issue17464

ترى الإدارة الأميركية أنها انتصرت في الحرب مع إيران، لكن هذا عز ََّز الانطباع السائد، خاصة في غالبية وسائل الإعلام، بأن واشنطن لم تحقق أهدافها بعد، لا سيما أن المواجهة لا تزال مستمرة بأشكال مختلفة. لا يعني ذلك أن إيران انتصرت، في ضوء الخسائر الهائلة التي تكبدتها، والتي يصعب تقديرها بسبب شح المعلومات والــتــعــتــيــم. فــقــد دُُم ّّــــــرت مــنــشــآت عـسـكـريـة ونـــوويـــة وحــيــويــة، وتـــضـــر ََّرت قــدراتــهــا الـصـاروخـيـة والـبـحـريـة، وقُُــتــل عـــدد كبير مـن قـيـاداتـهـا، وفـاقـمـت العقوبات والـحـصـار تـدهـور الأوضـــاع المعيشية. لذلك، فإن ما يردده مسؤولو النظام وإعلامه ووكلاؤه عــن «الـنـصـر» لـيـس ســـوى مـكـابـرة يـدفـع ثمنها شـعـب أنهكته الحرب والعقوبات والقمع. لكن كيف استطاعت إيـران تسويق نفسها طــرفا منتصراً؟ ولماذا يمكن أن يُُــقـد ََّم وقـف الـحـرب، إذا حصل، بوصفه تراجعا أميركياً، مع أن ميزان القوة والخسائر ينفيان ذلك؟ تبدأ الإجابة من واشنطن نفسها. فقد خاضت إدارة دونالد ترمب الحرب من دون تعريف دقيق للنصر. وأعلنت أن أهدافها تدمير القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية، وقطع إمدادات طهران إلى وكلائها، ومنعها من امتلاك سلاح نووي. لكنها لم تحص ّّن الـوضـع الإقليمي بمسار سياسي يعالج أزمـاتـه، ولم تحدد آلية تضمن عدم إعادة بناء قدرات طهران. فإذا كان قياس النتائج العسكرية بعدد المواقع والصواريخ والسفن المدمرة، فإن منع إيران نهائيا من امتلاك سلاح نووي، وإنهاء نفوذها الإقليمي وتسليح وكلائها، يتطلب اتفاقا قابلا للتنفيذ، ونظام رقابة وترتيبات أمنية إقليمية، ودولا حليفة قادرة على حماية النتائج. وهذا ما لم تنجزه واشنطن بعد. أعلنت الإدارة الأميركية في أبريل (نيسان) أن العمليات يـــوماً، وأن إيـــران وافـقـت على 38 الكبرى حققت أهدافها خلال وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز. لكن استمرار النزاع وتعذر التسوية كشفا أن إعلان النصر كان سابقا لأوانـه. ومع انصراف الجهود الأميركية إلى فتح مضيق هرمز، وربما لاحقا تـــأمين بـــاب المــنــدب، تقلصت أهــــداف الــحــرب إلـــى ضـمـان حرية الملاحـة. كل هذا كشف عن غياب استراتيجية أميركية واضحة لنهاية الـحـرب. فما هـدف الـولايـات المتحدة: تعطيل البرنامج النووي أم تدمير الصواريخ؟ أم إنهاء شبكة الـوكلاء أم تغيير سلوك النظام أو إسقاطه؟ أم تأمين الممرات البحرية؟ وهل يمكن تحقيق ذلك كله بالقصف وحده؟ يـسـتـنـد تــســويــق حــلــفــاء إيــــــران وبـــعـــض وســـائـــل الإعلام بــوصــفــهــا دولـــــة مــنــتــصــرة إلــــى اخــــــتلاف مــعــيــار الــنــصــر لــدى الـطـرفين. فواشنطن تحتاج إلـى حـرب سريعة تحقق أهدافها المعلنة، وتنتج إنــجــازا واضـــحا يمكن تسويقه داخــلــياً، فيما تراهن طهران على إطالة المواجهة ورفع تكلفتها، ونقل آثارها إلــــى حــلــفــاء واشــنــطــن وأســــــواق الـــطـــاقـــة. وهـــكـــذا يــتــحــول عجز واشنطن عن تحقيق نتيجة سياسية حاسمة إلى مادة للدعاية الإيرانية، حتى لو خرجت إيران من الحرب محطمة ومستنزفة. وانعكس كل هذا على قضايا أخـرى، فخطة غزة متعثرة، والمــســار الفلسطيني مـتـوقـف، ولـبـنـان عـالـق فـي مـفـاوضـات لا توقف الاعــتــداءات الإسرائيلية ولا تعالج سلاح «حــزب الله». ويبقى العراق واليمن ساحتين لنشاط الميليشيات والحروب بالوكالة على دول الخليج، في ظل اضـطـراب مـسـارات الطاقة والمـمـرات البحرية. فالحليف لا يقيس النجاح بعدد المنشآت الإيرانية المدمرة، بل بمقدار ما أصبح أكثر أمنا بعد الحرب. الحقيقة أن هـزيـمـة المــشــروع الإيـــرانـــي لا تتحقق بضرب مـركـزه فـقـط، بـل بـــإغلاق الـسـاحـات الـتـي يتمدد عـبـرهـا، وهنا يــظــهــر خـــطـــأ تـــرتـــيـــب الأولـــــويـــــات الـــتـــي مــــن ضــمــنــهــا تـجـفـيـف مـــوارد الميليشيات الـتـي عـــادت وانـتـعـشـت، ومعالجة القضية الفلسطينية التي تستثمرها طهران على مدى عقود. وما إلى ذلك من قضايا. يضاف إلى ذلك الانقسام الداخلي الأميركي والاصطفاف الذي طاول الثقة بالمؤسسات والقضاء والإعلام والانتخابات، وجعل الحرب جـزءا من الصراع حول ترمب: يسوقها مؤيدوه نصراً، فيما يراها خصومه امتدادا لطريقته في الحكم. وتعكس وســـائـــل الإعلام الأمـــيـــركـــيـــة، وجـــانـــب مـــن الإعلام الأوروبـــــــي، هـــذا الاســتــقــطــاب، مـسـتـنـدة إلـــى الــفــجــوة بين إعلانـــــات الإدارة ونتائجها. كـمـا فُُــتـحـت جــبــهــات أخــــرى شـتـتـت الـتـركـيـز عـلـى إيــــران، فالتوتر مـع كـنـدا والــــدول الأوروبـــيـــة وحـلـف «الــنــاتــو»، وحـرب الـــرســـوم الــجــمــركــيــة، والــــــخلاف حــــول أوكـــرانـــيـــا، والــتــهــديــدات المتعلقة بغرينلاند، أحدثت ردود فعل سلبية. وعندما تخوض دولة عظمى حربا إقليمية معقدة، تصبح علاقاتها بحلفائها جزءا من ميزان القوة، لا شأنا هامشياً. إيــــران لــم تنتصر. إنـهـا دولـــة مثخنة بـالـخـسـائـر، يـسـوّّق نـظـامـهـا بـــقـــاءه انـــتـــصـــاراً. لـكـن واشــنــطــن الــتــي امـتـلـكـت الـقـوة اللازمة لإلحاق هزيمة عسكرية بها، لم تمتلك سياسة تستثمر هذه الهزيمة في تسوية تحمي الحلفاء، وتبني نظاما إقليميا أكثر استقراراً. وبين خسارة إيران وارتباك أميركا، نشأ الفراغ الذي تسو ّّق طهران أنها ملأته بانتصارها. لقد عادت الجغرافيا وبقوة، ورغم أن التكنولوجيا والعولمة ساهمتا في إعــادة تشكيل الاقتصاد العالمي، فإنََّهما لم تلغيا الحواجز الجغرافية، التي ظهرت بشكل جلي في الأزمة الراهنة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط. كان هذا محور مساهمتي في جلسة مجلس الأمـن التي عقدت بصيغة «آريــا»، بدعوة من مملكة البحرين، تحت عنوان «بحار آمنة، أمن مشترك، حماية حرية الملاحة في بيئة أمنية متغيرة». إن الاضـطـرابـات الـتـي تشهدها المــمــرات البحرية بمنطقة الشرق الأوسط لا تشكل تحديا أمنيا فقط، لكن ََّها تحمل تداعيات مباشرة على التجارة والطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد وفرص العمل، ومسارات التنمية الشاملة في المنطقة والعالم، وينتقل أثرها إلى المستهلك. ولعل أبرز ما تكشفه هذه الأزمة أن الجغرافيا عادت وبقوة، فـمـن الـخـلـيـج عـبـر مضيق هــرمــز، إلـــى الـبـحـر الأحــمــر عـبـر بـاب المندب، تتصل الموانئ والممرات البحرية في شبكة واحدة تحمل الـطـاقـة والـــغـــذاء والـسـلـع إلـــى الأســــواق الـعـالمـيـة. وأي اضـطـراب في إحدى حلقات هذه الشبكة يمكن أن ينتقل سريعا إلى بقية الـحـلـقـات. وفـــي هـــذه الــحــالــة، فـــإن المـــســـارات الـبـديـلـة لا تضمن استمرار الإمدادات، بل تكاملها هو ما يصنع الفارق. وتتجاوز أهمية هذه الممرات حدود المنطقة. فمضيق هرمز في المائــة من تجارة النفط العالمية المنقولة 25 يمر عبره نحو في المائة من تجارة الغاز الطبيعي المسال. كما 19 بحراً، ونحو 40 في المائــة و 20 تمثل دول مجلس التعاون الخليجي ما بين في المائة من صـادرات الأمونيا والأسمدة والكبريت والألمنيوم. ومن شأن هذه الأرقام أن تفسر لنا لماذا لا يمكن التعامل مع أمن الملاحـــة باعتباره قضية إقليمية، لكنه يتصل اتـصـالا مباشرا بـالأمـن والـسـلـم الــدولــيين، فالتهديد لا يـبـدأ عندما يغلق الممر البحري، بل حيث يصبح المرور فيه مخاطرة لا تستطيع شركات النقل والتأمين تحملها، وحينها تتراجع حركة التجارة وترتفع تكلفة الشحن والتأمين، وتصل هذه الزيادات في سلسلة متوالية إلــى المـسـتـورد، ثـم المنتج والمستهلك. وعـنـدمـا يـحـدث كـل هـذا، تظهر التكلفة الاقتصادية الحقيقية للأزمـــات الجيوسياسية، وينعكس تأثيرها السلبي على الاسـتـثـمـار، وتــراجــع الإنـتـاج، وتدني فرص العمل، وزيادة الأعباء على المالية العامة. وتـكـشـف تــقــديــرات «الإســـكـــوا» أن الـشـهـر الأول مــن الأزمـــة في 4 مليار دولار، تعادل نحو 150 تسبب في خسائر بلغت نحو المائة من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي، لكن هذه التكلفة لا تتوزع بالتساوي بين دول المنطقة، فالدول التي تدخل الأزمات وهــــي تــعــانــي بــالــفــعــل مـــن ضــعــف الــبــنــيــة الأســـاســـيـــة أو ضيق الحيز المالي أو هشاشة المؤسسات تكون أكثر عرضة لتداعيات الصدمات الخارجية. وقبل الأزمة الراهنة، كانت تسع دول عربية دولة تمر بنزاعات أو خارجة منها. وعندما ترتفع 22 من أصل أسعار الطاقة والأسمدة والشحن، فإن مساحة الحركة أمام هذه الدول تصبح أضيق، وقد تتراجع قدرتها على حماية المواطنين أو مواصلة الإنفاق على التنمية. وهـنـا نـؤكـد أن الــصــراع لا يعبر الــحــدود بــالــسلاح وحــده، بـل مـن خلال سلاســل الإمـــداد والأسـعـار وارتـفـاع أسـعـار الطاقة وغيرها من الآثار السلبية. وبينما تبذل اقتصادات المنطقة جهودا إصلاحية دؤوبـة لتنويع هياكلها الاقتصادية، تأتي الأزمـة لتهدد الاستثمارات وفرص العمل، وتهدر ثمار سنوات من الإصلاح. إن الأرقـــــام والــســيــاســات والإجـــــــراءات الــتــي نـفـذتـهـا بـلـدان المـنـطـقـة تـعـكـس اضــطــرابــات حــــادة فــي حــركــة الـسـفـن وتـدفـقـات الطاقة وتعطل المسارات وارتفاع التكلفة، كما أنََّها تروي قصة منطقة راكــمــت قــــدرات ومــؤســســات وبــنــى أسـاسـيـة استطاعت مـن خلالـهـا مواجهة التحديات، عبر إعـــادة توجيه الشحنات، وتـفـعـيـل الــنــقــل مــتــعــدد الـــوســـائـــط، واســـتـــخـــدام مـــســـارات بـريـة وبحرية مساندة تم الاستثمار فيها مسبقاً. إن الأمـــن الـبـحـري جـــزء أســاســي مــن الأمـــن الـجـمـاعـي، ولا تستطيع دولـــة، مهما تعاظمت قـدراتـهـا، أن تـواجـه التحديات بمفردها. لـــذلـــك، فــــإن الــتــصــدي لــهــذه الــتــحــديــات يـتـطـلـب اسـتـجـابـة فـعـالـة ومـنـسـقـة تــقــوم عـلـى ثلاث ركــائــز مـتـرابـطـة، أولاًً: صـون حـريـة الملاحـــة وضـمـان سلامـــة السفن المـدنـيـة والـتـجـاريـة وأمـن الممرات البحرية وفقا للقانون الدولي، ثانياً: منع اتساع الصراع واحتواء تداعياته العابرة للحدود للحد من آثـاره الاقتصادية والاجـتـمـاعـيـة والإنــســانــيــة، ثــالــثاً: تـعـزيـز الـجـاهـزيـة الإقليمية والقدرة على الصمود لحماية الإمدادات واستمرار الخدمات. وفي سبيل ذلك، فقد أطلقت «الإسكوا» - فور اندلاع الأزمة - فـريـق عمل إقليميا للنقل واللوجستيات وسلاســـل الإمـــداد، لمساندة الاستجابة وفتح حـوار فني حول المرونة واستمرارية الأعمال وإدارة المخاطر، ويعمل على استكشاف آليات للتنسيق والرصد المبكر، بما يشمل تطوير غرفة عمليات لإدارة الأزمات يمكن تفعيلها عند الـحـاجـة، ويـرفـع الـجـاهـزيـة، ويساعد على اتـخـاذ قـــرارات أســـرع. لقد عملت «الإســكــوا» على بـنـاء الـقـدرات وتــعــزيــز الـــتـــواصـــل والـــتـــقـــارب فـــي المـنـطـقـة الــعــربــيــة، مـــن خلال الـنـهـوض بـالـتـعـاون الإقـلـيـمـي، لتحقيق الأهــــداف الاقـتـصـاديـة والاجتماعية وتعزيز التكامل بين بلدان المنطقة العربية. بـــالـــتـــوازي مـــع ذلــــك، فــــإن المـنـطـقـة مـــا زالــــت فـــي حــاجــة إلـى مــضــاعــفــة الاســـتـــثـــمـــار فــــي المــــوانــــئ والــــربــــط الــــبــــري والــســكــكــي والــــبــــحــــري، وتـــعـــزيـــز شــبــكــة مــتــكــامــلــة مــــن المـــــســـــارات الأصــلــيــة والمساندة، تتيح للدول، ولا سيََّما الأقل قدرة، خيارات متعددة لاستمرار تدفق السلع والإمدادات، وما يدار وطنيا يبقى وطنياً، ومـــا يـتـجـاوز الــحــدود يـحـتـاج إلـــى تخطيط وتنسيق وتـعـاون إقليمي مشترك. ورغـــم مـا تضعه الجغرافيا مـن حــواجــز، فـإنََّــنـا ينبغي أن نواجه ذلك بقوة التعاون، فنجعل من قوة الموقع قوة في الربط، ومن تعدد الممرات قدرة على الاستمرار، ومن التعاون الإقليمي درعا يحمي التنمية من الارتداد. * وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والأمينة التنفيذية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) منطقتنا الـيـوم واقـعـة بين خطر الـجـار، بمعناه الــواســع، وحـيـرة الحليف الأقــوى عـالمـياً. فكيف نفكر في أمنها انـــطلاقا من قدراتنا؟ نقطة البداية أن أول العلم دقة الوصف: أن نرى ما يجري حولنا بتجرد. فالحليف الكبير يستطيع إعـــادة ترتيب أولـويـاتـه ومــغــادرة المنطقة وفــق مصالحه، أم ََّـــا دولـنـا فعليها أن تعيش مع نتائج الحرب ومع جيرانها. وهذا الاختلاف الجغرافي ينتج اختلافا في المصالح بين الحلفاء. ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار عندنا هو: أي تـوازن إقليمي يجعل بلداننا أكثر أمـنا ويمنحها قـدرة أكبر على تقرير مستقبلها؟ سمعت حديثا للسيد عمرو موسى عبر إحدى الفضائيات، طرح فيه الوزير الأسبق مقاربته لما يجري حولنا. ولو افترضنا أن عمرو موسى سائق شاحنة على طريق سريع، وليس وزيـرا أو أمينا عـاما سابقا للجامعة العربية، لقلنا، مجازاً، إنه يستطيع قيادتها وهو نصف نائم؛ لأن ََّه يعرف مطبات الطريق وأين يتوقّّف لشربة ماء. هذه الخبرة الطويلة والذاكرة المؤسسية تستحقان الاحترام والإنصات. ومــــن مـعـرفـتـي بــعــمــرو مـــوســـى، أراه قـــــادرا عــلــى صــيــاغــة مــقــاربــة للأزمــــة الإقليمية، وترجمتها إلى خطوات دبلوماسية: تحديد الأطراف المعنية، وترتيب الاتصالات، واستكشاف التنازلات الممكنة، وفتح قنوات للحوار. لكن هذه القدرة تحتاج إلى عمل آخر يكملها: تطوير مفهوم للأمن الإقليمي يحدد غاية الحركة ومعيار نجاحها. وما أراه نقصا في مقاربته هو غياب هذا البناء المتكامل، وهذه مهمة فريق متخصص حوله، يصل خبرة المفاوض بمعرفة الباحث وحسابات المخطط. فالمقاربة تحدد كيف نقترب مـن المشكلة، والدبلوماسية تحرك الأطــراف نحو تسوية، أما المفهوم فيحدد النظام الـذي نريد أن تنتجه التسوية، وكيف يمكنه الاستمرار. قد تنجح وساطة في وقف الحرب، ويبقى توزيع القوة قادرا على إنتاجها مجدداً. ولهذا يبدأ بناء المفهوم بتحديد ما نحميه: بقاء الـدول، وسيادتها، وأمن مجتمعاتها، وحرية الملاحة، واستمرار التنمية. ثم نرتب هذه الغايات، ونحدد أثمانها وحدود قدرتنا على تحقيقها. هنا تفيد المدرسة الواقعية في الخطوة الأولى: رسم خريطة القوة والتهديد. من يملك القدرة على الإيـذاء؟ ومن يملك إرادة استخدامها؟ وما الذي نستطيع ردعـه بأنفسنا؟ وما الـذي يحتاج إلى شراكة؟ علينا التمييز بين جار مختلف معنا وجار يهددنا، وبين وعد الحليف والتزام يمكن الاعتماد عليه. ومن هذه الخريطة نستخرج الحد الأدنى من القدرة الذاتية اللازمة لمنع الابتزاز. وتأتي المؤسسية الليبرالية في الخطوة الثانية، لتحويل التفاهمات إلى ترتيبات تعيش بعد الاجتماعات. نحتاج إلى آليات للتشاور، وتبادل المعلومات، وتسوية النزاعات، ومراقبة الالتزامات، وإدارة الحوادث البحرية والجوية قبل تحولها إلى حروب. فالثقة السياسية تتبدل، أما المؤسسة الجيدة فتقلل تكلفة الـشـك، وتجعل خـرق الاتـفـاق مكلفاً. وهنا يصبح الـسـؤال: أي قـواعـد ومصالح مشتركة تجعل التعاون قابلا للاستمرار حتى عندما تختلف الحكومات؟ وتضيف المـدرسـة البنائية خطوة ثالثة: فحص الطريقة التي نعرّّف بها أنفسنا وجيراننا. فالتهديد قـدرة مادية، لكنََّه أيـضا تصور يتشكل بالتاريخ والخطاب والخوف المتبادل. علينا أن نسأل متى يصبح الخلاف عداوة دائمة، وكيف يمكن تغيير السلوك دون اشتراط تغيير الهوية. وهذه الخطوة تمنعنا من بناء أمننا على افتراض أن كل جار خصم أبدي، أو أن التقارب اللفظي دليل كاف على زوال الخطر. وتنبهنا مقاربة الأمـن الإنساني إلى خطوة رابعة: اختبار أثر الترتيبات المقترحة في حياة الـنـاس. فالتنمية هنا مصدر للقدرة على الصمود، كما أن صـيـانـة الـــداخـــل تـقـلـل فـــرص الــتــدخــل الــخــارجــي وتـجـنـيـد الــــــوكلاء واسـتـثـمـار الانقسامات. بعد ذلك تأتي خطوة التركيب والاختبار. نختار من المدارس ما يجيب عن أسئلتنا، ثم نصوغ بدائل ونختبرها أمام سيناريوهات انسحاب الحليف، أو تصعيد الجار، أو تزامنهما. ولكل بديل موارد مطلوبة، وتكلفة محتملة، وجدول زمني، ومؤشرات نجاح. عندئذ نستطيع تسمية المفهوم المقترح: استقلال القرار الإقليمي، بـقـدرة دفاعية مشتركة، وقـواعـد تعايش قابلة للتحقق، وشـراكـات خارجية متعددة. بـهـذا المـعـنـى، يمكن أن يشكل هـــذا الـحـديـث نـــواة مــبــادرة تـحـدد المصالح المشتركة، والبدائل، والمسؤوليات، وآليات التنفيذ والمراجعة. فتنويع الشركاء يحتاج بــدوره إلـى مفهوم يحدد وظيفة كل شراكة وحـدودهـا، ويمنع تعارض الالتزامات. وعندها تلتقي حركة الدبلوماسي مع تصور استراتيجي يمنحها غاية قابلة للتحقيق. OPINION الرأي 12 Issue 17464 - العدد Monday - 2026/9/21 الاثنين لقد عادت الجغرافيا... وبقوة أميركا لم تستثمر هزيمة إيران وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مأمون فندي *رانيا المشاط سام منسى بين حيرة الحليف وخطر الجار

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky