issue17451

بـــعـــد حـــصـــار خـــانـــق وقـــضـــم مـــــتـــــدرج، ســقــطــت تـلـة «علي الطاهر» الاستراتيجية، وفـق التوقيت الانتخابي الــذي يخدم مصالح رئيس الـــوزراء الإسرائيلي بنيامين نــتــنــيــاهــو. مــنــذ الـــبـــدايـــة كــــان مـعـلـومــا أن مـصـيـر أنــفــاق »، لـــن يـخـتـلـف عـــن مـصـيـر الأنـــفـــاق الــتــي دُمّــــرت 4 «عــــمــــاد فــي مـجـدل زون، والــخــيــام، والـقـنـطـرة، ورأس الـبـيـاضـة، وبـــنـــي حـــيـــان، ومــحــيــط قــلــعــة الـــشـــقـــيـــف... وغـــيـــرهـــا. لا؛ بـل إن السيطرة الإسـرائـيـلـيـة على مـركـز قـيـادي رئيسي تـتـحـصـن بــداخـــلـــه قــــوة «بــــــدر» تُـــعـــد ورقـــــة رئــيــســيــة بيد قيادة تلمودية ستفعل فعلها في صناديق الاقتراع؛ لأنه بعد إبـعـاد «حــزب الـلـه» عـن «عـلـي الطاهر» باتت الرؤية المباشرة لمستوطنات إصبع الجليل متعذرة، حيث ينعم المستوطنون بالأمان، في حين أنه بالمقابل أُفرغ الجنوب قسرا من أهله، وجُــرّف عمرانه وحقوله، واستحال أرضا محروقة غير قابلة للعيش. الـــســـؤال المـــطـــروح بـعـد الــســقــوط الـسـهـل لـتـلـة «عـلـي الطاهر»، التي تقطع طريق البقاع إلى الجنوب، هو: أين سيصبح خــط الـتـمـاس مــع الاحــتــال الإسـرائـيـلـي؟ وهـل من ثمن إضافي ستحاول تل أبيب فرضه نتيجة امتناع «حزب الله» عن تسليم التلة للجيش اللبناني في سياق تمسكه بالسلاح اللاشرعي، وهو أمر كان سيعزز موقف المـفـاوض اللبناني، ومـعـروف أن الزمن لا يخدم مصالح يــومــا عــلــى انــتــخــابــات الكنيست 50 الــبــلــد قــبــل أقــــل مـــن الإسرائيلي؟ بـعـد ضـــم «عــلــي الــطــاهــر» إلـــى «المـنـطـقـة الــصــفــراء»، وتـــوالـــي تـدمـيـر بــلــدات مـسـيـطَــر عليها بــالــنــار، يــبــدو أن العدو الإسرائيلي يحضّر لمزيد من الاحـتـال. بين الأدلـة تهديد منسوب إلـى القيادة الشمالية: «نأمل أل نضطر إلــــى الــعــمــل عـسـكـريـا فـــي عــمــق لـــبـــنـــان»، والــــهــــدف: «مـنـع (حزب الله) من استعادة قدرته على تهديد بلدات شمال إسرائيل». ويتزامن ذلك مع مؤشرات عن مضي نتنياهو بــعــيــداً، لـيـجـعـل مـعـركـتـه الانــتــخــابــيــة تــتــزامــن مـــع تـقـدم عـسـكـري بـاتـجـاه سـجـد وجـبـل الـريـحـان وإقـلـيـم الـتـفـاح، وربما شرقا باتجاه البقاع الغربي الذي يتحكم فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي من جهة جبل الشيخ. إنه منحى خطير، لا يوقفه تحريك مسار المفاوضات المباشرة وتقدم احتمال انعقاد جولة جديدة في منتصف سبتمبر (أيـــلـــول) الـحـالـي، فـتـل أبـيـب تستفيد مــن حالة رمـــاديـــة تـغـلـف أداء الـسـلـطـة الـلـبـنـانـيـة، الــتــي حـاصــرت نفسها في دائــرة مغلقة، حيال معادلة أرساها «الاتفاق الإطـــاري»: الأرض مقابل السلاح اللاشرعي. هناك تلازم مـتـدرج حتّمته هــذه المـعـادلـة لا فكاك منه، فيربط العدو الإسرائيلي أي انسحاب بإجراءات نزع السلاح اللاشرعي. يستند بذلك إلى موقف أميركي يطالب بيروت بشيء ما غير تكرار الخطاب السياسي إياه. ومعروف أن المصلحة الوطنيةَ، كما أكدها «اتفاق الطائف»، والقرارات التاريخية )، يفترضان نزع 2025 أغسطس/ آب 5( لمجلس الـــوزراء السلاح اللاشرعي؛ لأن في ذلـك استعادة للدولة وبداية جدية لمواجهة نكبة الجنوب وتداعيات الهزيمة. لقد سبق للرئيس جـوزيـف عــون أن أعـلـن أن لبنان «حُشر بين عدو لا يحترم قانونا ولا أعرافاً، وفريق مسلح خـارج على الدولة لا يقيم وزنـا لمصلحة لبنان وشعبه». هذا الوضوح في الطرح الرئاسي يحتّم مغادرة سياسة الانـتـظـار، والمــبــادرة إلــى وضــع الــقــرارات الحكومية التي تحظى بدعم شعبي واســع فـي التنفيذ، مـن بينها مثلا قــــرار «بـــيـــروت آمــنــة خـالـيـة مـــن الــــســــاح»... إلـــى ضـــرورة ممارسة السلطة دورَهـــا ومسؤوليتَها حيث تستطيع، لتثبت بذلك أنها المرجعية الوحيدة لكل المواطنين؛ مما سيؤثر على مجمل المشهد. المعنى هنا بدء تفكيك وإنهاء بنى تحتية لميليشيا «حزب الله» مثل «القرض الحسن» وغيرها من بنى مالية واقـتـصـاديـة، كما سـواهـا مـن بنى اجتماعية وسياسية تـــغـــولـــت عـــلـــى الـــــدولـــــة، يــصــفــهــا الـــنـــائـــب الـــســـابـــق نــــواف المــوســوي؛ أحـــد قـــادة «الـــحــزب»، بأنها «تعمل فـي خدمة المـــقـــاومـــة»، لــيــكــون الـــســـاح مـــصـــدرا لــلــنــفــوذ؛ مــمــا يـؤكـد تكرارا أن هذا «الحزبَ»، منذ نشأته، حالة عسكرية أمنية إيرانية، مرتبطة بمشروع تخريب المنطقة وحماية التمدد الإيراني، ولا مندوحة عن التصدي له. إن البديل عن مبادرات ملموسة من جانب السلطة، كاستخدام قوة الشرعية في وجه الخارجين على الدولة، كما يصفهم الرئيس عـون، يتمثل في استمرار الاحتلال الآخـذ في التمدد، كما تشي مؤشرات تتلطى بذرائع من نوع «إنهاء أي احتمال لتهديد مستقبلي (...)»، ويبقى معه، ولو إلى حين، السلاح اللاشرعي والهيمنة الإيرانية. إذّاك؛ ماذا يبقى من مساحة للقرار السيادي مع بقاء البلد في أسر الامتناع عن المبادرة؟ ينبغي التنبه إلى أن لبنان وقع ضحية حرب إسرائيلية - إيـــرانـــيـــة، ولا يــمــكــن المــفــاضــلــة بـــن طـــرفَـــن آثـــمَـــن بحق شعبه انتهكا سيادته. إن كـان «الإتـفـاق الإطـــاري» الثلاثي بوليصة للبنان لاستعادة أرضه؛ لأنه نص على الانسحاب الإسرائيلي ولو بصيغة إعادة الانتشار إلى خارج الحدود اللبنانية، فإن «مصير الأرض وأولوية تحريرها» رهن نزع الـسـاح الـاشـرعـي، ومــا مـن حـلـول أخـــرى، ولا يملك لبنان تـــرف الــوقــت. إن الـتـغـاضـي عــن الـنـهـوض بـهـذه المسؤولية الوطنية يهدد بـإعـادة الـربـط مـع طـهـران؛ مما يهدد مكانة لبنان وبـقـاءه، ويشطب حلم اللبنانيين بقيام الدولة التي تحميهم وتحفظ مصير البلد. الـديـمـقـراطـيـة لـيـسـت فـضـيـلـة مــقــدســة، ولا «نـهـايـة الـــتـــاريـــخ». هـــي نــظــام حــكــم يـسـتـجـيـب لـخـريـطـة الـنـفـوذ المادي. إن تغيرت طبيعة الخريطة تغير النظام. فــهــل الــــذكــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي بـــصـــدد تـغـيـيـر خـريـطـة النفوذ التي هيمنت منذ الثورة الصناعية؟ الــــثــــورة الــصــنــاعــيــة كـــانـــت مـعـنـيـة بــطــفــرة ضخمة فـي الإنــتــاج المــــادي. صحيح أن الماكينة قلصت الحاجة إلـــى العنصر الـبـشـري فــي كثير مــن المــهــن، لـكـن التوسع الصناعي خلق قطاعات عمل واستهلاك واسعة احتوت تلك الـعـمـالـة، واسـتـوعـبـت الانـفـجـار السكاني فـي القرن الــعــشــريــن. فـتـحـول مـــن ضـغـط عـلـى المـــعـــروض إلـــى قـوة استهلاكية محفزة لتوفير المزيد منه. أمــــا ثـــــورة الــــذكــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي، فـــثـــورة فـــي كــفــاءة الإنتاج أكثر من كونها ثورة في توسيعه وتوسيع قاعدة المشاركين فيه. نقطة قوتها تحقيق المطلوب بعمالة أقل، ولـكـن مــن دون تـوسـع أفـقـي يستوعب الـفـائـض مــن تلك العمالة. التطوير هنا منصب فـي الأســـاس على تمكين الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي نــفــســه، هـــو الـعـنـصـر الـــــذي نـولـيـه الاهتمام. الـــثـــورة الــصــنــاعــيــة احــتــاجــت إلــــى جـــانـــب المـــهـــارات اليدوية للعمال إلى خبرات جديدة مثل الأعمال المحاسبية ودراسة السوق والتعامل مع الجوانب القانونية؛ وهو ما أفرز طبقة وسطى عريضة، وأفـاد بالذات أجيالا جديدة مـن الـشـبـاب المتعلم، وخـلـق - بعد الاضــطــرابــات الأولـيـة للتغيير الاجـتـمـاعـي - قـطـاعـات داعــمــة لـاسـتـقـرار على الوضع الجديد. أما الذكاء الاصطناعي، فجاء ليشغّل الآلات، ويراقب الإنـتـاجـيـة، ويحلّل الأســــواق، ويقترح الاستراتيجيات؛ وهــو مـا يـهـدّد تلك الطبقة، فـضـا عـن الــروبــوتــات التي تهدد العمالة الرخيصة؛ ما يوسع طائفة المهمشين. فـــي بـريـطـانـيـا، عـلـى سـبـيـل المـــثـــال، انـخـفـض عـدد في المائة 45.6 الوظائف المعلنة للخريجين الجدد بنسبة خلال عام واحد، وفق إحصاءات محرك بحث الوظائف «أدزونـــــــا». هـــذه أرقــــام مقلقة عـلـى مـسـتـويـن: الأول أن هــذه هـي الفئة الـتـي تترجم إحباطها إلــى اضـطـرابـات اجـتـمـاعـيـة، والآخـــــر أنــهــا الـفـئـة الــتــي تـصـنـع مستقبل الاستهلاك، وتشكل عماد تطور المجتمع. ومن بين هذه الـفـئـة يــخــرج أصـــحـــاب المـــهـــارات المـعـرفـيـة الــتــي يعتمد المجتمع عليها. لو استمر الوضع على هـذا المـنـوال قد تصل الرأسمالية إلى حد التآكل الذاتي، لا سيما بالنظر إلى النقطة التالية. الـثـورة الصناعية دعمت خصوصا التملك الفردي والاستقلالية فـي الاقـتـصـاد الـرأسـمـالـي. تـوزعـت القدرة الإنتاجية على عدد هائل من الأفــراد والمؤسسات، يملك كـل منها مصنعه أو مشروعه الصغير ويـديـر المـهـارات حسب احتياجه. واندمج بعضها في كيانات أكبر وضم أصحاب أسهم. هذه اللامركزية ساعدت على تعدد مراكز النفوذ الاقتصادي والسياسي. أمـا ثــورة الـذكـاء الاصطناعي، فعلى العكس. على الـسـطـح يـبـدو أن الــذكـــاء الاصـطـنـاعـي أداة فــي خدمتك، وهـذا صحيح. لكن ما لديك مجرد صنبور، منبع النهر يتحكم فيه عدد محدود من الكيانات التي تملك النماذج والبيانات، وتستطيع أن تغيرها كما تشاء. وهذا نموذج جــديــد مــن الــعــاقــات الاقــتــصــاديــة يـمـكـن أن نـطـلـق عليه «إقــطــاعــا مــعــرفــيــا». يـمـنـحـك رخــصــة اســـتـــخـــدام، ويـضـع شـروطـهـا. يبيعك خـادمـا وجـاسـوسـا ورقيبا فـي الوقت نفسه. وظيفته أن يـسـاعـدك، ويتشرب خبرتك، ويراقب سلوكك. فيزداد قدرة على أداء ما كنت تؤديه. الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي تـــطـــور ضــخــم ومــفــيــد لـلـغـايـة مـن حيث المنفعة التقنية. أمــا مـن حيث السياسة، فهذا التغير فـي خريطة الـنـفـوذ سيضغط على الأرجـــح على الـنـظـام الـسـيـاسـي الـــذي نـشـأ فــي ظـلـهـا. فـإمـا يـقـود إلـى حكومات مركزية واسعة الصلاحيات بتفويض شعبي، تحتكر هذا الشريان الحيوي، أو إلى تدخلات تشريعية عاجلة تكسر بها الرأسمالية احتكار الذكاء الاصطناعي. وقـد يفشل كلاهما ويـكـون البديل عالما سياسيا جديدا بتعريفات جديدة لمفهوم العمل، ومعنى النقود، وامتلاك وســـائـــل الإنــــتــــاج وتـــوزيـــعـــهـــا. الـــتـــاريـــخ الـــبـــشـــري روايــــة مملوءة بالمنحنيات والمفاجآت. فــــي مـــؤتـــمـــر حـــــــوار الأمـــــــن والــــتــــاريــــخ، المنعقد فـي المملكة العربية السعودية يـوم الأحد الماضي، تركز الحديث عن التحديات الأمنية التي تواجه المملكة، والدور التاريخي للقيادة فـي التعامل معها. وكـــان بـاديـا أن إحـــدى أهــم سـمـات الـتـجـربـة الـسـعـوديـة هو «التكيُّف الاسـتـراتـيـجـي»؛ أي قـــدرة القيادة على التعامل مع الأزمـــات الكبرى من خلال حلول غير تقليدية، تستدعي أحيانا تغيير أدوات الـدولـة وأساليبها، وإصـــاح مكامن الضعف، وإقناع المجتمع بضرورة مواجهة الـــــواقـــــع الــــصــــعــــب، وخــــلــــق مــــشــــروع جــامــع للمستقبل. وتــــاريــــخ قــــيــــادات المــمــلــكــة يـثـبـت ذلـــك؛ فالملك عبد العزيز وحّــد البلاد وأنهى حالة الـتـجـزئـة، وشــيّــد دولــــة مــركــزيــة. وفـــي عهد الملك سعود، واجه صعود القومية العربية، وانـضـم لكتلة عــدم الانـحـيـاز، وتـمـكّــن الملك فيصل من تجاوز الخلافات مع عبد الناصر، ثم استخدم في سبيل قضية فلسطين النفط سـاحـا فـي المـعـركـة، ثـم كــان قـــرار المـلـك فهد فــي تـحـريـر الــكــويــت، ثــم المــلــك عـبـد الــلــه في الابتعاث وتخفيف القيود على المرأة؛ وهذه الـــخـــطـــوات كـــانـــت تــدريــجــيــة، واســتــجــابــات لمــــآزق، وكـــان آخِـــر الاسـتـجـابـات لمستجدات » وهــــي نـقـلـة نــوعــيــة بـتـاريـخ 2030 «رؤيــــــة المـمـلـكـة؛ لـكـونـهـا تـعـيـد رســـم عــاقــة الــدولــة بالاقتصاد، والمجتمع، وبدء مسار جديد لا يمثل قطيعة مع المـاضـي، بل تـواصـا بينه وبـــن الــحــاضــر، لـبـنـاء مستقبل راهَــــن ولـي العهد الـسـعـودي الأمـيـر محمد بـن سلمان عــلــى أنــــه ســيــكــون نـــمـــوذجـــا بـــه سـتـتـحـول، وفـــق قـــولـــه، المـنـطـقـة إلـــى ســويــســرا الــشــرق. لكن مع تصاعد التهديدات الإقليمية، خلال السنوات الأخيرة، بدا واضحا أن حماية هذا التحول تتطلب سياسة أمنية لا تقوم على القوة وحدها، بل على سياسات اعتمدتها القيادة ويمكن حصرُها في خمسة مفاهيم في العلاقات الدولية: أولا الواقعية السياسية: رؤيــة العالم كـمـا هـــو، لا كـمـا نــرغــب أن يـــكـــون، وتـعـزيـز الـقـدرات العسكرية والـــردع، مـع بناء بدائل تقلل من مخاطر الاعتماد على ممر واحـد، ومـــن ذلـــك تـطـويـر مـــســـارات تـصـديـر النفط عــبــر الــبــحــر الأحــــمــــر. ثــانــيــا تــــــوازن الــقــوى وتـــــــوازن الــتــهــديــد: فــــالــــدول لا تـخـشـى قــوة الــــجــــار وحــــدهــــا، بــــل تــخــشــى أيـــضـــا نــيـاتــه الـعـدائـيـة وآيديولوجيته التوسعية، لذلك تصبح التحالفات والشراكات وسيلة لرفع كلفة الـتـهـديـد وإجــبــار الـخـصـم عـلـى إعـــادة حـــســـابـــاتـــه. ومـــــن هـــنـــا تــكــتــســب الـــشـــراكـــات الـسـعـوديـة مــع الــقــوى الإقـلـيـمـيـة والــدولــيــة أهميتها، كما اكتسب استئناف العلاقات مع قيمة تتجاوز 2023 إيران في اتفاق بكين عام المصالحة الدبلوماسية إلى خفض مخاطر الــــصــــراع. وثــالــثــا الــدبــلــومــاســيــة الــوقــائــيــة: التي تقوم على منع النزاعات قبل تحولها إلـى حـــروب، عبر بناء الثقة والإنـــذار المبكر والوساطة. وهذا يفسر السعي إلى الحوار، بـــدلا مـن تــرك الأزمــــات تـتـراكـم حتى يصبح استخدام القوة الخيار الوحيد. رابعا العمق الاستراتيجي: فالأمن لا يبدأ عند الحدود، بــــل يــمــتــد إلـــــى الـــبـــيـــئـــة المـــحـــيـــطـــة؛ والــبــحــر الأحمر ومضيق هرمز جزء من هذا العمق، ولـــذلـــك فـــــإن اســـتـــقـــرار الــيــمــن وأمـــــن المــاحــة وتوفير البدائل اللوجستية ليست قضايا بــعــيــدة عـــن الأمـــــن الـــســـعـــودي، بـــل جــــزء من منظومته. خامسا المــرونــة الاستراتيجية: أي قــدرة الـدولـة على امتصاص الصدمات، والاستمرار في أداء وظائفها، والتكيف مع الظروف المتغيرة دون التخلي عن أهدافها الأسـاسـيـة؛ وهـــذه المــرونــة تـبـدو ظـاهـرة في حركة القيادة السعودية. إن استحضار تلك المفاهيم المطبقة، وقــــــــدرة الــــقــــيــــادة الـــســـعـــوديـــة عـــلـــى قــــــراءة المـــتـــغـــيـــرات واســــتــــبــــاق الأحــــــــــداث، ووضــــع الــحــلــول، ورســــم تــصــور لمستقبل المـمـلـكـة، تــــمــــثــــل خـــــطـــــا مـــــــتـــــــواصـــــــا بـــــــن المـــــاضـــــي والـحـاضـر، وبـنـاء للمستقبل. هــذه القدرة المتوارثة تتقارب مع مفاهيم ذات دلالة مثل هيغل ورؤيــتــه للقائد الـتـاريـخـي. فالقائد الـــتـــاريـــخـــي، فـــي تــــصــــوره، هـــو مـــن يلتقط الاتـــجـــاهـــات الـعـمـيـقـة فـــي حــركــة الــتــاريــخ، ويمنحها إرادة سياسية تُحولها إلى واقع. القائد هنا لا يصنع التاريخ من فـراغ، ولا يعمل خــارج شــروط عـصـره، وإنـمـا يلتقط الفرص الكامنة، ويمنحها شكلا سياسياً؛ لــذلــك فـــإن قـيـمـة الــقــيــادة لا تــقــاس فحسب بـقـدرتـهـا عـلـى تـــجـــاوز أزمـــــة، بـــل بـقـدرتـهـا على تحويل الأزمــــات إلــى فـــرص، والقيود إلى خيارات، والواقع القائم إلى واقع جديد أكثر ملاءمة لمصالح الدولة ومستقبلها. فــــي هـــــذا الـــســـيـــاق، يــمــكــن الـــنـــظـــر إلـــى الـــقـــيـــادة الـــســـعـــوديـــة الــحــالــيــة بـاعـتـبـارهـا قـيـادة تحمل مقومات القيادة التاريخية؛ فهي لا تكتفي بــــإدارة الأزمــــات، بـل تسعى إلــــــى إعــــــــادة تــشــكــيــل الـــــدولـــــة والاقـــتـــصـــاد والمــــجــــتــــمــــع، وتــــوســــيــــع هـــــامـــــش الـــحـــركـــة الاستراتيجية للمملكة. لكن التاريخ وحده هو الذي يمنح هذه الصفة بصورة نهائية. » فـــي تحقيق 2030 فــــإذا اســـتـــمـــرَّت «رؤيـــــة أهدافها، واستطاعت القيادة بناء اقتصاد أكـــثـــر تــنــوعــا، وعــــــززت قــوتــهــا الـعـسـكـريـة، وتجاوزت الحروب المفروضة عليها، وعلى المــنــطــقــة، فــلــن تـــقـــرأ هــــذه المـــرحـــلـــة كـمـجـرد مـرحـلـة إصـــــاح، وإنـــمـــا كـنـقـطـة تــحــول في تاريخ الدولة السعودية. فـــي مــؤتــمــر الأمـــــن والــــتــــاريــــخ، يـتـأكـد للمشارك الـحـذق أن الـقـيـادة السعودية لم تكتف بـإدارة مرحلة من تاريخ المملكة، بل أسهمت في إعادة رسم مسار التاريخ. جـــوهـــر الـــقـــيـــادة الــتــاريــخــيــة: أن يـقـرأ القائد روح عصره، ويرى ما وراء اللحظة، ثم يمتلك الإرادة لتحويل الممكن إلى واقع. OPINION الرأي 12 Issue 17451 - العدد Tuesday - 2026/9/8 الثلاثاء الذكاء الاصطناعي والديمقراطية؟ لبنان... خط التماس بعد سقوط «علي الطاهر»؟ السعودية والتقاط الاتجاهات العميقة في حركة التاريخ وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com أحمد محمود عجاج خالد البري حنا صالح

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky