issue17459

الثقافة CULTURE 18 Issue 17459 - العدد Wednesday - 2026/9/16 الأربعاء ميرزا الخويلدي «مسرح التفاهة»! المسرح هو «أبـو الفنون»، وأقدمها، ومــرآة الشعوب، وهو الـوسـيـط الـوحـيـد الــــذي يـنـبـض بـالـتـفـاعـل المـبـاشـر بــن الممثل والجمهور في المكان والزمان نفسهما، يجمع الكلمة والموسيقى والأداء الــحــركــي والـتـشـكـيـل الــبــصــري فـــي لـحـظـة تـفـاعـل حية ومباشرة لا تتيحها باقي الفنون. على خشبة المسرح التي تنبض بالوعي؛ يمارس الممثلون طـــرح الأسـئـلـة، وتـحـريـض الـجـمـهـور عـلـى التفكير والمـنـاقـشـة، وإثــــارة الـقـضـايـا المـسـكـوت عـنـهـا، وكـشـف الـتـنـاقـضـات، ومنح المهمشين صـوتـا، وجـعـل الثقافة تجربة جماعية لا استهلاكا فرديا ً. هذا هو المسرح الذي يقوم بتعميق الوعي، وطرح التساؤلات الفلسفية والسياسية والاجتماعية التي تحرك ركود المجتمع، وهو كما وصفته اليونسكو؛ تعبير عن الإبداع الإنساني وحمل انعكاسات المجتمعات وذاكرتها وتقاليدها. في المقابل، هناك مسرح «التفاهة»، القائم على السخرية والابتذال، الذي حوّل المسرح إلى ظاهرة تعتمد على السطحية المـطـلـقـة، وإلـــغـــاء الــبــنــاء الـــدرامـــي والــنــص الــفــكــري، واســتــبــدال الارتــجــال العشوائي بهما، والإســفــاف، والـبـحـث عـن الضحكة الرخيصة السريعة. في هـذا النوع من المسرح، تحول الفن من رسالة نقدية، إلـى سلعة تجارية استهلاكية تُباع في الأعياد والمواسم، حيث يكون الهدف الوحيد هو زيادة مبيعات شباك التذاكر، حتى لو كـان الثمن هو هـدم القيم الجمالية والرقابة الأخلاقية. فـي الخليج، كـان المـسـرح الكويتي صرحا للتنوير والنقد السياسي والاجتماعي، ولم تكن الحركة المسرحية، التي تعود بداياتها إلـى عشرينات القرن المـاضـي، مجرد نشاط ترفيهي، بل كانت جزءا من مشروع بناء الدولة الحديثة، وترسيخ تطور المجتمع، وانفتاحه، وبـنـاء قوته الناعمة، وكــان المـسـرح يقود فعليا عملية التغيير نحو الـحـداثـة والـتـطـور، تعتمد الحركة المسرحية على بنية تحتية راسخة، فقد كانت هناك مؤسسات، ومعاهد، وممثلون، ومخرجون، وكتاب، ومثقفون، وجمهور، ونقد صحافي، عملت جميعا كمنظومة كاملة للمسرح. لـكـن ذلـــك المـــســـرح تـــراجــع وحــــل مـكـانـه الــيــوم مــســرح يـقـدّم أعمالا ارتجالية تسير باتجاه الابـتـذال، حتى وصل الأمـر (في إحدى العروض الأخيرة) إلى التعدي على المحرمات الأخلاقية والمـجـتـمـعـيـة كــإهــانــة (الأم) والــتــعــدي عـلـى مـقـامـهـا وتحطيم صورتها وتوجيه عبارات نابية وهجومية مليئة بالبذاءة لموقع الأم التي هي خط الدفاع الأخلاقي والوجداني الأول للمجتمع. وعندما يُسقط مسرح التفاهة هيبة الأمومة أو يستغلها كمادة للتهكم والسخرية والــســبّ، ينهار احـتـرام الـرمـوز والمقدسات الاجتماعية والإنـسـانـيـة، مما يُــطـبّــع قلة الأدب والـعـقـوق لدى الأجـيـال الناشئة، ويتربى المتلقي على أن الانـحـطـاط اللفظي والتعدي على الوالدين هما نوع من «الكوميديا»، وهو تزييف خطير للذوق العام. لكن أيضا ما يفعله هذا النوع من المسرح أنه يقوم بتشويه الإرث المـسـرحـي، ويــســيء هـــذا الإســفــاف لـلـسـيـادة الفنية التي بناها المسرح الكويتي على مدار عقود كمنارة ثقافية للخليج والعالم العربي. أمـــا الـــقـــول إن هـــذا الـــنـــوع مـــن الإســـفـــاف هـــو «مـــا يطلبه الجمهور»، فهو ادعــاء مـحـضّ!، الذائقة الفنية الرفيعة هي ما يريده الجمهور في منطقتنا وفي العالم أجمع. والأعمال الــتــي تـتـمـيـز بــالــجــودة والـــرصـــانـــة كـالـتـي تــقــدم (مـــثـــاً) في «برودواي» في نيويورك تعد المعيار الذهبي للمسرح الحي عالمياً، وهــي تشهد إقـبـالا كبيرا وتحقق أربـاحـا لا تعرفها مـــســـارح الـسـطـحـيـة والابــــتــــذال، فــوفــقــا لـلـبـيـانـات الـرسـمـيـة 14.58 الـصـادرة عـن رابـطـة بــــرودواي، فقد تـم تسجيل نحو 1.91 وبلغت الإيــرادات 2026 ـ 2025 مليون زيـارة في موسم في المائة من المقاعد. وكان 90.8 مليار دولار، مع إشغال بلغ مليون متفرج. وفــي لندن 14.66 المـوسـم السابق قـد سجل ،2024 مليون متفرج في 17.1 » تجاوز جمهور «ويست إنـد في المائة. 11 بزيادة ما نخسره اليوم ليس مجرد مستوى فني في المسرح، ولا مجرد نصوص ضعيفة أو عــروض تنتهي بانتهاء موسمها. نحن نخسر جزءا من ذاكرتنا الثقافية والمعرفية حين تستولي الارتجالية على المـسـرح، وحـن يصبح الضحك غاية ولـو جاء على حساب اللغة والفكرة والقيمة. والسقوط في فخ الارتجال العشوائي والاستسهال المسرحي ليس مجرد كبوة فنية أو ظاهرة عابرة، بل هو استنزاف حقيقي لفضائنا الثقافي والمـعـرفـي، وتـنـازل مجاني عـن إرث إنساني وفكري شامخ بناه الــرواد بالوعي والمسؤولية. وحين نُخضع الـخـشـبـة لمـنـطـق الــتــهــريــج الــرخــيــص ونــســمــح بــانــتــهــاك الـقـيـم الأخلاقية التي قـام عليها مجتمعنا — وفـي مقدمتها احترام الأسرة وهيبة الأمهات — فإننا لا نهدم قيمة الفن فحسب، بل نُقوّض خط دفاعنا الحضاري والأخلاقي الأخير. المــســرح لـيـس مـسـاحـة مـبـاحـة لتحطيم كــل مــا اسـتـقـر في وجدان المجتمع. فالتراث الإنساني الذي وصل إلينا لم يبن من الــفــراغ، بـل صنعته أجـيـال راكـمـت المعرفة والقيم والـخـبـرة، ثم تركتها لنا كي نضيف إليها لا كي نهدمها. إن المسرح إما أن يكون منارة تبني الإنسان وتصون ذائقته، أو يصبح معول هدم يُجرّد المجتمع من أصالته ويورث الأجيال القادمة فراغا قيميا وخسارة ثقافية لا تُعوّض. روايات سنويا وتحتاج دونا تارت إلى عقد كامل 3 تكتب أميلي نوتومب لماذا يكتب بعض الروائيين كثيرا ويتأخر آخرون؟ حـــــن أصـــــــــدرت أمـــيـــلـــي نــــوتــــومــــب روايـــتـــهـــا الـــجـــديـــدة «مـــراهـــقـــة الــبــبــغــاء» فـــي أغــســطــس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة . غير 1992 والــثــاثــن مـنـذ «نــظــافــة الــقــاتــل» عـــام أن المـفـارقـة الأهـــم فـي تجربتها لا تكمن فـي الرقم وحـــده، بـل فـي تصريحها لـوسـائـل الإعـــام بأنها تـكـتـب نـحـو ثـــاث روايـــــات ســنــويــا، ثــم تــعــود إلـى مخطوطاتها فتختار واحدة منها للنشر، وتضع الأخـــريـــات جـانـبـا. وقـــد أدهــشــت الـكـاتـبـة المـعـروفـة كـثـيـريـن حـــن كـشـفـت عـــن طـقـوسـهـا فـــي الـكـتـابـة؛ ففي مقابلة مـع «وكـالـة الصحافة الفرنسية» في أغـسـطـس المــاضــي، قـالـت نـوتـومـب إنـهـا تستيقظ فـــي الــرابــعــة صــبــاحــا، وتـــشـــرب الـــشـــاي المـــركّـــز، ثم تكتب أربـع ساعات متواصلة قبل أن يبدأ يومها العادي، وهي الوتيرة التي تحافظ عليها كل أيام الأســبــوع. تجربة نوتومب تطرح ســـؤالا يتجاوز خصوصيتها: كيف يستطيع بعض الكتّاب إنتاج أعـــمـــال كــثــيــرة، والـــحـــفـــاظ فـــي الـــوقـــت نـفـسـه على مستوى أدبـــي جـيـد، فـي حـن يحتاج آخـــرون إلى أعــوام طويلة قبل نشر روايــة جـديـدة؟ هل يرتبط الأمــر بالنوع الأدبـــي؟ أم بانضباط الكاتب؟ أم أن الإلـــهـــام، ذلـــك العنصر الـغـامـض، لا يـــزال صاحب الكلمة الأخيرة؟ تـقـدّم تـجـارب الكتّاب غـزيـري الإنـتـاج جوابا أولـيـا: الكاتب لا ينتظر الإلـهـام دائـمـا، بـل يصنع لــه مــوعــداً. يكشف ستيفن كـيـنـغ، فــي كـتـابـه «عـن الكتابة: مذكرات حرفة»، عن أنه يضع لنفسه هدفا يوميا يقارب ألفي كلمة، أي نحو عشر صفحات، ويعمل من أربـع إلـى ست ساعات يومياً. ويقول: «إن من يريد أن يكتب عليه أن يقرأ كثيرا ويكتب كـثـيـراً». يـرفـض كـاتـب روايــــات الــرعــب والتشويق الأميركي أن يترك العمل رهينة المزاج، فهو يحوّل الكتابة عـــادة تشبه الـقـراءة أو المـشـي: فعل يومي لا يحتاج في كل مـرة إلـى قـرار جديد. كما يفضّل إنجاز المسودة الأولى بوتيرة منتظمة، ثم الابتعاد عنها فـتـرة قـبـل الــعــودة إلـــى المــراجــعــة؛ فـالمـسـودة الأولــــــــى، فــــي نــــظــــره، لــيــســت مـــوضـــع الـــكـــمـــال، بـل مساحة لاكتشاف الرواية. أما أونوريه دو بلزاك، أحد أعمدة الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر، فــكــان يستيقظ فـــي مـنـتـصـف الـلـيـل لـيـجـلـس إلـى مكتبه ساعات طويلة. وقد ارتبط اسمه بأسطورة شـرب خمسين فنجانا من القهوة يومياً، والمؤكد أن بلزاك كان يكتب بإيقاع قاسٍ، حتى إن مشروعه الروائي الضخم «الكوميديا الإنسانية» تطلّب منه إنتاجا متواصلا أرهق جسده وأضر بصحته. وكــــــان إســــحــــاق أســـيـــمـــوف مــــثــــالا آخـــــر عـلـى تحويل الكتابة عملا يوميا منتظماً. فقد نُسب إليه كتابا بين التأليف والتحرير والمشاركة، 477 نحو وكــــــان يــكــتــب أو يــــراجــــع طــــــوال ســــاعــــات طــويــلــة. وتـــحـــدث عـــن مــتــوســط يـــومـــي بــلــغ ألــــف كـلـمـة في كلمة في مرحلة 1700 مرحلة، ثم ارتفع إلـى نحو لاحقة. ولم يكن سرّه في انتظار لحظة استثنائية، بل في قدرته على مواصلة العمل حتى في الأيام العادية، حين لا يبدو الإلهام قريباً. وتنتمي دانييل ستيل إلـى الفئة نفسها من الكتّاب الذين جعلوا الاستمرار نظاما للحياة؛ إذ قالت في مقابلة مع دار «بنغوين رانـدوم هاوس» إنها تعمل دائماً، ولا تحتمل الابتعاد عن الكتابة أكثر من أسبوعين. غير أن «العمل» عندها لا يعني الـكـتـابـة المـتـصـلـة فـحـسـب، بـــل يـشـمـل التخطيط، والمـــراجـــعـــة، والــــقــــراءة، والـــتـــواصـــل مـــع المــحــرريــن والناشرين. وبـيـنـمـا يـمـضـي بـعـض الــكــتّــاب فــي الكتابة بوتيرة غـزيـرة ومنتظمة، يفضّل آخـــرون التمهل أعـــوامـــا قـبـل أن يـــعـــودوا إلـــى الـــقـــرّاء بعمل جـديـد. وهـــــذا يــكــشــف عـــن أن الإبـــــــداع لا يــخــضــع لإيــقــاع واحــــد، ولا يـقـاس دائــمــا بـسـرعـة الإنــتــاج أو كثرة الــعــنــاويــن. تـــقـــدّم الـكـاتـبـة الأمــيــركــيــة دونــــا تـــارت نـمـوذجـا مـعـاكـسـا. فـقـد احـتـاجـت إلـــى نـحـو عشر ســـنـــوات لـكـتـابـة «الـــتـــاريـــخ الــــسّــــري»، ثـــم إلـــى عقد آخــــر تـقـريـبـا لإنـــجـــاز «الـــصـــديـــق الــصــغــيــر». وفــي مقابلاتها، أوضـحـت أنـهـا تحب أن تمضي وقتا طويلا مع المشروع الواحد، وأنها لا ترى في طول المدة عبئا أو دليلا على العجز. حيث تكتب تارت بـبـطء، وتعيد النظر فـي التفاصيل، وقــد تحذف مشاهد كاملة بعد أسابيع من العمل إذا اكتشفت أنها لا تخدم البناء العام للرواية. ولعل هذا البطء لا يـعـود إلــى ضعف الانـضـبـاط، بـل إلــى انضباط مختلف: حماية النص من الاستعجال. فالكاتب السريع يحمي سـاعـات الكتابة مـن المقاطعة، في حـــن يـحـمـي الـــكـــاتـــب الـــبـــطـــيء حـــق الــعــمــل فـــي أن يتشكل بعيدا عن ضغط السوق. كلاهما منضبط، لـكـن كــل واحــــد منهما يــعــرّف الانــضــبــاط بطريقة مختلفة. هـنـاك أعـمـال لا يمكن إنـجـازهـا بسرعة، لا لأن الـكـاتـب أبـطـأ مـن غـيـره، بـل لأن موضوعها يحتاج إلى بحث طويل واحتكاك بالعالم. فالكاتب الذي يتناول حقبة تاريخية أو شخصية سياسية أو مجتمعا بـعـيـدا لا يستطيع أن يكتفي بلمعة أولى أو بمعلومات متناثرة. أمـبـرتـو إيـكـو مـثـال بـــارز عـلـى ذلـــك. فـقـد قـال الـــكـــاتـــب والمـــفـــكـــر الإيـــطـــالـــي فــــي حــــــوار مــــع مـجـلـة «باريس ريفيو» إن روايـة «اسـم الــوردة» احتاجت إلــــى عـــامـــن مـــن الـــكـــتـــابـــة، لــكــنــه كــــان يـمـتـلـك قبل ذلـــك ســنــوات مــن الـتـخـصـص فــي تــاريــخ العصور الـوسـطـى ومـئـات المـلـفـات والمــاحــظــات. أمــا روايــة «بندول فوكو»، فقد استغرقت منه ثمانية أعـوام فـي البحث والكتابة. لـم يكتف فيها إيكو بقراءة الكتب، بل بحث في المخطوطات والعمارة وأسماء الرهبان وتفاصيل الأديرة والطقوس الدينية. وكــان يعرف أن الـروايـة التاريخية لا تقنع بمجرد الحكاية؛ إنها تحتاج إلـى بنية معرفية تـمـنـح الــخــيــال قـــوة الـحـقـيـقـة. وقـــد لا تـظـهـر كل هـــذه المـعـرفـة عـلـى سـطـح الــنــص، لكنها تمنحه كثافته ومصداقيته. وينطبق الأمــر نفسه على الــبــريــطــانــيــة هـــيـــاري مــانــتــل فـــي ثـاثـيـتـهـا عن توماس كرومويل؛ فهي لم تكتف بقراءة المصادر الــتــاريــخــيــة، بـــل اســتــعــانــت بـــالمـــؤرخـــن وأمـــنـــاء الأرشيف المختصين في حكم آل تيودور، وعملت على وثائق ومراسلات وملاحظات بحثية. وفي مقابلة مــع «تـايـمـز هـايـر إديـوكـيـشـن»، تحدثت عن العلاقة التكاملية بين الروائي والمؤرخ، وعن أهمية دراسة التفاصيل السياسية والاجتماعية. أمــــا الــــروائــــي الأمـــيـــركـــي جـيـمـس مـيـشـيـنـر، فقد احتاج إلـى عامين من البحث قبل كتابة روايته التاريخية «تشيسابيك»؛ إذ انتقل إلـى المنطقة الـتـي تتناولها الـــروايـــة، وتــحــدث إلـــى سكانها، وقــرأ مئات الكتب، ثـم أمضى عامين آخـريـن في الـــكـــتـــابـــة. لـــم يــكــن الـــزمـــن هــنــا عـــامـــة عــلــى بــطء شخصي، بل كان جزءا من أمانة المشروع الأدبي. قد تكتب نوتومب ثلاث روايــات في السنة، وقد ينتظر قارئ تارت عشر سنوات، وقد يملأ كينغ آلاف الـصـفـحـات وفـــق حـصـتـه الــيــومــيــة، لـكـن لا توجد وصفة واحدة للكتابة الجيدة. هناك فقط علاقة خاصة بين الكاتب والزمن: بعضهم يحوّل الـزمـن عـــادةً، وبعضهم يحوّله بحثاً، وبعضهم يحوّله صمتا طويلاً. دونا تارت إمبرتو إيكو ستيفن كنغ باريس: أنيسة مخالدي يرى الكتّاب غزيرو الإنتاج أن على الكاتب ألا ينتظر ًالإلهام دائماً... بل يصنع له موعدا حركته حيّة في الظاهر لكنّها ثابتة ويسودها السكون صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي زاول الـــعـــرب الــصــيــد فـــي الــحــقــبــة الـتـي سـبـقـت ظــهــور الإســـــام، كـمـا تــؤكــد الـشـواهـد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة. وتطوّرت هـــذه المــمــارســة بشكل كبير فــي كـنـف الأســـرة الأمـويـة، وبـاتـت لها طقوس وتقاليد خاصة بها، أشار الرواة إليها في العديد من الأخبار والـــروايـــات. أســـوة بالغساسنة، شيد أسياد هــــذه الأســـــرة الــقــصــور والمـــشـــاتـــي فـــي أطــــراف بـــــــــوادي الـــــشـــــام وغــــــــور الأردن لـــاســـتـــراحـــة والاستجمام والصيد واللهو، وتميّزت هذه المنشآت بفنها المعماري الــذي مـزج بـن طرز الروم والفرس، كما تميّزت بحللها التزيينية الــــتــــصــــويــــريــــة. يــــحــــوي هــــــذا المـــــيـــــراث صـــــورا تشهد لانتشار فنون الصيد فـي ذلـك العهد، أشــهــرهــا تـلـك الــتــي تـــزيّـــن بـعـضـا مـــن جـــدران قصير عمرة في غـور الأردن. إلـى جانب هذه الــلــوحــات الــجــداريــة، تـبـرز لـوحـة أرضــيــة من الحجم الكبير، تصور فارسا يصطاد الغزلان، مـصـدرهـا قصر الحير الـغـربـي، جـنـوب غرب تدمر، في البادية السورية. عُــــثــــر عـــلـــى هــــــذه الــــلــــوحــــة خــــــال أعـــمـــال المسح التي كشفت عن القصر في خريف عام ، وتم نقلها في العام التالي إلى متحف 1936 دمشق الوطني حيث جرى تثبيتها في جناح خـصّــص بأكمله لـهـذا المـوقـع الأثـــري الأمـــوي. وقـــد أُنـــجـــزت عـلـى قــاعــدة مــن المـــاط الجصِّي 5 الـــجـــاف، ومـسـاحـتـهـا شـبـه مــربّــعــة، طـولـهـا مـتـر. يحد هــذا اللوح 4.85 أمــتــار، وعـرضـهـا إطار زخرفي عريض يتبع التقليد الساساني، وقوامه سلسلة متناسقة تعتمد شكل المُعين الـــربـــاعـــي الأضــــلــــع، تــعــلــوهــا أزهـــــــار مـــحـــوّرة هندسيا على شكل أنـجـم. يجمع هــذا العمل التشكيلي بــن لـوحـتـن مستطيلتين، تعلو إحداهما الأخـــرى، ويفصل بينهما شريطان أفــقــيــان ســـطّـــرا بــالــلــون الأحـــمـــر، يتوسّطهما شريط أسود. تحضر في الأعلى لوحة تجمع بـــن عـــــازف عــــود وعــــــازف مــــزمــــار، وتـقـابـلـهـا اللوحة التي تصور فارسا يصطاد الغزلان. وتشير التقارير إلى لوحة ثالثة مهشّمة ضاع أثرها، تحتل القسم الأسفل من التأليف. يظهر هـذا الـفـارس فـي وضعية جانبية ممتطيا جـواده، وسط مساحة مجرّدة تخلو مـــن أي عــنــصــر تـــصـــويـــري يــشــيــر إلــــى أبــعــاد الــفــضــاء المــنــظــور. الــحــركــة حـيـة فــي الـظـاهـر، غير أنّها ثابتة، ويسودها الجمود والسكون. الــــحــــصــــان أســــــــــود، وقــــائــــمــــتــــاه الأمــــامــــيــــتــــان مرفوعتان نحو الأمام، أما قائمتاه الخلفيتان فـمـمـتـدتـان إلـــى الــخــلــف، ويـعـلـو ظــهــره سـرج أبيض، يربطه شريط رفيع يلتف حول العنق ومــــؤخــــرة الـــظـــهـــر، كــمــا يــحــيــط بــأنــفــه لــجــام. مــفــاصــل بـــدنـــه ورأســــــه مـــحـــدّدة بـــدقـــة، وأنــفــه مـــطـــوّق بــلــجــام عـــريـــض. يـعـتـلـي صــهــوة هــذا الجواد فارس أمرد، يرفع بيده اليمنى سهماً، وبـيـده اليسرى قـوس النشاب. الـوجـه نصف جانبي، وبنيته دائــريــة، وملامحه مرسومة بــــخــــط أســـــــــــود. الــــعــــيــــنــــان شــــاخــــصــــتــــان إلــــى الأمــــام، وهـمـا عـلـى شـكـل لــوزتــن عريضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف قصير ومـخـتـزل، والـثـغـر منمنم، قـوامـه شق صغير يفصل بــن شفتين مـمـحـوتـن. يعلو الـــرأس شعر أســـود كثيف يتكون مـن كتلتين متراصتين، يحيط بهما إكليل يزينه شريط عـــريـــض مـــعـــقـــود، يــتــطــايــر طــــرفــــاه أفـــقـــيـــا مـن الخلف. الحركة ثابتة، وخيط الرسم يسود على الـصـيـاغـة الـلـونـيـة المـخـتـزلـة. أصــابــع الـيـديـن ظاهرة ومجسّدة بدقة. السهم أحمر ورفيع، قــوس الـنـشـاب عـريـض، ومــوشّــح بـلـون يميل إلـــى الأخــضــر الــفــاتــح. الــصــدر نـصـف جانبي كما الوجه، أما الساق فجانبية. اللباس قوامه ثوب طويل، يعلوه حزام معقود حول الخصر، يتدلّى منه وشاح عريض أخضر يتطاير في الأفــق فـوق ظهر الحصان. القسم الأسـفـل من هـذا الـــرداء مفتوح، وشقّه يكشف عن سـروال فضفاض، يتكوّن من قطعتين متصلتين. صـيـغـت الـقـطـعـة الـعـلـيـا بــالــلــون الأحـمـر الأرجــوانــي وصيغت القطعة السفلى باللون الأخـــضـــر الـــــــــازوردي، وبـــــدا طــرفــهــا مـعـقـودا حـول عَقِب الـقـدم. الـحـذاء ظاهر، وهـو بسيط ويــخــلــو مـــن أي تــفــاصــيــل. يــحــيــط بـالـخـصـر حزام ثان، يتدلّى منه نِجَاد مستطيل عريض. يصوّب الصياد سهمه في اتجاه غزال يركض إلــى الأمـــام، مـديـرا بـرأسـه إلــى الخلف، وكـأنّــه يـــحـــدّق بـــالـــفـــارس المـــتـــربّـــص بــــه. ويــظــهــر في طرف اللوحة الأسفل غزال آخر، تهاوى أرضاً، وأغمض عينيه. محمود الزيباوي لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي النص الكامل على الموقع الإلكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky