سادت حالة من التوتر والاحتقان مدينة القطرون، الواقعة في جنوب ليبيا، بعد مقتل عـــامـــا) إثــر 16( المــــواطــــن حــســن ســـيـــدي مــطــر تـعـرضـه لإطـــاق نـــار أثــنــاء وجــــوده فــي محطة وقود بالمدينة. وتباينت الروايات بشأن الجهة التي تقف وراء إطلاق الرصاص على مطر، في ظل توجيه » الـتـابـعـة 87 مــواطــنــن اتــهــامــا إلــــى «الـكـتـيـبـة لـ«الجيش الوطني». وشـهـدت الـقـطـرون مـنـاوشـات وكـــرّا وفــرّا » مساء 87 بين مواطنين وعناصر من «الكتيبة الــخــمــيــس، اســـتـــخـــدم فــيــهــا إطـــــاق الـــرصـــاص العشوائي، وظهر خلالها عدد من أبناء قبيلة «التبو» وهم يحملون السلاح. وسارع «التجمع السياسي الوطني فزان» بتحميل المسؤولية كاملة لـ«الجهة المنفذة»، بتحمل كامل تبعات هذه 87 ومطالبة «الكتيبة الجريمة». ولم يعلق «الجيش الوطني» بشكل رســمــي عـلـى الــواقــعــة، لــكــن مــصــدرا مـقـربـا من القيادة العامة «أكد تقديرها لأهالي القطرون؛ وسعيها لحل أزماتهم المعيشية». وقـــالـــت رانـــيـــا الــصــيــد، الــعــضــو المــؤســس لـ«تجمع فــــزان»، إن «مــا حــدث فـي الـقـطـرون لا يمكن قــراءتــه بـوصـفـه حــادثــة عــابــرة أو نـزاعـا فـــرديـــا»، وعـــدّتـــه «اســتــهــدافــا مـبـاشـرا للنسيج الاجــتــمــاعــي ولــحــالــة الاســـتـــقـــرار الــهــشــة، الـتـي نــــحــــاول الـــحـــفـــاظ عــلــيــهــا فــــي الـــجـــنـــوب، وهـــو يــســتــهــدف جــــر المــنــطــقــة إلـــــى مـــربـــع الــفــوضــى والثأر». وذهــبــت فــي حـديـث لـــ«الــشــرق الأوســــط»، إلى أن «أي اعتداء على النفس والمال والعرض مرفوض»، داعية الأجهزة الأمنية والقضائية إلـــــــى الــــقــــيــــام بــــواجــــبــــهــــا فـــــي ضــــبــــط الــــجــــنــــاة، وتقديمهم للعدالة فوراً. وعوّلت رانيا الصيد «على دور مجالس الحكماء والأعيان والمشايخ في القطرون، وفي عـمـوم الـجـنـوب»، وقــالــت: «دوركــــم الـيـوم ليس تــشــريــفــا، بـــل تــكــلــيــف؛ عـلـيـكـم مــســؤولــيــة رأب الصدع، وحقن الدماء، واحتواء الفتنة قبل أن تستفحل». ووصـــل وفـــد مــن المـجـلـس الأعــلــى لمشايخ وأعيان فـزان، برئاسة الشيخ إبراهيم أبو بكر نــصــر، إلـــى الــقــطــرون مــســاء الـخـمـيـس، سعيا لاحــتــواء الأحــــداث المـتـصـاعـدة، وتـقـديـم الـعـزاء والوقوف على الوضع الراهن داخل المدينة. وطــالــب «تـجـمـع فــــزان» بــ«تـشـكـيـل لجنة تحقيق عاجلة وشفافة، والكشف عن نتائجها لـــلـــرأي الـــعـــام، وتـسـلـيـم الــجــنــاة لــلــعــدالــة دون تستر أو مماطلة»، داعـيـا إلــى وقــف مـا سمّاه «أي إجراءات انتقامية، أو عقاب جماعي بحق أهـالـي الـقـطـرون، وعــدم تحميل المنطقة مزيدا من الدماء والاحتقان». ودعــــا الـتـجـمـع فـــي بــيــان أصــــــدره، مـسـاء الخميس، بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إلى «تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية فـي حماية المـدنـيـن بـالـجـنـوب، وفـتـح تحقيق دولي مستقل في الواقعة»، كما طالب المجتمع الدولي بـ«التدخل العاجل لوقف هـذه الأفعال التي تستهدف الأبرياء، ووضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان في مناطق الجنوب الليبي». مـــن جـهـتـهـا، شـــــددت رانـــيـــا الــصــيــد على أن لـــيـــبـــيـــا «لا تـــحـــتـــمـــل مـــــزيـــــدا مـــــن الأزمــــــــات والانقسامات»، فيما نبهت إلـى أن «مـا يحدث فــــي الـــقـــطـــرون قــــد يـــتـــكـــرر فــــي أي مـــديـــنـــة، إذا اســتــمــررنــا فـــي مـعـالـجـة الأعـــــراض وتجاهلنا الأســـبـــاب»، وحــــذرت «مـــن الانـــجـــرار إلـــى الـفـن، وخطاب الكراهية، أو تحويل المنطقة وجعلها سلاحا في يد من يريدون لنا الفرقة». وتــخــضــع الـــقـــطـــرون لــســيــطــرة «الــجــيــش الـــــوطـــــنـــــي»، ولا يــــوجــــد أي وجـــــــود لــحــكــومــة «الــــوحــــدة الـــوطـــنـــيـــة» المـــؤقـــتـــة بـــالمـــديـــنـــة، الـتـي تعاني من أزمة نقص الوقود مثل غالبية المدن الليبية. وقــــــال المـــجـــلـــس الأعــــلــــى لمـــشـــايـــخ وأعـــيـــان فـزان إن وفـدا منه قـدم واجـب العزاء والمواساة إلى أهالي القطرون، «في إطار دوره المجتمعي ومــســاعــيــه لــلــم شــمــل أبـــنـــاء المـنـطـقـة وتـوحـيـد الصف». وأوضـــح المجلس، الجمعة، أنــه «كـــان في اسـتـقـبـال الــوفــد مـشـايـخ وحـكـمـاء وشــبــاب من أبـــنـــاء الـتـبـو بــالــقــطــرون؛ وجــــرى خـــال الـلـقـاء الـبـحـث بـشــأن مـجـريـات الــحــدث الـــذي شهدته المـــديـــنـــة، وســــط تــأكــيــد عــلــى أهــمــيــة الـتـمـاسـك الاجتماعي واحتواء تداعياته». وأكـد المجلس أن «دمـاء أهل فـزان واحـدة؛ وجــرح القطرون هو جـرح فــزان كلها»، مشددا عـلـى «المــضــي فــي طـريـق الـتـسـامـح والتصالح وحقن الدماء وإحقاق الحق». ودخـــــلـــــت المــــؤســــســــة الــــوطــــنــــيــــة لـــحـــقـــوق الإنـــســـان فـــي لـيـبـيـا عـلـى خـــط الأزمـــــة، وعـبـرت عــــن قــلــقــهــا حــــيــــال «تــــصــــاعــــد مــــعــــدلات الــقــتــل خــــارج الـــقـــانـــون فـــي كـثـيـر مـــن المــــدن والمــنــاطــق والـــبـــلـــديـــات»، وأرجــــعــــت ذلــــك إلــــى «الــفــوضــى الأمــنــيــة الـــتـــي يـشـهـدهـا الــعــديــد مـــن المـــــدن في عموم البلاد، نتيجة غياب دور وزارة الداخلية والجهات الأمنية المختصة». ودعـــــــــت المـــــؤســـــســـــة، وزارة الــــداخــــلــــيــــة، ومــــديــــريــــة أمـــــن الــــقــــطــــرون، وجــــهــــاز المـــبـــاحـــث الجنائية، ومكتب المحامي العام بدائرة محكمة استئناف سبها، إلــى فتح تحقيق شـامـل في ملابسات واقعة قتل مطر، وتكثيف جهودها لـضـبـط المـتـهـمـن المــتــورطــن فـــي ارتـــكـــاب هـذه الجريمة، وتقديمهم إلى العدالة. وســــبــــق أن الـــتـــقـــى نــــائــــب الــــقــــائــــد الـــعـــام لـ«الجيش الوطني»، الفريق صـدام حفتر، في مدينة الـقـطـرون، مشايخها وأعـيـانـهـا، ضمن زيـــارة موسعة شملت مـدنـا عـديـدة بالجنوب لــــلــــوقــــوف عــــلــــى حــــالــــة الأمــــــــــن، واحــــتــــيــــاجــــات المواطنين المعيشية. 8 أخبار NEWS Issue 17448 - العدد Saturday - 2026/9/5 السبت دعا «تجمع فزان» بعثة الأمم المتحدة إلى «تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية في حماية المدنيين بالجنوب» ASHARQ AL-AWSAT «تجمع سياسي» يدعو إلى تدخل دولي عاجل لحماية الجنوب ليبيا: احتقان بالقطرون عقب مقتل شاب بنيران نُسبت لـ«الجيش الوطني» مشايخ وأعيان فزان يقدمون واجب العزاء لأهالي القطرون (المجلس) القاهرة: «الشرق الأوسط» قطب معارض يحذّر من «المماطلة والخديعة» وينتقد الدعوات لتعديل الدستور شخصية للإشراف على الحوار الوطني 20 موريتانيا: لجنة من اتـــــفـــــقـــــت الأطــــــــــــــــــراف الـــــســـــيـــــاســـــيـــــة فـــي مـوريـتـانـيـا، (الـخـمـيـس)، على تشكيل لجنة تـــتـــولـــى الإشـــــــــراف عـــلـــى الـــــحـــــوار الــســيــاســي عـــضـــواً، وتـتـبـع لها 20 المــرتــقــب، تـتـكـون مـــن لجان فرعية عدة، على أن يكتمل تشكيل هذه اللجان قبل نهاية سبتمبر (أيلول) الحالي. وبحسب ما أكدت مصادر سياسية، فإن رئيس لجنة الإشـراف على الحوار السياسي في موريتانيا، موسى فال، اجتمع مع ممثلي الأقطاب السياسية المشارِكة في الحوار، حيث جـرى نقاش وضـع اللمسات الأخيرة لإطلاق جــلــســات الــــحــــوار، وذلـــــك بــعــد الاتـــفـــاق خــال الأشهر الماضية على خريطة الطريق. وجـــــــرى الاتـــــفـــــاق عـــلـــى أن تـــضـــم لـجـنـة مـن 7 ،ً عـــــضـــــوا 20 الإشــــــــــراف عـــلـــى الـــــحـــــوار 6 مـــن المــــــوالاة، بــالإضــافــة إلـــى 7 المــعــارضــة و أعـــضـــاء مـــن المـجـتـمـع المـــدنـــي والـشـخـصـيـات المستقلة، يجري اختيارهم بالمناصفة ما بين الموالاة والمعارضة. واتـــفـــقـــت الأقــــطــــاب الــســيــاســيــة عــلــى أن يــرســل كــل قـطـب ممثليه فــي لـجـنـة الإشــــراف عــلــى الــــحــــوار، مـــع تــحــديــد مـعـايـيـر يــجــب أن تتوفر فـي الأسـمـاء المقترحة، ومـن أهمها أن تتوفر لديها مستويات علمية، وفي مستوى رئيس حــزب سياسي، مـن حيث التجربة أو المنصب الحالي، مع توصية بضرورة مراعاة التوازن بين المكونات الاجتماعية والعرقية، وحضور النساء والشباب. فــــي غـــضـــون ذلــــــك، أعـــلـــن رئـــيـــس «قـطـب ائـتـاف المـعـارضـة الديمقراطية»، نــور الدين مــــحــــمــــدو، رئــــيــــس حــــــزب «مــــوريــــتــــانــــيــــا إلـــى الأمـــــام»، تعليق مـشـاركـة حـزبـه فــي جلسات الـحـوار؛ بسبب اعتقال الـلـواء المتقاعد لبات ولــد مـعـيـوف، أحــد أعـضـاء المكتب التنفيذي للحزب. تحذير من «الخديعة» عــــــقــــــد «قـــــــطـــــــب ائــــــــتــــــــاف المــــــعــــــارضــــــة الديمقراطية» مؤتمرا صحافياً، أعلن فيه أنه «يتمنى ألا يدخل الحوار في متاهات جديدة، ومــواعــيــد مـتـوالـيـة، وعــمــل بـالـتـراخـي بشأن تهيئته». وطالب القطب بما سمّاه «الابتعاد عن المخادعة والمماطلة السياسية، والتعاطي مع الحوار بإيجابية وصـدق وأمانة وشفافية»، داعــيــا إلـــى «أن تستكمل الـلـجـان عملها بكل انضباط». وشـــــدَّد الــقــطــب المـــعـــارض عــلــى ضــــرورة «إدخال الأقطاب المتحاورة في حوار سياسي يـلـتـزم بـالـضـمـانـات، والـــرجـــوع لـلـصـواب في الــتــهــدئــة الــســيــاســيــة، والـــكـــف عـــن الـــتَّـــحـــرُّش بــقــيــادات الأحــــــزاب تـرغـيـبـا وتــرهــيــبــا»، وفـق تعبيره. كــــمــــا انــــتــــقــــد الــــقــــطــــب المــــــعــــــارض بـــشـــدة الــــدعــــوات لــتــعــديــل الـــدســـتـــور مـــن أجــــل منح الــرئــيــس الــحــالــي لــلــبــاد الــحــق فـــي الـتـرشـح لولاية رئاسية ثالثة. وقال إنها تهديد صريح لما سمّاه «المكتسبات الدستورية»، ووصفها بأنها «انقلاب دستوري». وقال إن ما يجري هـو «مــنــاداة علنية للانقلاب على الدستور، من خـال المطالبة بمأمورية ثالثة يحظرها الـدسـتـور والـقـانـون والأخــــاق، بوصفها من المـكـتـسـبـات الــدســتــوريــة، الــتــي أقــســم رئـيـس الجمهورية على ألا يقترب منها، وألا يشجِّع أي مبادرة تنحو إلى خرقها». وتـــحـــدث الــقــطــب المـــعـــارض عـــن «وجــــود شخصيات تتقلد مناصب رسمية وسياسية وانــتــخــابــيــة وتــنــفــيــذيــة، إضـــافـــة إلــــى بعض رؤســــــــاء الأحـــــــــزاب المــــوالــــيــــة، تــــنــــادي بــخــرق الدستور». تمسك بالحوار في غضون ذلك، عقدت أحزاب الأغلبية الرئاسية، والأحــزاب الداعمة للرئيس محمد ولــــد الــشــيــخ الـــغـــزوانـــي، مـــســـاء (الــخــمــيــس)، اجــتــمــاعــا مـــن أجــــل اتـــخـــاذ قـــــرار بـخـصـوص ، الــتــي تـمـثـل الأغــلــبــيــة في 7 الـشـخـصـيـات الــــــ لجنة الإشراف على الحوار. وأعـلـنـت هـــذه الأحــــزاب أنـــه «بـعـد نقاش مستفيض حول الموضوع، تقرر إرجاء الحسم فيه إلــى الاجـتـمـاع المـقـبـل، لمـواصـلـة التشاور والتوصل إلى الصيغة المناسبة بشأنه»، كما شكلت لجنة مصغرة ستتولى مهمة «إعـداد مـقـتـرح يــحــدد بـــوضـــوح المـــواقـــف، والأهـــــداف التي ستتبناها الأغلبية خلال الحوار». وكــــــان حـــــزب «الإنــــــصــــــاف» الـــحـــاكـــم فـي مـــوريـــتـــانـــيـــا، قـــد عـــبَّـــر عـــن تـمـسـكـه بــالــحــوار السياسي، وأكــد أنـه مستعد للمساهمة فيه «برؤية واضحة ومسؤولة»، رافضا في الوقت ذاته انتقادات المعارضة. وقــــــال الــــحــــزب فــــي بـــيـــان أصـــــــدره عـقـب اجتماع لجنته الدائمة، مساء (الثلاثاء)، إنه «متمسك بخيار الـحـوار، ومستعد للإسهام فـيـه بــرؤيــة واضــحــة ومــســؤولــة، تستند إلـى الانــــفــــتــــاح والـــــتـــــشـــــاور والــــبــــحــــث عـــــن أوســـــع مساحات التوافق، بما يخدم المصلحة العليا للبلاد». ودافع الحزب الحاكم بشدة عن أنشطته السياسية الأخيرة داخل البلاد، والتي أثارت غـــضـــب المـــعـــارضـــة بــســبــب مـــطـــالـــب بـتـعـديـل الــــدســــتــــور. وقــــــال الــــحــــزب إن هـــــذه الأنــشــطــة «تــــمــــيَّــــزت بـــحـــركـــيـــة ســـيـــاســـيـــة وتــنــظــيــمــيــة وميدانية واسعة». وثمَّن الحزب الحاكم هذه الأنشطة، وقال إنها «أتـاحـت التواصل المباشر مـع الهيئات الـــحـــزبـــيـــة والمـــنـــتـــخــبـــن والأطــــــــر، والـــوجـــهـــاء والفاعلين السياسيين والمناضلين، والاطلاع عن قرب على واقع العمل الحزبي وانشغالات المواطنين». كما أشاد الحزب في بيانه بالمطالب التي رُفعت خلال الجولات، والتي قال إنها «عبَّرت عـن التمسُّك بالنهج الإصــاحــي والتنموي، الذي يقوده فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولــد الشيخ الـغـزوانـي، وحـرصـه على مــواصــلــة هــــذا المـــســـار وتــعــزيــز مـكـتـسـبـاتـه»، وذلـــك فـي إشـــارة إلــى الـدعـوة لـولايـة رئاسية ثالثة للرئيس. وتـثـيـر الــولايــة الـرئـاسـيـة الـثـالـثـة جــدلا واســعــا فــي الـسـاحـة السياسية المـوريـتـانـيـة، ذلـــك أن الــدســتــور الــحــالــي لـلـبـاد يـمـنـع ولـد الغزواني من الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، حيث يمنع الدستور ترشح الرئيس لأكــثــر مـــن ولايـــتـــن رئــاســيــتــن. ويــحــكــم ولــد ،2019 الغزواني موريتانيا منذ انتخابه عام بينما أُعــيــد انـتـخـابـه لــولايــة رئـاسـيـة ثانية .2024 وأخيرة عام نواكشوط: الشيخ محمد هل ينزلق الصراع السوداني إلى حرب إقليمية؟ لندن: عيدروس عبد العزيز لـــــم تـــعـــد المــــــخــــــاوف مـــــن تــــحــــول حـــرب الــســودان إلــى نـــزاع إقليمي مـجـرد تقديرات يـــطـــرحـــهـــا مــــراقــــبــــون، بــــل تـــجـــاوزتـــهـــا إلـــى ضـــربـــات واتـــهـــامـــات مـتـبـادلـة عـبـر الــحــدود بين السودان وتشاد، بالتزامن مع تحركات عــســكــريــة، مــثــيــرة لـلـقـلـق قــــرب الـــحـــدود مع إثيوبيا. كـبـيـر مــســتــشــاري الـــرئـــيـــس الأمــيــركــي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، نقل هذه المخاوف إلى مجلس الأمن، محذرا مـــن أن هـــذه الــتــداعــيــات قـــد تــؤجــج الــصــراع وتهدد بجر دول الجوار بصورة أعمق إلى الحرب. ولا تــبــدو هـــذه الــتــحــذيــرات الأمـيـركـيـة صـــــادرة مـــن فـــــراغ؛ إذ يـصـعـب فـصـلـهـا عما تـمـلـكـه واشــنــطــن مـــن قـــــدرات اسـتـخـبـاراتـيـة واســــــعــــــة تـــتـــيـــح لــــهــــا مــــراقــــبــــة الـــتـــحـــركـــات الــعــســكــريــة ومــــســــارات الـــســـاح والمـــســـيّـــرات والشبكات العابرة للحدود. ولذلك فإن رفع مستوى التحذير إلـى مجلس الأمـن يعكس تـقـديـرات أميركية بـوجـود مخاطر حقيقية ومـــتـــنـــامـــيـــة، حـــتـــى وإن لــــم تــكــشــف الإدارة الأمـيـركـيـة عـلـنـا عــن كــامــل المـعـلـومـات التي تستند إليها. وتـــعـــزّز هـــذا الـتـحـذيـر بــاتــصــال أجـــراه بولس مع الرئيس التشادي محمد إدريـس ديـــبـــي، عــقــب تـــقـــاريـــر عـــن ضـــربـــة عـسـكـريـة داخل الأراضي التشادية. وقال إن الجانبين عبّرا عن «قلق عميق من امتداد الحرب في الــــســــودان عــبــر حـــــــدوده، بــمــا يـــغـــذي مــزيــدا مـــن الـتـصـعـيـد ويـــهـــدد الـــســـام والاســـتـــقـــرار الإقليميين»، مطالبا بوقف الدعم الخارجي لأطرافها. وبــــعــــد أكــــثــــر مــــن ثــــــاث ســــنــــوات عـلـى انـــدلاعـــهـــا، لـــم تــعــد الـــحـــرب مــجــرد مـواجـهـة داخلية بين الجيش و«قوات الدعم السريع». فــمــع انــتــقــال المـــعـــارك إلــــى مــنــاطــق متاخمة لتشاد وإثيوبيا، واتساع استخدام الأسلحة المــــتــــطــــورة، بـــــات الـــــســـــودان مــــركــــزا لـــصـــراع تـــتـــشـــابـــك فـــيـــه حـــســـابـــات دول الـــــجـــــوار مـع مصالح قوى إقليمية ودولية. تدويل يتسع تــتــضــح مــــؤشــــرات تـــدويـــل الـــحـــرب في إعـان بعثة الأمـم المتحدة لتقصي الحقائق أن أسلحة وتكنولوجيا عسكرية ومقاتلين وشبكات إمداد خارجية تسهم في إطالة أمد الصراع وتعزيز قدرات طرفيه. وتـــحـــدثـــت الـــبـــعـــثـــة عــــن شــبــكــة عـــابـــرة لــلــحــدود مـرتـبـطـة بـــأفـــراد وكــيــانــات ودول، قــالــت إنــهــا قــدمــت أسـلـحـة ومـــعـــدات ودعـمـا لــوجــيــســتــيــا وعـــنـــاصـــر أجـــنـــبـــيـــة لــــ«الـــدعـــم الــســريــع»، رغـــم أن هـــذه الــــدول المـعـنـيـة نفت الاتـــــهـــــامـــــات، مـــــؤكـــــدة الــــتــــزامــــهــــا بـــالـــحـــيـــاد ودعــم جهود الـسـام، فيما قالت البعثة إن تحقيقاتها بشأن مـصـادر الـدعـم الخارجي للجيش لا تزال أولية. الباحثة السودانية خلود خير، مديرة مـــركـــز «كــونــفــلــويــنــس أدفــــــايــــــزوري»، قـالـت لصحيفة «فـايـنـانـشـيـال تـايـمـز» فــي أبـريـل (نـسـيـان) المــاضــي، إن الـحـرب «تــمــددت عبر الــبــحــر الأحـــمـــر والـــقـــرن الأفـــريـــقـــي ومـنـطـقـة الــســاحــل»، وإنـــه لا تـوجـد دولـــة بــن جـيـران الـسـودان السبعة بعيدة تماما عن تأثيرها أو حساباتها. كما يذهب آلان بوزويل، مدير مشروع الــــقــــرن الأفــــريــــقــــي فــــي «مـــجـــمـــوعـــة الأزمــــــات الدولية»، إلى أن الحرب باتت تقسم المنطقة، وتــــزيــــد اســـتـــقـــطـــاب الــــــــدول المـــحـــيـــطـــة حـــول طرفيها. ويــرى أن تشاد وجـنـوب الـسـودان هما الأكثر عرضة لتداعياتها، مع ضـرورة مـراقـبـة إثـيـوبـيـا والــتــوتــرات فــي الـصـومـال، مـــحـــذرا مـــن أن اســـتـــمـــرار الــــصــــراع قـــد يجر المنطقة إلى «دوامة من العنف». مـــــن جــــانــــبــــه، اســـتـــبـــعـــد خـــبـــيـــر إدارة الأزمـــــــات والـــتـــفـــاوض فـــي «مـــركـــز الــبــحــوث والــــدراســــات الاســتــراتــيــجــيــة»، الـــلـــواء أمــن إســـمـــاعـــيـــل مــــجــــذوب، تــــحــــوّل الــــصــــراع إلـــى مـــواجـــهـــة عــســكــريــة مـــبـــاشـــرة بـــن الـــســـودان ودول الـجـوار، مرجحا أن يكون السيناريو الأقــــــرب هـــو تــصــاعــد «الــــحــــرب بـــالـــوكـــالـــة»، عـــبـــر اســـتـــمـــرار الــــدعــــم المــــالــــي والـــعـــســـكـــري، والاستعانة بالمرتزقة والمجموعات المسلحة، بــمــا يــــــؤدي إلـــــى إطــــالــــة أمـــــد الــــحــــرب. وقــــال مـــجـــذوب لــــ«الـــشـــرق الأوســــــط» إن اتــهــامــات الخرطوم لتشاد وإثيوبيا تستند، بحسب السلطات السودانية، إلى أدلة دُفع بها إلى الاتحاد الأفريقي و«إيغاد» ومجلس الأمن، فـــضـــا عـــن تـــقـــاريـــر تــحــدثــت عـــن اســتــخــدام قـــواعـــد ومـــطـــارات فـــي إســـنـــاد «قـــــوات الـدعـم السريع». وأضـــــاف أن انــتــقــال هـــذه الأطـــــراف من الــدعــم غـيـر المـبـاشـر إلـــى الـتـدخـل العسكري المعلن قـد يدفع حلفاء الـسـودان الإقليميين إلى مساندته، وعندها يمكن أن يتسع النزاع لـيـشـمـل الـــقـــرن الأفـــريـــقـــي وأفــريــقــيــا جـنـوب الـــصـــحـــراء. لـكـنـه اسـتـبـعـد هـــذا الـسـيـنـاريـو قـــائـــاً: «هــــذا لـــن يـــحـــدث»، لأن انـــــدلاع حـرب إقـلـيـمـيـة شـامـلـة لـيـس مــوضــع تـرحـيـب من دول المـنـطـقـة. ولــفــت فـــي الـــوقـــت نـفـسـه إلـى أن تـــداعـــيـــات الــــصــــراع بــــــدأت تــظــهــر داخــــل دول الـــجـــوار، مستشهدا بتصاعد أصـــوات جماعات معارضة في تشاد ترفض ما تقول إنه دعم مقدم إلى مجموعات عربية موالية لـ«قوات الدعم السريع». إثيوبيا وتشاد ويــمــثــل انـــتـــقـــال الــعــمــلــيــات إلــــى ولايـــة الـنـيـل الأزرق قـــرب الـــحـــدود الإثـيـوبـيـة أحـد أكثر التطورات إثارة للقلق. فقد نشر مختبر البحوث الإنسانية فـي جامعة ييل تقارير تــســتــنــد إلـــــى صـــــور الأقــــمــــار الاصــطــنــاعــيــة وتحليل معلومات مفتوحة المصدر، تحدث فيها عـن تجميع دعــم عسكري بحجم لـواء داخـل قاعدة تابعة لقوات الدفاع الإثيوبية فــــي أصــــوصــــا، وربــــطــــه بــأنــشــطــة لــــ«الـــدعـــم السريع». وتكتسب أصوصا أهمية لقربها من النيل الأزرق ومدينة الكرمك؛ ولذلك فإن أي وجــــود عـسـكـري مـرتـبـط بـالـحـرب داخــل المـــنـــطـــقـــة، (إذا تــــأكــــد)، قــــد يـــؤســـس لـجـبـهـة حدودية جديدة. غـــربـــا، تــقــف تــشــاد فـــي قــلــب الـعـاصـفـة بـــســـبـــب حــــــدودهــــــا الــــطــــويــــلــــة مـــــع دارفـــــــــور والــتــداخــل القبلي بــن جانبيها. وتصاعد التوتر بعدما اتهم رئيس مجلس السيادة وقـــــائـــــد الــــجــــيــــش، عـــبـــد الــــفــــتــــاح الــــبــــرهــــان، إنجامينا بتسهيل الدعم المقدم إلى «الدعم الــــســــريــــع»، بــيــنــمــا تــنــفــي تـــشـــاد اســـتـــخـــدام أراضيها أو مطاراتها لنقل الأسلحة. ويقول كــــامــــيــــرون هـــــدســـــون، المـــــســـــؤول الأمـــيـــركـــي الـــســـابـــق والــخــبــيــر فـــي الـــشـــأن الـــســـودانـــي، إن تـداعـيـات الـضـربـات داخـــل تـشـاد لـم تعد مـــيـــدانـــيـــة فـــقـــط، بــــل تـــحـــولـــت إلـــــى مــواجــهــة دبلوماسية. دول تتأثر من الحرب قـــــد يــــكــــون جــــنــــوب الــــــســــــودان الــــدولــــة الأكـــثـــر تـعـرضـا لـنـتـائـج الـــحـــرب؛ إذ يعتمد اقتصادها على تصدير النفط عبر المنشآت والمـوانـئ الـسـودانـيـة، كما استقبل أكثر من مليون شخص من السودانيين والجنوبيين الـــعـــائـــديـــن مــنــذ انــــــدلاع الـــقـــتـــال. ومــــن شــأن توقف صادرات النفط أو انتقال المعارك إلى الحدود أن يهدد الاستقرار الهش في جوبا. أمـــــــا كـــيـــنـــيـــا، فـــعـــلـــى الـــــرغـــــم مـــــن عــــدم ارتــبــاطــهــا بـــحـــدود مــبــاشــرة مـــع الـــســـودان، فإنها معرضة لامتداد الاستقطاب السياسي وشــبــكــات الــتــمــويــل والمــقــاتــلــن واضـــطـــراب التجارة، فضلا عن تضرر دور «إيغاد» التي تعد نيروبي إحدى ركائزها. وتـواجـه أوغـنـدا أخـطـارا مشابهة عبر جــنــوب الــــســــودان؛ إذ قـــد يــــؤدي أي انـفـجـار جـــديـــد فــــي جـــوبـــا إلـــــى مـــوجـــة لـــجـــوء نـحـو أراضيها، وهي تستضيف بالفعل أكثر من مليون لاجئ من جنوب السودان. وهـــــكـــــذا قـــــد تـــنـــتـــقـــل آثـــــــار الـــــحـــــرب مـن الـــســـودان إلـــى جــنــوب الـــســـودان ثـــم أوغــنــدا وكــيــنــيــا، مـــن دون عـــبـــور جـــيـــوش نـظـامـيـة للحدود. وتــــــواجــــــه مــــصــــر بــــــدورهــــــا تــــداعــــيــــات مرتبطة باللاجئين وأمن حدودها الجنوبية ومـــيـــاه الـنـيـل والــــتــــوازن مـــع إثــيــوبــيــا، فيما تخشى إريـتـريـا انتقال الفوضى إلــى شرق الــــســــودان وســـاحـــل الــبــحــر الأحـــمـــر. ويــقــول الأمين التنفيذي لـ«إيغاد»، وركني غبييهو، إن تـحـديـات الــســام والأمــــن أصـبـحـت أكثر تـرابـطـا مــن أن تـواجـهـهـا دولــــة أو مؤسسة مـنـفـردة، واصـفـا الــســودان بأنه أحــد أوضـح مظاهر اجتماع المواجهة العسكرية والكارثة الإنــســانــيــة والــتــفــكــك المـــؤســـســـي والامــــتــــداد الإقليمي والتنافس الجيوسياسي. لم تتحول حرب السودان بعد إلى حرب إقليمية مكتملة الأركان، لكنها تجاوزت منذ وقـــت طـويـل حـــدود الــصــراع الــداخــلــي. ومـع تداخل الحلقات، لن يبقى السؤال مستقبلاً: هل تتمدد الحرب إلى الإقليم؟ بل: هل بدأت؟
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky