًً، عرضت الجمعية السعودية للعلوم السياسية على كـريـن استضافته علميا خلال زيـارتـه المرتقبة إلى الرياض، حتى يتمكن الجميع، بمن فيهم محبو النفيسي، من سماع الحقيقة من صاحب المصدر نفسه، لا من رواية نُُسبت إليه ولم يقلها. وفيما يلي تفصيل الادعــــاءات السبعة جميعها، بما فيها الادعـاءات الخمسة المنسوبة إلى تقرير كرين والادعاءان الآخران: أولاًً، لــم يـقـل كــريــن إن الــحــوثــيين «دمّّــــــروا ثلاثين سفينة وباخرة كانت مت ََّجهة إلى إيلات تدميرا كاملاًً». تـقـريـره ذكـــر أكـثـر مــن خـمـسين هــجــوما حـــوثـــياً، بينما أشــــار الــتــقــريــر المــشــتــرك إلــــى تــعــرض أكــثــر مـــن أربــــعين سفينة لـلـهـجـوم «بـــدرجـــات مـخـتـلـفـة»، دون أي إشـــارة إلى تدميرها «كاملاًً» كما ادّّعى النفيسي. ولعل الأخير في المائة 30 » من إشارة التقرير إلى مرور 30« التقط رقم من تجارة الحاويات العالمية عبر البحر الأحمر، ثم حو ّّل النسبة، بطريقة عجيبة، إلى ثلاثين سفينة مدمرة. ثـــــانـــــياً، لا يــــذكــــر كــــريــــن أن الــــحــــوثــــيين أصــــابــــوا حاملة طــائــرات أميركية. فقد زعــم إعلامــهــم استهداف «أيــزنــهــاور»، لكن الاسـتـهـداف لا يعني الإصــابــة. فهذه الحاملة النووية تزن قرابة مائة ألف طن، وتحمل أكثر مـــن ســـتين طـــائـــرة، وتـعـمـل فـــي قـلـب مـجـمـوعـة ضـاربـة تحميها سفن حربية وأنظمة دفـاع متعددة الطبقات. ولذلك فإن إصابتها، فضلا عن تدميرها، حدث عسكري ضخم يستحيل إخفاؤه. كما لم تثبت التقارير إصابة الحوثيين أي سفينة حربية أميركية مباشرة آنذاك. ثــالـــثاً، لا يتضمن تـقـريـر كـريـن أن حـركـة الشباب الصومالية «عـرضـت» التعاون مع الحوثيين لتحويل الـقـرن الأفريقي إلـى «سـاحـة» أو لمنع السفن الأميركية 2024 والإسـرائـيـلـيـة. تقرير خـبـراء الأمـــم المـتـحـدة لـعـام تحدث لاحقا عن مؤشرات إلى تهريب أسلحة، ووجود إمـدادات مشتركة، وصلات متنامية، لكنه لم يورد ذلك العرض بالصيغة المسرحية التي نقلها النفيسي، ولم ينسبه إلى تقرير كرين. رابــعاً، الفبركة الدرامية لتقديم روسيا إحداثيات لـــلـــحـــوثـــيين لـــيـــســـت واردة فـــــي تـــقـــريـــر كــــريــــن أيــــــضاً. والإنـــصـــاف يقتضي الــقــول بـــأن أصـلـهـا ورد لاحـــقا في تـحـقـيـق لـصـحـيـفـة «وول ســتــريــت جــــورنــــال» نُُــشــر في ، واســتــنــد إلــــى مــصــادر 2024 ) أكــتــوبــر (تــشــريــن الأول مجهولة، ومسؤولين أوروبـيين قالوا إن موسكو وفرت بيانات أقمار اصطناعية استُُخدمت لاستهداف سفن غربية. ليست المشكلة هنا في اختلاق أصل المعلومة، بل في نسبتها كذبا إلى تقرير لم يتضمنها. خـــامـــساً، وصـــف «جـــزيـــرة حـنـيـش» بـأنـهـا محطة حـــوثـــيـــة للاســـــتـــــراحـــــة، والـــــتـــــزويـــــد، ومــــراقــــبــــة الـــســـفـــن، وتفتيشها، ومصادرة البضائع، المتجهة إلى إسرائيل، يخالف واقــع السيطرة الميدانية وقـت حديث النفيسي قبل نحو سنة. فقد استعادت قـوات الحكومة اليمنية المدعومة من التحالف جزر حنيش في ديسمبر (كانون ، وبـقـيـت خــــارج سـيـطـرة الــحــوثــيين حتى 2015 ) الأول .2026 ) التطورات العسكرية الأخيرة في سبتمبر (أيلول ســـــــادساً، لـــم يــقــل كـــريـــن إن «وضـــــع الـــحـــوثـــي كــان جــزءا مـن المـفـاوضـات الإيـرانـيـة – الأميركية حـول الملف النووي». ما ذكره التقرير أن ع ُُمان تؤدي دورا محوريا في الحوار السعودي مع الحوثيين، وتمثل بصورة غير مباشرة قناة للرسائل الأميركية إلى إيران. سابعاً، تضمّّنت ادعــاءات النفيسي حول إجمالي عـــدد المــقــاتــلين الــحــوثــيين مـغـالـطـات زمـنـيـة، وسببية، 220 ومــصــدريــة، وإحـصـائـيـة. فـقـد قـــال إن عــددهــم كـــان ألفا بعدها. 350 ألفا قبل حرب «الأسبوعين»، ثم أصبح والصحيح أن فـريـق خـبـراء الأمـــم المـتـحـدة قـــدّّر عددهم 350 ، و 2022 ألـــفا عـــام 220 ، و 2015 ألـــفا عـــام 30 بنحو ألف مقاتل خلال 130 ، أي بزيادة قدرها 2024 ألـفا عام عامين، لا بسبب حرب «الأسبوعين» كما زعم النفيسي. وقــــد نــقــل «مــعــهــد الـــشـــرق الأوســـــــط» هــــذه الأرقـــــــام عن التقرير الأممي، لا عن صحيفة «ميدل إيست آي». ولأن التقديرات استندت إلى إعلانات الحوثيين عن التجنيد، ألـفاً 350 أقــر الفريق بتعذر التحقق منها. كما أن رقــم لا يعني قـوة نظامية محترفة، إذ تشمل التعبئة قوات نظامية، وأطفالاًً، ومجندين قسراً. أما زعمه أن المخابرات البريطانية أسست «ميدل إيست آي» وتديرها، فادعاء مرسل بلا دليل. فالمنصة % مـن أسهمها، وهو 75 يملك جمال بساسو أكثر مـن مدير سابق في قناة «الجزيرة»، ويرأس تحريرها ديفيد هـيـرسـت، الـكـاتـب الـسـابـق فــي «الـــغـــارديـــان»، المــعــروف بـمـواقـف قـريـبـة مــن الـتـيـار الــيــســاري، ويـتـقـاطـع خطها الــتــحــريــري مـــع تـــيـــارات الإسلام الــســيــاســي والـعـقـيـدة السياسية للنفيسي نفسه. في الحقيقة، من المؤسف حقاً، أن يظهر متخصص فــي الـعـلـوم السياسية بـهـذه الــصــورة المسيئة للبحث والـــبـــاحـــثين وخــريــجــي الــتــخــصــص. فـــهـــذا الــحــقــل قـــد ّّم مفكرين كــبــارا ألـهـمـوا مختلف الـعـلـوم الإنـسـانـيـة، من هـــنـــري كــيــســنــجــر، وصـــمـــويـــل هــنــتــنــغــتــون، وزبــغــنــيــو بــريــجــنــســكــي، إلــــى جـــــوزف نـــــاي، وجـــــون مــيــرشــايــمــر. وكان تحرّّي الدقة في النقل من أسمى سمات إنتاجهم الفكري، وهـو مـن صميم مسؤولية الباحث السياسي خاصةًً، ومن أهم أخلاقيات البحث العلمي عامةًً. وتتعاظم المـفـارقـة لأن النفيسي يتابعه الملايين، ويُُعد من أكثر المتخصصين في العلوم السياسية تأثيرا ومتابعة في العالم العربي. ومـع ذلـك، يقدّّم مغالطات وقـــصـــصا مــخــتــلــقــةًً، ثـــم يـبـلـغ بـــه الاســتــخــفــاف بـعـقـول الجمهور حــد توبيخهم، بكل جـــرأة، على عــدم ترجمة نص لا يتضمن شيئا مما نسبه إليه، فيقلب المسؤولية رأسا عـلـى عـقـب، مــن دون أن يتحمل ثـمـنا مـعـرفـيا أو مهنيا لما يقد ّّمه. ولا تتوقف خـطـورة الأمــر عند شخص النفيسي، بل تمتد إلى حالة الوعي السياسي العربي، إذ تكشف سهولة تداول هذه الادعاءات بلا تدقيق أو مساءلة عن قابلية مخيفة لتزييف العقل السياسي. فإذا كان بعض مـن يُُــقـدََّمـون بوصفهم رمـــوزا للفكر السياسي العربي يـسـتـبـدلـون بـالـتـوثـيـق الـثـقـة فـــي الإلـــقـــاء، ثـــم يكافئهم الجمهور بمزيد من الانتشار، فنحن أمام مؤشر مرعب على تدني الوعي السياسي وتحول الشهرة إلى بديل عن المعرفة. ويصعب تفسير هذا القدر من التدليس واخـتلاق القصص بعجز النفيسي عـن قـــراءة الإنجليزية، وهو احتمال أستبعده في حق من حصل على الدكتوراه من الــخــارج. ومــع ذلـــك، يبقى الـتـسـاؤل مــشــروعاً: هـل نحن أمام عجز فادح عن قراءة المصادر وفهمها، أم أمام إعادة تركيب متعمدة لها بما يخدم أجندة وموقفا سياسيا مسبقاً؟ ربما يفسر جزءا من ذلك أيضا شعور بانعدام المـــســـاءلـــة، وغـــيـــاب الـكـلـفـة المـعـرفـيـة والمـهـنـيـة لاخـــتلاق الـقـصـص، فـي بيئة يحكمها عـقـل جمعي، يتجه فيها جــزء لا يستهان بـه مـن الجمهور العربي إلـى تصديق ما يؤكد انحيازاته الآيديولوجية أكثر من التحقق من صحة المعلومة. أيا يكن التفسير، فإن النتيجة واحدة: معلومات تُُنسب إلـى مصادر لا تقولها، ووقائع يُُعاد تشكيلها ثـم تُُــقــدََّم للجمهور بثقة الــيــقين. وإذا كشف الــتــدقــيــق فـــي ســـبـــعين ثــانــيــة هــــذا الـــكـــم مـــن المــغــالــطــات والتلفيقات، فالسؤال الأهم هو: ماذا قد تكشف مراجعة بقية ما يقد ّّمه؟ ولـــهـــذا، وبــعــد سـبـع مـعـلـومـات كــاذبــة فــي سبعين ثانية، فقط مما أمكن عرضه، يبدو أن كتاب «تناقضات النفيسي» للكاتب السعودي علي النعيم لم يكن خاتمة للموضوع، بل مجرد مقدمة. فؤاد مطر عبد الغني الكندي عادل درويش OPINION الرأي 14 النفيسي... سبع مغالطات في سبعين ثانية لبنان بين الفرنسة والفرسنة هل تستطيع الأمم المتحدة ضبط الذكاء الاصطناعي؟

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky