issue17456

الثقافة CULTURE 17 Issue 17456 - العدد Sunday - 2026/9/13 الأحد عملا لم تنل حظها من التقدير الفني 60 تضم «أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد ظهرت فكرة كتاب «أفلام غير مشاهدة بـدقـة»، الـصـادر عن دار «ديـــوان» بالقاهرة بصفتها محاولة لتجاوز الإحباط الناتج مـن إدراك الطبيعة المؤقتة والهشة للنشر الــرقــمــي، بـالـتـزامـن مــع مـــرور ربـــع قـــرن من الألفية الحالية وقرن وربع القرن على بداية السينما. يضم الكتاب دراسـات ومقالات نقدية معمّقة لكثير من التجارب السينمائية في مـصـر والـعـالـم الـعـربـي دون التقيد بفترة زمــنــيــة مــــحــــددة، مـــوقّـــعـــة بـقـلـم خـمـسـة من شباب النقاد السينمائيين في مصر، وهم: رحمة الحداد، وأحمد عزت عامر، وحسام الــــســــيــــد، وحــــســــن فـــهـــمـــي ومـــحـــمـــد عـــوض يوسف. ويـــرصـــد الــكــتــاب فـــي هـــذا الــســيــاق ما فيلما لم تنل حظها من التقدير 60 يقارب الـــفـــنـــي، رغـــــم أن بــعــضــهــا يــحــظــى بـشـهـرة واسعة وربما يكون حقق نجاحا جماهيريا لافتاً، لكن يظل الشريط السينمائي نفسه فـــــي حــــاجــــة إلـــــــى إعـــــــادة قـــراءة تــرد إلـيـه الاعتبار وتــــفــــتــــح بـــــابـــــا لـــلـــنـــقـــاش حـــول نـقـاط مـدهـشـة فيه لم يلتف إليها كثيرون. ويــــــــتــــــــراوح الإطــــــــار الـــــزمـــــنـــــي لـــــهـــــذه الأفـــــــام مـــن أعـــمـــال تـــم إنـتـاجـهـا فــــي حــقــبــتــي الـسـتـيـنـات والـــــســـــبـــــعـــــيـــــنـــــات، مــــثــــل: «فــــــــــــي بـــــيـــــتـــــنـــــا رجــــــــــــل»، و«الـــــــــبـــــــــوســـــــــطـــــــــجـــــــــي»، و«السقامات» و«زوجتي والـكـلـب»، مـــرورا بأعمال صــــــــــــــدرت فــــــــي حـــقـــبـــتـــي الثمانينات والتسعينات »، و«عـــــرق الـبـلـح» 77 مــثــل: «الـــعـــوامـــة رقـــم و«هــســتــيــريــا»، وصـــــولا إلـــى أعـــمـــال أحـــدث مـثـل «إبــراهــيــم الأبـــيـــض»، و«مـيـكـروفـون»، و«ريش» و«البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو». تــــتــــوزع تـــلـــك الـــــقـــــراءات الـــنـــقـــديـــة عـبـر عشرة فصول، يشتغل كل فصل على ثيمة بـعـيـنـهـا مــثــل «الـــضـــحـــك: صـــــورة مـشـوشـة للواقع» و«يقظة كافكاوية» و«صورة بديلة لـلـذكـورة» و«تـحـديـقـة نسائية» و«تـأمـات في العنف» و«رسائل بين الحياة والموت». وفــي تقديمه للكتاب، يتوقف أحـمـد عزت عامر عند لحظة فارقة تهدّد مصير النقد الـسـيـنـمـائـي بــرمــتــه حـــن نــشــرت صحيفة «الــــــغــــــارديــــــان» الـــبـــريـــطـــانـــيـــة مـــــقـــــالا بـــهـــذا الــعــنــوان الـــصـــادم «مَــــن يـحـتـاج الـــيـــوم إلـى الـــنـــقـــاد الــســيــنــمــائــيــن؟»، وهــــو مـــا يـطـرح تحديات حول فهم مهمة ودور ناقد الأفلام وكيف تبدو مهنته حاليا محاصرة داخل الــفــضــاء الإلــكــتــرونــي ومــنــصــات الـتـواصـل الاجتماعي. يـــريـــد نـــاقـــد الــــيــــوم أن يــســتــعــيــد ثـقـة الـــقـــارئ فـــي الــنــقــد وأن يـمـنـح هــــذا الــقــارئ زاويــة جديدة لمشاهدة الفيلم وربما رؤية العالم، فأجمل ما يمكن أن يحدث له هو أن يسمع أو يقرأ مثل هذا التعليق: «أرغب الآن في مشاهدة الفيلم مرة ثانية بعد أن قرأت مقالك». مـن هنا، وفـي الجلسات التحضيرية لــهــذا الـكـتـاب كـــان الـشـاغـل الأهــــم بالنسبة لمؤلفيه هو أي أفلام سيختارون، وقرارهم أن يكتبوا عن أفـام رغم جمالها وتميزها فإنها غير مُقدّرة بما يكفي أو ربما مُقدّرة لــأســبــاب غـيـر الـصـحـيـحـة، وجــــاء مقترح الـعـنـوان «أفـــام غير مـشـاهـدة بـدقـة» نوعا مــن المـشـاغـبـة مــع كـتـاب الـنـاقـدة الأميركية البارزة مارلين فيب «أفلام مشاهدة بدقة - مدخل إلى تقنية وفن السرد السينمائي». كان هذا هو المقصد حين وقع الاختيار على سبيل المثال على فيلم «في بيتنا رجل» وبطولة 1961 للمخرج هنري بركات، إنتاج عـــمـــر الــــشــــريــــف، ورشـــــــدي أبــــاظــــة وزبـــيـــدة ثـروت، فهو رغم حضوره في قائمة أفضل فيلم عـربـي الشهيرة، نــال تقديرا أقل 100 ،1965 من أفلام أخرى مثل «الحرام»، إنتاج ، أو حتى «الـبـاب 1959 ،» و«دعــــاء الـــكـــراون . وحـن يشاد به يأتي ذلك 1963 ،» المفتوح دون أي اشتباك حقيقي مع جمالياته الخاصة، وبذلك فإن إبداع بركات هـنـا فــي الــســرد والأداء الإخـــــراجـــــي ظــــل بــعــيــدا عــــن الـــتـــحـــلـــيـــل الـــنـــقـــدي المتعمق. وحــــــــــــــــــــن يُــــــــــذكــــــــــر مـــحـــمـــد خـــــــان بــصــفــتــه مــــخــــرجــــا، فــــــإن الأفــــــام الـــــــــــتـــــــــــي ســـــــتـــــــتـــــــداعـــــــى إلــــــــــــــــــى الــــــــــــــذهــــــــــــــن هـــــي «الـــــحـــــريـــــف»، و«زوجـــــــة رجـــــــل مــــهــــم» و«أحــــــــام هــــنــــد وكــــامــــيــــلــــيــــا»، أو أفــــام أكــثــر جـمـاهـيـريـة مـثـل «مـسـتـر كــاراتــيــه» أو «فـــي شـقـة مصر الجديدة»، في حين يركز الكتاب على تجربة أكثر أهمية لم تنل حظها من التقدير هي «مشوار عمر» بصفته أحد أفلام الظل غير المقدرة بما يكفي. ويـسـعـى الــكــتــاب إلـــى اكــتــشــاف زوايـــا جـــــديـــــدة لـــــلـــــقـــــراءة والـــتـــحـــلـــيـــل حــــتــــى مــع الأعـمـال الشهيرة، كما هـو الـحـال مـع فيلم «إسكندرية ليه» ليوسف شاهين الذي تتم قـراءتـه هنا بصفته نوعا مـن الاستكشاف المختلف وغير المسبوق لتمثلات الـذكـورة على شاشة السينما العربية، وهي الفكرة نـفـسـهـا الـــتـــي يــتــم الــنــظــر مـــن خــالــهــا إلــى التجربة الإخـراجـيـة الأولـــى للمخرج عـادل ، الذي هو 1996 ،» أديب في فيلم «هيستريا - حسب الكتاب - حالة شديدة الخصوصية في تاريخ السينما المصرية. تمتد فـصـول الـكـتـاب لتشمل تجارب مــــمــــيــــزة غــــيــــر مــــصــــريــــة مــــــن الــــســــعــــوديــــة، والـــســـودان، وفـلـسـطـن، وتــونــس، ولـبـنـان، وســـوريـــا وتــونــس والأردن، مـثـل «وجــــدة» لـــلـــمـــخـــرجـــة هـــيـــفـــاء المــــنــــصــــور و«بـــــيـــــروت الـغـربـيـة» لــزيــاد دويــــري و«نــحــبــك هـــادي» لمحمد بــن عطية و«وداعـــــا جـولـيـا» لمحمد كردفاني و«ذيب» لناجي أبو نوار. القاهرة: رشا أحمد حيدر العبد الله يطوّع إيقاعاته على البحور الخليلية شاعر سعودي يقترح صيغة عربية للهايكو مـــن لـــســـان الــــعــــرب: «وقــــــال ذو الـــرمـــة: وكـائِــن تَخَطَّت ناقَتي مِــن مَــفــازةٍ... وكـم زَل عَنْهَا مِن جُحاف المَــقـادِرِ... وَقِيلَ: الجُحاف المـــوت فَــجَــعَــلُــوه اسْــمـا لَــــهُ»، تسمية المهلكة بـالمـفـازة ليس تــفــاؤلا عـابـرا تـمـارسـه اللغة العربية، بل تجاوز بالخيال إلى واقع مواز يـبـعـث الأمـــــن فـــي مــحــل الــــخــــوف، ويــســتــرد السكينة من قلب التهديد. ولأن المسافة بين الاسم والمسمّى لا تتغيّر في واقع الصحراء؛ ظل العربي يقاربها بالمجاز... بينما تستمر هي في فعلها الأبدي... أن تنأى. هناك كتب تفتح شهية الحوار حولها، كتب تمتلك جرأة اجتراح المناطق الجديدة، حيث يقترح هذا الكتاب «مهاكاة ذي الرمة: أطروحة الهايكو العربي» لحيدر العبد الله، صيغة عربية للهايكو، عبر بـنـاء جسور: بين الشعرية العربية ونظيرتها اليابانية، وبـــن الـتـصـوف الإســامــي وتـــصـــوّف الـــزن. ومــنــذ الـلـحـظـة الــتــي يــقــول فـيـهـا: «إذا كـان الـشـعـر ديــــوان الـــعـــرب، فـقـد يــكــون الهايكو الـــيـــوم ديــــــوان الـــعـــالـــم»، يــتّــضــح أن طـمـوح الـــكـــتـــاب لـــيـــس اســـتـــيـــراد نــــــوع شــــعــــري، بـل توطينهِ، بعد أن يُستدعى ذو الرمة، عبقري الـــوصـــف وآخـــــر حـــجّـــة عــلــى الـــلـــغـــة، لـيـعـبّــد الطريق أمام ضيف قادم من أقصى الشرق. أبــرز ما أستوقفني في الكتاب - وهو صفحة تجمع النظرية والتطبيق 312 مـن والـــتـــقـــويـــم الـــشـــعـــري -، تـــلـــك الــــبــــراعــــة فـي الـــتـــطـــويـــع الـــعـــروضـــي لإيـــقـــاعـــات الــهــايــكــو الـيـابـانـيـة عـلـى الــبــحــور الـخـلـيـلـيـة. والـتـي تُضفي على الفكرة لبوسا جمالياً، وتؤكد قــدرة الشعر العربي على توليد الموسيقى مـرة تلو مـرة. وقيمتها العملية أنها قابلة للتنفيذ، حـيـث تمنح الــهُــكــاة الــعــرب – أي شعراء الهايكو العرب حسب تعبير الكتاب- إطـــــارا شــكــلــيًّــا يــتّــكــئــون عــلــيــه، فـيـتـفـرّغـون للمحتوى بدل الانشغال بالشكل. وأضيف إلـــيـــهـــا الـــفـــصـــل الأخـــــيـــــر، المـــتـــعـــلـــق بــالــفــلــك ومواضع النجوم وقرائن المواسم، الذي ينم عـن اطـــاع كبير ونـظـر وتمحيص، ويفتح عمليًّا معجما طبيعيًّا عربيًّا جاهزا لمن أراد أن يكتب قصيدة تنتمي للجزيرة العربية. وبــقــدر مــا وجــــدت نـفـسـي أتـمـاهـى مع الـكـتـاب فـي نصف المـسـافـة، وجـدتـنـي أتـوه في نصفها الآخر؛ فالشكل يُستعار والرؤية تستعصي على الاستعارة. والعروض الذي طـوَّعـه الكتاب بكل إتـقـان لتوطين الهايكو هو الأداة؛ أمـا النظر إلـى الطبيعة فمشتق مــــن غــــايــــةٍ، والــــغــــايــــة هــــي مــــا لا يُـــســـتـــورد. وســـأمـــضـــي إلــــى هــــذا الــــحــــوار مـــن طـريـقـن (التصوف، والطبيعة) وسيفضي الطريقان إلى تصور واحد. أولاً: الغاية تصنع الأسلوب فـــــي الــــفــــصــــل الأول مـــــن الأطــــــروحــــــة، «مصباح التصوف»، يعقد الكتاب الروابط بــــن الـــتـــصـــوف الإســــامــــي وفــلــســفــة الـــــزن. والمـــاحـــظـــة الـــجـــوهـــريـــة لــيــســت فـــي الــتــقــاء المـــمـــارســـات الــروحــيــة - فـهـي تـلـتـقـي كثيرا في أديــان متعددة- بل في افتراق الغايات: تـــوحـــيـــد وتــــــوجّــــــه نـــحـــو خــــالــــق مـــتـــجـــاوز، مقابل ذوبــان طبيعي محايث خـال من إله. وهـــذا الافــتــراق ليس تفصيلا عـقـديًّــا يُترك للمتكلمين، بل هو المصنع الذي تخرج منه الأساليب. فالتصوف الإسلامي يتمتع بـ«التوق الإلهي» ويتطلع نحو الإله المتجاوز والذي يستدعي المجاز بـالـضـرورة، لا بالاختيار. حــــن تـــكـــون المـــســـافـــة بــــن الـــــــذات وغــايــتــهــا مـــســـافـــة لا تُـــلـــغـــى، لا يــبــقــى أمـــــام الــلــغــة إلا الـــتـــوسّـــل بــالمــجــاز مــثــل (الـــتـــغـــزّل بــالأنــثــى، والـخـمـر، والــرمــز الـعـاطـفـي)؛ لبناء جسور إيــحــائــيــة صـــاعـــدة نــحــو مـــا لا يُـــــــدرَك. وقــد لخّص عبد الوهاب المسيري هذا في «اللغة والمجاز» حين جعل المجاز وسيلتنا لإدراك الإلـــــه لا الإنـــســـان وحــــــده؛ إذ يـــربـــط بـــن ما تدركه الأسـمـاع والأبـصـار ومـا يتجاوزها؛ ومـــع ذلـــك يـظـل الإطــــار الـتـوحـيـدي حـاكـمـا: ﴿لَــيْــس كَمِثْلِه شَـــيْءٌ﴾، فلا تجسّد ولا حلول ولا كمون، والمسافة باقية مهما بلغ المجاز من تركيب وعمق وجمال. وبإزاء هذا، يقول ماساوكا شيكي عن الهايكو ما يشبه إغـاق الباب على المجاز: «مـعـنـى هـــذا الـهـايـكـو هــو تـمـامـا مــا يقوله، وليس هناك أي معنًى آخر». فـالمـجـاز عـنـدنـا ضـــــرورة لاهــوتــيــة، إن صــح التعبير، وهـــو فــي الـــزن عــائــق. اللغة الكثيفة عندنا فضيلة، وهي هناك حجاب. وليس هـذا اختلافا في الــذوق يُرجى ردمه بالتمرين، بـل هـو اخــتــاف جـوهـري يترك أثرا أصيلا على البلاغة ذاتها. ثـــــم إن الأنـــــــا نـــفـــســـهـــا لـــيـــســـت واحــــــدة فــــــي الـــــحـــــالـــــن. فــــفــــي الـــــــــزن تــــمــــتــــزج الأنــــــا بـالـطـبـيـعـة وتـــأخـــذ مــوقــع المـــراقـــبـــة؛ أمـــا في الـتـصـوف الإســامــي فـهـي كـمـا عـنـد محمد إقـــبـــال (الـــشـــاعـــر والــفــيــلــســوف والمــتــصــوف الإسـامـي) ليست ساكنة، بل خلق وحركة دؤوبـــــــة. وتـــجـــربـــة الاتــــحــــاد عــنــد مـتـصـوفـة الإســـام، بتعبيره، ليست إذابــة الهوية في الـامـتـنـاهـي، بــل اجـتـيـاز الـامـتـنـاهـي إلـى وصـــال المتناهي. ومــن هنا تُنحت وسائل تعبدية وجـمـالـيـة حـيـة: الـحـركـة، الـصـاة، الــقــدر، الإخــــاص، الاجــتــهــاد. الإنــســان هنا ليس مصوّرا فوتوغرافيا واقفا في كواليس الطبيعة - كما هـو فـي الهايكو - بـل فاعل يشارك بحريته في تغيير العالم. ويوضّح الــفــيــلــســوف بــشــيــر ســلــيــمــان ديـــــان مقصد إقبال بجملة حاسمة: الهدف الأعلى للأنا ليس أن تشاهد شيئاً، بل أن تكون شيئاً. وحتى استعارة الحيوان تفضح الفرق. يـتـخـيّــل الـكـتـاب الـهـايـكـو حـيـوانـا فيجعله نـاقـة لا تعيش دون مـــاء وكـــأ، حـيـوانـا «لا قلب لديه لأطماع الكائن البشري ومشاعره الــفــجّــة»، غـيـر مـتـجـاوز، فــي انـسـجـام كـامـل مـــع الـطـبـيـعـة. أمـــا روبـــــرت بــــاي، فيتخيّل قصيدته الغربية حيوانا يعدو، تصدر عن جريها إيقاعات ملحوظة، وطاقته النفسية حرّة في التحرك هنا وهناك. حيوان الهايكو مقيم راضٍ؛ والغربي راكــض متحرك قلق، أمـا حيوان القصيدة العربية فهو كما قال شاعر العربية المتنبي: «يقولون لي ما أنت في كل بلدةٍ... وما تبتغي، ما أبتغي جل أن يُسمى»، وشعريّتنا تستمد نفسها من هذا التجاوز، السعي إلى ما جل أن يُسمى. ثانياً: محراب ميّة فــــي فـــصـــل «مـــشـــكـــاة الـــطـــبـــيـــعـــة» يــبــدأ الــكــتــاب بـقـصـة مـتـخـيَّــلـة تـجـمـع ابـــن قتيبة وذي الـــرمـــة، ثــم يــقــرّر أن «تـــفـــوّق ذي الـرمـة يــكــمــن فــــي قــــدرتــــه عـــلـــى احــــتــــواء الـطـبـيـعـة احـــــتـــــواء مـــوضـــوعـــيـــا، غـــيـــر مـــــشـــــروط، ولا انتقائي... دون أن يضع نفسه في مركزها، أو يجعلها فرعا عن ذاتـــه». ولعلي أختلف هــنــا تـــحـــديـــداً؛ فـطـبـيـعـة ذي الـــرمـــة ليست مـــوضـــوعـــيـــة، ولـــيـــســـت بــــا مــــركــــز. بــــل هـي مـأهـولـة تـمـامـا. يـقـول شـوقـي ضـيـف إن ذا الـرمـة أكـثـر شـعـراء الـعـرب وصـفـا لدموعه، وإنه مضى يتعزّى عن ميّة بمحرابها الذي كانت تعيش فيه، فإذا هو أكبر شاعر تغنّى بالصحراء العربية، عشق أيامها ولياليها ورمالها وكثبانها. ويكشف الطاهر لبيب فـــي «سـيـسـيـولـوجـيـا الـــغـــزل الــعــربــي» عـمّــا هـو أدقّ: أن المـــرأة فـي الـكـون الــعــذري تُــرفَــع إلــــــى مـــســـتـــوى المـــــثـــــال حـــتـــى تــــكــــاد تـصـيـر مــيــتــافــيــزيــقــا؛ فـيـصـبـح الـــشـــريـــك بـالـنـسـبـة للعذري ذاته الأخرى. فـــالـــصـــحـــراء عـــنـــد ذي الــــرمــــة لـيـسـت «مــا هـي عـلـيـه»؛ إنـهـا مــحــراب واسـتـعـارة كبرى لمحبوبة. والهكذائية تقتضي غياب المـــركـــز، وذو الـــرمـــة لـــه مـــركـــز اســمــه مــيّــة، تـــدور حـولـه الـــرمـــال والأنـــــواء والــحــيــوان. ولا أعــنــي أن وصــفــه إســـقـــاط عـاطـفـي فـج كما يفعل الشعراء عادة - فهو مزيج فريد أخـــذ مــن أســلــوب الــعــذريــن وحــافــظ على روح الجاهلية، حتى لا تكاد تـفـرّق بينه وبـــن مـحـبـوبـه. فـهـو بــنــاء خـــاص مـركـزه امـرأة احتوت كل ذلك العالم الصحراوي. وهــــذا نـقـيـض حــيــاد الــهــايــكــو. والمــفــارقــة أن الـــكـــتـــاب نــفــســه هــــو مــــن نــــبّــــه بــعــبــارة تــحــذيــريــة: «لـــن نـفـلـح فـــي خـــوض تجربة هايكو حقيقية، إذا نحن ألبسنا الهايكو ثيابنا ومـامـحـنـا، وجعلناه يتكلم عبر الأنـا الخاصة بنا» والكتاب بانتباه عال لـم يُلبِس الهايكو ثيابنا، لكنه ألبس ذا الرمة ثوب الزن. أخيراً: الموت في الخلاء ولـئـن كــان ذو الـرمـة أمــويًّــا بانتمائه، فإن وعيه الصحراوي أقرب إلى الجاهليين منه إلى أهل عصره. ويذكر محمد إدريس قاسم في «الشاعر الجاهلي والـوجـود» أن الــجــاهــلــي أدرك فـــي صــحــرائــه أنــــه (وجــــود للموت)، فقرّر مواجهته والتحدي: أخذ أناه ووجــــوده وجعلها فــي مـواجـهـة الطبيعة/ الــــصــــحــــراء، وقـــــــرّر بـمـصـطـلـح هـــايـــدغـــر أن يهزم «الوجود الزائف» رغبة في «الوجود الأصيل»، فخرج من البقاء في (حالة العالم) إلى آفاق وجوده الماهوي. هـذا الوعي هو ما يفسّر لمـاذا لا تكون الـــقـــصـــيـــدة الـــعـــربـــيـــة تـــــأمّـــــا مـــحـــضـــا. فـهـي كـمـا يــقــول فـتـحـي المسكيني فــي «الـشـعـراء يحرسون هشاشة العالم»، محاولة هروب مـــــن ســــجــــن مــــــا؛ والـــــشـــــعـــــراء يــــدفــــنــــون مـن إمكانات الموت بقدر ما يبدعون من خطوط الهروب نحو الإنسانية. وحين كتب محمود درويـــــش «لا غـــد فـــي هـــذه الــصــحــراء إلا ما رأيــنــا أمـــــس... فــأرفــع مـعـلـقـتـي... لينكسر الـزمـان الــدائــري... ويـولـد الـوقـت الجميلُ»، كان يصوغ الموقف نفسه: رفض اللحظة لا الإقامة فيها. وهنا يلتقي الطريقان. الغاية الدينية تــدفــع نـحـو الـــتـــجـــاوز؛ والــغــايــة الــوجــوديــة تـــدفـــع نـــحـــو الــــتــــجــــاوز؛ والـــــــزن يـــدفـــع نـحـو الــســكــون. والــهــمــوم الــتــي يـسـمّــيـهـا إيـرفـن يـالـوم جـوهـريـة فـي «هبة الـعـاج النفسي» هي الموت والعزلة ومعنى الحياة والحرية، هــــي بـعـيـنـهـا مــــا تــشــتــغــل عــلــيــه الــقــصــيــدة العربية منذ امــرئ القيس، بينما الهايكو يسكن الـلـحـظـة؛ أمـــا الـشـاعـر الـعـربـي فيفر مـنـهـا إلـــى الـــوجـــود الأصـــيـــل. ولـــذلـــك؛ ليس المـجـاز عندنا زيـنـة يمكن خلعها، بـل بنية تحمل المـعـنـى، ولـعـل مـحـمـود درويــــش في «مـــأســـاة الــنــرجــس مـلـهـاة الــفــضــة» أراد أن يشير إلى رفاهية في الوصف الطبيعي، فقد يطمح لها الشاعر العربي ولكنه لا يمتلكها لأسباب عدّة، منها تلك الهموم الوجودية، حـــن قــــال بــنــبــرة تـــراجـــيـــديـــة: «عـــــــادوا إلــى المـألـوف فيهم وهـو يمشي/ فـوق الرصيف ويمضغ الكسَل اللذيذ ووقتَه من غير غاية/ ويرى الزهور كما ترى الناس الزهورَ... بلا حكاية»، وهكذا الهايكو يقتضي وقتا بلا غاية، ونحن لا نملك وقتا كهذا. خــتــامــا، لا بـــد لـــي أن أعـــتـــرف بــأنــي لم أفارق ذلك الفتى الصغير الذي حضر درس الحِكم العطائية في جامع الإيمان بدمشق، لـلـشـيـخ مــحــمــد ســعــيــد رمـــضـــان الــبــوطــي، حــن سـمـع تـلـك الــعــبــارة الــتــي لا تــــزال تــرن فــي أذنـــه إلـــى الآن: «لا تنظر إلـــى الـسـواقـي وانظر إلى المعين»، ولا أسوق هذا دعوة إلى الانصراف عن الهايكو، بل تحديدا لموضع المعين. فالمعين ليس التراث بوصفه ماضيا يُــســتــعــاد، ولا الـــيـــابـــان بـوصـفـهـا نـمـوذجـا يُستورد؛ إنه التجربة الوجودية الإنسانية نفسها، ومن ورد هذا المعين ستتطوع له كل الأشكال والنُظم اللغوية. * شاعر سعودي * عبد اللطيف بن يوسف المبارك بقدر ما وجدت نفسي أتماهى مع الكتاب في نصف المسافة وجدتني أتوه في نصفها الآخر النقد البيئي في الأدب العربي صـــــدر أخــــيــــرا عــــن دار الـــنـــابـــغـــة فـي القاهرة كتاب «إيكولوجيا النص الأدبي: دراســـات نظرية وتطبيقية مترجمة في النقد البيئي المعاصر»، ترجمة وتحرير الناقد الأكـاديـمـي المـصـري دكـتـور معتز سـامـة. يقدم الكتاب نصوصا مختارة لعدد من أبـرز الـدارسـن الغربيين الذين أسهموا في بلورة مفاهيم النقد البيئي، وتوسيع أدواتـــه، واختبار إمكاناته في قــــراءة الـشـعـر والــســرد والمـــســـرح، بــل في مساءلة الحدود التقليدية بين الأجناس الأدبية. يـشـيـر المــتــرجــم فــي مـقـدمـتـه إلـــى أن الـــعـــاقـــة بــــن الأدب والـــطـــبـــيـــعـــة لـيـسـت طارئة على التراث العربي، بل لها جذور عميقة في الأدب العربي القديم، لا سيما أدب الـــــرحـــــات، وفـــــي الــــســــرديــــات الــتــي جعلت مـن الـصـحـراء والــواحــة والبحر، والمدينة، فضاءات دلالية كثيفة. غير أن المقاربة البيئية الحديثة تتيح لنا إعادة قـــــراءة هـــذا الـــتـــراث، لا بـوصـفـه تمجيدا جـمـالـيـا للطبيعة فـحـسـب، بـــل بوصفه سجلا لعلاقات الـقـوة، وأنـمـاط التملّك، وأشـــكـــال الـتـكـيّــف مــع المـــكـــان. ومـــن هنا، فـإن تقديم النقد البيئي للقارئ العربي لا يعني اسـتـيـراد حـقـل غـريـب، بـقـدر ما يـعـنـي فـتـح أفـــق جــديــد لإعـــــادة مـسـاءلـة نصوصنا القديمة والـحـديـثـة على حد سواء. ويــــأتــــي الــــكــــتــــاب، حـــســـب المـــتـــرجـــم، اســـتـــجـــابـــة لـــحـــاجـــة مــعــرفــيــة مـــلـــحّـــة فـي المـــكـــتـــبـــة الــــعــــربــــيــــة، حـــيـــث لا يـــــــزال هـــذا الحقل النقدي، على الرغم من راهنيته، محدود الحضور نسبياً، ومجزّأ التداول بـــن مـــقـــالات مـتـفـرقـة أو إشـــــارات عـابـرة فــي دراســـــات أوســــع أو بـعـض الـكـتـابـات الـــعـــربـــيـــة الـــنـــقـــديـــة المـــــــحـــــــدودة، والـــتـــي بــعــضــهــا لــــم يـــســـتـــوعـــب الـــنـــقـــد الــبــيــئــي وفــلــســفــتــه بــشــكــل صـــحـــيـــح؛ مـــمـــا أنــتــج دراسات بيئية عربية مشوهة بعيدة عن الأسس الفلسفية والنقدية التي وضعها الــنــقــاد الـبـيـئـيـون فـــي الــخــطــاب الـنـقـدي الـغـربـي المــعــاصــر. ومـــن ثـــم تـسـعـى هـذه المـجـمـوعـة إلـــى تـقـديـم بــانــورامــا نظرية وتطبيقية للنقد البيئي. يضم الكتاب خمس دراسـات نقدية منشورة حديثا باللغة الإنجليزية، تعبر عن وجهات نظر النقد البيئي المعاصرة الــــتــــي تـــخـــطـــت مــــوجــــات الـــنـــقـــد الــبــيــئــي المــبــكــرة، الـــدراســـة الأولـــــى نـظـريـة تليها أربـــع دراســـــات تطبيقية، تـتـنـاول فنون الأدب المختلفة. وجـــــاءت الـــدراســـة الأولـــــى للباحثة الـــهـــولـــنـــديـــة «اســــتــــريــــد بــــــــراك» بـــعـــنـــوان «التحديات التي تواجه النقد البيئي». والــــــدراســــــة الـــثـــانـــيـــة «شــــاعــــر الـــجـــزيـــرة والــشــاطــئ المـــقـــدس» لـلـبـاحـث الأمـيـركـي «م. جـيـمـي كــيــلــيــنــجــســورث». والـثـالـثـة «البيئات ما بعد الاستعمارية: الطبيعة والــثــقــافــة والــــروايــــة الــهــنــديــة المــعــاصــرة بـــالـــلـــغـــة الإنــــجــــلــــيــــزيــــة: المـــــــــاء/ الأرض: أمــــيــــتــــاف جــــــوش نـــــمـــــوذجـــــا»، لــلــبــاحــث الهندي «أوبامانيو بابلو موخيرجي»، بينما الرابعة هي دراسة أخرى للباحثة الـهـولـنـديـة «اســتــريــد بـــــراك» وعـنـوانـهـا «الـــــرعـــــويـــــة فـــــي الـــــــروايـــــــة الـــبـــريـــطـــانـــيـــة المـــعـــاصـــرة». ويــخــتــتــم الـــكـــتـــاب بـــدراســـة «شكسبير والنقد البيئي: تحليل ثنائية الــــوطــــن والـــســـلـــطـــة فــــي مـــســـرحـــيـــة المــلــك لــيــر»، للباحث الـكـنـدي «سـايـمـون سـي. إستوك». وكــــان قــد صــــدرت لـلـمـؤلـف مــن قبل تـــرجـــمـــة لأكــــثــــر مـــــن كـــــتـــــاب، مـــنـــهـــا «مـــن الشعرية الثقافية إلـى الـحـراك الثقافي: مــــقــــالات مــتــرجــمــة فــــي الـــنـــقـــد الــثــقــافــي» و«المادية الثقافية والتاريخية الجديدة» تــألــيــف سـتـيـفـن جــريــنــبــات، و«مــنــاهــج النقد الأدبي المعاصر: مقالات مختارة». القاهرة: «الشرق الأوسط»

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky