عندما تقترب عاصفة، دائما ما تسبقها إشارات تنذر بقدومها؛ فقد تهدأ الرياح فجأة، وينحسر المد إلـــى مـسـافـة أبـعـد مــن المــعــتــاد، وتـنـسـاب خـيـوط من السحب عبر السماء. ومن الممكن أن نسيء قراءة هذه الإشـــارات، أو حتى نتجاهلها كلية، ونصر على أن قطرات المطر ليست سوى زخات عابرة، إلى أن يفوت الأوان. عندها تبدأ المتاعب الحقيقية. ومـــا يـنـطـبـق عـلـى الـطـقـس يـنـطـبـق كــذلــك على شــؤون البشر؛ فقد تبدو أنظمة قوية إلـى أن يتبين أنها لم تعد كذلك. وكثيرا ما يبدو من السهل التنبؤ بوقوع ثورات داخلية واضطرابات تعصف بالنظام الـــدولـــي - أمــــران كـثـيـرا مــا يـسـيـران جنبا إلـــى جنب - بـأثـر رجـعـي، ومــع ذلــك لا يـجـري التنبؤ بهما في الوقت المناسب دائماً. ويأتي ذلك رغم أننا إذا دققنا النظر، فغالبا سنجد أن الإشارات كانت موجودة. والــــذيــــن مـــنـــا يــعــيــشــون فــــي كـــنـــف مـجـتـمـعـات مــســتــقــرة ومــنــظــمــة نــســبــيــا، تـتـمـلـكـهـم الـــرغـــبـــة فـي تصديق أن - على غرار الدكتور بانغلوس العبثي في رواية «كانديد»، التي أبدعها فولتير، الذي يتعثر من كارثة إلـى أخـرى - «كـل شـيء يجري نحو الأفضل». قد نتذمر من الاقتصاد أو من احتمال انــدلاع حرب أخـــرى بـعـيـدة، أو نصغي باستحسان إلــى أصــوات راديكالية من أي من طرفي الطيف السياسي، لكننا لا نتوقع أبدا أن ينقلب عالمنا رأسا على عقب. والأجــدر بنا أن ننتبه إلـى تحذير أطلقه كاتب فرنسي آخر؛ ففي رواية ألبير كامو «الطاعون»، التي كتبها بعد الحرب، تظهر الجرذان النافقة في شوارع مدينة وهــران الجزائرية، ويتساقط الناس مرضى جـراء الإصابة بمرض غـامـض... تتجاهل الحكومة المحلية ومعظم السكان هذه العلامات إلى أن يفوت الأوان. وفي الرواية، يتحسر الـراوي قائلاً: «لقد شهد التاريخ من الأوبئة بقدر ما شهد من الحروب، ومع ذلـك دائما ما تفاجئ الأوبئة والـحـروب الناس على حد سواء». اليوم، تتفشى الجرذان النافقة من حولنا؛ فقد سجلت درجات الحرارة هذا الصيف أرقاما قياسية جــديــدة، فـقـط لتحطمها أرقــــام أخـــرى بـعـدهـا، فيما اكتوت الأرض بالجفاف واشتعلت حرائق الغابات. وبـــالـــتـــزامـــن مــــع ذلــــــك، تـــقـــتـــرب ديــــــون الاقـــتـــصـــادات المــتــقــدمــة مـــن مــســتــويــات تــاريــخــيــة غــيــر مـسـبـوقـة، وتـــســـبـــبـــت قـــــــــــرارات تـــقـــلـــيـــص المـــــســـــاعـــــدات الــطــبــيــة والــغــذائــيــة، خـصـوصـا مـــن قـبـل الـــولايـــات المـتـحـدة، في وفيات كـان يمكن تجنبها، وساعدت في تفشي أمــــــراض، قـــد يــتــحــول أحـــدهـــا، عـــاجـــا أم آجـــــاً، إلــى جـائـحـة أخــــرى. وفـــي الــوقــت نـفـسـه، يــواصــل الـذكـاء الاصطناعي صـعـوده السريع وغـيـر المنظم، مهددا الوظائف والأمــن، بل ووجــود البشر نفسه، بحسب التوقعات الأكـثـر تـشـاؤمـا. فـي الـوقـت ذاتـــه، تضرب القوى الساعية إلى تغيير موازين القوى، بالقواعد والأعراف عرض الحائط. وسجل «برنامج أوبسالا لبيانات الصراعات»، نزاعا قائما بين دول، وهـو الرقم 65 ، العام المـاضـي . والـيـوم، تجد القوى الكبرى 1946 الأعلى منذ عـام نـفـسـهـا غـــارقـــة فـــي حـــــروب غــيــر مـتـكـافـئـة، مـــع دول تـسـتـفـيـد إلــــى أقـــصـــى حـــد مـــن الــتــقــنــيــات الــجــديــدة. عـلـى سـبـيـل المـــثـــال، تــدخــل حـــرب الــرئــيــس الــروســي فلاديمير بوتين في أوكرانيا، التي كان من المفترض أن تُحسم خلال أيام، عامها الخامس. أما إيران، فقد تمكنت عبر طائرات مسيّرة رخيصة الإنتاج تتولى تصنيعها عـلـى نـطـاق واســــع، مــن مهاجمة الـقـوات الأمـيـركـيـة وحـلـفـائـهـا، وزعـزعـتـهـا مـمـرا حـيـويـا من ممرات التجارة العالمية. ومــع أن انـــدلاع حــرب عالمية ليس أمـــرا حتمياً، لكن خطر نشوب صراع كارثي بين قوى كبرى تمتلك ترسانات عسكرية ضخمة، أصبح اليوم أقـرب مما كان عليه منذ عقود. ومع ذلـك، تظل الحقيقة أن ثمة عالما جديدا قد حل علينا بسرعة مذهلة، وبدأ النظام العالمي، الذي بقي متماكسا طـــوال الـجـزء الأكـبـر مـن حياتنا، في التآكل، عندما شعر من كانوا جزءا منه بقدر مفرط مـن الــراحــة والاطـمـئـنـان، وعـنـدمـا أصـبـح هـنـاك قدر كبير من التساهل - بل وحتى الاستحسان - تجاه أنماط السلوك الـرديء. لقد دخلنا عصرا جديدا من الفوضى، وعلينا أن نعد أنفسنا لذلك. عشية الــثــورة الـفـرنـسـيـة، كـانـت فـرنـسـا، أعظم قوة برية في أوروبا، على الأرجح مفلسة، الأمر الذي يعود في الجزء الأكبر منه إلى المبالغ الهائلة التي اقترضتها للمساعدة في هزيمة البريطانيين خلال الــثــورة الأمـيـركـيـة. كـمـا أن الـنـخـب الـحـاكـمـة المترفة والـــفـــاســـدة فــقــدت بـوصـلـتـهـا، فـــي حـــن كــانــت طبقة وسطى آخـذة في النمو، لكنها محرومة من النفوذ الــســيــاســي، تـطـالـب بـالـتـغـيـيـر. وفـــي قـــاع المـجـتـمـع، كـــان الـعـمـال والــفــاحــون يــواجــهــون خـطـر المـجـاعـة، ويتملكهم الــيــأس يـومـا بـعـد يـــوم. فــي الــوقــت ذاتـــه، أخـــذت أفــكــار جــديــدة وقــويــة مــن عـصـر الـتـنـويـر في الانتشار على نطاق واسـع، بعضها جاء من الثورة الأمــيــركــيــة، حـــول حــقــوق الإنـــســـان وأشـــكـــال جـديـدة للحكم تمنح السلطة لجزء من الشعب، على الأقـل. إلا أن ملوك فرنسا وحاشيتهم أســاءوا تقدير عمق السخط الشعبي، وافترضوا أن شيئا لن يتمكن من زحزحة امتيازاتهم. وأثبت الوقت خطأهم؛ فقد أطيح النظام الملكي، وولـــدت جمهورية فوضوية عنيفة. وخلال أقل من عقد، أصبح نابليون إمبراطوراً. بوجه عام، لا يوجد نمط واحد للتغيير الثوري، لكن القابعين في قمة أي نظام غالبا ما يفشلون في إدراك مـدى هشاشته. وجــاءت الثورة الروسية عام نتيجة للهزيمة فـي الــخــارج. ومــع ذلــك، أصـر 1917 القيصر نيقولا الـثـانـي، رغــم كـل الأدلــــة، على أنــه لا حاجة إلى إصلاحات، لأن الروس ما زالوا يحبونه. وفـي ألمانيا، خـال ثلاثينات الـقـرن العشرين، دعت النخب هتلر إلى السلطة، معتقدة، على نحو خاطئ، أنها ستتمكن من استخدامه لمصلحتها، وأن النظام القائم كان قويا بما يكفي لتقييده والسيطرة عليه. وكـانـت لكل واحـــدة مـن هــذه الــثــورات تداعيات دولية عميقة. مثلاً، قاد نابليون فرنسا إلى الهيمنة عـلـى الـــقـــارة، وحـطـم مـؤسـسـات وأفـــكـــارا قـديـمـة. أمـا البلاشفة الـذيـن اسـتـولـوا على السلطة فـي روسيا، فــقــد تــبــنــوا وروّجـــــــوا لـأمـمـيـة الـــثـــوريـــة، وخـــاضـــوا حــربــا عــلــى نــطــاق عــالمــي ضـــد الــرأســمــالــيــة والــــدول الديمقراطية. كما أعـــاد هتلر تسليح ألمـانـيـا، وغـزا معظم أوروبا، وقتل اليهود وغيرهم، باسم ترسيخ الهيمنة الآرية. ومع ذلك، تنجح الدول وقادتها أحيانا في قراءة المؤشرات في الوقت المناسب. وفي عشرينات القرن الـتـاسـع عـشـر، كـانـت الـحـكـومـة الـبـريـطـانـيـة تـواجـه ضغوطا من الطبقات الوسطى، التي نشأت حديثا بفعل الثورة الصناعية، لكنها كانت مستبعدة من المشاركة في صنع القرار السياسي. وكانت النخبة البريطانية، الـتـي كـانـت واعـيـة بـالـكـارثـة الـتـي ألمت بفرنسا قـبـل فـتـرة وجــيــزة، تـــدرك أنـهـا بـحـاجـة إلـى التكيف من أجل البقاء. وجاء قانون الإصلاح الكبير بمثابة صمام لتنفيس الضغوط؛ إذ وسّع 1832 لعام حق الاقتراع بما يكفي لتفادي اشتعال أزمـة أوسع نطاقا ً. مــن جـهـتـه، لـطـالمـا اعـتـمـد الـنـظـام الـــدولـــي على دعم القوى الكبرى، وعلى تعاون عدد كاف من الدول الأصـــغـــر وقـبـولـهـا بـــه. ومـــع نـهـايـة الـــحـــرب الـــبـــاردة واختفاء الاتحاد السوفياتي، بدت الولايات المتحدة مستعدة لمـواصـلـة أداء دور الـضـامـن للنظام، الـذي . بيد أنه في عهد الرئيس ترمب، 1945 نشأ بعد عام لم يعد الأمر كذلك. إنه عالم يتزايد فيه ضعف القدرة على التنبؤ، ونصبح فيه، بدرجة أكبر بكثير مما توقعنا، رهائن لأهـــــواء قـــادتـــنـــا، الـــذيـــن بـــاتـــوا أقــــل خــضــوعــا لـأطـر التنظيمية الخارجية. ً* بروفسورة التاريخ وعميدة كلية ترينيتي في جامعة تورنتو سابقا * خدمة «نيويورك تايمز» بـــعـــد أربــــعــــة أيــــــام تـــحـــل الــــذكــــرى الــخــامــســة والـعـشـرون لهجمات الــحــادي عشر مـن سبتمبر (أيلول). أتذكر حينها حجم الدهشة التي أصابت الــجــمــيــع، ومــــن ثَـــــم كــيــف انـــســـدلـــت المــــواقــــف؛ كــل بحسبه؛ من نظرية المؤامرة إلى الأقاويل المعروفة. تم ترسيم الحدث كأيقونة عنف استثنائية اخترقت قلب النظام العالمي المتمثل في الولايات، لــكــن لاحـــقـــا بـــــدأت حــــرب طــويــلــة تـــجـــاه الإرهــــــاب؛ فـــــي مــــحــــاولــــة لمـــاحـــقـــة المــــســــؤولــــن عـــــن الـــحـــدث دون الـــفـــكـــرة، ومــــع رمـــزيـــة بـــرجَـــي الـــتـــجـــارة كــان الأثـــر الأكــبــر فيما يـخـص بـاقـي الألـــم هــو النظام الــســيــاســي والاســتــراتــيــجــي الـــــذي وُلـــــد مـــن ركـــام وأنــــقــــاض الـــبـــرجـــن، حــيــث أعـــــاد الـــعـــالـــم تـرتـيـب أولـويـاتـه الأمنية مـن زاويـــة الـخـوف مـن تـكـرار ما حدث وتقديم القدرة العسكرية على كل ما عداها للتعامل مع الأزمة. والحال أن الصدمة الأميركية كانت مفهومة ومبرَّرة من زاوية الأميركيين الذين تبدى لهم ما حدث كانهيار لفكرة الأمـن الجغرافي التي حمت الولايات المتحدة طويلا وأكسبتها طمأنينة تجاه الاســتــهــداف، لكن مـا حــدث لاحـقـا مـن سـلـوك كان أيضا متوقعا كعادة الدول الكبرى في البحث عن استعادة الهيبة عبر رد سريع يتصدر شاشات الأخــبــار كـمـا الــحــدث نـفـسـه، لإثــبــات أن الــقــوة ما زالــت قـــادرة على العقاب. ولـهـذا كـان التدخل في أفـغـانـسـتـان، لإســقــاط حـكـم «طــالــبــان» الـــذي وفَّــر لــــ«الـــقـــاعـــدة» مـــــاذا آمـــنـــا، مــفــهــومــا مـــن الـنـاحـيـة السياسية والأمنية. الانـــتـــقـــال مـــن أفــغــانــســتــان إلــــى الـــعـــراق غـيَّــر المــعــادلــة والـنـظـر إلـــى الأزمـــــة، إذ لــم تـعـد ملاحقة تـنـظـيـم «الـــقـــاعـــدة الــــذي ارتـــكـــب حـمـاقـة كــبــرى ما زالـت تداعياتها موجودة إلى يومنا هـذا. بل في توظيف الصدمة لإعــادة تعريف الشرق الأوسـط وإعــــادة تـمـوضـع الــقــوة الأمـيـركـيـة فـيـه، وهـنـا تم المــزج فـي خطاب إدارة جــورج بـوش بـن مكافحة الإرهـــــــاب مـــع أســلــحــة الــــدمــــار الـــشـــامـــل، وتـغـيـيـر الأنظمة، لنشر الديمقراطية، وإعادة إنتاج صورة الولايات المتحدة بوصفها القوة التي لا ينازعها أحـــد بـعـد الــحــرب الـــبـــاردة. لــم تـكـن حـــرب الــعــراق نتيجة خطأ استخباراتي فحسب؛ كانت نتيجة تــصــور سـيـاسـي أوســــع يـــرى أن الأمــــن الأمـيـركـي يتحقق بإزالة الأنظمة غير المرغوب فيها، وإعادة بناء الإقليم على صورة المصالح الأميركية. وفـي نظري بعد ربـع قـرن من تأمل الحادثة وقراءة أغلب ما كتب عن الحدث، لم يكن التعامل مــع الــحــدث ســـوى تعبير عــن أزمــــة استراتيجية بـالـدرجـة الأولــــى، حـيـث تــم الـتـعـامـل مــع معضلة الإرهـــــــاب والـــتـــطـــرف والـــخـــطـــاب الـــــذي يُــنـتـجـهـمـا على أنـهـا مشكلة يمكن حلها بتغيير الخرائط الـسـيـاسـيـة مـــن أعـــلـــى، بـيـنـمـا كـــان جــوهــر الأزمـــة مشكلة خـطـاب آيـديـولـوجـي عنيف نما فـي بيئة حـــاضـــنـــة لــــدولــــة هـــشـــة وضــعــيــفــة كــأفــغــانــســتــان والبلدان التي شكلت مـاذا آمنا للتنظيم بسبب حالة الهشاشة والضعف وغياب الـدولـة، لإعـادة تكوين شبكات تمويل وتجنيد عابرة للحدود. لـم يكن إسـقـاط صـــدام حسين يعني امتلاك الــقــدرة عـلـى بـنـاء عـــراق مستقر؛ بـل كــان أثــر حل الجيش وتدمير مؤسسات الـدولـة وطـــرد الآلاف مــن المـوظـفـن مــن الـوظـائـف سببا فــي خـلـق بيئة ثانية اختلط فيها حابل الطائفية بنابل التطرف، لـيـولَــد «داعــــش» ويكبر الـتـحـدي الأكـبـر لعالم ما ســبــتــمــبــر»؛ الـــحـــدث الـــــذي تـــحـــوَّل إلــى 11« بــعــد مـتـازمـة أمـيـركـيـة مــشــروع بـنـاء دولـــة مستنبتة بـــــإدارة أمـيـركـيـة مـكـلـفـة تـعـتـمـد فـــي بـقـائـهـا على الــتــمــويــل والــحــمــايــة الـــخـــارجـــيـــة، وحـيـنـهـا سُــلِّــم العراق لإيران، وهكذا كلما توسعت المهمة أصبح الـنـصـر عـلـى غـــول الإرهــــاب أكـثـر غـمـوضـا بسبب الــســلــوك الـنـمـطـي مـــن خـــال رفـــع سـقـف الأهــــداف ثـم التعثر فـي خلق حالة تـوافـق سياسي يعقبه انسحاب يُخلِّف فراغا هائلا تستثمره القوى دون الدولة والتنظيمات المسلحة. لاحقا وُلـد نمط ما أصفه بمكافحة الإرهـاب على طريقة «الفاست فود»: عمليات قوات خاصة تستهدف قيادات أو طائرات مسيَّرة، وكلها رغم أهـمـيـتـهـا وتــأثــيــرهــا فـــي إضـــعـــاف الـتـنـظـيـمـات، لكنها لــم تخلق بــديــا سياسيا يصنع دولـــة أو يـحـمـي تـلـك المـجـتـمـعـات المـهـمـشـة أو حـتـى يمنع تـــحـــويـــل الـــضـــحـــايـــا المـــدنـــيـــن إلـــــى مــــــادة خـصـبـة للتجنيد وخطاب للتحشيد المضاد. سـبـتـمـبـر» 11« لـــهـــذا لــــم يـــكـــن الـــعـــالـــم بـــعـــد أفضل بـالـضـرورة فـي التعامل مـع الإرهـــاب، رغم التقدم الهائل فـي المراقبة والبيانات والتنسيق الاستخباري. لقد أصبح أكثر قدرة على اكتشاف الـخـايـا وتعقب التمويل واسـتـهـداف الـقـيـادات، لـكـنـه أقـــل اتــفـاقـا عـلـى تـعـريـف الـخـطـر وحــــدوده، وأكـــثـــر مـــيـــا إلــــى اخــــتــــزال أزمــــــات الــــــدول الـهـشـة فــي بـعـدهـا الأمــنــي. انـتـقـل مـركـز الـثـقـل الإرهــابــي مــن أفـغـانـسـتـان والـــعـــراق إلـــى الـسـاحـل الأفـريـقـي وحــــوض بــحــيــرة تــشــاد والـــقـــرن الأفـــريـــقـــي، فيما احـتـفـظـت تـنـظـيـمـات مـثـل «داعـــــش» و«الـــقـــاعـــدة» بقدرتها على التحول مـن السيطرة على الأرض إلى الفروع المحلية والشبكات الرقمية والفاعلين المنفردين. والنتيجة أن التنظيم المركزي ضعُف، لكن البيئة التي تُنتج التطرف لم تُعالَج بالقدر سـبـتـمـبـر» 11« نـــفـــســـه، وهــــكــــذا تـــحـــولـــت ذكــــــرى إلــى إنـتـاج خـطـاب الـحـرب العالمية على الإرهـــاب وتـــبـــريـــر الـــبـــنـــى الأمـــنـــيـــة دون مـــراجـــعـــة نــقــديــة للاستراتيجيات. سـبـتـمـبـر» قـــدمـــت الـتـجـربـة 11« بــعــيــدا عـــن الـسـعـوديـة درســــا مـخـتـلـفـا. فـقـد واجــهــت المملكة الإرهـاب حين انتقل من خطاب عابر للحدود إلى الذي شكَّل لنا 2003 عنف مباشر على أرضها في كسعوديين نقطة تحول في مسألة الإرهــاب، ولم نتعامل مـعـه كـظـاهـرة أمـنـيـة فـقـط، بــل كـاخـتـراق فـكـري واجـتـمـاعـي يحتاج إلــى مـواجـهـة متعددة ومــزيــج اسـتـراتـيـجـي يـجـمـع بــن الــحــزم الأمــنــي، وتجفيف منابع الـتـمـويـل، وتـطـويـر الاستباقية الأمنية والاستخبارية، لكن الأهم أنه كانت هناك تجربة سعودية شـديـدة الأهمية باعتراف حتى مراكز الأبحاث الغربية للخطاب المتطرف، كما هو الحال إعــادة التأهيل ضمن عمل مؤسسي كبير جمع قطاعات مختلفة من أمن الدولة إلى التعليم. القيمة الأساسية للنموذج السعودي: أنه لم يجعل الإرهـــاب ذريـعـة لشل المجتمع أو التراجع عـــن الـتـنـمـيـة والــتــطــويــر، فــضــا عـــن الــتــنــازل عن الـــثـــوابـــت الــديــنــيــة، بـــل جــعــل الــتــصــدي لـلـتـطـرف مــســؤولــيــة مــشــتــركــة بـــن الــــدولــــة ومــؤســســاتــهــا والمـجـتـمـع والـفـاعـلـن فـيـه عـلـى المـسـتـوى الديني والثقافي والاجتماعي؛ كـل من موقعه أسهم في بـنـاء مناعة صلبة وطويلة المـــدى ضـد الخطاب، مع اليقظة تجاه العمليات التي تم القضاء عليها بسبب قوة الدولة وثقة المجتمع وتعزيز الخطاب الديني المعتدل وتقديم كـل الـوسـائـل المجتمعية الـتـي تمضي بـالـسـعـوديـن نـحـو المستقبل الــذي تحوَّل إلى سردية أكثر إقناعا من خطاب التطرف وسردية العنف. كثيرا ما اعتبر البعض أن التوجُّه السياسي هو العامل الـحـاسـم، وأحـيـانـا الـوحـيـد لتحقيق الـتـقـدم أو الـنـصـر على الـخـصـوم والأعـــــداء، وكـثـيـرا مـا قـــدَّس البعض الآخـــر أنساقا آيديولوجية مغلقة ودافــعــوا عنها حتى المـــوت، متصورين أنـــهـــا طـــريـــق الـــخـــاص فـــي الــدنــيــا والآخـــــــرة. وقــــد كــــان لـهـذه العقائد واللافتات بريق وحضور في بدايات القرن الماضي مع ثورات آيديولوجية كبرى في روسيا والصين وغيرهما، واعــتــبــرت طــريــق الـتـغـيـيـر والــتــقــدم حـتـى خـفـت حــضــورُهــا، وبات من الصعب القول مع نهايات القرن الماضي إن التوجُّه السياسي يكفي لتحقيق التقدم، وإن النظم الناجحة هي التي تمتلك منظومة أخرى تحدد تقدمها، وهي كفاءة المؤسسات ومـهـنـيـتـهـا وفــاعــلــيــتــهــا والإيــــمــــان بــالــعــلــم، وهــــي مـنـظـومـة محايدة ويمكن أن توضع على أي لافتة آيديولوجية وتكون المعيار الحاسم في نجاحها. والـحـقـيـقـة أن أي «مـــســـح» لـخـريـطـة الــنــظــم الـسـيـاسـيـة المختلفة في العالم يشير إلى أن النظم الناجحة هي التي بنت منظومة إداريـة ومؤسسية كفؤة بصرف النظر عن توجهها السياسي. فبلاد مثل الصين التي يحكمها الحزب الشيوعي اختلفت كـثـيـرا عــن تــجــارب الأحــــزاب الشيوعية فــي الاتـحـاد السوفياتي وأوروبا الشرقية، والتي سقطت تباعا منذ نحو ثـاثـة عـقـود، لأنـهـا حـرصـت على أن تـكـون جـــزءا مـن النظام العالمي وتندمج فيه بشروطها، وأن تمتلك بنية مؤسسية منظمة وتؤمن بالعلم والمهنية، فمن إشارة المرور التي تُحترم في أصغر شارع في الصين، إلى مؤسسات صناعية وإدارية كفؤة وجامعات ومؤسسات بحث علمي رفيعة المستوى. إن انـــهـــيـــار الـــنـــظـــم الاشـــتـــراكـــيـــة فــــي أوروبــــــــا الــشــرقــيــة والاتحاد السوفياتي والنظم العسكرية في أميركا الجنوبية يرجع في جانب رئيسي منه إلى غياب الكفاءة والمهنية التي اعتبرت فـي النظم الأولـــى قيما «إمبريالية»، وتحولت إلى نظم بيروقراطية فاشلة مختبئة خلف رايــة آيديولوجية، على عكس تجربة الـصـن الـتـي آمـنـت بالمهنية والعلم رغم عدم ليبرالية نظامها، أما الثانية فلم تُعرها اهتماما يذكر لأنها انشغلت بقمع الناس والتلصص عليهم أكثر من بناء مؤسسات كفؤة تحل مشاكلهم اليومية. وإذا نظرنا إلى تجربة أخرى أمعنت في ألوان مختلفة مــن الــشــعــارات الآيـديـولـوجـيـة الـبـراقـة فـلـن نـجـد أوضـــح من الشعارات التي رفعها نظام القذافي، وحــول معها الجيش إلى كتائب، وتصور الرجل أن شعارات الكتاب الأخضر بديل عن كل قواعد الإدارة والعلم والمهنية التي يفترض وجودها في أي دولة حديثة. وتكفي مقارنة النظام الذي تأسس في ليبيا على مدار عـامـا فـي دولـــة نفطية ثـريـة، بـــدول الخليج الـتـي أنفقت 42 مداخيل النفط على جهاز إداري حديث ومؤسسات مهنية كـــفـــؤة كـــانـــت أســـــاس الــنــجــاح بــعــيــدا عـــن الـــتـــوجُّـــه والــشــعــار السياسي، حتى أصـبـح مـن الممكن وضــع الـكـفـاءة والمهنية قبل توجهات أي نظام سياسي، وهي التي ستحدد نجاحه من عدمه. والحقيقة أن الدول في عالم اليوم التي حققت اختراقات فـي واقعها ونقلت مجتمعها وشعبها خـطـوات إلــى الأمــام هي التي اهتمت بإصلاح المؤسسات وكفاءتها، فإصلاحات الرئيس رجب طيب إردوغـان في تركيا مثلا لم تأت فقط أو أسـاسـا بسبب قــوة حـزبـه ولا قــرب شـعـاراتـه الآيديولوجية لقطاع واسـع من الشعب التركي، إنما بالإصلاح المؤسسي لأجهزة الدولة. وإذا ذهـبـنـا إلـــي أقــاصــي الـــقـــارات فسنجد أن الرئيس البرازيلي إغناسيو لـولا دا سيلفا نجح وعـاد للسلطة مرة أخرى، ومن الوارد أن يُعاد انتخابه مرة رابعة بفضل إيمانه بـالمـؤسـسـات ودعـمـه لمهنيتها وحـيـادهـا على خــاف سلفه الـذي خسر الانتخابات وأديـن بالتحريض ضد قواعد عمل هـذه المؤسسات والاعـتـداء على حيادها ومهنيتها، الفارق بين الرجلين ليس فقط أو أساسا الفارق بين اليسار واليمين وبـن الاشـتـراكـي والـرأسـمـالـي، إنما بـن مـن احـتـرم الكفاءة والمهنية والإصـاح الإداري والشرطي ودعم السلطة المدنية على حساب السلطة العسكرية، وبين العشوائي الـذي كسر القواعد المهنية والقانونية والإدارية. نــجــاح رئــيــس مـحـافـظ فـــي الــعــالــم الإســـامـــي كـالـراحـل مهاتير محمد لم يكن راجعا لأنه صاحب توجُّه إسلامي مثل عصا سحرية لنجاحاته، إنما لكونه آمن بالعلم وبالكفاءة والإنجاز وبنى نموذجا يؤمن بالقانون والعدل الذي شكَّل خلفية نجاح لأي توجُّه سياسي وحقق في النهاية نجاحا عاما ً. 20 باهرا نقل بلده إلى مصاف الدول المتقدمة في على كثيرين فـي العالم العربي أن يعرفوا أن تجارب النجاح ليست نتاج لافتة آيديولوجية، إنما منظومة مبادئ وقواعد باتت أقرب إلى الحقائق العلمية في الإدارة والقانون والـبـحـث الـعـلـمـي وكـــفـــاءة المــؤســســات، وأن الاهــتــمــام بهذه المنظومة بات فرض عين على الجميع لأنه هو الذي سيحسم تقدمنا وليس المعارك الآيديولوجية. Issue 17451 - العدد Tuesday - 2026/9/8 الثلاثاء واجهت المملكة الإرهاب حين انتقل من خطاب عابر للحدود إلى عنف مباشر على أرضها تجارب النجاح ليست نتاج لافتة آيديولوجية إنما منظومة مبادئ وقواعد باتت أقرب إلى الحقائق العلمية عمرو الشوبكي يوسف الديني *مارغريت ماكميلان OPINION الرأي 14 خطر نشوب صراع كارثي بين قوى كبرى أصبح اليوم أقرب مما كان عليه منذ عقود نظام عالمي جديد يتشكل سبتمبر»... التصدي للتطرف مسؤولية عالمية الكفاءة والفاعلية قبل اللافتة السياسية 11«
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky