الثقافة CULTURE 18 Issue 17451 - العدد Tuesday - 2026/9/8 الثلاثاء عبد الله الغذامي دراسة نقدية عن شعر محمد عفيفي مطر صـــــــدر أخـــــيـــــرا فـــــي الـــــقـــــاهـــــرة، عـــــن دار «أم الــدنــيــا» لــلــدراســات والــنــشــر، كـتـاب «احـتـفـالـيـات المومياء المتوحشة لعفيفي مطر: مقاربة إدراكية أنطولوجية» للأكاديمية والباحثة المصرية مروة الشريف، التي تقدم قـراءة نقدية تفتح بها آفاقا واسـعـة لفهم التجربة الشعرية للشاعر الـراحـل محمد عفيفي مطر، أحد أبرز رموز الشعر العربي المعاصر. يعتمد الـكـتـاب عـلـى أدوات الـنـقـد الإدراكــــي والتحليل الأنطولوجي، ليأخذنا في رحلة عميقة لاستكشاف البنية الشعرية متعددة المستويات، وتداخل اللغة بالوعي والذاكرة والرموز التراثية والـشـعـبـيـة. كـمـا يتتبع حــضــور الـجـسـد والمـــوت والأســـطـــورة بـوصـفـهـا أنـسـاقـا مـعـرفـيـة تـتـجـاوز المعنى المباشر إلى أبعاد فلسفية إنسانية أعمق، فــاتــحــا بـــابـــا جـــديـــدا ومـخـتـلـفـا لــفــهــم عـــالـــم مطر الشعري، وتحولاته الدلالية. يتكون الكتاب، فضلا عن المقدمة والخاتمة، مــــن ثــــاثــــة فــــصــــول رئـــيـــســـيـــة، يــــركــــز الأول عـلـى اختلافات مفهوم الصورة الشعرية بين البلاغيين العرب القدامى والعلماء الغربيين المعاصرين. أما الفصل الثاني فيدرس الروافد البيئية والتراثية والـفـلـسـفـيـة والــديــنــيــة والــفــنــيــة لــاســتــعــارة في «احتفالية المومياء المتوحشة». ويــدرس الفصل الثالث التشخيص والكناية في الديوان. وتشير الباحثة في المقدمة إلى أن الديوان لم يقع في فخ الوصف التقليدي، والتقريرية الزاعقة، والبكاء على ما حدث؛ بل اتخذ منطلقا تجريبيا واضحاً، طورا يعكس منجزات القصيدة الجديدة من درامـيـة وتعدد لـأصـوات، واستخدم تقنيات المسرح، والمونتاج السينمائي، وتوظيف الموروث، والانطلاق في الكتابة من شعرية الموقف الفكري لا شعرية الغرض، إضافة إلى ابتكاره مجموعة من التقنيات التي تفرّد بها كالنحت اللغوي والإغراق في البيئية، وتبني المضامين الفلسفية والتيمات الشعبية، موضحة أن تجربة السجن- موضوع هذا الديوان- أتاحت له أن يُحلق في آفاق شعرية متفردة، وأن يسلك بإبداعه طرقا جديدة. وتوضح أن الشاعر الراحل كتب الديوان في ظـــروف مــأســاويــة، حـيـث وُلِـــــدَت كلماته مــن رَحِـــم ،)1991 /4 /13 - 1991 /3 /2( : المُعاناة، في الفترة كما دوَّن هو في هوامش قصائده، مضيفا المكان بجانب الزمان: (لاظوغلي وطُرة ورملة الأنجب... إلـــــــخ)، والــــحــــدث الــــــذي يُـــفـــصِـــح عـــنـــه هــــو الـــرصـــد الـــتـــراجـــيـــدي لمـــا لاقـــــاه الــشــاعــر المُـــكَـــبَّـــل المـعـصـوب الـعـيـنـن، والـــديـــوان بـطـابـعـه المـنـتـمـي إلـــى جنس الـيـومـيـات، يُــعـبِــر عــن صـــورة فـوتـوغـرافـيـة كبرى من ألبوم الماضي تفتح نافذتها على مصراعيها لمشاهدة صور فوتوغرافية صغرى، تمثل العصر الــذي عــاش فيه، تتجاور جنبا إلــى جنب مكونة ومُــجـمـعـة الـــصـــورة الــكــبــرى الــتــي تَـــرصُـــد وقـائـع الاحتفالية المتوحشة. ومـــروة الشريف باحثة أكاديمية صـدر لها مـــن قــبــل تـحـقـيـق كـــتـــاب «شـــفـــاء الأســـقـــام ودواء الآلآم» لــخــضــر الأيــــديــــنــــي، كـــمـــا أعــــــدت «مـعـجـم المصطلحات الصيدلانية التراثية» الحاصل على جـائـزة أفـضـل كـتـاب تـراثـي فـي مـعـرض القاهرة .2024 الدولي للكتاب القاهرة: «الشرق الأوسط» انكسارات الأبطال هل يتقن البشر اختيار نهاياتهم؟ وهل تسعفهم تجاربهم في تحديد توقيت جيد لنهاية محتومة؛ لكنها فقط تحتاج لتوقيت جيد؟! خـطـرت عـلـي هــذه الأسـئـلـة حـن شـاهـدت ميسي يعلن اعـتـزالـه (الأخــيــر) مع يوليو 19 منتخب بـاده، وظهرت مع الخبر صورته في ملعب نيوجيرسي يوم يقف مواجها جماهير الأرجنتين ممن بقوا في الملعب، يحاولون 2026 ) (تـمـوز مـواسـاتـه بعد الهزيمة المخجلة لعبا وسـلـوكـا، وهــي الهزيمة الـتـي طـيَّــرت حلم بعد حصول 2022 ميسي بخاتمة مشرقة له مع منتخبه. ولو اعتزل ميسي عام فريقه على كأس العالم في قطر، لظل في ذاكرة البطولات وذاكرة المعنى الأخلاقي، حين ينزل المرء من كرسيه العالي ويعود لصفوف الحياة، لتظل صورته عالية في مقام الذكريات والتهاني. وفـــي هـــذا المـعـنـى أتــذكــر اسـتـقـالـة هـــارولـــد ويــلــســون، زعــيــم حـــزب «الـعـمـال» ؛ تلك الاستقالة الـتـي لاقــت إكـبـارا رفيعا من 1976 ورئـيـس وزراء بريطانيا عــام كل أطياف الطبقة السياسية والإعلامية في بريطانيا؛ لأنـه غـادر في عـز تفوقه واكـتـمـال ظــروفــه بغالبية مـريـحـة مـعـه فــي الــبــرلمــان، ودون أي تـحـديـات تضغط عليه، وكان تصرفه ذاك خبرا مفاجئاً، فضرب على التحليلات، وأشغل الشاشات، مقارنة بغيره من زعماء مثله ظلُّوا إلى أن قهرتهم ظروفهم للاستقالة أو الهزيمة في الانتخابات، كما حدث لمن جـاءوا بعده. ذاك نوع من كتابة نهايات رفيعة لم يدركها ميسي الـذي فـوَّت فرصة الخروج الرفيع ليقع في خـروج ذليل، وستظل لحظة خروجه تزعج ذاكرته؛ لأنها علامة انكسار لبطل كان بيده ألا ينكسر. هنا تحضر معاني النهاية، وكيف يكتب البشر نهاياتهم، وهـل يحسنون قـراءة مسار الـدلالات أم يغفلون عن رسائل الجسد، من حيث إن الجسد هو أبلغ النصوص في صناعة الرسائل، ولكنها رسائل تأتي في شفرات تحتاج لقراءة ذكية وواقعية لكي تبلغ غايتها. والعلة دوما في الرأس الذي يكابر، ويظل يوحي لنا بأننا أقوياء وقادرون. وميسي لـم يـقـرأ رسـائـلـه الـجـسـديـة، ولــم يتصور حــــدوده، فـتـجـاوز الـحـد ليقتل لحظته التي كانت ستكون عالية المقام، فوقع في ألمه الذي كان ينتظره على مفرق الطريق. وهذه -عادةً- هي نهاية معظم من كان معناهم يقوم على أجسادهم؛ تلك الأجـسـاد التي تعطي بسخاء، وتستجيب للتدريب والتحفيز؛ لكنها لها حد لا تقوى على معاندته، وعند الإنجليز مثَل يقول: «صــدِّق جـسـدك»، أي: لا تصدق عقلك، فالعقل يقول لك إنك قادر ومكتمل وناضج، ولكن لغة العقل لا تسري على الأجسام من حيث إنها تستمد طاقتها من عضلاتها، والعضلات لها عمر عادة لا يكون طويلاً؛ خصوصا إذا ضغطت عليه الطلبات، وأخضعته للظروف والمعاناة والـتـصـبـر والـتـجـبـر. ومـــن طـبـع الـريـاضـيـن الـتـجـبـر وقـهـر الـجـسـد فـــوق طاقته، استجابة لشروط البطولات التي تحترم مواقيتها بشدة مطلقة، ولكنها تغفل عن ظروف الأبطال أنفسهم. وفي عالم الغناء، كابر مايكل جاكسون، وعاند ظرفه، واستعان بالمنشطات لكي يبقى نجماً، فسقط قبل بلوغ حنجرته سن النهايات. لكن الملحوظ تاريخيا أن من يقوم نشاطه على دماغه يظل قويا في عطائه كلما امتد بـه العمر؛ ربما لأنـه فـي تعاهد وثيق مـع دمـاغـه مـن حيث إنـه مصدر عطائه، ومن ثم مصدر قوته في شبابه وفي هرمه، ويفي له حتى مع تراجع قوته الجسدية. هــذا هـو الملحوظ فـي سير الفلاسفة والمفكرين والمـبـدعـن، ونـحـن لا نعرف الفلاسفة العظماء من صورهم في الشباب؛ بل من صورهم في الشيب مع العكاز والـــنـــظـــارات المــقــعــرة، وكـــذلـــك بـمـا خـلـفـتـه لـنـا الـــقـــرون مـــن مـنـحـوتـات ورســـومـــات للعظماء، تختار لهم حــالات سنهم المتأخرة، فهم عندنا أقـويـاء بفكرهم وليس بأجسادهم، والفكر لا بد من أن يظهر قويا وجبارا كما هو شرط الذاكرة الثقافية. بل إن تهالك الجسد يزيد المفكرين وقارا وهيبة، وربما تواضعا وحكمة. ولم تكذب الصور ولا التخيلات، فهي رسائل ثقافية تواطأت عليها الذاكرة البشرية. وفي المقابل، فالمعنى الثقافي يشير إلى أن قصص نهايات الأبطال تتعاظم كلما عظمت مأساويتها، فـالمـاحـم القديمة والأفــــام الحديثة تـطـرب للنهايات البائسة؛ لأنها تكتب نهاية العرض بحدث يبقى في ذواكر المتلقين. وهذه أفضل حيلة لتوالي العروض، ولجذب رغبات المشاهدين، كما يحدث في قصص الحب الكبرى ونهاياتها الفاجعة، وكأن ذلك شرط للخلود. وصـنـاع الأفـــام والمــاحــم يحتفلون بـالأبـطـال الـتـراجـيـديـن؛ لأن الجماهير تستمتع بانكسار البطل لكي تبكي عليه، ونحن نحب انكسارات امـرئ القيس، وقيس بـن المـلـوح، والمتنبي، ومـأسـاة ابـن زريـــق، ومَــصـارع العشاق؛ حيث متعة الحزن وثراء الجرح المكلوم. وهي زاد الخيال وأساطير الثقافة وحكاياتها. ولو كُتبت قصة ميسي، فأحسن سيناريو لها سيكون مع صورته الأخيرة في الملعب؛ إذ يقف وحيدا وحزينا وباكياً. وهذه صورة تغري أي مخرج مسرحي أو سينمائي ليصنع منها نهاية مشبعة بالعواطف، تختم العمل بذاكرة البطل المنكسر، تلك التي تحرك مخازن العواطف والتعاطف. ... من صباه حتى رحيله 1922 إلى 1886 تغطي فترة تمتد من بروست... مائة رسالة مجهولة تعود من برزخ النسيان كــــيــــف تـــــتـــــحـــــوّل تــــفــــاصــــيــــل الــــحــــيــــاة الـيـومـيـة، فــي أصـغـر تجلّياتها وأكـثـرهـا هشاشة، إلى مادة خالدة للذاكرة وللأدب؟ هو السؤال الذي يجيب عليه كتاب جديد بـــعـــنـــوان «مــــائــــة رســــالــــة غـــيـــر مـــنـــشـــورة» صـادر عن دار «أونــوري شامبيون»، وهو يـضـم مـائـة وثـيـقـة غـيـر مـنـشـورة، أغلبها مسوّدات، إلى جانب رسائل تلقّاها الكاتب الـفـرنـسـي مــارســيــل بـــروســـت مـــن محيطه القريب، وكلّها تنتمي إلى مجموعة نادرة جـمـعـهـا الـــكـــاتـــب بـنـفـسـه وحـــافـــظ عليها فـــي أوراقـــــــه الـــخـــاصـــة، تـــم الـــعـــثـــور عليها بــعــد وفـــاتـــه. وقــــد دخــلــت هــــذه المـــراســـات إلـى المكتبة الوطنية الفرنسية، لتُكمل ما يُوصف بـ«مجموعة الرسائل الفريدة التي جمعها بروست بنفسه». تغطّي هــذه الـرسـائـل فـتـرة تمتد من ، أي مـــن صــبــا بــروســت 1922 إلــــى 1886 حـتـى رحــيــلــه. وتــتــنــوّع طبيعتها تـنـوّعـا مـــذهـــاً: مــن الـبـرقـيـات الـقـصـيـرة المـوجّــهـة إلى الخدم، إلى الرسائل الطويلة المكرَّسة لأســئــلــة لـغـويـة وأدبـــيـــة عـمـيـقـة. وتكشف هــــذه الـــوثـــائـــق، فـــي طــيّــاتــهــا، عـــن جـوانــب مـــتـــعـــدّدة مــــن حـــيـــاة الـــكـــاتـــب، كـمـصـاعـبـه المالية وصحّته المتعثّرة، إلى جانب حياته الــعــاطــفــيــة وانـــشـــغـــالـــه الــــدائــــم بــالــكــتــابــة. وتبرز من هذه المراسلات شخصية والدة بروست، السيدة جان ويل - بروست، وهي المُــخــاطَــبــة الـرئـيـسـيـة والمُــــحــــاوِرة الفكرية الأولــــــــى لـــــه. كـــــان يـــتـــبـــادل مـــعـــهـــا رســـائـــل شبه يومية رغــم أنهما كانا يعيشان في الــبــيــت نـفـسـه لــكــن لـــم يــكــونــا يستيقظان في الساعات ذاتـهـا، فكان يفتتح رسائله إلـيـهـا بـعـبـارة «أمّــــي الـصـغـيـرة الـعـزيـزة»، كـتـب فــي إحـــداهـــا: «هـــل تحفظين لــي هـذه الــورقــة الـصـغـيـرة لأنـنـي أســجّــل فيها في لحظة بعض الأفــكــار... على عـجـلٍ... ألـف قـــبـــلـــة حــــنــــون. مــــارســــيــــل». وهــــــذا الــطــلــب بــــالــــذات يـكـشـف كــيــف كــــان بـــروســـت يـعـد حياته اليومية كمادة أدبية قيد التشكّل. وكــان يشكو لأمــه صعوبة الـنـوم، إذ كتب لـهـا قــائــاً: «الــحــاديــة عـشـرة والـــربـــع، ولـم أبـــدأ بـعـد حتى بالتفكير فـي الـنـوم؛ ربما كــــان الــسـبــب الــقــهــوة أو الـــــــدواء، لـكـنـي لم أتعرض لأزمة ربو اليوم. ألف قبلة حنون. مارسيل». لـــــكـــــن المـــــفـــــاجـــــآت الـــحـــقـــيـــقـــيـــة تــكــمــن فـــي الأصـــــــوات الــهــامــشــيــة الـــتـــي تستعيد حـــــضـــــورهـــــا. فــــهــــنــــاك صـــــــوت «أوجــــيــــنــــي المـسـكـيـنـة»، وهــــي عـلـى الأرجـــــح أوجـيـنـي ليميل، إحـدى خادمات بيت بروست، ولا يعرف منها سوى هذه الكلمات الوحيدة الــبــاقــيــة فـــي كــــل مـــا وصــلــنــا مـــن أرشــيــف بـــروســـت، إذ تُــشــكّــل رســالــتــهــا إلــيــه الأثــــر الـخـطّــي الـوحـيـد المـنـسـوب إلـيـهـا. وهـنـاك صـــوت سيليست ألــبــاريــت، مــدبّــرة البيت الــوفــيّــة الــتــي رافــقــت بــروســت حـتـى عتبة المـــــــوت. فـــفـــي رســـــالـــــة كــتــبــتــهــا سـيـلـيـسـت إلــــى أخـــيـــه روبــــــرت بـــروســـت فـــي نـوفـمـبـر ، أي قبل أيـام قليلة 1922 ) (تشرين الثاني من وفـاة الكاتب، تقول: «سيّدي الأستاذ، لقد أمضى سـيّــدي مارسيل ليلة فظيعةً، وكــذلــك الــنــهــار... سُـــعـــالات كـثـيـرة تخنقه بشدّة. وهو أكثر من أي وقت مضى مصمّم على أل يُعالَج، وأل تُوقَد النار في غرفته المتجمّدة. إنّي يائسة من أن يستطيع أحد مـــا أن يُـــمـــارس عـلـيـه شـيـئـا مـــن الـتـأثـيـر». وتضيف الـخـادمـة الوفية أن الكاتب كان يـطـلـب مـنـهـا مـنـع الــــزيــــارات حـتـى يـتـفـرّغ للكتابة، وكان يشرب كوبا من نقيع أعواد الكرز قبل أخذ دواء مهدِّئ للسُّعال. إلــى جانب الحياة الشخصية، تقدّم هذه المراسلات إضاءات على تاريخ تشكّل الـــعـــمـــل الـــــروائـــــي لـــلـــكـــاتـــب. فــنــكــتــشــف أن بـــروســـت عــــرض الـــجـــزء الأول مـــن روايــتــه «الـــبـــحـــث عـــن الـــزمـــن المـــفـــقـــود» عــلــى أكـثـر مــن نــاشــر قـبـل أن يستقر بــه المــطــاف عند «غـالـيـمـار». كما نعثر، فـي رسـالـة مذهلة مـوجّــهـة إلـــى بــاحــث لــغــوي، عـلـى تحقيق مــطــوّل فــي الأســـمـــاء الـجـغـرافـيـة المُختلَقة لمـديـنـة كــومــبــراي الــتــي تـخـيّــلـهـا مـارسـيـل بــــروســــت فــــي روايـــــتـــــه «مـــــن جـــانـــب مــنــزل ســـوان»، وتُــصـاحـب هـذه الـرسـالـة وحدها ســبــع صــفــحــات مـــن المـــاحـــظـــات، وكــأنّــهــا سَبر لغوي منهجي يـدل على أن بروست لم يخترع أسماءه اعتباطاً، بل كان ينقّب فـــي المــعــاجــم الــطــوبــوغــرافــيــة وفـــي أصـــول الـكـلـمـات الـاتـيـنـيـة والــنــورمــانــديــة حتى يمنح «كــومــبــراي» المتخيَّلة نسبا لغويا متينا يجعلها تبدو وكأنها بلدة اقتُطعت من خريطة فرنسا الحقيقية. ومـــن أطـــرف مــا يُــكـشـف عـنـه فــي هـذه المـــــراســـــات تـــفـــاصـــيـــل الـــحـــيـــاة الـعـاطـفـيـة لمــارســيــل بـــروســـت. فـنـجـد قــصــيــدة نثرية مـــوجّـــهـــة إلـــــى صــديـــقـــه الــحــمــيــم ريـــنــالـــدو هـــان، وهــو مـلـحّــن وعــــازف بيانو جمعته بـبـروسـت قـصـة حــب دامـــت سـنـتـن، وهـي من أهم علاقات الكاتب الفرنسي، ورسالة قطيعة موجّهة إلى ألفريد أغوستينيلي، مساعده الخاص والحبيب الذي فقدَه في حادثة تحطّم طـائـرة، الـذي يُقال إنـه ألهم بروست شخصية «ألبرتين» في «البحث عن الزمن المفقود». كما نقرأ رسالة لاذعة إلــى شـــاب قـابـلـه بــروســت فــي بـلـدة كـابـور ثم أخلف موعدا معه، فرد عليه 1909 عام بروست بسلسلة من التوبيخات، إذ يكتب له: «لقد أوشكت أن تصادف فرصة شهيرة للصداقة»، ثم يصفه بأنه «ماء عاديٌّ... لا يَثبت أبداً، سريع الانصباب كما هو سريع الانسكاب». ويرى نقّاد أن مقاطع من هذه الرسالة غذّت لاحقا توبيخ «سوان» المرير لـ«أوديت» في الرواية. وتُــطـالـعـنـا أيـضـا فــي هـــذه المجموعة أصـــــــــوات نــــــــادرة مــــن مـــراســـلـــي بــــروســــت، كـالـكـاتـب والــــرسّــــام لــوســيــان دوديـــــه، ابـن الروائي ألفونس دوديه، الذي كان بروست معجبا به، وكان السبب في إنهاء علاقته العاطفية برينالدو هان، الذي ظل بالرغم من ذلك صديقا لبروست. ويـــــقـــــدّم الـــبـــاحـــث الأمــــيــــركــــي فـيـلـيـب مجلدا ضمّت أكثر 21 كولب، الـذي أصـدر من خمسة آلاف وثلاثمائة رسالة معروفة لبروست، استعارة بليغة تصلح مفتاحا لـفـهـم قـيـمـة هـــذه المــــراســــات، إذ يـكـتـب أن رســــائــــل بــــروســــت، إذا قُــــورنــــت بـــروايـــتـــه، تـــشـــبـــهـــهـــا «فـــــــي حـــــــــدود مـــــا يـــشـــبـــه ظـــهـــر القماشة وجهَها: تتميّز فيها كل الخيوط وكل الألـوان، لكن ما ينقصها هو وضوح الرسم وإتقانه، أي الفن بعينه»، ويضيف: «فـــــي رســــائــــل بــــروســــت نـــجـــد كـــثـــيـــرا مــمّــا وضعه في عمله، لكننا نراه في ضوء أقل شاعرية وأكثر صدقاً». أمّــا الناقد تييري مولنييه، فقد رأى فـي رسـائـل بـروسـت «نــــداء لـلـهـواء»، وهو التعبير الذي استخدمه في تقديمه لكتاب «رســـائـــل مــارســيــل بـــروســـت إلــــى أنـــطـــوان بيبيسكو». ويرى مولنييه أن الكتابة عند بـروسـت كـانـت ضـــرورة يفرضها المـريـض المـــــهـــــدَّد بــــالاخــــتــــنــــاق. فـــحـــتـــى فـــــي أقـــصـــر الـــرســـائـــل وأكـــثـــرهـــا تـــفـــاهـــةً، يـتـجـلّــى قـلـق خفيّ، واستعجالٌ، ونفاد صبرٍ، وشكوى. وهــنــا يـكـمـن الـتـحـلـيـل الأعـــمـــق: فـبـروسـت لـــم يـكـن مـــجـــرّد «ســـيّـــد الـــزمـــن المُــســتــعــاد»، بـل كــان أيـضـا رجـــا يـصـارع يوميا الألـــمَ، والانــتــظــارَ، لــذا كـانـت مـراسـاتـه وسيلتَه الوحيدة للاتصال بالعالم الخارجي من غرفته المغلقة، وللتحكّم في المكان، ولفتح أبــــــواب الـــخـــيـــال عــلــى مــصــراعــيــهــا. ولــعــل أعمق ما تُلمح إليه هذه المراسلات هو أن الفصل بين «الحياة» و«الأدب» كان وهما عند بروست. فالرسائل التي يكتبها إلى أمّـــــه لـيـشـكـو لــهــا الأرق، أو إلــــى خـادمـتـه ليطلب كوبا من نقيع أعواد الكرز، ليست هامشا للعمل، بل هي مـادّتُــه الخام. إنها ظـــهـــر الــقــمــاشــة الـــــذي يـحـمـل فـــي خـيـوطـه المـــتـــشـــابـــكـــة وعـــــــد الــــوجــــه الــــــقــــــادم. وكــــــأن الزمن، في لحظته الأخيرة، لا يُستعاد إلا بالكتابة، ولو كانت بضع كلمات. باريس: أنيسة مخالدي الكاتب الفرنسي مارسيل بروست تكشف الرسائل عن جوانب متعدّدة من حياة الكاتب كمصاعبه المالية وصحّته المتعثّرة إلى جانب حياته العاطفية وانشغاله الدائم بالكتابة
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky