13 حــصــاد الأســبـوع ANALYSIS Issue 17448 - العدد Saturday - 2026/9/5 السبت السودان: الحرب قد تأتي من السماء هجمات أغسطس (آب) في السودان لم تكن سوى امتداد لسلسلة أطول على المدينة الاستراتيجية؛ إذ قـالـت منظمة «أطـبـاء بلا )، استنادا إلى بيانات «المنظمة MSF( » حدود الـدولـيـة لسلامة المنظمات غير الحكومية» )، إن مناطق شمال كردفان سجّلت ما INSO( هجوما بالمسيَّرات منذ بداية 141 لا يقل عن وحـتـى الـثـامـن مـن يوليو (تـمـوز) 2026 عــام المــاضــي، وقــع معظمها فـي مدينة الأبـيِّــض. وطالت الضربات مــدارس وسوقا ومحطات وقود ونقاط مياه ومحطة الكهرباء الرئيسة. وقـــــدّرت المـنـظـمـة أن بــن عـــدد ســكــان المـديـنـة البالغ نحو نصف مليون شخص، قرابة مائة ألف نازح فرّوا من مناطق أخرى. المسيّرات بعد الحصار يــونــيــو (حــــزيــــران) المــاضــي 28 - 6 بـــن وحـــــده، وثّـــــق مـكـتـب الأمـــــم المــتــحــدة لـحـقـوق 41 مــــدنــــيــــا، وإصــــــابــــــة 45 الإنــــــســــــان مـــقـــتـــل ضربة بالمسيّرات في الأبيِّض 15 آخرين، في ومـحـيـطـهـا. وبـعـد أشـهـر طـويـلـة مــن ظــروف شـبـيـهـة بــالــحــصــار ونـــقـــص المـــيـــاه الـنـظـيـفـة والــغــذاء والـرعـايـة الصحية، صــار الـوصـول إلــى المـــاء نفسه محفوفا بالخطر؛ إذ أفــادت «هــيــئــة الأمـــــم المــتــحــدة لـــلـــمـــرأة»، بــــأن بعض النساء والفتيات بتن يتجنّبن الخروج لجلب المـــيـــاه نـــهـــارا خـــوفـــا مـــن هــجــمــات المـــســـيّـــرات، بـــيـــنـــمـــا يـــعـــرضـــهـــن الـــــخـــــروج لــــيــــا لمــخــاطــر التحرّش والعنف الجنسي. وبـهـذا أصبحت الأبــيِّــض، طــوال صيف ، نموذجا عمليا للتحول الذي طرأ 2026 عام على الـحـرب الـسـودانـيـة، بعد أكثر مـن ثلاث أبريل (نيسان) 15 سنوات على اندلاعها في .2023 ولــــم تــعــد جـبـهـة الـــقـــتـــال، هـــنـــاك، تعني فـقـط المــكــان الــــذي تــوجــد فـيـه الـــقـــوات الـبـريـة والمـدفـعـيـة، فـالـطـائـرات الـحـربـيـة والمـسـيـرات حملتا الــحــرب إلـــى الأســــواق والمستشفيات ومــحــطــات الــكــهــربــاء ومــســتــودعــات الــوقــود والمــــــــــــطــــــــــــارات، وإلــــــــــــى مــــــــــدن تــــبــــعــــد مــــئــــات الكيلومترات عن خطوط المواجهة. أمــا بالنسبة إلــى المـواطـنـن، فقد ألغى ذلـــك واحـــــدة مـــن أبــســط قـــواعـــد الــنــجــاة الـتـي اتبعوها منذ بـدايـة الــحــرب: «أن تبتعد عن الـــقـــتـــال لــكــي تــصــبــح أكـــثـــر أمــــنــــا»، فــقــد كــان «محمد عبد المـنـعـم» - اســم مستعار اختير لـحـمـايـة هـويـتـه - يعتقد أنـــه فـعـل ذلـــك أكثر من مرة. غادر محمد عبد المنعم منزله في مدينة ، بعد أقل 2023 الخرطوم بحري، في يونيو مـن شهرين على انـــدلاع الـقـتـال، واتـجـه إلى ولايــة الـجـزيـرة. وبعد اجتياح «قـــوات الدعم السريع» مدينة ود مدني في ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، نزح مرة أخرى، وهذه المــــرة اخــتــار مـديـنـة بـــورتـــســـودان فــي أقصى شرق البلاد، مكانا لنزوح جديد. كــــان عــبــد المــنــعــم يــظــن أن المـــديـــنـــة هي «الأكثر أمناً»، ليس فقط لبُعدها عن مناطق القتال؛ بل لأن انتقال الحكومة ومؤسّسات الــدولــة إليها كعاصمة إداريــــة بـديـلـة، يعني أيضا أن إجراءات تأمينها ستكون أكبر، وأن وصول الحرب إليها أمر مستبعد. انهيار أوهام الأمان خـــال لــقــاء مــع «الـــشـــرق الأوســـــط»، قـال مـحـمـد عــبــد المــنــعــم إن افـــتـــراضـــه ذاك انــهــار ،2025 ) مايو (أيـار 4 دفعة واحـدة في صباح وإنه ومن مكان إقامته في حي هدل، بشرقي مدينة بورتسودان، شاهد ما وصفها بأنها أول مسيّرة تهاجم المدينة. وقال: «كان الوقت بـــاكـــراً، شـــاهـــدت المـــســـيّـــرة تـتـجـه إلــــى أقـصـى شرق المدينة، وبعد ذلك سمعت انفجارات في ناحية قاعدة فلامنغو العسكرية البحرية». كان ذلك الهجوم بداية لستة أيام متتالية من هجمات المسيّرات على بـورتـسـودان بين مايو مـن الشهر ذاتـــه، وذلــك وفقا 9 - 4 أيــام )، الـذي قال ACAPS( لمشروع تقييم القدرات إن الهجمات طالت منشآت عسكرية ومدنية، مـن بينها مطار المدينة الــدولــي، ومستودع للوقود، وقاعدة عثمان دقنة الجوية، وقاعدة فلامنغو البحرية. وفـي الـسـادس من الشهر ذاتــه، أصابت هجمات المسيّرات مستودعا للوقود والمحطة الرئيسة للكهرباء، ما أدى إلى اندلاع حريق واســع وانقطاع كامل للتيار الكهربائي عن المدينة. أزمات المياه والوقود ويـــتـــذكّـــر عــبــد المــنــعــم أنــــه شــاهــد لاحـقـا دخانا كثيفا يتصاعد من اتجاهين؛ أحدهما ناحية المـيـنـاء الجنوبي، والآخـــر مـن أقصى جــنــوب المـــديـــنـــة، قــبــل أن يــــرى ألــســنــة الـلـهـب ترتفع من ناحية مستودعات الوقود، بينما انـــشـــغـــل ســـكـــان الـــحـــي بـــتـــبـــادل الأخــــبــــار عـن المــواقــع الـتـي تـعـرّضـت للقصف ثــم انقطعت الكهرباء. للعلم، كانت الأحياء والضواحي شرقي بورتسودان تعاني أصـا من مشكلة مزمنة في المـيـاه. وبحسب عبد المنعم، فـإن السكان كانوا يشترون المياه للشرب والاستخدامات المنزلية، لـذا لم تصنع الضربات أزمــة المياه مــــن الـــصـــفـــر، لــكــنــهــا فــاقــمــتــهــا عـــنـــدمـــا أدى انقطاع الكهرباء إلى تعطيل تشغيل محطات الضخ والتحلية. ولم تقف الأزمـة في حدود المياه، فوفقا ساعة، حتى 24 لروايته لم تمض سوى نحو ظــهــرت أزمــــة أخــــرى؛ إذ «بــــدأت أزمــــة الــوقــود وظـــهـــرت الــصــفــوف أمــــام مـحـطـات الـــوقـــود». ووفق مشروع تقييم القدرات أثرت الضربات عـــلـــى الـــكـــهـــربـــاء ومـــســـتـــودعـــات الــــوقــــود فـي إمـــدادات الـوقـود والمـيـاه، كما أدت الهجمات أســـــــرة مـن 550 إلــــــى نـــــــزوح مـــــا لا يـــقـــل عـــــن بــورتــســودان، وتعطيل جـانـب مـن العمليات الإنسانية وحركة الرحلات التابعة للخدمات الجوية الإنسانية للأمم المتحدة». دخان الحرائق غطى المدينة وفــــق عــبــد المـــنـــعـــم، فــــإن الـــحـــرائـــق ظلت مشتعلة، بدرجات متفاوتة، في مستودعات الــوقــود لنحو أسـبـوعـن، وإن الــدخــان غطى سماء المدينة، وبينما كانت النيران مستمرة، بـدأ يشاهد أشخاصا يـغـادرون بورتسودان بـــرا بــاتــجــاه مــصــر، بعضهم عـبـر طـــرق غير نظامية «تهريب»، بينما غادرت أسر يعرفها بالفعل المدينة. وفـــكّـــر عــبــد المــنــعــم أيـــضـــا فـــي المـــغـــادرة والــنــزوح للمرة الثالثة، لكن خـيـاراتـه كانت تــــتــــضــــاءل. وأضـــــــــاف: «فــــكــــرت فــــي مــــغــــادرة المدينة، لكن أي مدينة سودانية أخــرى بعد بـــورتـــســـودان لـــن تــكــون آمــنــة مـــن المـــســـيّـــرات، خاصة أن خدمات المطار توقفت لعدة أيـام، فـــقـــرّرت الــبــقــاء وانــتــظــار المـــقـــدّر، فـقـد نزحت مراراً». لم يكن البقاء في بورتسودان رخيصاً؛ إذ كان عبد المنعم يدفع مليون جنيه سوداني دولار وقــتــهــا - شــهــريــا مــقــابــل مـنـزل 300 - يصفه بأنه متهالك، عبارة عن غرفة وصالة صـغـيـرة ومـطـبـخ وحــمــام بــلــدي. وبالنسبة لــرجــل غــــادر مـنـزلـه فـــي بـــحـــري، ثـــم لـجـأ إلـى الـجـزيـرة، ومنها إلــى ساحل البحر الأحمر، لم يعُد الوصول إلى مكان بعيد عن الجبهة يعني الوصول إلى مكان خارج الحرب. وتابع عبد المنعم كلامه، فقال: «وصول المسيرات لبورتسودان أرسل رسالة واضحة وصريحة: إن هذه الحرب لن تترك مكانا في السودان إلا وستصله». سوق كبكابية وإذا كـانـت هـجـمـات بــورتــســودان التي اتـهـمـت بـهـا «قــــوات الــدعــم الــســريــع»، تكشف عــن كـيـف تستطيع المــســيّــرات الـــوصـــول إلـى مدينة ظلت بمنأى عن القتال البري سنتين، فإن حادثة سوق كبكابية، في شمال دارفور، تـكـشـف عــن الــوجــه الأكــثــر مـبـاشـرة ودمــويــة للحرب الجوية. ففي التاسع من ديسمبر (كانون الأول) ، تعرّضت السوق الأسبوعية في المدينة 2024 لــقــصــف جــــوي فـــي وقــــت كـــانـــت فــيــه الــســوق مـكـتـظـة بــالمــدنــيــن، وقـــالـــت «مــنــظــمــة الـعـفـو الدولية» وقتها إنها تلقّت معلومات، بينها شــهــادات مـن كبكابية، أن طــائــرات عسكرية قصفت الـسـوق وقتلت عـشـرات الأشـخـاص، نازحاً، سبق لهم الفرار 15 وكان بين القتلى إلــى كبكابية مـن هجمات فـي مناطق أخـرى في دارفور. سد مروي ويـــــــــقـــــــــدم «ســـــــــــد مـــــــــــــــــروي» ومــــحــــطــــتــــه الــكــهــربــائــيــة فـــي الـــولايـــة الــشــمــالــيــة، أيــضــا، أحــــد أوضــــح الأمــثــلــة عــلــى ذلــــك؛ فــفــي يـنـايـر ، تـــعـــرّضـــت مـنـشـآت 2025 ) (كــــانــــون الـــثـــانـــي الطاقة في مروي لهجمات بالمسيّرات، وأدت الأضـرار والانقطاعات اللاحقة إلى اضطراب واســـع فـي شبكة الـكـهـربـاء فـي أجـــزاء كبيرة مــــن المـــنـــاطـــق الـــخـــاضـــعـــة لــســيــطــرة الـجـيـش السوداني. ونقلت وكالة «رويـتـرز» حينذاك أن الانقطاعات التي بــدأت بهجوم على سد مــروي امـتـدت آثـارهـا إلـى الـولايـة الشمالية، ثم تزامنت مع مشاكل وهجمات أخـرى أدت إلى انقطاعات في نهر النيل والبحر الأحمر وولايـــــــــات شـــرقـــيـــة، وعـــطـــلـــت المــســتــشــفــيــات والمدارس ومنشآت المياه. وقــال مـشـروع تقييم الــقــدرات، فـي وقت لاحـق، إن هجمات المسيّرات على سد مروي وشـبـكـات الـطـاقـة المـرتـبـطـة بـــه، أسـهـمـت في تـعـطـيـل خـــدمـــات المـــيـــاه والـــصـــرف الـصـحـي، وأظـــــهـــــرت كـــيـــف يــمــكــن لـــضـــربـــة عـــلـــى عــقــدة واحــــــدة فـــي الــشــبــكــة الــكــهــربــائــيــة أن تنتقل آثارها إلى مناطق تبعد مئات الكيلومترات عن موقع الهجوم. وهـــنـــا تـتـغـيـر طــريــقــة حـــســـاب ضـحـايـا الــضــربــة، فـثـمـة مـــن أصــابــتــه الــشــظــايــا، لكن هـــنـــاك أيـــضـــا مـــريـــضـــا وجـــــد مــســتــشــفــاه بـا كـهـربـاء، وأســـرة تعطلّت مضخة المـيـاه التي تعتمد عليها، ومخبزا توقف، ودواء يحتاج إلـــى الـتـبـريـد، ومــواطــنــا لا يــعــرف أن العطل الذي يواجهه في مدينته بدأ بمسيرة سقطت على منشأة بعيدة. في الأبيِّض، يظهر هذا الترابط بصورة أكـــثـــر مـــبـــاشـــرة، وتـــقـــول مـنـظـمـة «أطـــبـــاء بلا حــــدود»، إن تصاعد هجمات المـسـيّــرات أدى إلى تفاقم نقص الوقود وارتفاع كلفة النقل وصعوبة الوصول إلى مياه الشرب والرعاية الـصـحـيـة، فــي مـديـنـة تعمل فيها الـخـدمـات أصلا تحت ضغط شديد. التحول الحاصل في الحرب السودانية المــــقــــدم المــتــقــاعــد بــالــجــيــش الـــســـودانـــي الــــدكــــتــــور المـــهـــنـــدس الـــفـــاتـــح جــمــعــة حــمــدي جـبـارة، الخبير في تطوير أنظمة الطائرات المـــســـيّـــرة، يــفــسّــر الـــتـــحـــوّل فـــي الـــحـــرب بـأنـه نتيجة «تـغـيّــر كبير فــي اسـتـخـدام الـسـاح» خلال سنوات الحرب. ويـــوضـــح جـــبـــارة لــــ«الـــشـــرق الأوســـــط»، أن الـوزن الأكبر في الجو عند انـدلاع الحرب كان للطيران المأهول، خصوصا لدى القوات المـسـلـحـة الــتــي تمتلك المــقــاتــات والــطــائــرات الهجومية والمــروحــيــات والــقــواعــد الـجـويـة، بـيـنـمـا كــــان اســـتـــخـــدام المـــســـيّـــرات أقـــــرب إلــى الاسـتـطـاع ومـراقـبـة تـحـرّكـات الـقـوات ودعـم الـعـمـلـيـات عـلـى الأرض. لـكـن دور المـسـيّــرات . وأصبح 2023 بدأ يتغير ميدانيا منذ أواخر ، قبل أن تصبح خلال 2024 أكثر وضوحا في جـــزءا أسـاسـيـا مــن العمليات، 2026 و 2025 وأصبحت تستخدم لضرب القواعد ومخازن الوقود ومحطات الكهرباء ومواقع بعيدة عن الاشتباكات المباشرة. ويــشــيــر جـــبـــارة إلــــى أنــــه «عــنــدمــا دخــل الجيش الحرب بقوة جوية تقليدية، لم يكن لـ(الدعم السريع) ما يوازيها، لكن المسيرات أتـــاحـــت لـــأخـــيـــرة تــطــويــر قـــــدرة جـــويـــة غير مأهولة لم تكن متاحة لها في بداية القتال، فـــــي حـــــن واصــــــــل الـــجـــيـــش بـــــــــدوره تــطــويــر ترسانته من هذا السلاح». ترسانة المسيّرات الحالية ووفقا لإفادة خبير المسيرات لـ«الشرق الأوســـــــط»، ظــهــرت لــــدى الــجــيــش أنـــــواع من » إيـــرانـــيـــة 6 - المــــســــيــــرات بــيــنــهــا «مـــهـــاجـــر » و«بــــيــــرقــــدار TB2 الــــصــــنــــع، و«بـــــيـــــرقـــــدار أكـيـنـجـي» الـتـركـيـة الـصـنـع، بينما امتلكت »95 - CH« «قــوات الدعم السريع» مسيرات الــصــيــنــيــة، وأنـــــواعـــــا أخــــــرى بــعــيــدة المـــــدى. وشـــــــرح أن أنــــــــواع المــــســــيّــــرات المــســتــخــدمــة فــي الــحــرب الـسـودانـيـة تختلف جــذريــا في وظـــائـــفـــهـــا، فـبـيـنـهـا الــصــغــيــرة والــتــجــاريــة المستخدمة في الاستطلاع القريب، وأخرى تكتيكية ثابتة الجناح، ثم المسيرات القتالية التي تحمل ذخائر وتعود إلى قاعدتها، إلى جـانـب المــســيــرات الانـتـحـاريـة الـتـي تتحوّل فيها الطائرة نفسها إلى السلاح وتدمّر عند اصطدامها بالهدف. ثم أضــاف: «لكن التطور الأكثر تأثيرا في حياة المدنيين هو المـدى». فوفق جبارة، بــعــض المـــســـيّـــرات الــبــعــيــدة المــــدى تستطيع الاعـــتـــمـــاد عــلــى نـــظـــام المـــاحـــة الــعــالمــي عبر )، ونظام الملاحة GNSS( الأقمار الصناعية )، ومسارات مبرمجة INS( بالقصور الذاتي سلفاً، ما يسمح لها بالوصول إلـى أهـداف بــعــيــدة مـــن دون حـــاجـــة إلــــى قـــيـــادة يــدويــة مـــســـتـــمـــرة طــــــــوال الــــرحــــلــــة. وهــــنــــا بـحـسـب تعبيره، تغيّر مفهوم «العمق الآمـــن»، قبل أن يضيف: «فــي الـسـابـق، كــان المـوقـع الـذي يبعد مئات الكيلومترات عن الجبهة، يتمتع بـحـمـايـة طـبـيـعـيـة مـــن المــدفــعــيــة والأســلــحــة قصيرة المدى والقوات البرية، لكن المسيرات بـــعـــيـــدة المــــــدى قــلــلــت قــيــمــة هـــــذا الــــنــــوع مـن الحماية». واســــتــــطــــرد: «الـــعـــمـــق الآمـــــــن الــــيــــوم لا يـــقـــاس بـــالمـــســـافـــة وحــــدهــــا، وإنــــمــــا يـعـتـمـد أيضا على الإنذار المبكر والتغطية الرادارية والــــــدفــــــاع الــــجــــوي والـــــحـــــرب الإلـــكـــتـــرونـــيـــة وتوزيع المنشآت الحيوية وسرعة استعادة الخدمات بعد الهجوم». وبـحـسـب جــبــارة، قـلـل تـوفـر المـسـيّــرات كــذلــك، المـخـاطـر عـلـى الــطــيــاريــن، وإمـكـانـيـة البقاء في الجو لفترات طويلة، وانخفاض كـــلـــفـــة بـــعـــض أنــــواعــــهــــا مــــقــــارنــــة بــطــلــعــات الــــطــــائــــرات المـــقـــاتـــلـــة، وإن كـــانـــت المـــقـــاتـــات تــــتــــفــــوّق فـــــي الــــســــرعــــة وحــــمــــولــــة الـــذخـــائـــر والمرونة وقدرات الدفاع الذاتي. وهذا قبل أن يردف: «لكن انخفاض كلفة السلاح بالنسبة إلى مستخدمه، قد يعني كلفة ضخمة على الأرض، فـمـحـطـة كــهــربــاء واحـــــدة يـمـكـن أن تـغـذي مستشفى ومـضـخـات مـيـاه وأحـيـاء ســكــنــيــة، ومـــســـتـــودع وقـــــود يـــحـــرك وســائــل الـنـقـل والمــــولــــدات، ومـيـنـاء يستقبل الــغــذاء والدواء والمساعدات». أيـــضـــا، ذكــــر أن هــجــمــات بـــورتـــســـودان أظهرت هذا التداخل بوضوح، حين امتد أثر ضرب منشآت الوقود والكهرباء والميناء إلى الخدمات المدنية والإمدادات، بل إن اعتراض المسيرة لا ينهي الخطر بالضرورة، فيمكن أن تتساقط أجزاء الهيكل والمحرك والوقود والرأس الحربي، فضلا عن أجزاء من وسيلة الاعتراض نفسها، وقد يبقى الرأس الحربي الـذي لم ينفجر ذخيرة خطرة على الأرض، خصوصا في المناطق المأهولة. واخـــتـــتـــم جـــبـــارة بـــالـــقـــول: «إن مــواقــع كانت تعد بعيدة عن الحرب أصبحت داخل نـطـاقـهـا، والـــهـــدوء فــي الـــشـــارع لا يـعـنـي أن الحرب بعيدة، والمسافة من المدافع لا تضمن أن المدينة أصبحت خــارج المـــدى... هكذا لم يــعــد عــلــى الـــحـــرب فـــي الــــســــودان، أن تقطع الطريق كله بـرا حتى تصل إلـى الـنـاس، بل يكفي أحيانا أن تأتيهم من السماء». مسيّرة بيرقدار التركية واحدة من المسيّرات التي تُستخدم في القتال الجاري في السودان (أرشيفية - أ.ف.ب) لا يـحـتـاج سـكـان مـديـنـة الأبـــيِّـــض، عـاصـمـة ولايـــة شمال كردفان في السودان، إلى رؤية المقاتلين في الشوارع ليعرفوا أن الحرب اقتربت. يكفيهم سماع صـوت في السماء، يعقبه إطلاق المضادات الأرضية ودوي انفجار في جهة ما، ليتداول الناس الخبر ويتساءلون: «أين سقطت المسيّرة هذه المرة؟ وأين ألقت بحممها؟ ومن أصابت؟ وما المنشأة التي ستخرج عن الخدمة؟». لقد أصبحت مدينة الأبيِّض، خلال الأشهر الأخيرة، واحــــدة مــن أكـثـر مـــدن الـــســـودان تـعـرّضـا لهجمات الـطـائـرات المُسيَّرة، وفي حين اقتربت خطوط المواجهة البرّية منها إلى أقل أغسطس 12 كيلومتراً، أفاد شهود ومصادر طبية في 40 من (آب) الماضي، لوكالة «رويترز»، بأن ثماني مسيّرات استهدفت المدينة خـال يـوم واحـــد، وأدى ذلـك الهجوم لمقتل شخصين وإصابة آخرين، وذلك بالتزامن مع تجدّد العمليات العسكرية في شمال كردفان، من دون أن يعلن أي طرف مسؤوليته عن تلك الهجمات. المسيّرات توسِّع خريطة الخوف ولا تعترف ببُعد المسافات كمبالا: أحمد يونس تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (اليونيسيف) ASHARQ AL-AWSAT ما عادت جبهة القتال تعني فقط المكان الموجودة فيه القوات البرية والمدفعية فالطائرات الحربية والمسيرات حملتا الحرب إلى الأسواق
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky