issue17448

الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel عــبــور طــويــل يـصـنـع مــن الـصـخـور الــســوداء زمـنـا. المـكـان صـمـت متجمّد، لكن الكلمات تبحر فيه بمتعة تنتعش حـروفـهـا، لتتدفق روافــــد في نهر التكوين القديم. هي مغامرة أبدعت تفردها، وزرعـــــت فـــي مــــاض مـتـجـمّــد بــــذور حـــيـــاة، أورقــــت شـــعـــرا وروايـــــــــات ســـــرت فـــــوق الـــجـــبـــال، وغـــاصـــت فـي أنـهـار تـاريـخ ليبي سحيق، جعل مـن الجماد شاهدا لا يصمت. شابَّان ليبيان هما محمد عبد الـلـه الـتـرهـونـي وحـمـزة محمود الــفــاح، تجشَّما عناء رحلة طويلة لاستكشاف ما كان حياة تموج بالتكوين والتعبير والفعل، وأودعت في الحواس الطبيعية مـا كــان لها وبـهـا. بـــدأت رحلتُهما من مدينة سوكنة بوسط ليبيا، ومنها إلـى مفردات الجنوب الليبي الحجرية، في امـتـداد الصحراء، حــيــث الـــــفِـــــراش حـــصـــاة، والــــغِــــطــــاء جـــبـــال عــالــيــة بصخور بركانيَّة سوداء، سمَّاها الليبيون الجبال صــفــحــة، زيَّــنـتـهـا 450 الــــســــوداء. فـــي مـجـلـد ضـــم لــــوحــــات مـــصـــورة ومـــرســـومـــة، بــطــبــاعــة فـــاخـــرة، ومـذيـل بعشرات المـراجـع الأجنبية، قــدَّم الشابان عــمــا كــــان الــشــعــر ثـالـثَــهـمـا فــيــه. فـــي الـصَّــفـحـات الأولـــى لمجلد «أرض الـجـرمـنـت»، عــرض المؤلفان الأبعاد النظرية لرحلتهما في الصحراء الليبية، والهدف المبتغى من الرحلة كان الوصول إلى أرض البداية، جرمة المدينة التي أسست حضارة قديمة، قبل ميلاد المسيح بمئات السنين. في الصفحات الأولــى من الكتاب تطالعنا سطور طويلة، تلقي ضوءا على دوافع هذه الرحلة، التي حطَّت رحالَها حـروفـا وصـــورا ورســومــات فـي هــذا المجلد الفخم من الكتاب، قدم المؤلفان 28 الضخم. في الصفحة عنوانا سمَّياه «مفهوم الأركيوشعرية»، أجابا فيه عما يعانيه علم الآثـار اليوم من غياب في ليبيا، وبسبب هـذا الغياب «فقدنا ذوق المسافر، وحلم الطريق، فقدنا روعـة شعرية التَّرحال. وللخروج من هذه الأزمة، كان علينا أن نخترع طريقة تمنح عــلــم الآثـــــار فــرصــة الـــظـــهـــور، فـــي مــســاحــة تسطع فـيـهـا شــمــس الـــرمـــال والـــحـــجـــارة وقـــبـــور المــوتــى. هـذه المنطقة هي مكان المتعلق بـــالأرض، بطريقة حساسة وذكية. هذا المفهوم اخترت أن أطلق عليه (أركيوشعرية) على غرار تخصصات أخرى، مثل الجغرافيا الشعرية. وهــذا المجال يكسر الحاجز بين علم الآثار والتاريخ والأدب والأنثروبولوجيا، والجيولوجيا والبيئة، لخلق نص جديد متعدد التخصصات، ومفتوح على ما كان في الماضي». يستمر الكاتبان فـي شــرح مـا ذهبا إليه من اجتراح لمصطلح جديد مركب من الحفر أو البحث في مكونات الماضي الأثري، ودمجه بكلمة الشعر، كي يُصار إلى إضافته لعائلة العلوم. وإذا سألنا أخوَينا الكاتبَين المبدعَين المجتهدَين عـن الـدَّافـع أو المــبــرر لـهـذا الاخـــتـــراع الـلـغـوي، يجيباننا بما يلي: «إن المتعلق بــالأرض لا بـد أن يمارس شكلا من أشكال البداوة الفكرية، وأن يكون مقتنعا بأن علم الآثـــار مـصـدر إلـهـامٍ، وهـو طريق الـعـودة إلى ما يخصُّنا، لوضع نـص لفظي يمثل ليبيا، وأن يضيف الأساطير الضرورية والغامضة إلى علم الآثـــار. هــذه الإضـافـة تحقق متطلبات الـنـص في الـوصـول إلـى بُعد آخـر مـن اللغة. إن فهم العلاقة بالمكان يسمح للمتعلق بــالأرض أن يبني متاهة حــــول نــفــســه، لـتـفـصـلـه عـــن الـــعـــالـــم، وبــــــدون هــذه المتاهة هو حلزون بدون قوقعة. المتعلق بالأرض عليه أن يجد نصه الأركـيـوشـعـري فـي كـل مكان، فــي الــجــداريــات ومـــا ينبثق مـنـهـا، وفـــي النقوش وهـــي تُــعـيـد للسحر الـقـديـم رونـــقـــه، وفـــي الـقـبـور وكيف تصف اللحظة الحيَّة للموت، وفي الأحجار المـتـنـاثـرة أمـــام ملجأ لــم يجعله مـــرور الــزمــن أقـل روعة». أراد الـــرحَّـــالان أن يعلنا مـقـدمـا عــن الـهـدف الـذي تحركا من أجله في رحلة العبور الطويلة إلـــى الــبــدايــة، إلـــى جــرمــة ومـــا حـولـهـا مــن معالم حفرها وبناها الليبيون. بعثات آثارية أوروبية من إيطاليا وبريطانيا وألمانيا عملت في ليبيا بـــعـــد الاســــتــــقــــال، وكــــــان لمـــديـــنـــة جـــرمـــة نـصـيـب مـعـتـبـر. عــالــم الآثــــار الــســودانــي الــدكــتــور محمد أيوب قاد فريق عمل كبيراً، وخصَّصت له حكومة ولايـة فـزان إمكانات كبيرة بمعايير ذلـك الزمن. جــــرت إزالـــــة المـــئـــات مـــن الـنـخـيـل مـــن فــــوق سطح المدينة القديمة، وبُنيت منظومة سكة حديدية صغيرة، لحمل التراب من الحفر العميقة من أجل الــوصــول إلـــى مــا غـفـا قــرونــا فــي أعــمــاق الأرض. عمل العشرات من سكان المنطقة في ذلك المشروع التاريخي الكبير. جبل زنكيكرا الـذي يطل على مـديـنـة جـرمـة كـــان المـهـد لـذلـك الـكـيـان الـــذي بنى حضارة امتدت من الجنوب الليبي إلـى شماله، وســــادت بـقـوتـهـا عـلـى أجــــزاء واســعــة فــي الــقــارة الأفـــريـــقـــيـــة، وخــــاضــــت مـــواجـــهـــات عــســكــريــة مـع الرومان في الشمال. أتقنت رومـــا صناعة الـعـجـات الـتـي تجرها الحيوانات، وأبدعت الحفر والنقش والرسم على صـخـور الــجــبــال. لا تـــزال صـــور الـحـيـوانـات التي عــاشــت فــي الــزمــن الــقــديــم، فــي تـلـك المـنـطـقـة التي شــهــدت تـقـنـيـة فـــي نـقـل المـــيـــاه الــجــوفــيــة، وعُــرفــت بـنـظـام «الـــفـــقـــارات»، ومـــا زالــــت آثـــارهـــا مــوجــودة إلـى الـيـوم. وقـف الكاتبان عند جـداريـات منتقاة، وتـحـاورا عبرها مع التاريخ إعجابا وشـعـراً. من مدينة سوكنة إلى أقصى الجنوب الليبي، امتدت رحـلـة الـعـبـور إلــى صـخـور الـزمـن فـي جـرمـة، وما نقشت ورسـمـت وعملت فـي لـوحـات عاشت فيها الـحـيـاة مــع مــعــزوفــات الأســاطــيــر، وكــــان الصخر الأسود يكتب شعر البداية والنهاية. أرض الجرمنت...رحلة العبور إلى البداية تـصـلـنـي مـــن نـــاشـــري مـجـلـة «الـــقـــافـــلـــة»، وهــي مجلة ثقافية عريقة تـصـدرهـا «أرامـــكـــو»، أعـدادهـا الفصلية مـنـذ ســنــوات. فــي الــوقــت الـــذي فـقـدت فيه بـعـض المــجــات الـعـربـيـة الـثـقـافـيـة عـرشـهـا المـرمـوق بسبب فقدها القدرة على مسايرة التطورات، بقيت «الـقـافـلـة» تـتـجـدد، وفـــي الــعــدد الأخــيــر لـفـت نظري تــنــويــه قــصــيــر عـــن كـــتـــاب لــلــمــؤلــف الأمـــيـــركـــي غــال بيكرمان بعنوان «الهدوء قبل العاصفة». ولم يكن ما نشرته المجلة سوى عرض موجز، لكنه كان كافيا لأن يدفعني إلى البحث عن الكتاب وقـراءة ملخص واسـع وممتع له. يحدث أحيانا أن يقودك سطران، كما يحدث معي، إلى فكرة تبقى معك أياماً، الــفــكــرة الـــتـــي يـــــدور حــولــهــا الــكــتــاب تـــبـــدو في ظــاهــرهــا بـسـيـطـة، ولـكـنـهـا مـعـاكـسـة لمـــا كـنـت على قناعة به، فالكاتب يرى أن الأحــداث الكبرى لا تبدأ عـنـدمـا يـلـتـفـت إلـيـهـا الـجـمـيـع، بـــل قـبـل ذلـــك بـوقـت طـويـل، حـن تـكـون مـجـرد نـقـاش بـن عــدد قليل من الــنــاس. الـتـحـول السياسي ليس فـي الـغـالـب سوى الفصل الأخير. أما الفصول السابقة فتكتب بهدوء، بعيدا عن الأضواء، وربما في أماكن لا يلتفت إليها أحــد، كنت أظـن أن الـثـورة الفرنسية بــدأت باحتلال الـبـاسـتـيـل، أو أن الـــثـــورات الـعـربـيـة كــانــت نتيجة للثورة المصرية، قدّم الكتاب الفكرة المعاكسة، وهنا تأتي أهمية الكتاب، وصلتها بعصرنا. النتيجة هـي النهاية وليست الـبـدايـة، توقفت عند هذه الفكرة لأننا أصبحنا أسرى ما نتابع اليوم وما يجري من أحداث، الخبر، والتعليق، والتحليل، والحكم النهائي. ولم يعد هناك وقت كـاف للتأمل. في مسار الأحـــداث، كـأن العصر يقول لنا إن سرعة الــــرأي دلـيـل عـلـى جــودتــه، بينما يعلمنا الـتـاريـخ، كما في الكتاب، شيئا مختلفاً. فالأفكار التي تعيش طويلا ليست هي التي تولد بسرعة، وإنما تلك التي مرت بمراحل من الأخذ والرد، والنقد والمراجعة. يعيد بيكرمان القارئ إلـى المقاهي الأوروبـيـة، والصالونات الأدبـيـة، والرسائل الطويلة المتبادلة بـــن المــفــكــريــن، حـيـث كــانــت الأفـــكـــار تـتـشـكـل بـبـطء. لـم يكن أصحابها يبحثون عـن جمهور واســـع، ولا عـن تصفيق سـريـع. كـانـوا يبحثون عـن فـكـرة أكثر تــمــاســكــا. وعـــنـــدمـــا نــضــجــت تــلــك الأفــــكــــار، وجـــدت لحظتها الـتـاريـخـيـة، فتحولت إلــى قــوة مـؤثـرة في المجتمع والسياسة، وغيرت مسار التاريخ. وأنــــــا أقــــــرأ تــــذكــــرت زمـــنـــا كـــانـــت فـــيـــه المـــجـــات الثقافية تؤدي وظيفة تتجاوز نشر المقالات. كانت مـكـانـا يـلـتـقـي فـيـه المـخـتـلـفـون، ويـتـابـعـهـا الـــقـــارئ، وتـشـكـل قـنـاعـاتـه. لــم يـكـن الــهــدف أن تــربــح معركة يـــوم واحــــد، بــل أن تـضـيـف لـبـنـة صـغـيـرة إلـــى بناء ثقافي يتراكم مع الزمن. وكانت تجربتي في مجلة «العربي» لعقدين من الزمان تؤكد ذلك. ولا أظـــن أن الــكــتــاب يــدعــو إلـــى الانــســحــاب من الــعــصــر الـــرقـــمـــي أو إلــــى مــــعــــاداة وســـائـــل الــتــواصــل الاجتماعي. فهي أصبحت جزءا من حياتنا، ولا يمكن تجاهل أثرها. لكنها، في تقديري، تصلح أكثر لنشر الأفــكــار منها لصناعتها. هـنـاك فـــرق بــن أن تحمل الفكرة إلى الناس، وأن تساعد على ولادتها، وتعمل على نضجها. الأولى قد تتم بضغطة زر، أما الثانية فـتـحـتـاج إلـــى وقــــت، وإلــــى بـيـئـة تـسـمـح بـالاخـتـاف، وإلى قدر من الصبر نفتقده كثيرا هذه الأيام. ومـــع ذلــــك، خــرجــت مــن الـــقـــراءة بـمـاحـظـة أود إضافتها إلى ما طرحه المؤلف. فما نحن فيه اليوم من أزمـة ليس دائماً، ولكن الأفكار التي تولد اليوم بين الخواص، سوف تنتج تيارا يكون شرطا لولادة الأفـكـار وتغيير الـواقـع الــذي نشتكي منه. التجربة الإنسانية تخبرنا بأن بعض الأفكار الكبرى خرجت من كتابات محدودة، لكنها، حتى في تلك الظروف، لم تظهر مكتملة. احتاجت إلـى زمـن حتى تنضج، وإلـــى عـقـول تـتـداولـهـا. لـعـل الـعـامـل الـحـاسـم ليس قبول الواقع، بل الوقت الذي يسمح للفكرة الجديدة المضادة بأن تختبر نفسها قبل أن تتحول إلى يقين. هــذا المعنى يخصنا نحن الــعــرب. ففي عالمنا الــعــربــي لا ينقصنا الـــكـــام، لـكـن الأفـــكـــار الـجـديـدة أقـــل مـمـا نــتــصــور. والــســبــب، فـــي رأيـــــي، أن الإيــقــاع السريع جعل كثيرين يفضلون التعامل مع الحدث، وأن الحضور اليومي فـي المشهد الإعـامـي أصبح أحيانا أهـم مـن التريث فـي بناء فكرة تقدم الخيار الآخـــــر وتـسـتـحـق الـــبـــقـــاء. فـــواقـــع الأمـــــر المــــــأزوم في مــنــطــقــتــنــا يـــقـــول إن هـــنـــاك مــــشــــروعــــن: الأول هـو سيطرة المقدس واستخدامه في السياسة، كما تفعل إيـران وأذرعها، والثاني يولد، وهو مشروع الدولة الوطنية المستقلة، هـذا يحدث فـي سـوريـا والـعـراق وحتى لبنان، ربما يحتاج إلى وقت لظهور المشروع الجديد، ولكنه قادم! ومــــن هــنــا يـــأتـــي الـــنـــقـــاش الـــعـــام لـــلـــدعـــوة إلــى المـشـروع الـجـديـد، وقــد بـــدأت بالفعل. مـا كــان يبدو مـسـلَّــمـا بـــه مـــن ســيــطــرة الــفــكــر الــســيــاســي الـــرافـــض للدولة المـدنـيـة، وأصـبـح يتغير، بـل وربـمـا يصفها البعض بأنها أفكار خارجة عن التاريخ، وتناقش أفكارا مضادة لها، تؤدي تلك الأفكار الناشئة دورا لا يظهر أثره إلا بعد سنوات. والسياسات الرشيدة لا تولد في الاجتماعات الطارئة، وإنما يسبقها عادة جهد طويل للتفكير، واختبار البدائل. المجتمعات التي تفكر بهذه الطريقة تكون أقــدر على مواجهة المـــفـــاجـــآت وتـغـيـيـر المـــســـار، لأنـــهـــا لا تـــبـــدأ التفكير عندما تقع الأزمـة، بل قبلها بوقت طويل. وينطبق ذلك على دول الخليج التي تعيش في محيط إقليمي خطر. فالاستعداد للمستقبل لا يعتمد على القوة الـعـسـكـريـة أو الإمــكــانــات الاقـتـصـاديـة وحـــدهـــا، بل يحتاج أيضا إلـى استثمار دائــم في المعرفة، وفتح الـنـقـاش فـي الـبـدائـل، وفــي إنـتـاج الأفــكــار الـجـديـدة، وفي تشجيع الحوار المسؤول. وقد يكون هذا النوع من الاستثمار أقـل صخبا من غيره، لكنه في المدى البعيد أكثر بقاء وأعمق أثراً. بعد أن أنهيت القراءة، بقيت فكرته الأساسية. كثير من الناس يتفاعلون مع العاصفة عندما تهب، لكن قلة منهم تسأل: ماذا كـــان يــجــري قـبـلـهـا؟ وربـــمـــا كــانــت الإجـــابـــة عـــن هـذا الـسـؤال أهــم مـن متابعة العاصفة نفسها، لأن فهم البدايات هو الطريق الأفضل لفهم النهايات. وهناك بداية تتشكل في عالمنا العربي نحتاج جميعا إلى أن ندعمها. الهدوء الذي يصنع العاصفة OPINION الرأي 15 Issue 17448 - العدد Saturday - 2026/9/5 السبت عبد الرحمن شلقم محمد الرميحي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky