issue17465

فـــي ظـــل تـــوتـــرات عــالمــيــة مــتــصــاعــدة، انـطـلـقـت أعــمــال الـقـمّّــة الـثـامـنـة عـشـرة لــ«مـجـمـوعـة بريكس» في 2026 ) فـــي الــثــانــي عــشــر مـــن سـبـتـمـبـر (أيــــلــــول العاصمة الهندية نيودلهي برئاسة رئيس الـوزراء الهندي ناريندرا مودي، بمشاركة قادة دول التكتّّل: الــبــرازيــل، روســيــا، الـهـنـد، الـــصين، جـنـوب أفريقيا، والــــدول الأعــضــاء الـتـي انضمت إلــى المجموعة عام .2024 «مــــجــــمــــوعــــة بــــريــــكــــس» هـــــي مـــنـــظـــمـــة وتـــكـــتّّـــل اقـــتـــصـــادي عـــالمـــي يـــضـــم مــجــمــوعــة مــــن الـــــــدول مـن ضمنها الأفريقية والآسيوية الصاعدة، وفقا لأحدث .2026 ) عام IMF( تقارير صندوق النقد الدولي تــكــتــســب هـــــذه الـــقـــمـــة أهـــمـــيـــة خــــاصــــة؛ كـونـهـا 2006( عاما على تأسيس الكتلة 20 تزامنت مع مرور ) وانــضـمـت تـحـت شــعــار «بــنــاء الـــقـــدرة على 2026- الـصـمـود، والـتـعـاون المـشـتـرك فـي مـجـالات الابتكار والتكنولوجيا، وتأمين سلاسل الإمداد لإبقاء طرق الـتـجـارة العالمية مفتوحة وحـمـايـة حـريـة وسلامــة الملاحـــة البحرية والمـخـاطـر المناخية والاسـتـدامـة». كما تمحورت حول تعزيز التعاون المتعدّّد الأطراف والانـــتـــقـــال مـــن الــبــيــانــات الــســيـاسـيــة إلــــى الــبــرامــج العملية القابلة للتنفيذ. يمثّّل «تكتّّل بريكس» قوة اقتصادية وسكانية ضخمة؛ إذ يبلغ الناتج المحلي الإجـمـالـي الاسمي تـريـلـيـون دولار أميركي 35 لـــدول «بــريــكــس» نـحـو (نــحــو ربـــع الـنـاتـج المـحـلـي الإجــمــالــي الـعـالمـي وفــقا ، وتشكّّل 2026 لبيانات لصندوق النقد الدولي لعام فـــي المائــــــة مـــن الـــنـــاتـــج المــحــلــي الإجــمــالــي 40 نــحــو الـعـالمـي، وذلـــك عند احتسابه المــقــو ََّم بـتـعـادل القوة الـشـرائـيـة (مــتــجــاوزة بـذلـك قـــدرة الــــدول الصناعية السبع الكبرى)، في دول تمثّّل نصف سكان العالم مليارات نسمة). 4 تقريبا (ما يقارب لكن من المفارقة أن هذا الثقل السياسي يقابله تـبـايـن فــي الــــرؤى الـسـيـاسـيـة فــي ظـــل خلافــــات بين أعــضــائــه بــشــأن طبيعة الـتـكـتّّــل ودوره فــي الـنـظـام العالمي في إطار مسعى لتعزيز الاقتصادات الناشئة ومواجهة هيمنة الولايات المتحدة والـدول الغربية عـلـى الاقــتــصــاد الــعــالمــي. ومـــع تـوسـيـع الـتـكـتّّــل عـام ، عــزّّز بذلك ثقله الاقـتـصـادي والديموغرافي، 2024 لـــكـــنـــه فـــــي الـــــوقـــــت نـــفـــســـه لـــــم يـــســـتـــطـــع أن يـحـجـب الـتـبـايـنـات الــواســعــة بين أعـضـائـه بــشــأن القضايا السياسية والاستراتيجية؛ ما يجعل الوصول إلى ّّــدة أكثر صعوبة مع ارتفاع مواقف مشتركة ومـوح عـدد الــدول الأعضاء وتباين مصالحها، خصوصا بشأن القضايا الدولية الخلافية. ولكن رغم الانقسام السياسي، فقد حق ّّق التكت ّّــل تقدّّما في عدد من الملفات الاقتصادية والمالية، وفي مقدّّمتها «بـنـك التنمية الـجـديـد» الـــذي مـــوّّل حتى مــشــروعا شملت البنى 139 نحو 2025 نهاية عــام مليار دولار 43 التحتية والــطــاقــة... بقيمة تـقـارب أميركي. ويعمل البنك أيضا على استخدام العملات المحلية فــي تـمـويـل مـشـاريـعـه مــن أجـــل التقليل من الاعتماد على الدولار الأميركي؛ إذ أعلنت روسيا أن في المائة من تجارتها داخل «بريكس» خلال 90 نحو جرت باستخدام العملات المحلية. 2024 عام في هذا السياق، تسعى دول «بريكس» لتعزيز نــفــوذ الاقـــتـــصـــادات الـنـاشـئـة والــنــامــيــة فـــي الـنـظـام العالمي، والدفع نحو تمثيل أكبر لها في مؤسسات دولـيـة مثل صـنـدوق النقد الـدولـي والبنك الـدولـي، إلـــى جـانـب تـعـزيـز الــتــعــاون الاقــتــصــادي والـتـجـارة والاستثمار بين أعضائها. (ومــا أشبه هــذا بخطة مـارشـال لإعـــادة إعـمـار أوروبـــا بعد الـحـرب العالمية الثانية). مـجـمـوعـة مـــن الــتــحــديــات تـــواجـــه الــتــكــتّّــل، من أهمها الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسـط التي تعطّّل التجارة العالمية، وتسهم في ارتـفـاع أسعار الـــطـــاقـــة والــــغــــذاء والأســــمــــدة وغـــيـــرهـــا، كــمــا يـشـك ّّــل التطور السريع للذكاء الاصطناعي وما قد يترتب عليه من فقدان واسـع للوظائف تحدّّيا آخـر. أضف إلـى ذلـك اقـتـراح الهند لربط الـعـملات الرقمية التي تصدرها البنوك المركزية في دول الـ«بريكس»، لكن هـذا الاقـتـراح يواجه عقبات. وذكـر رئيس أكبر بنك فـي روسـيـا «سبير بـنـك»، هيرمان غـريـن، أن البنك المركزي الروسي يعمل مع البنك الاحتياطي الهندي عـلـى آلـيـة لاسـتـخـدام الــعــملات الـرقـمـيـة فــي تسوية الــتــجــارة الـثـنـائـيـة فــي خــطــوة مــن شـأنـهـا أن تمثّّل إنـجـازا في جعل المدفوعات العابرة للحدود أسرع وأكثر كفاءة. ويـــســـعـــى الـــرئـــيـــس الــصــيــنــي شــــي جـيـنـبـيـنـغ، وفق وكالة «بلومبرغ»، إلى تعزيز نفوذه مع تحو ّّل حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية ساحة تنافس جـديـدة بين الـقـوى العظمى فـي الـعـالـم، وإلـــى بناء منظومة ذكـــاء اصطناعي مفتوحة المـصـدر وتوفر لمواطنيها وعملائها حول العالم بـديلا أرخـص من التكنولوجيا الأميركية المغلقة، ناقلا بذلك المنافسة على ريادة الذكاء الاصطناعي مع الولايات المتحدة. وقـــــال الــرئــيــس الـــروســـي فلاديـــمـــيـــر بـــــوتين إن مـنـصـة الاســتــثــمــار الـــجـــديـــدة لمـجـمـوعـة «بــريــكــس» ســتــتــيــح جـــــذب رؤوس الأمـــــــــوال الـــطـــويـــلـــة الأجـــــل، ووصف «بريكس» بأنها قوة دافعة نحو بناء نظام عالمي جديد أكثر عدلا ومتعدد الأقطاب. والــــســــؤال هــــو: هـــل عــلــى تــكــتــل «بـــريـــكـــس» أن يتحوّّل قــوّّة سياسية في مواجهة الـغـرب، أم يبقى منص ّّة اقتصادية؟ Issue 17465 - العدد Tuesday - 2026/9/22 الثلاثاء لا تحتاج النصوص التي تعكس موازين قوى إلى ملاحق لتفسيرها. ومئات الألوف الذين اقتُُلعوا من أرضهم ويعاينون تجريف بلداتهم وإنهاء عمران الجنوب اللبناني لا يملكون تــرف الـوقـت. الأولـويـة التي ينتظرونها من سلطة مح ّّضوها الثقة هي بذل كــل المـمـكـن لإجلاء الاحــــتلال الإسـرائـيـلـي؛ لأن الثمن الذي دُُفع حتى الآن فوق القدرة على الاحتمال. فـــي الـــنـــصـــوص، ورد فـــي مــقــدمــة «اتـــفـــاق وقــف :2024 ) نــوفــمــبــر (تـــشـــريـــن الـــثـــانـــي 27 الــــنــــار» يـــــوم «نََـــزع سلاح جميع المجموعات المسلحة في لبنان»، وحــصــر حـمـل الـــــسلاح فـــي الــجــهــات الـشـرعـيـة فـقـط؛ «القوات العسكرية والأمنية الرسمية». وقـال «البند السابع» من «الاتـفـاق» في الفقرة «أ»: «منع الدخول غــيــر المـــصـــرح بـــه للأســـلـــحـــة والمـــــعـــــدات... مـــن جميع المعابر الـحـدوديـة». وتضمنت الفقرة «ب» أنـه «بـدءا مـن منطقة جـنـوب الليطاني؛ تُُــفـكََّــك جميع المنشآت غـيـر المـــصـــرح لـهـا بــالمــشــاركــة فـــي إنـــتـــاج الأســلــحــة». وقالت الفقرة «ت» بـ«تفكيك البنى التحتية والمواقع العسكرية ومـصـادرة الأسـلـحـة». ولإنـعـاش الـذاكـرة: تمثلت جـهـة الــتــفــاوض حـصـرا فــي رئـيـس الـــبـــرلمان، نــبــيــه بــــــري، واشــــتــــرط الـــوســـيـــط الأمــــيــــركــــي، آمــــوس هوكستين، موافقة مسبقة من «حزب الله»، فأعلنها نعيم قاسم بالصورة والصوت. ََــــد ّّقــــت عــلــيــه حـكـومـة شـــك ّّـــل «الاتـــــفـــــاق ُُ» الـــــذي ص نـجـيـب مـيـقـاتـي الأجـــنـــدة الــتــي عـلـى أسـاسـهـا قامت السلطة الجديدة: جوزيف عون رئيسا للجمهورية، ونـواف سلام رئيسا للحكومة. وللتذكير؛ فقد كانت 5 إسرائيل بعد كارثة «حرب الإسناد الأولى»، تحتل نقاط حدودية حاكمة. مارس (آذار) 2 بعد نكبة «إسناد إيران» بدءا من ، واحــــــتلال ثـلـثـي الــجــنــوب مــبــاشــرة وبــالــنــار، 2026 أُُقــــر «الاتـــفـــاق الإطـــــاري» إثـــر مـفـاوضـات مـبـاشـرة مع يونيو 27 إســرائــيــل بـرعـايـة أمـيـركـيـة. كـــان ذلـــك فــي (حـــزيـــران) الماضـــــي، والـــهـــدف: «تـحـقـيـق سلام وأمــن دائــــــم ََين»، وطـــمـــوح لـبـنـان وإســرائــيــل «إنـــهـــاء الــنــزاع بينهما، ومعالجة أسبابه الجذرية، وإنهاء أي حالة حرب قائمة بينهما... وضمان سيادة وأمن البلدين، وإقامة علاقات حسن جوار». قــال البند الـثـانـي: «يستعيد الجيش اللبناني ممارسة السلطة السيادية الفاعلة على كامل الأراضي الـلـبـنـانـيـة، بـعـد الـتـحـقـق مــن نـــزع سلاح الـجـمـاعـات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية، بما يتيح لقوات الدفاع الإسرائيلية إعادة انتشارها تدريجيا خارج الأراضي اللبنانية». بذلك أرسـى «الاتفاق الإطــاري» الثلاثي معادلة لا فـــكـــاك مــنــهــا: الأرض مــقــابــل الــــــسلاح اللاشــــرعــــي. طـــــال الــــوقــــت أم قـــصـــر، تـــبـــدلـــت أولـــــويـــــات «المـــنـــاطـــق الــتــجــريــبــيــة»، ومــــع جــــدول زمــنــي أو مـــن دونـــــه، فــإن مـــصـــيـــر الأرض الـــخـــاضـــعـــة للاحـــــــــتلال، واســـتـــعـــادة السيادة غير المنقوصة، متلازمان مع مصير السلاح اللاشـــرعـــي خـــارج سلطة الـــدولـــة، وكـــل مــا يـرتـبـط به من بنى تحتية عسكرية وأمنية ومالية واجتماعية ََـــلِِـــي أنــــه إذا تـــجـــددت الـــحـــرب، وتـــربـــويـــة. ومــــا هـــو ج والاحتمال جدي وكبير، فإن المعادلة لن تتغير، لكن النكبة ستتضاعف مع طول زمن الاحتلال. بعد مراوحة فرضها أداء قاصر، تدرج العدو في الــشــروط؛ مـن حماية مستوطنات الـشـمـال، إلــى نزع سلاح «حزب الله»، وصولا إلى قدرة الجيش اللبناني عـلـى تـولـي الأمـــن (...). ولافـــت أن الأمـــر الأخــيــر ورد أيـــضا فـي حـديـث مـن السفير الأمـيـركـي فـي تـل أبيب (...). تتدرج هذه الشروط لتغطية بقاء الاحتلال رغم مزاعم إسرائيل بأن لا أطماع لها في لبنان. تـوازياً؛ يـبـرز عـجـز مطلق عــن مـراجـعـة حـصـاد «المــقــاومــات» والـــسلاح اللاشـرعـي فـي لبنان لـدى محور الممانعة؛ من رأسه في طهران، إلى أذرعه، وأبرزها «حزب الله». لا يــمــكــن لمـــراجـــعـــة عـــقلانـــيـــة لـــحـــصـــاد الــنــتــائــج والـــوقـــائـــع أن تـقـفـز فـــوق تـغـيـيـر جــــارف بـعـدمـا فتح «طـــــوفـــــان الأقـــــصـــــى» بـــــاب تــــحــــولات مـــتـــســـارعـــة. فـي لبنان، صار التمسك بالسلاح اللاشرعي المبر ِِّر لبقاء الاحــــتلال و«مـــصـــدر الـخـطـر عـلـى اسـتـمـرار الـكـيـان». سنة أدركـت «بيئة المقاومة» هذه 41 ولأول مرة منذ الحقيقة، وهي تواجه أخطر حالة تفتت. اتسع رفض السلاح اللاشرعي، وطلبت إخراج «المقاومة» وتولِِّي الــجــيــش حــمــايــة الأرض والمــتــمــســكين بــمــا بــقــي من عمران. سقطت السرديات مع عجز طهران عن حماية أذرعها، وفشلت الأذرع في حماية إيران. وســــــــط هــــــــذه الــــــتــــــحــــــولات، نــــشــــر جــــــــان عــــزيــــز، مستشار رئيس الجمهورية مقالة في موقع «جاست سيكيورِِتي» في نيويورك، تحت عـنـوان: «لا تدََعوا اتــفــاق الــــسلام فــي لـبـنـان يـثـبـت أن (حــــزب الــلــه) كـان محقاً»، لُُحمتُُه وسداه أن «آلية التنفيذ» المتفََق عليها تُُــضـعـف الـــدولـــة، لـيـقـلـب بــذلــك المـنـطـق الــــذي وافـقـت عليه السلطة اللبنانية في «الاتفاق الإطاري»، وقبله في «اتفاق وقف النار». في مقالة المستشار محاولة لإعــــــادة إنـــتـــاج المـــعـــادلـــة الـــتـــي شــــدد «الاتــــفــــاق» على كسرها، وجوهرها أن الـسلاح يبرر الوجود، وأنه لا نستطيع أن نطلب من جمهور معين تسليم السلاح مـــا دام الـــوجـــود الإســرائــيــلــي بـــاقـــياً. فـيـضـرب بـذلـك صدقية القرارات التاريخية لمجلس الوزراء، ويضرب عرض الحائط بما يعيشه ويراه عامة أبناء الجنوب مــن أن هـــذا الــــسلاح هــو مــصــدر الـخـطـر الإسـرائـيـلـي وبقاء الاحتلال. إن نزع الـسلاح ممر إجباري لاستعادة الأرض، وبسط السيادة، وفتح باب إعادة الإعمار، ثم العودة. والخيارات الأخرى منعدمة. والخطير في طرح المستشار الرئاسي التحذير مـــن مـخـاطـر تـنـفـيـذ «الاتـــفـــاق الإطـــــــاري»؛ مـمـا يمنح العدو الإسرائيلي وواجهة «الحرس الثوري» الذرائع: يُُبقي الأول احتلالََه الآخذ في الاتساع، ويُُبقي الثاني على وضعه الخطير بوصفه قوة أمر واقع، فتتعطل استعادة الدولة والحلم بنهوض متجدد للبنان. السؤال الذي يطرحه كثير من المعلقين والباحثين غير المتخصصين في المنطقة اليوم هو: كيف تحولت جماعة صغيرة خرجت من جبال صعدة إلى ميليشيا تخريبية تمتلك الصواريخ والطائرات المسيّّرة، وتهدد طرق الملاحـة الدولية والمـدن والأعيان المدنية، وصولا إلى التجرؤ على استهداف الحرمين الشريفين أقدس بقاع الدنيا وقبلة أكثر من مليار ونصف مسلم؟ هـذا ســؤال لا يمكن اختزاله في مقال، لكن الأهم فــي نــظــري ســــؤال آخـــر يـتـصـل مــبــاشــرة بـمـا آلـــت إليه الأوضــــاع: مََــن صنع هــذه الميليشيا؟ أو بـصـورة أدق: مََن صنع البيئة التي أتاحت لها أن تنتقل من جماعة مــتــمــردة عـلـى سـلـطـة الـــدولـــة إلـــى تـهـديـد يـمـس الأمـــن والاقتصاد الدوليين؟ لا يمكن بالطبع اختزال الإجابة في سبب واحد. صــحــيــح أن طــــهــــران لــعــبــت دورا مــــركــــزيا فــــي تــطــور الميليشيا، ليس فقط عبر التسليح، وإنـمـا مـن خلال نـقـل المـعـرفـة العسكرية والــتــدريــب وشـبـكـات الإمــــداد، وبناء نموذج يجمع بين التنظيم العقائدي والميليشيا المسلحة والفاعل السياسي. وتشير تقارير أميركية إلــــى أن «فــيــلــق الــــقــــدس» اســـتــخـــدم هــــذا الـــنـــمـــوذج مع جماعات مختلفة في المنطقة، وإن بـدرجـات متفاوتة من الارتباط أو الاستقلالية حسب السياق والظروف المحيطة. لكن إيران لم تصنع الحوثي من العدم، بل أسهم تآكل الدولة اليمنية والنخبة السياسية في خلق المناخ لـتـغـو ُُّل الميليشيا خـصـوصا مـع مجتمع يمني واجـه ومع 2011 اضطرابات سياسية واقتصادية كبيرة منذ فاعلين سياسيين متنافسين لم يتفقوا مذ ّّاك على شكل الدولة التي يريدون بناءها، وهذه النقطة التي جرى تجاهلها وسط السرديات التبسيطية عن اليمن مما يتم الحديث عنه هـذه الأيــام، فما بعد الربيع العربي لم يكن مجرد انتقال مرتبك للسلطة، بل كـان صـراعا حـــادا بين قـــوى سـيـاسـيـة وعـسـكـريـة وقـبـلـيـة عـلـى من يرث الدولة القديمة؛ دولة «المؤتمر». انشغلت الأطراف بتصفية الحسابات وإعـــادة تـوزيـع النفوذ أكـثـر مما انــشــغــلــت بــبــنــاء المـــؤســـســـات، وتـــحـــولـــت وحــــــدات من الجيش والقبائل والأحــزاب ومراكز القوى إلـى أدوات في سوق سياسية مفتوحة. وفــي تلك اللحظة تـحـديـدا انتقل الـحـوثـيـون من 2015 الـهـامـش إلـــى المــركــز. كـنـت قــد كتبت مـبـكـرا عـــام عن أن أزمـة اليمن الحقيقية لم تكن في ظهور جماعة مسلحة جديدة فقط، بل في انهيار فكرة الدولة نفسها، وفـــي عــــودة الــقــوى الـسـيـاسـيـة كـلـمـا ضـعـفـت السلطة المـركـزيـة إلــى الاحـتـمـاء بالقبيلة والمنطقة والـهـويـات الـفـرعـيـة. حين تغيب الـــدولـــة لا يبقى فـــراغ سياسي؛ هـنـاك دائـــما مـن يتقدم لملئه، وغــالــبا مـا يـكـون الأكثر تنظيما وتسليحاً، لا الأكثر تمثيلا للمجتمع. لكن العامل الأكثر أهمية لفهم ما نراه اليوم كان، في تقديري، الخطأ في تعريف الحوثية نفسها حيث ظل نظر جزء من المجتمع الدولي لسنوات طويلة إلى الميليشيا بوصفها تعبيرا مسلحا عـن مظلومية أو مـكـون محلي يمكن احــتــواؤه ضمن ترتيبات تقاسم السلطة. وهذا التفسير أغفل الآيديولوجيا السياسية الــتــي أعــــاد حـــسين الـحـوثـي إنـتـاجـهـا وتـثـويـرهـا منذ نهاية التسعينات فقط. إذ إن حـسين الحوثي نفسه دخـل في خصومات فــكــريــة بـيـنـمـا كــــان يــبــنــي خـــطـــابا جـــديـــدا يـــمـــزج بين الــتــعــبــئــة الـــحـــركـــيـــة الــــتــــي عـــرفـــتـــهـــا تـــــيـــــارات الإسلام السياسي، والـقـراءة الثورية للنص التي نجد بعض ملامحها عند سيد قطب، وبين المـفـردات والشعارات التي أنتجتها الثورة الخمينية وتجربة «حزب الله»، وهذا الجذر القطبي هو أيضا ما يفسر حجم الانحياز للميليشيا من بعض رموز وأنصار الإسلام السياسي فـــي بـــلـــدان عـربـيـة أخــــرى تـــحـــاول فـيـهـا تـلـك الأصــــوات استنساخ التجربة إلى واقعها. الــــيــــوم يــمــكــن الــــقــــول إن مـيـلـيـشـيـا الـــحـــوثـــي قـد تـــجـــاوزت حـتـى ذلـــك المــزيــج الآيــديــولــوجــي، وتـحـولـت بـــمـــرور الـــوقـــت إلــــى بــنــيــة عــســكــريــة وسلالــــيــــة مغلقة مـهـووسـة بالسلطة ودفــــع أي ثـمـن لـلـبـقـاء فـيـهـا مثل الإخــوان المسلمين ولـو من خلال الحوار مع إسرائيل، كـمـا أنــهــا تـسـعـى لـتـجـريـف الــهــويــة الـيـمـنـيـة الـعـربـيـة والإسلامــــيــــة، وإعـــــادة تشكيل المـجـتـمـع والـــدولـــة وفـق تــصــور يـمـنـحـهـا حــــقا اسـتــثــنـائـيا فـــي الـحـكـم والــقــوة القسرية. هناك خطأ تاريخي في النظر إلـى الميليشيا ما زال مهيمنا على المقاربة الدولية، بما فيها محاولات الحوار معها، وهو للأسف الأكثر تكلفة وتأثيرا على ما آلت إليه الأوضــاع. هذا الخطأ يكمن في الافتراض بـــأن المـيـلـيـشـيـا يـمـكـن أن تـتـحـول إلـــى حـــزب سياسي لمجرد دعوتها إلى طاولة المفاوضات. ليس في التفاوض مع الجماعات المسلحة خطأ في ذاته؛ فمعظم الحروب تنتهي إلى طاولة ما. الخطأ أن يتحول التفاوض إلى بديل عن إعـادة بناء الدولة، وأن يصبح وجــود الـــسلاح سببا لمنح صاحبه حصة سياسية، بـــدلا مـن أن يـكـون إخضاعه لسلطة الـدولـة جزءا من أي تسوية. والــتــســلــســل الـــزمـــنـــي كـــاشـــف. فــقــد أُُنـــشـــئ نـظـام ، في حين 2014 العقوبات الأممي الخاص باليمن عام لم يُُدرج الحوثيون بوصفهم كيانا تحت تدابير حظر ، بعد 2022 ) الـــــسلاح الأمــمــيــة إلا فـــي فــبــرايــر (شـــبـــاط سنوات من السيطرة على صنعاء والحرب والهجمات الــــعــــابــــرة لـــلـــحـــدود وتـــنـــامـــي الـــــقـــــدرات الـــصـــاروخـــيـــة والبحرية. لم يكن العالم يفتقر إلى المعلومات بقدر ما كان مترددا في استخلاص النتيجة السياسية منها. وقد رأينا المعضلة نفسها، وإن بصور مختلفة، فــــي لـــبـــنـــان والــــــعــــــراق: تـــدخـــل المــيــلــيــشــيــا فــــي الــنــظــام السياسي، لكنََّها تُُبقي الــسلاح خــارج سلطة الدولة، ثـم يتحول هـذا الاستثناء المـؤقـت إلـى واقــع دائــم على الجميع التكيف مـعـه. أمــا فـي اليمن فكانت النتيجة أفـدح؛ لأن الحوثيين لم يبنوا دولة داخل الدولة فقط، بــل اســتــولــوا عـلـى جـانـب كبير مــن مـؤسـسـات الـدولـة ومـواردهـا ومخازنها العسكرية، ثم أعــادوا توظيفها في مشروعهم. ولــهــذا كـانـت الـتـحـذيـرات الـسـعـوديـة المـبـكـرة من التحول الحوثي ت ُُقرأ أحيانا في الخارج بوصفها جزءا من المنافسة السعودية - الإيـرانـيـة، فيما كـان السؤال أعـــمـــق بــكــثــيــر: مـــــاذا يـــحـــدث عــنــدمــا تـسـيـطـر جـمـاعـة عقائدية مسلحة على دولة تقع عند «باب المندب»؟ الـــيـــوم لـــم تـعـد الإجـــابـــة نــظــريــة. فـــحين تستطيع جماعة من هذا النوع التأثير في حركة السفن والتأمين وسلاسل الإمـداد وأسـواق الطاقة، فإن ما كان يوصف بأنه نزاع يمني داخلي يتحول بالضرورة إلى قضية أمن دولي. ومن هنا يبدأ درس المستقبل. المشكلة المقبلة قــد لا تـكـون فــي ظـهـور «حـوثـي» آخــر بالمعنى الـحـرفـي، وإنـمـا فـي اتـسـاع البيئة التي تستطيع فيها الجماعات المسلحة تبادل المال والسلاح والــخــبــرة والمـــمـــرات. فـخـبـرة «الـــحـــرس الـــثـــوري» تقوم أساسا على إدارة شبكة من الفاعلين المختلفين من دون ضرورة تحويلهم إلى تنظيم واحد؛ «حزب الله» ليس الــحــوثــيين، والميليشيات الـعـراقـيـة ليست «حــمــاس»، لكن اخــتلاف الخلفيات لا يمنع الالتقاء حين تتقاطع المصالح. وتـوثـق تقارير أميركية رسمية هـذا النمط مـن الـدعـم لشبكة واسـعـة مـن الـجـمـاعـات المسلحة في المنطقة. وحتى الاختلاف العقائدي الحاد لا يشكل دائما حــاجــزا مـطـلـقاً؛ فـقـد وثََّــقــت وزارة الــخــزانــة الأمـيـركـيـة وجود شبكة تابعة لـ«القاعدة» استخدمت 2011 منذ الأراضــــــي الإيـــرانـــيـــة مــمــرا للأمــــــوال والأفــــــراد بموجب ترتيبات قالت واشنطن إنها جرت بمعرفة السلطات الإيــــرانــــيــــة. وهـــــذا يـخـتـلـف جــــــذريا عـــن علاقـــــة طــهــران بــ«حـزب الـلـه» أو دعمها للحوثيين، لكنََّه يكشف عن أن عالم التنظيمات المسلحة تحكمه المصالح بقدر ما تحكمه العقائد. ربما يدرك العالم، بعد أثمان باهظة، حقيقة كان يمكن إدراكها مبكراً: لا توجد دولة مستقرة تستطيع العيش طويلا وفي داخلها جيشان، ولا توجد تسوية مـــســـتـــدامـــة تــمــنــح جـــمـــاعـــة ســيــاســيــة حــــق الاحـــتـــفـــاظ بـسـيـادتـهـا الـعـسـكـريـة، ولا يـمـكـن لـنـظـام دولــــي يقوم على فكرة الدولة أن يتعايش بلا نهاية مع ميليشيات تتصرف كالدول من دون أن تتحمل مسؤولياتها. ومع كل ما نراه في المشهد، فإن هذا الإدراك نفسه قـد يـكـون بـدايـة الـتـحـول. فالتحدي لـم يعد يمنيا ولا ســـعـــوديا ولا حـتـى إقـلـيـمـياً. إعــــادة الاعــتــبــار لـلـدولـة، واحتكارها للسلاح، وتجفيف البيئات التي تنمو فيها الميليشيات، ستصبح على الأرجـــح جـــزءا مـن مفهوم الأمن الدولي، لا مجرد شأن داخلي للدول الهشة. لـذلـك حين نــســأل: مََـــن صـنـع ميليشيا الـحـوثـي؟ فلن تـكـون الإجــابــة: إيـــران وحـدهـا، ولا انهيار الـدولـة اليمنية، ولا صراع نخبها، ولا أخطاء المجتمع الدولي منفردة. لقد تضافرت هذه العوامل جميعاً. لـكـن الـخـطـأ الــــذي سـمـح للمشكلة الـيـمـنـيـة بـأن تصبح تهديدا دولـيا كـان، في تقديري، أبسط وأعمق في الوقت نفسه: لقد تأخرنا كثيرا في فهم ما كنا نراه. حنا صالح يوسف الديني سعاد كريم OPINION الرأي 14 المسألة اليمنية تتحول إلى قضية أمن دولي «حصاد» السلاح اللاشرعي يحدد الخيارات «بريكس»... تحديات مستقبلية تسعى دول الـ«بريكس» لتعزيز نفوذ الاقتصادات الناشئة والنامية في النظام العالمي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky