الثقافة CULTURE 18 Issue 17445 - العدد Wednesday - 2026/9/2 الأربعاء ميرزا الخويلدي القراءة الخطرة... والقارئ المقاوم! كثيرا ما نجد أصدقاء يلجأون إلى كتب بعينها لإثبات حقائق متوهمة. هنا عليك أن تخوض معركتين؛ الأولى: أن تحرر القارئ من أسره، وتفكك القيود التي تربطه بتلك الأفكار، والأخرى: أن تقتحم حصن الأفكار نفسها لتثبت أنها مجرد وهم تمكّن من الاستيلاء على عقل القارئ لأنه وصل إليه أولاً؛ فـ«العقل يحتلُّه الأسبق إليه» كما يقول الأستاذ إبراهيم البليهي. لا مثيل للقراءة كوسيلة لتغذية العقل، لكنّها قد تتحول من أداة لتحرير العقل إلى أداة لاستعماره، وقد تجعل الإنسان سجينا لأفكار الآخرين. وإذا كنا في حاجة إلى القراءة، فنحن في حاجة أشد إلى التأمل والنقد والمقارنة؛ لأن القراءة التي لا يعقبها تأمل ونقد، لا تفعل سوى أن تجعل الإنسان يعيش بعقل غيره. الحقيقة، أن القراءة تصنع سلطة معرفية غير مرئية، سلطة مهيمنة يفرضها النسق الفكري للكاتب؛ فالمؤلف هنا لا يموت، بل هو حاضر يمارس سلطته بأدوات ناعمة، يفرض نسقه وأفكاره ولغته ومرجعياته على القارئ المُستَلَب والمستسلم لسطوة النصّ. فكل مؤلف يضع للقارئ تعريفاته، وأولـويـاتـه، وطريقته في رؤيـة العالم، والـقـارئ في حاجة إلـى أن يكون «مقاوماً» يمكنه العبور بين حقول الألغام التي يزرعها المؤلف عمدا أو دون قصد. ) من مخاطر القراءة، لا 1860 - 1788( لطالما حذّر الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور سيما في مقالتيه: «عن التفكير الذاتي» و«عن الكتب والقراءة»، عـادَّا أن القراءة قد تحوّل الإنسان حقلا مغلقا لأفكار الآخـريـن. وهـو يـرى أن الإفــراط في الـقـراءة قد يضعف التفكير المستقل، حيث يقول: «الشخص الـذي يقرأ كثيراً، ويكاد يقرأ طـوال اليوم، يفقد تدريجيا القدرة على التفكير بنفسه»، وبشكل صـادم يقول: «لقد قـرأوا حتى أصبحوا أغبياء»، في انتقاد لاذع للقراءة التي لا يصاحبها تفكير ونقد؛ إذ «لا قيمة كبيرة لمعرفة لم تفكر فيها» كما يعتقد. فالقراءة ليست هي التفكير، وليست بديلا عنه. يفرّق شوبنهاور بين المتعلم والمفكر؛ بين شخص جمع معلومات كثيرة من الكتب، وشخص فكّر فيما قرأه وربطه بتجاربه ومعرفته. ولهذا؛ يرى أن المعرفة التي يفكر فيها الإنسان بنفسه تصبح جزءا من بنيته الفكرية، في حين المعرفة التي يأخذها جاهزة تبقى كأنها شيء مستعار. شوبنهاور لا يدعو إلى ترك القراءة، فهو يقول بوضوح إن الإنسان لا يستطيع التفكير في شيء لا يعرفه؛ ولذلك يحتاج إلى التعلم والقراءة، لكنه يضع شروطا ومعايير لذلك؛ وأهمها أن تكون القراءة في خدمة التفكير ولا تحل محلّه، وأن تكون القراءة «نوعية» في مقابل القراءة «الكثيرة»، فـ«الكتب السيئة سم فكري، إنها تدمر العقل»، على حد تعبيره. وبالنسبة للقارئ، فهناك من يسكن في بطون الكتب التي يقرأها ولا يغادرها، وهناك من يجعل الكتاب جسرا يعبره. القراءة الصحيحة هي تلك التي لا تجعلك أكثر حفظا لأفكار الآخـريـن، بل أكثرهم قــدرة على طـرح الأسئلة مع كل كتاب جديد. هــؤلاء الـقـراء لديهم من الـوعـي مـا يجعلهم ينفرون مـن الكتب الـتـي تـفـرض عليهم أجـوبـة جـاهـزة؛ إذ إن العقل لا ينضج بكثرة ما يستقبل، بل بقدرته على هضم ما يستقبل، ومجادلته، وإعادة تشكيله في ضوء تجربته الخاصة. لكن علينا الاعتراف بأن القراءة ليست بريئة دائماً، إنها واحدة من أقوى أدوات تشكيل الوعي؛ قد يستخدمها الإنسان لتوسيع عقله، وقد تُستخدم لتشكيل العقل والاستيلاء عليه. هي في جوهرها ممارسة محفوفة بالخطر؛ لأنها عبارة عن عملية تشكيل ناعمة وخطيرة لوعي الإنسان. فالكتاب ليس مجرد حبر على ورق، بل هو نسق فكري يسعى للاستحواذ على عقل القارئ وفرض مرجعياته وتعريفاته عليه. وهنا تحديدا ينكشف الوجه الآخر للفعل القرائي؛ فالقراءة دون حس نقدي لا تزيد العقل إلا استسلاماً، ولا تزود الملتهم السلبي للنصوص إلا بيافطات جديدة يبرر بها جهله. يلخص الكاتب الساخر برنارد شو هذه الظاهرة بلغة حادة ومباشرة حين يقول: «إذا قرأ الغبي الكثير من الكتب الغبية، سيتحول غبيا مزعجا وخطيرا جداً؛ لأنه سيصبح غبيا واثقا من نفسه، وهنا تكمن الكارثة»! يضمها «متحف موقع آثار قصر الحلابات» في الأردن فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية تــقــع مـنـطـقـة الـــحـــابـــات فـــي الــبــاديــة الـــشـــمـــالـــيـــة الـــشـــرقـــيـــة الـــتـــابـــعـــة لمــحــافــظــة الـــزرقـــاء فـــي الأردن، وتــضــم مـتـحـفـا حمل اســـم «مـتـحـف آثـــار قـصـر الــحــابــات»، كـان ، وهو بمثابة «متحف 2008 قد افتُتح عام مـــوقـــع»؛ تـــعـــود كـــل الــقــطــع المــحــفــوظــة فيه إلــــى هــــذا الــقــصــر الأمــــــوي ومــــا يـتـبـعـه من مــــرافــــق مـــعـــمـــاريـــة، وتــــشــــكّــــل مــجــمــوعــات مـــتـــنـــوّعـــة، مــنــهــا الـــنـــقـــوش المــصــنــوعــة من الــــجــــص، والـــتـــيـــجـــان الـــرخـــامـــيـــة، وألــــــواح الـفـسـيـفـسـاء، وبـقـايـا بسيطة مــن الـرسـوم الـــجـــداريـــة، إضـــافـــة إلـــى كـثـيـر مـــن الأوانــــي الفخارية والأدوات المصنوعة مـن الحجر الصابوني. تبرز في هذا الميدان المجموعة الفسيفسائية، وتتمثّل بقطع جزئية تمثّل عينة مـن إرث ضــاع الـجـزء الأكـبـر منه مع الأسف. تــــعــــود هــــــذه الـــقـــطـــع فــــي الأصـــــــل إلـــى أرضـــــيـــــات رُصــــفــــت عـــلـــى شـــكـــل ســــجــــادات مـــتـــعـــدّدة الأحـــــجـــــام، تــــزيّــــن مــجــمــوعــة مـن قــــاعــــات الـــقـــصـــر الــــداخــــلــــيــــة، وهـــــي تـحـتـل مساحة تمتد بين الـجـدران؛ شمال القصر وجــنــوبــه، كـمـا شــرقــه. تـجـمـع هـــذه القطع بـــــن الـــتـــقـــاســـيـــم الـــهـــنـــدســـيـــة والـــعـــنـــاصـــر التصويرية النباتية والحيوانية، وتتمثّل أبـــرزهـــا فـــي قـطـعـة مـسـتـطـيـلـة، تــعــود إلــى طـــــرف الـــــزاويـــــة الـــجـــنـــوبـــيـــة الـــشـــرقـــيـــة مـن » في 4« أرضـــيـــة تـــزيّـــن قـــاعـــة حــمــلــت رقــــم الدراسات التوثيقية الخاصة بهذا الموقع. ضـاع الجزء الأكبر من هـذه الأرضـيـة، وما بقي منها سمح بتحديد تأليفها الأصلي، وهو على شكل شبكة تتكون من مساحات بيضاوية ودائرية مجدولة، تمتد عموديا وأفقياً. في القسم الأعلى، تنعقد مساحتان دائــــريــــتــــان مــــع مـــســـاحـــتـــن بــيــضــاويــتــن، ويـتـكـرّر هــذا التقسيم فـي القسم الأسـفـل. وفـــــي الـــقـــســـم الأوســـــــــط، تـــحـــل مــســاحــتــان بيضاويتان مستقلتان، بينهما مساحتان مستطيلتان. يـحـيـط بــهــذه الـشـبـكـة إطــــار عــريــض، قـــوامـــه شـــريـــط مــــزخــــرف، بــقــي مــنــه طـرفـه الأعــلــى، وهــو الـطـرف المـحـفـوظ على شكل لـــــوح مــســتــطــيــل فــــي «مـــتـــحـــف آثــــــار قـصـر الــــــحــــــابــــــات». يــــحــــد هـــــــذا الــــــلــــــوح شــــريــــط زخـــرفـــي قـــوامـــه زهــــرة الــلــوتــس الــتــي تحل فـي صياغة مـجـرّدة مـن أي ثقل، وتتحوّل 3 عنصرا هندسياً، يتمثّل في كوب تعلوه مساحات مقوّسة، تمثّل بتلات هذه الزهرة. يتكرر هــذا العنصر النباتي، ويشكّل في تكراره سلسلة، تقابلها سلسلة تبدو أشبه بـصـورة منعكسة لـهـا. فـي القسم الأعـلـى، يحل اللون الأحمر بتدرجاته، وفي القسم المعاكس يـحـل الـلـون الأخـضـر بتدرجاته، فــي صـيـاغـة تشكيلية محكمة بمساحات بيضاء ناصعة. يــتــكــوّن شــريــط الإطـــــار مـــن مـسـاحـات مـتـشـابـكـة مـــجـــدولـــة، تــمــتــد عــلــى مـسـاحـة سـنـتـيـمـتـراً. تـجـمـع هـــذه الشبكة 75 نـحـو بين سلسلة متعاقبة من الدوائر، وسلسلة مــشــابــهــة مـــن المـــربـــعـــات المــنــحــنــيــة، تـربـط بـيـنـهـمـا سـلـسـلـة مـــن الـضـفـائـر المــجــدولــة، تشكّل مساحات متعددة، منها المساحات المثلثة، والمـسـاحـات المـقـوسـة، والمساحات اللولبية، فـي تأليف محكم يشهد لحرفة عـــالـــيـــة فــــي الـــصـــيـــاغـــة والابــــتــــكــــار. تــدخــل سلسلة من العناصر النباتية هذا التأليف أنواع 3 المتقن، وتنصهر فيه، وتتمثّل في تــحــل فـــي صـيـاغـة مـخـتـزلـة؛ هـــي: الـــرمـــان، والـــبـــرتـــقـــال، والإجـــــــــاص. تــحــضــر الــثــمــرة الأولـــــــى بــشــكــل مــــفــــرد، وتــــأتــــي عـــلـــى شـكـل دائـــــرة تـعـلـوهـا نـــتـــوءات بــــــارزة. وتـحـضـر الـــثـــمـــرة الــثــانــيــة بـشـكـل ثـــاثـــي، مـــع طــرف مـن غصنها. أمـا الثمرة الثالثة، فتحضر بشكل مـــزدوج، وتتميّز بحجمها المنمنم. تــأخــذ الـصـيـاغـة الـلـونـيـة شــكــا تـجـريـديـا ألــوان متعاقبة، تتكرر 3 جامعاً، وقوامها فـي تشكيل كـل ثـمـرة مـن هــذه الـثـمـار. كما في صياغة اللوتس، يحل الأحمر الخمري والأخضر الـــازوردي، مع مساحة بيضاء تجمع بينهما في الوسط. يقابل هــذا الـشـريـط الـزخـرفـي المحكم جـزء بسيط من الشبكة التي تحتل وسط الأرضية، ويتمثّل هذا التفصيل بمساحة مقوّسة يحل في وسطها زوج من الطيور الدجاجية، في وضعية جانبية، وهما على الأرجــــح مــن فصيلة الــحــجــل، يـتـواجـهـان، وتكسو ريشهما الأخضر شبكة من البقع الـــدائـــريـــة الــبــيــضــاء. تـعـلـو هــــذه المـسـاحـة المــقــوّســة مـسـاحـتـان فـــارغـــتـــان، يـسـكـن كـل مـنـهـمـا حـــيـــوان مـــن الـفـصـيـلـة الــوحــشــيــة، بقي واحـد منهما، ضـاع رأسـه ومؤخرته، ونجت من بدنه إحدى قائمتيه الخلفيتين. تعلو قامة هــذا الـحـيـوان المـتـوحّــش شبكة من البقع السوداء توحي بأنه نمر، صُوّر في وضعية حيّة، وكأنّه ينقض إلى الأمام، شــاهــرا مـخـالـبـه، وظــهــرت منها تـلـك التي تعلو قائمته الخلفية التي نجت من التلف. يحتفظ «متحف آثار قصر الحلابات» بقطع أخرى تعود إلى وسط هذه الأرضية وأسفلها. من القسم الأوســط، يظهر أرنب بـري ضمن مربع يحيط به إطــار مجدول، ويـــبـــدو حـانـيـا رأســــه وهـــو يـقـضـم عنقود حبات. تحت هذا الأرنب، 9 عنب مكوّنا من يظهر ذئب يمد قائمتيه الأماميتين، فاتحا فكّي فمه، كاشفا عن أنيابه التي يتدلى من وسطها لسان طـويـل. فـي الـزاويـة المقابلة لـصـورة هــذا الـذئـب، يظهر غـــزال لـه قرنان طـــويـــان مـــقـــوســـان ولــحــيــة مـتـصـلـة بفكه الأسفل، ويبدو في وضعية جانبية، على خلفية بـيـضـاء مـــجـــردة، تـزيـنـهـا شتلتان مـورقـتـان تعلو إحـداهـمـا ثـمـرة برتقالية. في الجزء الأسفل من هذا اللوح، يظهر طير مــن فصيلة الـحـجـل فــي وضـعـيـة مشابهة وسط خانة نصف دائرية مستقلة. يواجه هــذا الطير فـي الأصـــل حـجـل مشابه ضاع أثـــره، وترتفع بـن الطيرين شتلة مورقة، تــمــتــد أغـــصـــانـــهـــا بــشــكــل مــتــجــانــس عـلـى خلفية بـيـضـاء مـــجـــرّدة. تـتـعـدّد العناصر الحيوانية وتـتـنـوّع فـي هــذا التأليف كما يــبــدو. بــن الــذئــب والـــغـــزال، تـظـهـر سمكة وســـط إطــــار مـــقـــوّس، وتـــبـــدو فـــي وضعية جانبية، كأنها تسبح في فضاء مجرّد خلا من أي عنصر مائي. تكشف بقايا أرضـيـات قاعات «قصر الحلابات» عن عناصر حيوانية أخرى. في »، يظهر حيوان 10« القاعة التي تحمل رقم ضـــاع رأســـــه، ومـــا بـقـي مـــن عـنـقـه وصـــدره وقوائمه يوحي بأنه جمل ذو سنام. وفي »، تظهر بطة 25« الـقـاعـة الـتـي تحمل رقــم داخل إطار نصف دائري مزخرف، ينصهر في شبكة زخرفية محكمة. تــجــد هــــذه الــعــنــاصــر الــحــيــوانــيــة ما يماثلها في الأرضيات البيزنطية المحلية، وتـعـكـس مـنـاخـا فـردوسـيـا جـامـعـا تتعدّد تجلياته في تقاسيم تتكرّر وتتجدّد بشكل متواصل. محمود الزيباوي قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن (المتحف) بعض النقاد ينقلون مركز الحكم من النص إلى التصنيف حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة يردد بعض النقاد المنحازين للحداثة ومـا بعدها، وصـف الشعراء الذين تطفح قصائدهم بالعاطفة بالشعراء الغنائيين، ويــبــدو أن هـــذه الـصـفـة لـيـسـت مــدحــا، بل هـــي جـــزء مـــن مــؤاخــذتــهــم عـلـى الـقـصـيـدة الغنائية. وكأن الغنائية، في هذه الرؤية، قـد أصبحت تهمة نقدية ينبغي للشاعر الحديث أن يتخلص منها، أو على الأقـل أن يــخــفــف مـــن حـــضـــورهـــا فـــي قـصـيـدتـه، حتى لا يُحسب على الشعر الــذي ينتمي إلى مرحلة شعرية تجاوزتها الحداثة في نظرهم. وليس الاعـتـراض هنا على مصطلح «الغنائية» في ذاتــه، فهو مصطلح نقدي أصـــيـــل، ولــــه حـــضـــوره فـــي تـــاريـــخ الـشـعـر العربي والعالمي، وإنما على الحمولة التي أُضيفت إليه في بعض التصورات النقدية الـــحـــديـــثـــة؛ إذ لــــم يـــعـــد يـــــدل عـــلـــى طـبـيـعـة الـــتـــجـــربـــة الـــشـــعـــريـــة وارتـــبـــاطـــهـــا بـــالـــذات والانفعال والموسيقى، بل صـار يُستعمل أحــــيــــانــــا بـــوصـــفـــه عــــامــــة عـــلـــى تــقــلــيــديــة القصيدة وذاتيتها، ولم يبلغ ـ في تصور بعض النقاد ـ درجة كافية من التعقيد أو الانفتاح أو التشظي. والـــغـــريـــب أن الـــعـــاطـــفـــة، الـــتـــي كـانـت فـي تـاريـخ الشعر واحـــدة مـن أهـم عناصر الشعرية، أخذت تُعامل في بعض القراءات الـحـديـثـة بــحــذر شــديــد، وكــــأن حـضـورهـا الكثيف يهبط بالنص مـن مرتبة الشعر إلـى مرتبة البوح. وهنا يقع خلط واضح بـــن الــعــاطــفــة بــوصــفــهــا مـــــادة إنــســانــيــة، والـتـعـبـيـر الـــســـاذج عـنـهـا بـوصـفـه ضعفا فـنـيـا. فـلـيـسـت المـشـكـلـة أن يــكــون الـشـاعـر عاطفياً، وإنما المشكلة في كيفية تحويل العاطفة إلى بناء شعري قادر على تجاوز الانـفـعـال الشخصي إلــى تجربة إنسانية قابلة للتلقي والتأويل. فـــامـــرؤ الـقـيـس والمـتـنـبـي وأبــــو تـمـام وأبــــو فــــراس والمـــعـــري، وغــيــرهــم مـــن كـبـار الـــشـــعـــراء، لـــم يــكــونــوا غـــربـــاء عـــن ذواتــهــم ومشاعرهم، بل إن جانبا كبيرا من خلود شــعــرهــم جــــاء مـــن قـــدرتـــهـــم عــلــى تـحـويـل الــــتــــجــــربــــة الــــخــــاصــــة إلـــــــى لــــغــــة تـــتـــجـــاوز صاحبها. وحـتـى فـي الشعر الـحـديـث، لا يـمـكـن فــهــم كـثـيـر مـــن الـــتـــجـــارب الـشـعـريـة الكبرى من دون الاعـتـراف بمركزية الـذات والانـــــفـــــعـــــال والــــحــــنــــن والـــــحـــــزن والـــحـــب والاغـــتـــراب. إن قصيدة الـسـيـاب، مـثـاً، لا تفقد حـداثـتـهـا لأنـهـا مشبعة بالعاطفة، كما أن شعر محمود درويش لا يصبح أقل حداثة لأن الذات والحب والوطن والذاكرة حاضرة فيه بقوة. المــشــكــلــة إذن لــيــســت فــــي الــغــنــائــيــة، وإنما في اختزال الشعر إليها. فإذا كانت القصيدة مجرد انفعال مباشر، فقد تكون معرضة للفقر الفني مهما كان موضوعها. أما إذا استطاع الشاعر أن يصوغ انفعاله فــي صـــورة ورمـــز وإيـــقـــاع وتـركـيـب لغوي ودلالـــي، فـإن الغنائية تصبح عنصرا من عناصر الشعرية، لا نقيضا لها. والـافـت أن بعض النقاد الحداثيين بــالــغــوا فـــي الاحــتــفــاء بـالـتـجـريـب والـلـغـة المـــنـــفـــلـــتـــة مــــن المـــــرجـــــع، وجــــــــدوا أنــفــســهــم أحيانا أســرى ثنائية مصطنعة: قصيدة غنائية قديمة في مقابل قصيدة حداثية، وذات شـــاعـــرة فـــي مــقــابــل نـــص مـسـتـقـل، وموسيقى في مقابل تفكيك، ووضوح في مقابل غـمـوض. وكـــأن الـحـداثـة لا تتحقق إلا بـإقـصـاء مـا سبقها، لا بــإعــادة قـراءتـه واستثماره وتجاوزه بصورة إبداعية. والــــحــــقــــيــــقــــة أن الــــشــــعــــر لا يـــتـــقـــدم بـإلـغـاء خصائصه الأولــــى، وإنـمـا بـإعـادة تشكيلها. فالقصيدة الحديثة تستطيع أن تكون غنائية وتجريبية في الوقت نفسه، وأن تحتفظ بالعاطفة من دون أن تقع في المباشرة، وأن تستثمر الإيقاع من دون أن تكون أسيرة النموذج الموروث، وأن تجعل من الذات منطلقا لرؤية تتجاوز الذات. ومـــــــن هــــنــــا تــــبــــدو تـــســـمـــيـــة الـــشـــاعـــر بـ«الغنائي» بحاجة إلــى قــدر مـن التروي الــــنــــقــــدي. فـــــإن أريــــــد بـــهـــا وصـــــف طـبـيـعـة شعره، فهي تسمية مشروعة لا تحمل ذما ولا مدحا في ذاتها. أما إذا أريد بها إدانة الشاعر لأنه يمنح العاطفة والذات مساحة واسعة في تجربته، فإن الأمـر يتحول من تـوصـيـف نـقـدي إلـــى حـكـم مسبق تحكمه ذائقة آيديولوجية أو حداثية معينة. ولــــعــــل أخــــطــــر مـــــا فـــــي هــــــذه الـــنـــظـــرة أنـــهـــا تــنــقــل مـــركـــز الــحــكــم مـــن الـــنـــص إلــى الـتـصـنـيـف؛ فــيُــقــرأ الــشــاعــر أولا بـوصـفـه غنائيا أو حـداثـيـا أو مـا بعد حــداثــي، ثم يُقرأ شعره على ضوء التصنيف، بدل أن يكون النص نفسه هو الذي يفرض أدوات قراءته. وهنا يفقد النقد شيئا من وظيفته الأســـاســـيـــة؛ لأن الــنــاقــد لا يــعــود مكتشفا لـجـمـالـيـات الـنـص وطـــرائـــق اشـتـغـالـه، بل يــصــبــح مــوظــفــا فـــي مــنــظــومــة تصنيفية جاهزة. إن الشعر في جوهره لا يُقاس بكمية العاطفة فيه، ولا بكمية العقل، ولا بدرجة اقترابه من الحداثة أو ابتعاده عنها، وإنما بـقـدرتـه على تحويل التجربة الإنسانية إلى لغة ذات قيمة جمالية ودلالية. ولذلك لا ينبغي أن تكون الغنائية تهمة، كما لا ينبغي أن تــكــون الــحــداثــة شــهــادة جــودة تلقائية. فـقـد تـكـون الـقـصـيـدة غـنـائـيـة، لكنها عـمـيـقـة ومـــركـــبـــة ومــفــتــوحــة عــلــى أسـئـلـة الإنسان والوجود، وقد تكون حداثية في شكلها ومصطلحاتها، لكنها فقيرة في التجربة والانفعال. وفي الحالتين لا تنقذ الـتـسـمـيـة الــنــص مـــن الـحـكـم الــنــقــدي، ولا تـديـنـه. وحـــده الـنـص هـو الـــذي ينبغي أن يكون في قفص الاتهام، لا الشاعر بسبب انتمائه إلــى طريقة شعرية أو حساسية جمالية معينة. إن النقد الحقيقي لا يـسـأل الشاعر: لمـاذا كنت غنائياً؟ بل يسأل: مـاذا صنعت بـغـنـائـيـتـك؟ وكـــيـــف حـــولـــت عـاطـفـتـك إلــى شـــعـــر؟ هــنــا فــقــط يـصـبـح الــحــكــم جـمـالـيـا وفنياً، بعيدا عن المحاكمات المسبقة التي تجعل من بعض خصائص الشعر العربي تهما ينبغي التخلص منها لمجرد أنها لا تنسجم مع ذائقة نقدية عابرة. د. جاسم حسين الخالدي محمود درويش بدر شاكر السياب الغريب أن العاطفة التي كانت واحدة من أهم عناصر الشعرية أخذت تُعامل في بعض القراءات الحديثة بحذر شديد
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky