Issue 17460 - العدد Thursday - 2026/9/17 اخلميس كتب BOOKS 17 الطريق الطويل من الحرب الباردة إلى أوكرانيا حين تتآكل الدبلوماسية تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى داللـتـهـا التاريخية انـطـاقـا مـن املـسـارات الــتــمــهــيــديــة الـــســـابـــقـــة لــلــحــظــة انـــدالعـــهـــا املباشرة. وتفترض هذه القاعدة املنهجية تشكّل الـحـروب الكبرى عبر تراكمات من الـــــقـــــرارات االســتــراتــيــجــيــة واالشـــتـــبـــاكـــات املحدودة والتحوالت السياسية املتعاقبة. يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هـذا املنطق التحليلي في كتابه املـــعـــنـــون «كــــيــــف ســــاهــــم تــــآكــــل الـــعـــاقـــات الـــدبـــلـــومـــاســـيـــة بـــــن الــــــواليــــــات املـــتـــحـــدة األمـيـركـيـة وروســيــا االتـحـاديـة فـي األزمــة األوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع »، مقدما دراســة مستفيضة تضع 2025 / فـــي نـهـايـة 2022 ) حــــرب فـــبـــرايـــر (شــــبــــاط سلسلة مـمـتـدة مــن الــتــحــوالت والـــقـــرارات وســـــــوء الـــتـــقـــديـــر املــــتــــبــــادل بــــن مــوســكــو وواشــــنــــطــــن، ومـــقـــتـــرحـــا قــــــــراءة تــــــرى فـي تدهور العلقة بي القوتي عنصرًا فاعل فـــي إنـــتـــاج األزمـــــــة، عــــوض الــتــعــامــل معه بوصفه أثـــرًا تاليا لـهـا، نـاقـا الــســؤال من مسؤولية القرار الروسي املباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكنا وفق حسابات الكرملي. يستمد الـكـتـاب متانته املـعـرفـيـة من خـلـفـيـتـه األكـــاديـــمـــيـــة فـــي حــقــل الــعــاقــات الدولية، وتتجلى هـذه املتانة في املعمار املنهجي للبحث، وكثافة إحاالته املرجعية املتنوعة فـي تتبعه ملـسـار تـطـور العقيدة الــســيــاســيــة الـــخـــارجـــيـــة الـــروســـيـــة بـــــداءة مــن حقبة مـا بـعـد الـحـرب الـــبـــاردة، مــرورًا بـمـرحـلـة إعــــادة الـتـمـوضـع االسـتـراتـيـجـي فـــي عــهــد فــاديــمــيــر بـــوتـــن، رابـــطـــا إيــاهــا بــــــمــــــســــــارات الـــــتـــــوســـــع املــــســــتــــمــــر لــحــلــف شــمــال األطــلــســي بــاتــجــاه الـــشـــرق. ويمتد هــــذا الـــرصـــد الــتــاريــخــي لـيـشـمـل مـحـطـات مـــفـــصـــلـــيـــة شـــكـــلـــت نــــقــــاط تــــحــــول حـــرجـــة فـــي جــســد الــعــاقــة بـــن الـــطـــرفـــن، أبــرزهــا الــثــورة البرتقالية فــي أوكــرانــيــا، وصـــدام ، ومــــحــــاوالت إعــــادة 2008 جـــورجـــيـــا عــــام ضبط العلقات في عهد اإلدارة األميركية إبــــان حـقـبـة الــرئــيــس أوبــــامــــا، بــلــوغــا إلــى احــتــجــاجــات املـــيـــدان األوروبــــــــي، وأزمــتــي الــــقــــرم ودونــــــبــــــاس، وصـــــــوال إلـــــى مــرحــلــة الحشود العسكرية الثقيلة واملـفـاوضـات .2022 األمـنـيـة الـحـاسـمـة الـسـابـقـة لـحـرب يــفــلــح الـــعـــســـاكـــر فــــي دمـــــج هـــــذه الـــوقـــائـــع املـــتـــنـــاثـــرة داخــــــل نـــســـق تـــاريـــخـــي مـتـصـل تتصاعد فيه الهواجس املتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة املشتركة، وتتقلص قدرة املـؤسـسـات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية. نقطة ارتكاز مفصلية 2004 يمثل عام بالغة األهمية في هذا املسار التصاعدي، فــقــد قـــــرأت واشـــنـــطـــن الــــثــــورة الـبـرتـقـالـيـة فــــي كــيــيــف تــــحــــوال ديـــمـــقـــراطـــيـــا مــحــمــودًا ومـقـاربـة ناجحة نحو املنظومة القيمية األوروبـيـة، يقابل ذلك تفسير روسـي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقا غربيا صريحا لــلــمــجــال الـــحـــيـــوي الــســوفــيــاتــي الــســابــق، وتـــهـــديـــدًا يــنــذر بــانــتــقــال عــــدوى الـــثـــورات امللونة إلى الداخل الروسي. هـــنـــا يــلــتــقــط الـــعـــســـاكـــر إحــــــدى أكــثــر أفــــكــــار الـــعـــاقـــات الـــدولـــيـــة خـــصـــوبـــة، أي «املعضلة األمنية» التي تجعل سعي دولة إلـى تعزيز أمنها سببا في تراجع شعور الدولة املقابلة باألمن. فتوسع الناتو الذي قــدمــه الـــغـــرب بــاعــتــبــاره تـوسـيـعـا ملنطقة االســـتـــقـــرار األوروبــــــي ظـهـر أمــــام موسكو حــركــة فـــي مـــيـــزان الـــقـــوى تــصــل تـدريـجـيـا إلى حدودها، بينما تحولت االستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لــدى دول أوروبــــا الشرقية على حاجتها إلـــى مــزيــد مـــن الـحـمـايـة الــغــربــيــة. وهـكـذا دخـــــل الـــطـــرفـــان فــــي حـــركـــة جـــدلـــيّـــة تـنـتـج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزما تعزز املخاوف األوروبية، ثم توسع أكبر في البنى األمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي. يـــشـــكـــل خــــطــــاب بــــوتــــن فـــــي مــؤتــمـــر مــحــطــة دالــــة 2007 مــيــونــيــخ لـــأمـــن عـــــام فــــي ســــرديــــة الـــعـــســـاكـــر؛ ألنـــــه يــكــشــف عـن انـــتـــقـــال االعــــتــــراض الــــروســــي مـــن الــتــذمــر الـدبـلـومـاسـي إلــى صياغة رؤيـــة متكاملة تعترض على األحادية األميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام الـــتـــالـــي لــتــمــنــح هـــــذا الـــتـــحـــول مــضـمـونــا عــســكــريــا؛ إذ أظـــهـــرت اســـتـــعـــداد مـوسـكـو الســــتــــخــــدام الـــــقـــــوة عـــنـــدمـــا تــــــرى مـــيـــزان الـنـفـوذ فــي جـــوارهـــا املـبـاشـر مـــهـــددًا، كما أظهرت حدود االستجابة الغربية في تلك املرحلة، األمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة. يــســتــنــد الـــعـــســـاكـــر فــــي تــفــســيــر هـــذه الــديــنــامــيــة إلـــــى «الـــواقـــعـــيـــة الــهــجــومــيــة» عـــنـــد جــــــون مـــيـــرشـــايـــمـــر، الــــتــــي تــفــتــرض نظاما دوليا فوضويا تتحرك فيه القوى الـــكـــبـــرى وفـــــق هــــاجــــس الـــبـــقـــاء وتــعــظــيــم الـــقـــوة ومــنــع املـنـافـسـن مـــن إقـــامـــة مـواقـع مـتـقـدمـة فـــي مـنـاطـقـهـا الــحــيــويــة. وبــهــذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكــــرانــــيــــا قـــابـــلـــة لــــلــــقــــراءة ضـــمـــن مـنـطـق القوة واملجال الجغرافي وتوازنات األمن، بـــدال مـن ربطها حـصـرًا بشخصية بوتي أو الـحـنـن اإلمـــبـــراطـــوري الـــروســـي، وهـي مــســاهــمــة تـحـلـيـلـيـة مـــفـــيـــدة؛ ألنـــهـــا تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتـــضـــع الـــســـلـــوكَـــن األمـــيـــركـــي والـــروســـي داخــــــل مــنــظــومــة واحـــــــدة مــــن الــحــســابــات االستراتيجية. تـتـجـلـى بـــراعـــة املـــؤلـــف الــفــكــريــة في تــطــويــع الــنــظــريــات املــتــنــوعــة السـتـيـعـاب تــعــقــيــدات الـــهـــويـــة واملـــكـــانـــة الــتــاريــخــيــة، جاعل من املقاربة البنائية أداة مساعدة شـديـدة األهـمـيـة للفهم الـشـامـل لتأثيرات انـــهـــيـــار االتــــحــــاد الـــســـوفـــيـــاتـــي، وصـــدمـــة تراجع املكانة الدولية، والروابط السلفية الـعـمـيـقـة بـــن روســـيـــا وأوكــــرانــــيــــا. وهـــذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ ألن النظرية عـنـده تـتـحـول إلـــى أداة للفهم أكـثـر منها قالبا تساق الوقائع نحوه. االخـــتـــبـــار األقــســى 2014 يــمــثــل عــــام وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الــواردة فــــي عــــنــــوان الــــكــــتــــاب. فــعــمــلــيــة ضــــم شـبـه جـــزيـــرة الـــقـــرم أحـــدثـــت قـطـيـعـة مـؤسـسـيـة واســعــة الـنـطـاق بــن واشـنـطـن ومـوسـكـو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري واألمـــــنـــــي، وتــجــمــيــد مـــــبـــــادرات الـــحـــد مـن الــتــســلــح، ووقـــــف املـــشـــاريـــع املــشــتــركــة في مــجــاالت الــطــاقــة واألمــــن الـــنـــووي. حـوّلـت هـــــذه الــقــطــيــعــة الـــجـــذريـــة مـــســـار الــعــاقــة الثنائية لتعتمد كليا على أدوات الضغط املتبادل والعقوبات االقتصادية املشددة، متسببة في تلشي آليات الحوار الفعالة واملنصات املؤسسية الضامنة الستمرار التواصل وقت األزمات. غير أن هذا االختيار النظري يفتح أيــضــا مـسـاحـة لـاشـتـبـاك مــع أطــروحــة الـــكـــتـــاب؛ ألن مــفــهــوم «تـــآكـــل الــعــاقــات الــــدبــــلــــومــــاســــيــــة» فـــــي الـــــعـــــنـــــوان يـــبـــدو أحــيــانــا أوســــع مـــن املـــــادة الــتــي يقدمها املـــــن، حــيــث يـنـصـب الـــجـــزء األكـــبـــر من التحليل على توسع التحالفات وميزان الـــقـــوى والـــعـــقـــوبـــات والــــثــــورات املـلـونـة والـــتـــحـــركـــات الــعــســكــريــة والــســيــاســات الداخلية الـروسـيـة، بينما كــان املفهوم املــــــركــــــزي ســـيـــكـــتـــســـب وزنــــــــا تــفــســيــريــا أكـبـر عبر تحليل أكـثـر تفصيل آلليات الـــدبـــلـــومـــاســـيـــة نــفــســهــا: كـــيـــف تـغـيـرت قنوات االتصال بي موسكو وواشنطن؟ وأي مـفـاوضـات تـعـثـرت؟ وأيـــن ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بــــــن الــــــطــــــرفــــــن؟ وأي مـــــؤســـــســـــات أو شـخـصـيـات لـعـبـت أدوارًا فـــي تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف ملسار العلقة إلـى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاما. يخصص الكتاب حيزًا تحليليا مهما ملـوقـع أوكـرانـيـا بوصفها فـاعـا سياسيا واجتماعيا مستقلً، متجاوزًا تصويرها كــمــجــرد رقـــعـــة شــطــرنــج تــتــنــافــس عليها الـقـوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية املجتمع األوكـــرانـــي فـي صناعة تحوالته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية ومــــوقــــعــــه الـــجـــيـــوســـيـــاســـي املــســتــقــبــلــي. وعـــززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية املتعاقبة ميول قطاعات واسعة مـن الـــرأي الـعـام األوكــرانــي نحو التحالف االســـتـــراتـــيـــجـــي مــــع املـــنـــظـــومـــة الـــغـــربـــيـــة، وتــوطــيــد االرتــــبــــاط بــمــؤســســات االتـــحـــاد األوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة االجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات االستراتيجية املسبقة للكرملي. الحرب الروسية - األوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس ندى حطيط يعيد الكتاب االعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية إلدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة» صــــــــدرت حــــديــــثــــا عـــــن «دار نــــوفــــل - هاشيت أنطوان»، رواية «وجهي الغريب» للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، وفيها تـــــروي قــصــة امـــــرأة جـــزائـــريـــة تـحـمـل آثـــار العنف األسـري والفقدان والحب املنقطع، وتــعــيــش صـــراعـــا مـــتـــواصـــا مـــع ذاكــرتــهــا وهويتها... تكبر املـرأة وهي تحمل اسما ال يشبهها، ووجوها كثيرة تخفي وراءها الخوف والذنب والوحدة. صـــفـــحـــة) 256( فــــــي هـــــــذه الـــــــروايـــــــة يتسع الـسـرد ليكشف ال عـن تـاريـخ عائلة فحسب بـل عـن مجتمع، وســط التحوالت الــســيــاســيــة واالجــتــمــاعــيــة الـــتـــي عـرفـتـهـا الجزائر من أواخر الثمانينات إلى سنوات العنف املسلح. إنها روايــة عن آثـار العنف املـتـوارث، وتـــبـــعـــات الـــفـــقـــد، والــــخــــوف مـــن األمـــومـــة، وتضحية النساء بـذواتـهـن داخــل األســرة والـــــزواج، إلـــى جـانـب مــحــاوالت اسـتـعـادة الصوت والحلم من خلل التعليم والرسم والحب. جاء في كلمة الناشر: «ال جــــــدار أبـــيـــض فــــي مـــنـــزل كــامــلــة. هـنـاك، تعيش وحـيـدة، محاطة بـوجـوه ال تـعـرفـهـا. وجـــوه نـسـاء مــن دون مـامـح أو مشوّهة امللمح تكتظ بها الجدران كيفما الــتــفــتــت. لــكــن وجــهــا غــريــبــا يـــبـــدأ، خـــارج حـــــدود ذلــــك املـــنـــزل املــتــخــم بــالــرســومــات، بــالــظــهــور أمـــــام كــامــلــة فـــي كــــل انــعــكــاس: على واجـهـات املــحــالّ، ونـوافـذ الحافلت، والــــزجــــاج الـــبـــارد لــلــثــاجــات. وجــــه امــــرأة ال تـعـرفـهـا... لـكـن، مــع ذلـــك، يـبـدو مألوفا بشكل مقلق. تخبر املحيطي بها أن امرأة تلحقها، وتـــتـــرصـــدهـــا. لــكــن ال أحــــد يــصــدقــهــا، فل تـجـد أمـامـهـا ســـوى الـــعـــودة إلـــى املـاضـي، ومـخـالـفـة أهـــم قــاعــدة وضعتها لنفسها: ثلث أياد لن تسمح بأن تمسك بها يوما: يد غريب، ويد عدوّ، ويد الذكريات. فــي رحــلــة تـعـود بـهـا إلـــى مــا حـاولـت طـــويـــا دفــنــه فـــي غــيــاهــب ذاكـــرتـــهـــا، تجد كـامـلـة نـفـسـهـا أمــــام ســـــؤال لـــم يـخـطـر لها يوما أن تطرحه: هـــل يـمـكـن لــإنــســان أن يـفـقـد وجـهـه فعلً، أم أن الحياة هي من تغيّره بصمت حتى يعجز عن التعرف إليه؟ من تكون املرأة التي تظهر في املرايا؟ وملــــــــاذا يــــبــــدو وجـــهـــهـــا مــــألــــوفــــا إلــــــى هـــذا الحدّ؟». وكانت وئام شرماطي قد أصدرت روايتي: «قبر مكشوف على السماء» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة القلم الذهبي و«املرأة التي ال تشبه اسمها». بيروت: «الشرق األوسط» النص الكامل على الموقع اإللكتروني الباحثة السعودية لطيفة الشعالن تقدم دراسة سيرة جهيمان «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم» مر جهيمان العتيبي، الشخصية التي بتحوّل 1979 قادت اقتحام الحرم املكي عام راديــكــالــي عـمـيـق، حـيـث بـــدأ مــن الـهـامـش. بــدأ حياته عـامـا مُــحـتـاال صـغـيـرًا، يُــهـرِّب السجائر عبر الحدود، ويلهث في الكويت خلف الـلـذائـذ الـعـابـرة، قبل أن يندمج في جماعة «الدعوة والتبليغ»، ثم تنصل منها ليصعد كـــأب كــاريــزمــي لـجـمـاعـة أُصـولـيـة مفتونة بــالــرؤى واألسـاطـيـر، وصـــوال إلى الـلـحـظـة الـــفـــارقـــة، حـــن قــــاد هــجــومــا على الــحــرم، وبـايـع فيه «املــهــدي» املــزعــوم، بي الـركـن واملــقــام، حيث كشف الـحـجـاب عنه، إيذانا بامللحمة النهائية. ويـــطـــرح كــتــاب «الـــغـــريـــب: دراســـــة في الــجــهــيــمــانــيــة املــــهــــدويــــة» مـــقـــاربـــة نــقــديــة ورؤيـــة تفكيكية مغايرة لسيرة جهيمان، والــــكــــتــــاب مــــن تـــألـــيـــف الــــدكــــتــــورة لـطـيـفـة الـــشـــعـــان، أســــتــــاذة عــلــم الــنــفــس بـجـامـعـة األميرة نورة بنت عبد الرحمن بالرياض، وعـــــضـــــوة مـــجـــلـــس الـــــشـــــورى الــــســــعــــودي، وهــــو يـعـالـج االخــــتــــزاالت الـتـقـلـيـديـة الـتـي تــقــف عــنــد حـــــدود الـتـحـلـيـل الــســيــاســي أو الـــتـــشـــخـــيـــص الـــبـــاثـــولـــوجـــي اإلكــلــيــنــيــكــي لـ«جهيمان العتيبي»، وتغوص في أعماق «سيكولوجيا الــوعــي املـــهـــدوي»، متتبعة مـــســـارات الـقـلـق الـــوجـــودي وســــؤال املعنى لدى شخصية هذه التراجيديا املؤملة. قصور االختزال ال تعلق الباحثة كـل املسؤولية على «اليقي املهدوي» الذي أدّى بطبيعة الحال دورًا حـــاســـمـــا فــــي الـــــحـــــراك الـــــــذي انــتــهــى بـــاالقـــتـــحـــام، لــكــنــه ال يُــــقــــدِّم ســـــوى نـصـف اإلجــابــة عـن الــســؤال التاريخي املُــحـيِّــر، إذ يكمن الـنـصـف اآلخـــر فــي بنية هـــذه الـــذات الـــتـــي ســمــحــت لـــهـــذا اإليــــمــــان أن يـتـشـكّــل، بكل ذلــك الـصـدق والـتـمـاسـك، وصـــوال إلى اللحظة الفاصلة وما ترتّب عليها. تضمنت نشأة جهيمان - في مرحلتي الطفولة واملـراهـقـة - استدماجا للمشاعر هــــ / 1347( » املُــرتــبــطــة بـــواقـــعـــة «الــســبــلــة م)، وهي املشاعر التي سادت محيطه 1929 االجتماعي، من األُســرة واملسجد، وصـوال إلـى القبيلة، ومـن املُحتمل أن الحني كان يشدّه إلـى ماضي أسـافـه، بحديث يُــراوح بي التبجيل واألسى. لـــــــكـــــــن الـــــــبـــــــاحـــــــثـــــــة تـــــــــــــرى أن هـــــــذه االسـتـحـضـارات الـوجـدانـيـة تظل هامشية فـــي ســـيـــاق الــــدرامــــا املـــهـــولـــة، الـــتـــي بلغت ذروتها في عملية االقتحام. «مجتمع األوهام» يـــكـــشـــف الــــكــــتــــاب عـــــن كـــيـــفـــيـــة تـشـكـل «مــجــتــمــع أوهــــــــام» مــتــكــامــل داخــــــل أروقـــــة الــجــمــاعــة، حـيـث أصـبـحـت مـــرويـــات الـفـن وأشـراط الساعة محاكاة يومية استهلكت وجـــدان األفـــراد، لينكمش الـواقـع تدريجيا لصالح عالم موازٍ. ولـــعـــبـــت «األحــــــــام واملــــنــــامــــات» دورًا مـحـوريـا فــي تـغـذيـة هـــذا الــوهــم؛ إذ وثقت الجماعة وصنفت ملفات تضم مـا ال يقل مناما، تحولت من مجرد شطحات 270 عن نفسية إلى «تأكيدات غيبية» يستند إليها األفراد. وتـــجـــلـــت املـــــأســـــاة فــــي كــــــون الـــفـــكـــرة املــهــدويــة نــشــأت فــي فــضــاء هـامـشـي عبر املـــزاح واملــداعــبــات، قبل أن تتلقفها بيئة اإلشــــــــــــارات والـــــــرمـــــــوز، وتـــشـــكّـــلـــت دائــــــرة ارتـداديـة خادعة، تبشير «محمد بن عبد الــلــه» بنفسه بــنــاء عـلـى نـــبـــوءات ورؤى، لــــيــــصــــادق جـــهـــيـــمـــان عـــلـــيـــهـــا ويــــمــــررهــــا للتباع، الذين يعودون بدورهم للمهدي املــــزعــــوم كـــبـــراهـــن تـــصـــديـــق، لـتـسـتـحـيـل كــل ذات إلـــى مــــرآة تـعـكـس ضـــال األخـــرى وتمنحها الشرعية. هـــذه الــبــدايــات الـتـي اتـسـمـت بالخِفة الــــعــــابــــرة، سُـــــرعـــــان مــــا وجـــــــدت فــــي بـيـئـة اإلشــــارات والــرمــوز واألحـــام تـربـة خصبة للتشابك والنمو امللحمي، ليتكفل جهيمان بـنـقـلـهـا مـــن ســيـــاق الــهــمــس الــخــجــول إلــى صعيد «الحقيقة الكونية»، التي شكّلت في نهاية املطاف تلك التراجيديا التاريخية. تقول الباحثة: «بفعل ذلك االستغراق، كــــان الــــواقــــع يـنـكـمـش ويــضــيــق تـدريـجـيـا لـيـنـغـلـق عــلــى عـــالـــم مـــــــوازٍ، يـحـكـمـه مـنـاخ غـــرائـــبـــي مــــشــــدود إلـــــى الـــغـــيـــب، اســتــهــلــك وجدان هؤالء الرجال، وأخرجهم من سياق الـــواقـــع إلـــى حـيِّــز االنــتــظــار املـلـحـمـي. ومـع ذلـك، لم يكن اليقي بظهور «املـهـدي» على درجة واحدة من االستقرار في النفوس، إذ ظل بعضهم متوجسا حيال هذه الدعوى، وإن استمروا في فلك الجماعة، مدفوعي إمـا بـاالرتـهـان لآليديولوجية الرامية إلى التغيير الديني واألخـاقـي، وإمــا انشدادًا إلى سطوة القائد وشخصيته الكاريزمية». القطيعة واإلنكار يــــرصــــد الـــكـــتـــاب مـــحـــطـــات مـفـصـلـيـة شكلت الـوعـي الحركي لجهيمان، أبـرزهـا حـــادثـــة تـكـسـيـر «أملـــانـــيـــكـــانـــات» والـــصـــور ، الـتـي لــم تكن 1965 بـاملـديـنـة املـــنـــورة عـــام مـجـرد اعــتــراض بـالـيـد، بــل أعـلـنـت قطيعة نــهــائــيــة مـــع عـــاملـــه الــــراهــــن ومـــــوت بـــراءتـــه الـسـيـاسـيـة، لتتأسس بـعـدهـا بـعـام واحــد ) الجماعة السلفية املحتسبة، التي 1966( انشق عنها هـو اآلخـــر، منفردًا بخط أكثر صرامة وتشددًا. ، استقرت فكرة 1978 ومـع حلول عـام املـــهـــدويـــة فـــي ذهـــنـــه، لــيــبــدأ الــتــحــرك نحو السلح عبر املهربي، ترتيبا إلطللة القرن الهجري الجديد. ورغــم الحصار والـتـطـورات امليدانية أثــنــاء املــواجــهــة داخـــل الــحــرم املــكــي، انـقـاد جهيمان لسيطرة يقينه اللمعقول؛ حيث مــارس حالة نموذجية من «االنفصال عن الـــواقـــع»، وحـــن تـسـرب الـشـك بــن صفوف أتباعه عقب مقتل «املهدي املزعوم»، واجه ذلــــك بـغـضـب حـــــاد، مـعـتـبـرًا إيـــــاه إرجـــافـــا، مـصـرًّا على أن املـهـدي ال يُقتل، بـل ينتظر «الخسف بالجيش». تقول الباحثة: «تُوفِّر الرؤى األُخروية للمؤمني بها على املــدى القصير شعورًا بالراحة والسكينة، وأمل باكتمال املعنى، لـكـن هـــذا االســتــقــرار ســرعــان مــا يضطرب حي تمر األيام دون تحقق وعد الخلص، وحينذاك يــزداد اإلحـبـاط وتتراكم مشاعر الــخــواء واالغـــتـــراب، مــا يُــحـيـل هـــذه الـــرؤى الغيبية ذاتــهــا إلـــى قـــوة ديناميكية تدفع أصحابها دفعا نحو الكارثة». غربة الروح وسؤال المعنى تـجـلـت لـــدى جـهـيـمـان رمـــزيـــة بـالـغـة، فـــي اهــتــمــامــه املُـــفـــرط بـالـتـرتـيـب الــزمــانــي واملــــكــــانــــي لـــلـــعـــامـــات املـــرتـــبـــطـــة بـــخـــروج «املـهـدي»، ومحاولة مطابقتها قسريا مع واقـــع الـسـعـوديـة املُــعــاش خــال سبعينات القرن العشرين. لـــقـــد انــــدفــــع جـــهـــيـــمـــان تـــحـــت وطــــأة االغـــتـــراب وانـــســـداد األفـــق فــي قـفـزة نحو الــــامــــعــــقــــول، مـــســـكـــونـــا بـــقـــلـــق وجــــــودي جارف سعى من خلله إلى إعـادة هيكلة الــــوجــــود، عــبــر تــســريــع املــســيــر الـعـنـيـف من الحاضر املـــأزوم إلـى الغيب املنتظر؛ لـــتـــنـــتـــهـــي تــــلــــك املـــــــأســـــــاة بـــاســـتـــســـامـــه اإلجـهـادي، وصمته الواجم أثناء رحلته األخـــيـــرة نـحـو الــقــصــاص، مخلفا وراءه واحدة من أقسى السرديات املسيانية في التاريخ الحديث. ورصـــــــــــــــــدت الــــــبــــــاحــــــثــــــة مـــــــــن خــــــال مصادرها، ومن بينهم مسؤول أمني مطلع على تفاصيل القضية، أن جهيمان لم يُبد أي مقاومة لحظة اعتقاله، إذ كان اإلجهاد قد نال منه، وخلل مجريات التحقيق ظهر مـتـمـاسـكـا، مـخـتـزال الـعـمـلـيـة بـأكـمـلـهـا في صورة اجتهاد تبي أنه في غير محله. وفي رحلته األخيرة نحو تنفيذ حُكم القتل، برفقة سعيد بـن عبد الـلّــه - شقيق «املـهـدي» - وأربعة محكومي آخرين، كان جهيمان واجـمـا طـــوال الـطـريـق، شـأنـه في ذلــــك شــــأن رفـــاقـــه الــخــمــســة اآلخــــريــــن، فلم ينبس بكلمة واحدة. وتــــرى الـبـاحـثـة أن «جـهـيـمـان يبقى حالة استثنائية مُتفرِّدة في يقينه املُطلق بـــأنـــه يُـــعـــاصـــر أواخــــــر الــــزمــــان، وهــــو يقي اســتــبــد بـــمـــداركـــه وهــيــمــن عـلـيـهـا، وصـــاغ خـــــيـــــاراتـــــه الــــــوجــــــوديــــــة، ورســـــــــم مـــصـــيـــره الـشـخـصـي ومــصــائــر اآلخـــريـــن مـــن حـولـه. فقد تـجـاوز هــذا االعـتـقـاد كـل حـد مُتصور لـيـسـتـحـيـل قــــوة تــاريــخــيــة كـــبـــرى، أحــدثــت تأثيرات عميقة ومتعددة األبعاد». الرياض: عمر البدوي
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==