issue17459

OPINION الرأي 12 Issue 17459 - العدد Wednesday - 2026/9/16 الأربعاء وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com ... عن الأعطال العميقة التي تستولي علينا سـبـتـمـبـر 11 ذكــــــرى ســـنـــويّـــة أخــــــرى لـــــــ مـرّت قبل أيّــام، ولم يطرأ على 2001 ) (أيلول تـعـاطـيـنـا مــع الــحــدث تـغـيّــر يُـــذكـــر. فـمـجـدّدا اسـتـأثـرت تداعياته، كغوانتانامو والحرب عـــلـــى الإرهـــــــــاب، بـــاهـــتـــمـــام يـــفـــوق الاهـــتـــمـــام بـــه. والــتــداعــيــات خـطـيـرة بـالـطـبـع، تستحق المــراجــعــات الــجــدّيّــة والـنـقـد الـــصـــارم، إلا أن الأصــــل يـبـقـى تـلـك الـعـمـلـيّــة الـرهـيـبـة إيّــاهــا. وفــارق الأهميّة ليس كمّيّاً، ولا مجرّد فارق ســــيــــاســــي مــــحــــض. إنّـــــــه يــــتــــجــــاوز ذلــــــك إلـــى المـــســـؤولـــيّـــة الـــذاتـــيّـــة، الـــتـــي يُـــقـــاس تـعـافـيـنـا كشعوب على استجابتنا لموجباتِها. وهي علاقة على قـدر مـن التأثّر والتأثير، بحيث يـــعـــبّـــر تــقــلــيــل الاهـــتـــمـــام عــــن رفـــــض الإقــــــرار بـالمـسـؤولـيّــة فيما يـقـود الــرفــض إلـــى إبـطـاء التعافي الذاتيّ، إن لم يكن إلغاءه. ومعروفة الحجّة التي تُرفع في تبرير سلوك كهذا حيال تـطـوّرات كبرى مشابهة: نــحــن (الــفــلــســطــيــنــيّــون، الـــعـــرب، المـسـلـمـون، الـفـقـراء...) ضحايا أفعالهم (الإسرائيليّين، الأميركيّين، الغربيّين، «البيض» الأغنياء...)، وبــالــتــالــي فـــــأي نــبــش فـــي الــــــذات والـضـمـيـر تـنـازل عـن الـحـق واعــتــذار مـن الـجـانـي. ومَــن يمتلئ إلى هذا الحد بحقّه، وهو حق مؤكّد، لن يبقى لديه ما يحمله على الإنـصـات إلى آلام الآخرين، وتثمين حياتهم، لا سيّما متى كـان لأبناء جلدتنا «الضحايا» دور مباشر في الآلام هذه. وبـمـعـزل عــن تـرتـيـب درجــــات الأهـمـيّــة، ســــاد الــتــعــاطــي إيّـــــــاه، المـــتـــرجّـــح بـــن تـأيـيـد صــاخــب وصــمــت مُـــذعـــن، مــع أفــعــال كخطف الــــطــــائــــرات المــــدنــــيّــــة، ومـــذبـــحـــة الـــريـــاضـــيّـــن ،1972 الإســــرائــــيــــلــــيّــــن فـــــي مـــيـــونـــيـــخ عــــــام والـسـطـو على الـسـفـارة الأمـيـركـيّــة فـي إيــران ، وتـــفـــجـــيـــر الــــســــفــــارات وخــطــف 1979 عــــــام الأجانب في لبنان إبّان الثمانينات، وصولا الشهير. 2023 ) أكتوبر (تشرين الأول 7 إلى ولم يقتصر الأمر على أحداث عنفيّة وأمنيّة كنّا نشجب، نحن الذين لا ندين إلا «العدوّ»، مَــــن يـطـالـبـنـا بـــإدانـــتـــهـــا. فــفــي الـــخـــانـــة هــذه تُـــدرَج ممارسات لـم تُثر لدينا احتجاجا أو تأمّلا من طبيعة فكريّة وضميريّة، فاقتصر الاحتجاج والتأمّل على أفراد قليلي التمثيل أو عديميه. فـــتـــحـــت أبـــــصـــــارنـــــا ظـــــهـــــرت «داعـــــــــش» وسُبيت النساء الأيزيديّات وأعيد الاعتبار إلـى أســواق النخاسة، وقبلذاك ضُــرب الكرد العراقيّون في حلبجة بالكيماويّ، ولعقود اســــتــــمــــر الــــنــــزيــــف الــــســــكّــــانــــي الـــــــذي أصـــــاب المــســيــحــيّــن الــــعــــرب، وهــــو مـــا سـبـقـهـم إلـيـه اليهود العرب. ولم تكن قليلة الشعبيّة عربيّا أنظمة كالخميني والصدّامي والأسدي التي فتكت بأجساد أبنائها وعقولهم، ومارست الـــعـــدوان عـلـى جـــوارهـــا، لمــجــرّد أنّــهــا «تقاتل الغرب». وفي العراق سطعت مطحنة دمويّة وطائفيّة أثـارت حماسة الجمهور وحماسة الـتـلـفـزيـونـات بـوصـفـهـا مــقــاومــة، ثـــم أُهـــدي البلد الكبير، بوعي وإرادة ذاتيّين، إلى إيران. وتـفـسّــخـت ثــــورات «الــربــيــع» تـوطـيـدا لأســوأ ما انتُفض عليه أو حروبا أهليّة صنعناها بأيدينا ونسبناها إلى «آخرين» يتلاعبون بـنـا. وعـبـر «حـــزب الـلـه» حـــدود بلد يُفترض أنّه ذو سيادة للمشاركة في ذبح السوريّين. وهــــــــــذه لــــيــــســــت صـــــدفـــــا مــــبــــعــــثــــرة ولا «أخطاء» تنعدم الصلة بين واحدها والآخر. فـتـحـت أنــظــارنــا أيــضــا تـفـنّــن مـمـثّــلـون عن المجتمعات، لا الأنظمة، في محاولة ذبح نـجـيـب مــحــفــوظ وقـــلـــع عـــن ســلــمــان رشـــدي وقـــتـــل فــــرج فـــــودة وإرهــــــاب مـثـقّــفـن غـــايـــرت آراؤهم الرأي الجماهيري الغالب. وبدوره مر مـرور الكرام إغـاق نافذة فتحها لبنان على الحداثة والحرّيّة. أمّا أحوال النساء فلا بأس بـهـا طـالمـا أن مـؤسّــسـيـهـا وحــرّاســهــا ليسوا «مـسـتـوطـنـن كــولــونــيــالــيّــن». فــــإذا وُصـفـت أوضــاعــنــا بـمـا هــي عـلـيـه بـــدّدنـــا المـسـؤولـيّــة عــــن تــغــيــيــرهــا بــــردّهــــا إلـــــى «المــســتــشــرقــن» و»منظورهم الاستشراقيّ». هـــكـــذا بـــرهـــن تــاريــخــنــا الـــحـــديـــث، أقــلّــه في المشرق العربيّ، أن الشيء الوحيد الذي يُلهب المخيّلة ويعبّئ المشاعر هو الصراع مع «الآخر» الأجنبيّ، ومع «الآخر» المحلّي الذي ترسمه ثقافتنا السائدة امـتـدادا للأجنبيّ، وهــــو مـــا يُــقــصــد بـــه ابــــن الــجــمــاعــة الأهــلــيّــة المختلفة أو ابن جماعتـ»نا» المنشق عنها. وعـــمـــا بـالـنـهـج هـــذا لـــم يُـــحـــرم المـشـرق ظــهــور طبقة سـيـاسـيّــة مـسـتـقـرّة فحسب بل حُــرم السياسة اسـتـطـراداً، بوصفها الحائل دون حـروب أهليّة إن لم نغطس فيها أقمنا على تخومها. وتحت سقف منخفض مُتاح للشك عِشنا ونعيش في يقين متآكل ومصاب بالصدأ، يقين يضيّق فسحات الإبداع ويُفقر اللغة كما يمنع بلداننا من الإسهام في علوم العالم وفلسفاته سواء بسواء. وشــــيــــوع الـــنـــظـــرة الــــضــــدّيّــــة هـــــــذا، فـي مجتمعاتنا وثقافاتنا قبل دولـنـا، وسيادة ثنائيّات الخير المطلق الــذي فـيــ»نـا» والشر المـــطـــلـــق الـــــــذي فــــيـــــ»ـــــهــــم»، لـــيـــســـا بــــا تـــاريـــخ محدّد يـردّه البعض إلى «صدمة» الاحتكاك بــالــغــرب المـــتـــفـــوّق فـــي الـــقـــرن الــتــاســع عـشـر. فمع الهزائم العسكريّة، وخـسـارة الأراضــي، واضـــطـــرار الـسـلـطـنـة الـعـثـمـانـيّــة إلـــى الأخـــذ بــ»الـتـنـظـيـمـات»، وظــهــور أفــكــار كـ»الجامعة الإســـامـــيّـــة» لـعـبـد الـحـمـيـد الــثــانــي وجــمــال الـــديـــن الأفــــغــــانــــيّ...، لـــم يــبــق خــــارج الـنـظـرة الضدّيّة إلى العالم إلا القليل. وكان في عداد الخسائر تـراجـع الـرحـابـة الـكـونـيّــة لـأديـان والـــقـــيـــم، واضـــمـــحـــال الـــتـــأمّـــل فـــي الــوعــيــن المـدنـي والـديـنـيّ، وضمور الإنـتـاج الأخلاقي حيال ما لا يملك مـردودا مباشرا على القوّة وشـــروط التغلّب. وفـي غياب هـذا كلّه طغى الــتــحــزّب ذو الأفــــق الـضـيّــق الــــذي يستجيب امــتــاءنــا بحقّنا وبمظلوميّتنا الـفـريـديـن. وكــــان مــن بـــؤس الأزمـــنـــة أن تُــــرك لنتنياهو ولفيفه، الذين يحملون وعيا لا يبعد كثيرا من هذا الوعي، أن يدفعوا جوارهم، وعموم المـــنـــطـــقـــة، إلــــــى الـــتـــثـــبّـــت عـــنـــد تـــلـــك الأفــــعــــال والتصوّرات التي تستنير بعتمها الشامل. حازم صاغيّة المقاطعة الأوروبية الجزئية لن تردع إسرائيل أخـــيـــرا تـحـركـت حــكــومــة «الـــعـــمـــال» الـبـريـطـانـيـة من القول إلى الفعل تجاه إسرائيل؛ فرئيس الــوزراء الجديد اعترف قبل دخوله عتبة مقر رئاسة الـوزراء بأن حكومة «الــعــمـــال» الـسـابـقـة بــرئــاســة ســتــارمــر لـــم تــرتـــق لمستوى المــأســاة فــي غـــزة، مــؤكــدا أن مــا حـــدث سيبقى «نــدبــة في ضميرنا الجمعي». هذا الاعتراف اتبعه وزيـر خارجيته إد ميلباند في مجلس العموم بخطاب وَصف فيه أحداث غــــزة بــأنَّــهــا تــرقــى لمــســتــوى الإبــــــادة الــجــمــاعــيــة، واعـتـبـر أن سـيـاسـة الاســتــيــطــان فـــي الـضـفـة الـغـربـيـة مـرفـوضـة، واصــــفــــا المــســتــوطــنــن «بــــالإرهــــابــــيــــن». لــــم يـــكـــتـــف بــهــذا القدر من الانتقاد الكلامي القوي، بل اتبعه بسلسلة من الإجراءات الاقتصادية، وقبلها سلسلة من العقوبات على مستوطنين ينطبق عليهم وصـف «الإرهـــاب» لمخالفتهم قوانين إنسانية ودولية في أراض محتلة. وما يسترعي الانتباه ليس العقوبات بل مناسبة التوقيت، وشخصية وزيــر الخارجية، وآيديولوجية رئيس الــــوزراء، والبيئة الدولية. فالعقوبات جــاءت في وقــت ظنَّت فيه إسرائيل أنَّها بمنأى عن أي انتقادات ينطوي عليها إضــرار، ولم تـكـن تـظـن أن تتلفَّظ بريطانيا المـسـاهـم الأكــبــر فــي قيام دولة إسرائيل، بعبارة «يرقى لمستوى إبــادة»، وأن تتَّهم السلطات الإسرائيلية بالسكوت على عنف المستوطنين. واللافت أن وزير الخارجية البريطاني يهوديٌّ، وبالتالي فـإن اتهامَه بمعاداة السامية يصبح بلا معنى، وموقفه تجاه حكومة نتنياهو مؤشر على تجاوزها كل الخطوط الحمر سواء كانت سياسية أو أخلاقية. هذا الموقف بالذات يمكن تفهمُه نظرا لخلفية رئيس الــــــــوزراء الــبــريــطــانــي الــيــســاريــة والمــــؤيــــد بـــشـــدة لــوجــود إســـرائـــيـــل وأمـــنـــهـــا، لــكــنَّــه فـــي ســـيـــاق مـــا يـــجـــري يــــرى أن حكومة نتنياهو تستحق «قرصة أذن»، لأنَّها بسياسة الاستيطان تخالف الـقـانـون الـدولـي المُــجـرم لضم أراض محتلة، ولممارسات تنتهك حق السكان في تلك الأراضي. ورئيس الوزراء رغم أخلاقية موقفه إلا أن وراءه حسابات داخلية بعدما تبي له أن موقف حكومة ستارمر السابقة من غزة أدى إلى خسارة مقاعد في دوائر انتخابية عمالية بامتياز. كما يــدرك أن تبوء بريطانيا سياسة أخلاقية ولو نسبية، يتطلب منه الوقوف بوجه انتهاكات لا يمكن تبريرها مطلقاً، لا سيما أن مُرتكبها جلبته بريطانيا لفلسطين، ومستمرة فـي تـزويـده بالأسلحة، ودعـمـه في محافل دولية. هكذا تشعر إسرائيل لأول مرة أنَّها في أزمة أخلاقية... وأزمـــة سياسية، ومعهما تعيش انتفاخا عسكريا غير مسبوق. ولطالما تباهت إسرائيل بأنَّها الدولة المسالمة، الديمقراطية الأوحد في المنطقة، والأكثر احتراما لحقوق الإنسان، وإذ بها تتبدَّى وحشا كاسراً، لا يقيم وزنا لقيم ولا مواثيق؛ لهذا تـهـاوت، وتهشَّمت سمعتُها كزجاجة بــلّــوريــة لا يـمـكـن سـبـكُــهـا، إلا بـجـهـد خـــــارق. وتـشـيـر كل الاستطلاعات فـي الـغـرب إلـى تدني التأييد لها لمعدلات في المائة 80 َّ لا سابق لها. وقد أظهر استطلاع «بيو» أن من الديمقراطيين الأميركيين لا يحملون رؤيــة إيجابية 65 عن إسرائيل، وتبين في استطلاع آخـر لـ«غالوب» أن في المائة من الديمقراطيين يتعاطفون مع الفلسطينيين، فــــي المــــائــــة مــــع إســــرائــــيــــل. ورغــــــم أن 17 مـــقـــارنـــة بــنــســبــة الجمهوريين لا يزالون يؤيدون إسرائيل فإن هذا محصور في فئات عمرية فوق الخمسين، بينما دون ذلك يتراجع فـي المـائـة. هــذه الأرقـــام تقلق جدا 57 التأييد ليصل إلــى صناع الـقـرار فـي إسـرائـيـل وتقلق أكثر داعـمـي إسرائيل فـــي الـــغـــرب، ولــهــا مـــدلـــول ســيــاســي يــدفــع حـــكـــومـــات في الغرب للخروج عن خط التأييد الأعمى، ونقد سياسات إسرائيل، لأن الثمن السياسي الذي تخافه لم يعد كبيراً، بل أصبح انتقاد إسرائيل وعقابُها مجزيا سياسياً. وبهذا السياق يمكن فهم الموقف البريطاني، ومعه تفهم مواقف دول أوروبية فاعلة مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، التي أعلنت حكوماتُها إجراءات تضر باقتصاد المستوطنات، وأنزلت عقوبات ضد شخصيات بعضها في مهام وزارية. هــــــذه الـــعـــقـــوبـــات رغــــــم أهـــمـــيـــتـــهـــا تـــبـــقـــى فــــي دائــــــرة الــتــهــديــد، ولا تــؤثــر عــلــى مــســار الــحــكــومــة الإسـرائـيـلـيـة التي وصف وزيـر خارجيتها تصريحات ميلباند بأنَّها «كذب فاضح»، ولا يمكن لحكومات أجنبية تقييد عيش اليهود في أرض إسرائيل. هذا الانزعاج الإسرائيلي ليس نابعا من تصريحات وزير الخارجية ميلباند التي كانت منظمة 170 متزنة، ومحسوبة تماماً، بل عارض دعـوات مـدنـيـة طـالـبـت بـثـاثـيـة: «المــقــاطــعــة، وعــــدم الاسـتـثـمـار، والــعــقــوبــات»، لحمل حـكـومـة إســرائــيــل عـلـى الاسـتـسـام كما استسلم نظام جنوب أفريقيا العنصري. فالانزعاج الإسـرائـيـلـي نـابـع إذن مــن الـــجـــرأة الأوروبـــيـــة، والتفكير فـي فــرض عـقـوبـات نـاعـمـة، واحـتـمـال تـطـورهـا لعقوبات تتجاوز الأراضي المحتلة لتطول قلب دولة إسرائيل. هذا ما تخشاه فعلا إسرائيل، ولهذا يمكن تفهّم ردِّها العنيف، مخافة أن تواجه ما واجهه النّظام العنصري السابق في جنوب أفريقيا. وبما أن احتمال المقاطعة الأوروبية الشاملة مستبعد لكونه يضرب وجـــود إسرائيل وأمنَها الاقـتـصـادي، فلن ترى إسرائيل مسوّغا لوقف الاستيطان، وبالتالي ستبقى أوروبا تهدّد بعقوبات محدودة، وستستمر إسرائيل في التوسع، والفلسطينيون في التَّعرض للعنف وللتشريد، ومــع الـوقـت لـن تبقى أرض لقيام دولـــة فلسطين، إلا إذا حدث ضغط دولي هائل. أحمد محمود عجاج الصين وضفة النهر لا تُقاس الحروب، في العادة، بضراوتها في الميادين، ولا بضجيج ما يصدر عن أطرافها من بيانات وتهديدات؛ بل بما يكشف عنه الغبار حين يهدأ، وتتضح الصورة خارج ساحات القتال؛ فالغلبة العسكرية لا تقود بالضرورة إلى هي 2003 الفوز بالسباق السياسي، ولعل حرب العراق عام الـشـاهـد الأكـثـر سطوعا على هــذه المـفـارقـة: كسب الائـتـاف الغربي بقيادة واشنطن الجولة العسكرية بتكلفة باهظة، لكن الجائزة الكبرى ذهبت إلى إيــران، التي حصدت الثمار وتمدَّدت في العراق. اســـتـــرجـــاع هــــذه الـحـقـيـقـة الـــيـــوم هـــو مـــدخـــل ضــــروري لأسئلة أكثر إلحاحا أمام مشهد دولي مفتوح على صراعات مـتـعـددة: مَــن الـرابـح الحقيقي، الخفي، فـي الأزمـــة الروسية - الأوكــرانــيــة؟ ومَـــن المستفيد الأكـبـر مـن الـتـوتـر الأمـيـركـي - الإيراني في خليج هرمز؟ ومَن يجني ثمار الحرب التجارية المشتعلة بين واشنطن وأوتاوا؟ الأسـئـلـة هنا لا تتعلق بــالأطــراف المتشابكة، ولا بمن يـتـبـادل الـتـصـريـحـات والـتـحـلـيـات عـلـى مـنـابـر الإعــــام؛ بل بذلك «المتفرج» المحايد (ظـاهـريـا)، الــذي يلتزم الصمت ولا يبدو حاضرا في الصورة، لكنَّه يتحرك خلف الستار ليظفر، في النهاية، بالغنيمة كاملة. يـاحـظ المتتبع لمـا يـصـدر ويُــنـشَــر مـن تـقـاريـر إعلامية في واشنطن وأوروبــا، ميلا متزايدا لدى المحللين الغربيين إلـــى الـتـحـذيـر مــن مـغـبّــة أن تـكـون الـصـن الـــرابـــح الأكــبــر في هـــذه الــحــروب مجتمعة؛ فـهـم يـــرون أن بـكـن تـتـصـرَّف وفـق مقولة صينية قديمة تحض على الجلوس على ضفة النهر، وانتظار ما تأتي به مياه النهر من غنائم. الـــصـــن لـــم تــكــن طــرفــا فـــي حــــرب مـضـيـق هـــرمـــز، وكـــان المتوقع أن تصيبها بالشلل؛ فهي أكبر مستورد للنفط في في المائة من وارداتها تأتي 70 ، ونحو 1993 العالم منذ عام من الشرق الأوسط. غير أن صدمة إغلاق مضيق هرمز كشفت عــن حقيقة مـذهـلـة؛ وهـــي أن الـصـن تمكَّنت مــن امتصاص الـصـدمـة بسرعة لافـتـة، بفضل سياسة طـاقـة استراتيجية قامت على تأكيد وجود مخزون احتياطي كبير، إلى جانب قدرتها على إيجاد طرق بديلة إضافة إلى أنَّها قوة عظمى وسـفـنـهـا آمـــنـــة. هـــذه المـــرونـــة لـــم تـفـت عـلـى أذهـــــان المـعـلّــقـن والخبراء الغربيين، الذين رصدوها بوصفها نموذجا لإدارة المخاطر الجيوسياسية. سياسياً، يقول المعلقون الغربيون إن الصين تنتهج ما سمّوها «استراتيجية الملء التدريجي للفراغ»: ففي كل مرة تنشغل فيها واشنطن بفتح جبهة عسكرية أو دبلوماسية ضد إيران، تبتعد خطوة عن خطتها المعلنة لاحتواء النفوذ الصيني المتصاعد في آسيا وأفريقيا، فتترك لبكين مساحة أوســــع لـتـرسـيـخ حــضــورهــا الاقـــتـــصـــادي، وتـــأمـــن إمـــــدادات الطاقة بشروطها الخاصة، بعيدا عن أي رقابة أو منافسة مباشرة. وينسحب المنطق نفسه على الجبهة الأوكـرانـيـة، وإن بـــصـــورة أكــثــر تــعــقــيــداً: فـبـيـنـمـا تـسـتـنـزف الـــحـــرب مـوسـكـو عــســكــريــا واقـــتـــصـــاديـــا، وتـــدفـــع الاتــــحــــاد الأوروبــــــــي وحـلـف «الـنـاتـو» نحو تماسك وتسليح غير مسبوقين منذ عقود، تجد الصين نفسها المستفيد غير المباشر الأبرز؛ إذ تحصل عـلـى الـنـفـط والـــغـــاز الــروســيــن بـأسـعـار مـخـفّــضـة، وتــوسّــع حــضــورهــا فـــي الـــســـوق الــروســيــة الــتــي أفـرغـتـهـا الـعـقـوبـات الغربية من منافسيها التقليديين، من دون أن تتحمل تكلفة الحرب نفسها أو عبء العقوبات المباشرة. أمَّــا فـي الحديقة الخلفية لواشنطن، فــإن انـــدلاع حرب تجارية مع كندا، الحليف الأقرب تاريخيا للولايات المتحدة، يُحدث تصدّعا في التكتل الغربي قد لا يكون من اليسير رأبه. وهو تصدّع لا يخدم أحدا سوى بكين، التي تراقب من كثب كيف يُضعِف الخصم الأميركي وحلفاؤه أنفسَهم بأنفسهم، لتتقدّم هي بثقة، عارضة نفسها بديلا تجاريا واستثماريا جاهزا لملء الفجوة التي تتركها الخلافات الغربية الداخلية. وهكذا يقف التنين على الحياد الظاهري، يراقب، ويوسّع نفوذه بهدوء في الفراغات التي تخلّفها هذه المواجهات. هذا ليس ضعفا في التخطيط الأميركي أو الروسي أو الكندي، بقدر ما هو نتيجة طبيعية لمنطق الحرب نفسه: فالمواجهة المباشرة، مهما كانت مبرراتها، تستنزف صاحبها، بينما الصبر الاستراتيجي يكافئ من يمارسه. وإذا كــانــت الــصــن لـــم تُــطـلـق رصـــاصـــة واحـــــدة فـــي أي مــن هـــذه المـلـفـات، فـذلـك تـحـديـدا هــو مـصـدر قـوتـهـا: فـهـي لا تراهن على حسم عسكري أو انتصار دبلوماسي سريع؛ بل على تراكم بطيء ومنهجي للنفوذ، يُبنى في الظل، بينما الأضـواء مسلّطة على ميادين القتال. الرابح في حروب هذا الـعـصـر لـيـس بــالــضــرورة مــن يمتلك أقــــوى جـيـش أو أعلى صــوت؛ بـل مـن يُحسن قـــراءة اللحظة، ويـعـرف متى يجلس على ضفة النهر، بصبر، منتظرا أن تأتيه الغنيمة. جمعة بوكليب

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky