الثقافة CULTURE 18 Issue 17458 - العدد Tuesday - 2026/9/15 الثلاثاء من فنان هاو إلى رسام محترف سنوات جبران الباريسية عــــــاش جـــــبـــــران خـــلـــيـــل جـــــبـــــران مـــرحـــلـــة مفصلية مـن حياته فـي العاصمة الفرنسية بـــاريـــس. فـفـي الأول مـــن يـولـيـو (تـــمـــوز) عـام ، غـــــادر مــديــنــة بــوســطــن مـتـوجـهـا إلــى 1908 بـاريـس لـيـدرس الـفـنـون، وذلـــك بفضل الدعم المـالـي مـن راعيته وملهمته الأميركية مـاري هاسكل. وشكلت هذه الرحلة المنعطف الأبرز فـي مسيرته الروحية والفنية، إذ تحول من فنان هاو يعتمد كليا على موهبته الفطرية، إلى رسام محترف يمتلك رؤية رمزية عميقة. وهـــنـــاك صــقــل مـــهـــاراتـــه فـــي الـــرســـم بـــالألـــوان الباستيلية والزيتية. تشبع جبران بالمدارس الفنية والفلسفية في عاصمة النور؛ فانبهر بلوحات يوجين كارير الرمزية، واكتشف فن ويليام بليك، كما اطلع على أعمال الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه التي تركت أثرا بالغا عــلــى كــتــابــاتــه الـــاحـــقـــة. ورغـــــم تــأكــيــده على تأثره العميق بالنحات أوغست رودان الذي الـتـقـاه ورســـم لــه بــورتــريــه بـالـقـلـم الـرصـاص ضمن سلسلة وجـوه لعدة فنانين، إلا أنـه لم تجمعهما علاقة شخصية وطيدة. ما إن وطئت قدما جبران أرض باريس، حتى أُسر بمشهدها الثقافي. واختار السكن في حي مونبارناس الـذي كـان يُعرف بكونه ملتقى للفنانين والمبدعين، واستقر تحديدا شـــــارع مــــن. وهــــنــــاك، انـــخـــرط بشكل 14 فـــي مكثف في دراسته؛ فالتحق بـ«مدرسة الفنون الجميلة» وأكاديمية «جوليان» لتعلم أصول الرسم الأكاديمي والنحت وتدريب عينه على المنظور والتشريح. غير أن جبران سرعان ما شعر بالغربة إزاء التعليم الأكاديمي الصارم، فترك الأكاديمية لينتقل لاحقا إلى أكاديمية «كولاروسي» بحثا عن بيئة فنية أكثر حرية وتجريبيةً. في تلك الأجواء، تأثر بشدة برواد الــرمــزيــة، لا سـيـمـا الـــرســـام الـفـرنـسـي أوجــن كاريير الذي استلهم منه الأسلوب الضبابي، وتـــأثـــر بـالـعـمـق الـــروحـــي لأعـــمـــال لــيــونــاردو دافنشي، كما تـدرب على يد النحات العالمي أوغـــســـت رودان الـــــذي تــــرك أثـــــرا مــبــاشــرا في تعزيز ثقة جبران بفنه وتطوير رؤيته. شهدت إقامة جبران نشاطا مكثفاً؛ فقد شـــارك فــي «مــعــرض الـربـيـع» - أكـبـر تظاهرة فنية آنذاك - بلوحة زيتية عنوانها «الخريف» لفتت انتباه رودان. كما بـدأ مشروعه الفني فـــي رســــم وجـــــوه كـــبـــار أعـــــام الــفــكــر والأدب، وتُــــوجــــت جــــهــــوده بـــدعـــوتـــه رســـمـــيـــا لــعــرض لوحاته في «معرض الاتحاد الدولي للفنون الجميلة». ولــم يقتصر إبــداعــه على الـرسـم؛ إذ شـهـدت سـنـواتـه الباريسية إصـــدار كتابه ، الـذي 1908 الشهير «الأرواح المـتـمـردة» عــام أحــــدث ضـجـة ديـنـيـة وسـيـاسـيـة واســـعـــة في الشرق. في وقت لاحق، جاب جبران شوارع لندن بصحبة الـكـاتـب أمـــن الـريـحـانـي، وتقاسما ذكـــريـــات الـحـنـن إلـــى لـبـنـان والانــــخــــراط في القضايا الاجتماعية. وفي يونيو (حزيران) ، تلقى جبران نبأ وفاة والده، وما خفف 1909 مــن وطـــأة حـزنـه إدراكـــــه أن والــــده بــاركــه قبل رحيله متخليا عن طباعه الاستبدادية. حلم يتحقق في «القصر الصغير» تميزت إقامة جبران بنضج فني كبير، تـجـلـى فـــي رؤيـــتـــه الــرمــزيــة لـلـجـسـد الـبـشـري والطبيعة، وهـو التحول الروحي والفلسفي الــــذي مــهــد لـــــولادة رائــعــتــه الأدبـــيـــة «الــنــبــي» لاحـــقـــا. تُـــوجـــت هــــذه المــرحــلــة بــقــبــول لـوحـتـه «الـــخـــريـــف» فـــي مـــعـــرض الـجـمـعـيـة الـوطـنـيـة ، ودعوته للمشاركة 1910 للفنون الجميلة عام بست لوحات في معارض مرموقة أخرى. «إن من أعز أحلامي هو هذا: في مكان ما، تُعلّق مجموعة من أعمالي، لعلها خمسون أو خمس وسبعون لوحة، معا في مدينة كبرى، حيث يراها الناس، وربما يحبونها». بهذه الكلمات عبّر جبران عن أعمق أمنياته، وهو الحلم الذي تحقق في الأول من مارس (آذار) . فبفضل جهود سينتيا سركيس 2018 عـام Luxury Limited بــيــروس (عــبــر مـؤسـسـتـهـا )، نُــظــم مــعــرض «حـــيـــاة جـــبـــران» في Edition ) بـبـاريـس، Petit Palais( » «الـقـصـر الـصـغـيـر تـاه حفل عشاء فخم. سلط المعرض الضوء عــلــى الــنــزعــة الــصــوفــيــة فـــي أعــمــالــه وشـغـفـه بأسرار الأديان، مجسدا مقولته: «الفن خطوة من المألوف والمعلوم، نحو الخفي والمجهول». وقـد رأى هـذا الـحـدث الـنـور بدعم مـن الراعي أنــدريــه جـــورج إيليوفيتس، و«لـجـنـة جبران الــوطــنــيــة» الــتــي سـاهـمـت فـــي إبـــــرازه للعالم كفنان تشكيلي وليس ككاتب فحسب. التحولات الفنية كانت باريس نقطة التحول التي نقلت جبران من الهواية إلى الاحتراف الفني، حيث انفتح على آفاق فلسفية أعادت صياغة رؤيته للكون والإنسان. تأثر بالنزعة الصوفية على يـــد أســـتـــاذه فـــي «أكـــاديـــمـــيـــة جـــولـــيـــان» بيير مــارســيــل بــيــرونــو، وتـــشـــرب نـظـريـة «الـدفـعـة الحيوية» للفيلسوف هنري برجسون، وأعاد اكـــتـــشـــاف الـــرومـــانـــســـيـــة الــفــرنــســيــة (روســـــو وهـوغـو). كما تأثر بشدة بالنحات أوغست رودان وطريقته الدرامية في تعبير الأجساد، حـــتـــى إن رودان شـــبّـــهـــه بـــالـــشـــاعـــر والـــفـــنـــان البريطاني وليم بليك. وقد شهدت هذه المرحلة ولادة مجموعة من أبـرز أعماله التي عكست نضجه الرمزي والتعبيري، كما في لوحة «الخريف»، وهي عـــمـــل زيـــتـــي يــفــيــض بـــالـــشـــاعـــريـــة والـــشـــجـــن، استخدم فيه جبران درجـات الألــوان الترابية والـدافـئـة ليعكس ذبـــول الطبيعة وتداخلها مــع المـشـاعـر الإنـسـانـيـة، مـجـسـدا فـكـرة المــوت الــبــطــيء لـلـطـبـيـعـة كـمـقـدمـة لـــــولادة جــديــدة. وكــذلــك فــي سلسلة «الأرض والأم»، وضمت رســومــات مـنـفـذة بالفحم والـحـبـر الصيني، تــــصــــف أجـــــــســـــــادا بــــشــــريــــة عــــــاريــــــة ومـــلـــتـــفـــة كالجذور لترمز إلى وحدة الوجود والاتصال الأنــطــولــوجــي بـــــالأرض. شـكـلـت هـــذه الــرؤيــة البصرية الأســاس الفني لرسوماته اللاحقة فــــي كـــتـــاب «الــــنــــبــــي»، وأيــــضــــا فــــي بـــورتـــريـــه الـــشـــاعـــر «أمـــــن الـــريـــحـــانـــي»، الـــــذي ركــــز فيه جـــبـــران عـلـى تـصـويـر الــهــويــة الــروحــيــة بـــدلا من الملامح الدقيقة، مستخدما الظلال القوية وضــــربــــات الـــفـــرشـــاة الــعــريــضــة لإبــــــراز عمق التفكير والنزعة المتمردة، مما جعله تجسيدا «للفكر الساكن في الجسد». نـــجـــح جـــــبـــــران فـــــي عــــــرض بـــعـــض هـــذه الـــلـــوحـــات فــــي «صــــالــــون الـــفـــنـــون الـجـمـيـلـة» ، وهــو 1910 ) عــــام Salon des Beaux-Arts( إنجاز كبير لفنان قادم من الشرق آنذاك. كانت مقاهي باريس وجسور نهر السين مسرحا لنقاشات يومية عميقة بـن جبران والريحاني حـول الفن والـديـن. وعبر جبران عن ضيقه بالقيود الاجتماعية والدينية في العالم العربي، مبشرا بـثـورة روحـيـة شكلت الـــنـــواة الأولــــى لأفـــكـــاره الـتـحـرريـة الـصـادمـة. هــنــاك، اطــلــع جــبــران عـلـى الفلسفة الحديثة وأفكار نيتشه حول «الإنسان المتفوق»، التي ألهمته كتابة مؤلفات متمردة مثل «المواكب» و«الــعــواصــف». كما صقلت حـريـة العاصمة الفرنسية نزعته الكونية، فبدأ يرى الإنسانية ككل لا يتجزأ، ممهدا لولادة رائعته «النبي». لـعـبـت مـــــاري هــاســكــل، مـــديـــرة المـــدرســـة الأمـيـركـيـة الـتـي تكبر جــبــران بـــأعـــوام، الـــدور الأبـــــــــرز فـــــي تــمــكــيــنــه مـــــن خــــــوض مـــغـــامـــرتـــه الباريسية. فبفضل إيمانها المطلق بعبقريته الفنية، تحملت كافة نفقات سفره وإقامته؛ إذ تولت دفع تكاليف دراسته في «أكاديمية جـــولـــيـــان»، ووفــــــرت لـــه مـخـصـصـات شـهـريـة ثابتة أتاحت له التفرغ الكامل للإبداع بعيدا عن شبح العوز الوشيك. ذكريات يوسف الحويك وثّق الفنان اللبناني يوسف الحويك في مـذكـراتـه تفاصيل الـحـيـاة اليومية لجبران، حيث تشاركا العيش في محترفات متواضعة بحي مـونـبـارنـاس. اقتسم الصديقان قسوة الفقر والقروش القليلة لشراء الخبز وأدوات الرسم، وكان الحويك سندا لجبران في لحظات كــآبــتــه وانـــعـــزالـــه. أمــــا رفـــيـــق دربـــــه الــحــويــك، فــقــد اخـــتـــار الــبــقــاء فـــي بـــاريـــس لــفــتــرة أطـــول لمتابعة صقل مهاراته في النحت الكلاسيكي قـبـل عــودتــه لاحــقــا إلـــى لـبـنـان. ورغــــم الــفــراق الجغرافي الــذي فرضه المحيط الأطلسي، لم يـنـقـطـع الـــرابـــط الـــروحـــي بـــن الــصــديــقــن؛ إذ ظـلـت رسـائـلـهـمـا المـتـبـادلـة تنبض بـذكـريـات أيام الجوع والفن في حي مونبارناس، وهي الصداقة التي توجها الحويك لاحقا بإصدار كتابه التوثيقي «ذكرياتي مع جبران». تجلى التباين الإبــداعــي بـن الصديقين فـي طريقة الــتــعــامــل مـــع المــــــادة والـــفـــكـــرة؛ فـــكـــان جــبــران يمثل «الــرســام الـشـاعـر» الـــذي يـغـزل بالفحم والحبر والزيت خطوطا انسيابية وأجسادا ضبابية تجسد الأفـكـار الميتافيزيقية بعيدا عـن القيود المــاديــة. فـي المـقـابـل، كــان الحويك يـمـثـل «الــنــحــات الـكـاسـيـكـي» الــــذي يتعامل مــع الـصـلـصـال والـــرخـــام، بـاحـثـا عــن الكتلة، والأبــعــاد، والــتــوازن التشريحي، ليركز على الواقعية المحكمة والقوة البدنية للأشكال. نهاية الرحلة ، شعر جبران 1910 بحلول خريف عــام أنه استهلك ما يمكن لباريس أن تقدمه له من أدوات تقنية وتيارات فنية، وبات يمتلك الثقة الـكـامـلـة فــي هـويـتـه المستقلة بـعـد مشاركته الناجحة في «صالون الفنون الجميلة». تـــزامـــن هـــذا الـنـضـج الـفـنـي مـــع اشــتــداد الأزمـــة المـالـيـة؛ فتكاليف الحياة المرتفعة في بـــاريـــس ورغـــبـــة جـــبـــران فـــي مـــســـاعـــدة رفــاقــه جعلت الميزانية تضيق، كما واجهت هاسكل بدورها ضغوطا مادية في أعمالها التعليمية بـــأمـــيـــركـــا. وبـــــنـــــاء عـــلـــى خـــطـــابـــات صــريــحــة بينهما، اتفق الطرفان على أن الرحلة حققت أهـــدافـــهـــا بــصــقــل أدواتـــــــــه. أُضــــيــــف إلـــــى ذلـــك رغــبــتــه المــلــحــة فـــي الـــعـــودة لــرعــايــة شقيقته «مــاريــانــا» الـتـي تُــركـت وحـيـدة فـي بوسطن، وقـنـاعـتـه بـــأن نـيـويـورك هــي المــيــدان الأرحـــب لطموحاته. وعـلـيـه، أرسـلـت لـه هاسكل ثمن تذكرة العودة عبر المحيط الأطلسي، ليغادر .1910 ) بـــاريـــس فـــي أكــتــوبــر (تــشــريــن الأول عــاد جـبـران إلــى بوسطن، لكنه لـم يبق فيها إلـى 1911 طـــويـــاً؛ إذ ســرعــان مــا انـتـقـل عـــام المركز الثقافي الصاخب «نـيـويـورك». هناك، اسـتـأجـر مـحـتـرفـه الـشـهـيـر الـــذي أطـلـق عليه ) في شارع The Hermitage( » اسم «الصومعة غـــرب الــعــاشــر، وهـــو المـــكـــان الــــذي قـضـى فيه بقية حـيـاتـه، وتــحــوّل إلــى ملتقى للمفكرين والمهاجرين العرب، والشاهد الأول على كتابة روائعه الخالدة. لم تنس فرنسا زيارة صاحب «النبي»، لـــذلـــك احـــتـــفـــت بــعــبــقــريــة جــــبــــران إذ أطــلــقــت العاصمة باريس اسمه على مساحة خضراء في الدائرة الخامسة عشرة، ليُعرف بـ«ممشى رصـــيـــف أنـــدريـــه 26( » جـــبـــران خـلـيـل جـــبـــران سيتروين سابقاً). وقـد أشــاد عمدة الـدائـرة، السيد فيليب غوجون، بهذا التكريم، معتبرا إيــــــاه احـــتـــفـــاء بــــواحــــد مــــن أبــــــرز شـخـصـيـات العالم، وتكريما لجذوره ووطنه لبنان. شاكر نوري لم تنس فرنسا جبران إذ أطلقت باريس اسمه على مساحة خضراء في الدائرة الخامسة عشرة لتعرف بـ«ممشى جبران خليل جبران» «إسكندرية فين؟»... كتاب يستعيد الوجه الأنثوي لعروس المتوسط فـــي كــتــابــهــا «إســـكـــنـــدريـــة فــــــن؟.. رحـلـة تناجرا» الـصـادر أخيرا عن دار العين للنشر بــــالــــقــــاهــــرة، لا تــنــطــلــق الـــكـــاتـــبـــة والـــبـــاحـــثـــة المــصــريــة يـاسـمـن عـبـد الــلــه، فــي بحثها عن مدينتها الإسكندرية، من نبرة عاطفية تجاه المدينة التي لا تخفي أنها «لا تحبها بالقدر الكافي»، ولا تعرفها خــارج النطاق المحدود لتحركاتها اليومية. إلا أن لـــقـــطـــة مــتــحــفــيــة تــــقــــود الــكــاتــبــة إلـــى رحـلـة بحثية مـفـصـلـة، حــن تستوقفها تماثيل «تـنـاجـرا» الـصـغـيـرة، المصنوعة من الـــطـــن المــــحــــروق، الـــتـــي ازدهـــــــرت صـنـاعـتـهـا في العصر الهلنستي، وحاكت في هيئاتها الدقيقة سـيـدات المـــدن اليونانية بملابسهن وتــــســــريــــحــــات شـــــعـــــورهـــــن... تــــقــــودهــــا هـــذه التماثيل إلـى تبني منظور جديد لمدينتها؛ فـتـنـتـقـل مـــن تــأمــل الـتـمـاثـيـل الــســاكــنــة خلف الـــزجـــاج إلــــى «تــحــريــكــهــا» عــبــر ســــرد بحثي ذاتـــــــي، لـتـتـخـيـل «تــــنــــاجــــرا» رفـــيـــقـــات تــخــرج مـعـهـا إلـــى الــــشــــوارع، وتــقــودهــا بـــن طبقات الإسكندرية وتاريخها وثقافتها. ومن هذه المسافة المحايدة، التي لا تخلو مـــن الـتـخـيـيـل، تـعـيـد الــكــاتــبــة بــنــاء علاقتها بــالمــديــنــة، وتـسـتـعـيـد حـــيـــاة غـــابـــت مبانيها وبـقـي أثــرهــا فــي الـكـتـب والـتـمـاثـيـل. وبينما تسير الرحلة إلى الــوراء مع عقارب التاريخ، تـمـضـي بــهــا فـــي الاتـــجـــاه المــقــابــل وجــدانــيــا؛ فكلما ابـتـعـدت صــوب الإسـكـنـدريـة القديمة، اقـــتـــربـــت مـــن مـديـنـتـهـا المـــعـــاصـــرة، لـتـتـحـوّل المسافة الأولـــى إلــى مصالحة، ثـم إلــى شغف كبير بما اختفى من وجوهها، في استدعاء لظلال قسطنطين كفافيس ومدينته التي لا يتركها المـرء خلفه، بل تظل تسكنه وتمضي معه أينما مضى. «تناجرا» أمام «تناجرا» تعود بداية الرحلة إلـى زيــارة «المتحف اليوناني الروماني» بالإسكندرية بعد إعادة افتتاحه، حين استوقفت الكاتبة، داخل القسم اليوناني، تماثيل «تناجرا»، التي حملت اسم مدينة فـي إقليم «بـيـوتـيـا» الـيـونـانـي بعدما عُثر على أعداد كبيرة منها في مقابر المنطقة خلال القرن التاسع عشر. اخـــتـــزنـــت تـــلـــك الــتــمــاثــيــل فــــي هـيـئـاتـهـا وثــيــابــهــا جــانــبــا مـــن حـــيـــاة الـــنـــســـاء وحــــدود حـركـتـهـن داخــــل المـجـتـمـع الــيــونــانــي الـقـديـم؛ وكـــــانـــــت الإســــكــــنــــدريــــة أحــــــد المـــــراكـــــز المــهــمــة لصناعتها، فبدت التماثيل أقرب إلى شواهد صـــغـــيـــرة عـــلـــى نـــســـاء المـــديـــنـــة الــــلــــواتــــي غـن عـن الـــروايـــات الـكـبـرى لـلـتـاريـخ، بينما بقيت ملامحهن وأزياؤهن ووقفاتهن محفوظة في الطين. وأمــــام الــخــزانــة شـعـرت عـبـد الـلـه بأنها «تـنـاجـرا» أخـــرى؛ فالتماثيل مقيدة بثيابها وأعراف عصرها، بينما قيدت الكاتبة نفسها بــإرادتــهــا داخـــل دائــــرة مـــحـــدودة مــن المـديـنـة، عندئذ تتحوّل «تـنـاجـرا» مـن مـوضـوع أثـري إلـى قرينة للكاتبة ومـرشـدة لها، وتتخيلها تــطــالــب بـــالـــخـــروج مـــن أســــر خـــزانـــة المـتـحـف الأثري إلى فضاء المدينة. تـحـمـل الـكـاتـبـة رفـيـقـتـهـا المـتـخـيـلـة بين الأزمــــنــــة والأمــــاكــــن، وتـمـنـحـهـا حـــريـــة حـركـة حُرمت منها نساء الإسكندرية القديمة، وفي الــوقــت نـفـسـه تــحــرر ذاتــهــا مــن المـسـافـة التي قيّدت علاقتها بالمدينة المعاصرة. «الأجورا» وخريطة المدينة تحضر أنثوية الإسكندرية في الكتاب بوصفها زاوية للنظر إلى التاريخ، فالمؤلفة لا تكتفي بتتبع الملوك والحروب والمنشآت الــــكــــبــــرى، لــكــنــهــا تـــبـــحـــث عــــن أثــــــر الـــحـــيـــاة اليومية: أيــن سكنت الـنـسـاء؟ ومــا الأماكن التي أتيح لهن دخولها؟ وكيف تحركن في الشوارع والأسواق؟ وماذا تكشف ملابسهن وحــلــيــهــن وهــيــئــاتــهــن عـــن مــوقــعــهــن داخـــل المجتمع؟ تصف عبد الله خطتها الأولـــى بأنها مـــحـــاولـــة لــــ«تـــأنـــيـــث المـــديـــنـــة»، أي الـتـعـرف إلــــى أمـــاكـــن وجـــــود الـــنـــســـاء وحــيــاتــهــن في الإســــكــــنــــدريــــة الــــقــــديــــمــــة. لـــكـــن «تــــنــــاجــــرا» المتخيلة تتمرد حتى على هـذا الإطـــار؛ فلا تــريــد أن تـظـل أســـيـــرة الأمـــاكـــن الــتــي سمح المجتمع القديم للنساء بدخولها، بل تطلب أن تمضي في المدينة كلها. وهكذا يتجاوز «تأنيث المدينة» مجرد إضافة النساء إلى الـتـاريـخ، ليعيد رسـم الخريطة مـن منظور الحركة والغياب والحق في الوجود داخل الفضاء العام. يعزز ذلـك أن الكتاب يعتمد على التفاصيل الصغيرة بوصفها منافذ إلــى الــصــورة الـكـبـرى، فتنتقل الكاتبة إلى طبيعة المجتمع وعاداته ومساحات الحرية المتاحة لأفراده. تحتل فضاءات المدينة مكانة مركزية في الرحلة، في مقدمتها «الأجورا»، السوق والـــســـاحـــة الــعــامــة فـــي المــديــنــة الــيــونــانــيــة، تقرأها عبد الله باعتبارها «غرفة المعيشة المــــركــــزيــــة» لـــإســـكـــنـــدريـــة الـــقـــديـــمـــة؛ مـكـانـا للتجارة والتجمع والـتـواصـل والاحـتـفـال، يكشف تصميمه أن العمارة لم تكن مباني جــــامــــدة، بــــل مـــســـرح لـــلـــحـــاجـــات والمـــشـــاعـــر الإنسانية. ومـــن دلالــــة «الأجــــــورا» تــذهــب الكاتبة إلــى مصطلح «الأجــــورا فـوبـيـا»، أو «رُهـــاب الـــخـــاء» والأمـــاكـــن الــعــامــة والـــحـــشـــود، في تقاطع بين المكان القديم والخبرة النفسية الحديثة، تجمع هـذه المقاربة بـن التاريخ المــعــمــاري والـــســـؤال الإنــســانــي الـــذي يحرك الـكـتـاب، وهــو كيف تؤثر المدينة فـي حركة ساكنيها وشعورهم بأنفسهم؟ ومن يملك حق التجول فيها، ومن يقف عند حوافها؟ إلــى جـــوار «الأجـــــورا»، يتطرق الكتاب إلــــــــى الـــــحـــــمـــــامـــــات والأســـــــــــــــواق والــــبــــيــــوت والـــكـــرنـــفـــالات، وتـــقـــرأ الــكــاتــبــة الــحــمــامــات، مــــثــــاً، بــوصــفــهــا مـــســـاحـــة أنـــثـــويـــة كـاشـفـة لــــلــــذوق والـــحـــالـــة الاقـــتـــصـــاديـــة والــــعــــادات الاجــتــمــاعــيــة، وتـتـتـبـع اســتــمــرارهــا مكونا رئيسا فـي الإسكندرية بعد الفتح العربي وخلال العصور الإسلامية اللاحقة. مدينة من الشِعر لا تقتصر اســتــعــادة الإسـكـنـدريـة على عمرانها، إنما تمتد إلــى ثقافتها ومزاجها الـفـكـري والأدبــــي، ولـذلـك تستدعي عبد الله المكتبة القديمة والموسيقيين وشعراء المدينة وعـلـمـاءهـا ومـعـاركـهـم، لتستعيد مــن خـال ذلــــك الإســـكـــنـــدريـــة بــوصــفــهــا مـــركـــزا لإنــتــاج المعرفة والأشكال الأدبية، لا موقعا للمباني الأثرية فقط. ومـن أبـرز الوجوه التي تتوقف أمامها الــشــاعــر كــالــيــمــاخــوس، أحـــد أبــــرز المـعـبّــريـن عــن روح الـشـعـر الـسـكـنـدري. تتبع مسيرته فــي المكتبة الـكـبـرى، وانــحــيــازه إلـــى الإيـجـاز والــــنــــبــــرة الــــفــــرديــــة المـــبـــتـــكـــرة، وصـــــراعـــــه مـع أبولونيوس الروديسي المتمسك بالنموذج الملحمي الهومري. وتــكــشــف هــــذه المـــعـــركـــة حــيــويــة المــجــال الثقافي داخل المدينة؛ فالشعراء يتنافسون، والأشكال الأدبية تتغير، والمكتبة لا تختزن الــنــصــوص فــحــســب، بـــل تـسـهـم فـــي صـنـاعـة ذائـقـة جـديـدة. ومـن المرثية إلـى «الإيـجـرامـا» المـــوجـــزة، يـطـل المجتمع الـسـكـنـدري بـمـا فيه مــن حــب وحـــزن ومـنـافـسـات بـاطـيـة ومـديـح للملوك ووصف لمعالم مثل الفنار. يــــمــــتــــد الــــــكــــــتــــــاب فـــــــي رصــــــــــد طــــبــــقــــات الإسـكـنـدريـة مـنـذ مــا قـبـل تأسيسها، مـــرورا بــحــلــم الإســـكـــنـــدر الأكــــبــــر، الـــــذي تـــهـــدي إلـيـه الـــكـــاتـــبـــة كـــتـــابـــهـــا، ثــــم مــــراحــــل بـــنـــاء المــديــنــة وتـوسـعـهـا، والـفـنـار والمكتبة والـحـي الملكي والمساكن والمرافق والحياة الفكرية والدينية، وصـــــولا إلـــى تـــحـــولات الـعـصـريـن الــرومــانــي والمـسـيـحـي، والـفـتـح الـعـربـي ومـــا أعـقـبـه من تغيرات في هوية المدينة. ومن هذه الطبقات تجمع الكاتبة أجزاء مدينة اختفى معظمها تحت الماء أو التراب، وتحاول استعادتها لا بوصفها خريطة أثــريــة، بـقـدر مـا هـي مكان قابل للتخيّل والحياة. ويـكـشـف الــكــتــاب أنـــه بــخــاف الــقــاهــرة، التي مـا زالــت عصورها ماثلة فـي شوارعها ومــبــانــيــهــا، لا تـــقـــدم الإســـكـــنـــدريـــة حـكـايـتـهـا مباشرة، وإنما يستلزم الوصول إليها البحث فـي الكتب وشـهـادات المـؤرخـن وبقايا الآثـار وأسماء المناطق؛ فهي مدينة لا يُعثر عليها دفعة واحدةً، بل يعاد تركيبها من الشذرات. فــــهــــكــــذا، يـــحـــمـــل عــــنــــوان «إســـكـــنـــدريـــة فـــــن؟» ســــــؤالا يـــتـــجـــاوز الــبــحــث عـــن مـوضـع المــــديــــنــــة الــــقــــديــــمــــة تــــحــــت طــــبــــقــــات المـــديـــنـــة الحديثة؛ إنـه ســؤال عـن اللحظة التي فقدت فــيــهــا الإســـكـــنـــدريـــة قـــدرتـــهـــا عـــلـــى الـتـعـبـيـر عـــن تــاريــخــهــا، وعــــن المــســافــة بـــن صـورتـهـا الأســـطـــوريـــة وحـــاضـــرهـــا، وكـــذلـــك عـــن مـوقـع المـديـنـة داخـــل وعـــي أبـنـائـهـا. فالكاتبة التي بـــدأت رحلتها مـن الاعــتــراف بأنها لا تعرف الإسكندرية ولا تحبها بما يكفي، تكتشف أن المــعــرفــة نـفـسـهـا قـــد تــكــون طـريـقـا واسـعـا للارتباط بها ومحبتها. القاهرة: منى أبو النصر الدكة الأثرية - الإسكندرية القديمة
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky