الثقافة CULTURE 18 Issue 17444 - العدد Tuesday - 2026/9/1 الثلاثاء معظم الرسوم القديمة كانت من نتاج النساء الحضور الأول للمرأة في الفن تعد فنون الكهوف السجل البصري الأول الذي عرفه الإنسان وأرّخه، ورغم أن هذه الفنون قد تكون أُنتجت في سياقات نــفــعــيــة أو طــقــســيــة، فـــإنـــهـــا تـــظـــل الـلـغـة المكتوبة الأولى لإنسان الكهف التي وثّق مـــن خــالــهــا تـفـاصـيـل حــيــاتــه وصـــيـــده. وهنا يبرز المعنى الحقيقي لنشأة الفن، كــــدافــــع فـــطـــري نـــحـــو الــتــعــبــيــر وتــوثــيــق الوجود الإنساني. فكان الفن هو السجل البصري الأول والوحيد المتاح للإنسان، قبل أن يعرف ويخترع الكتابة. ورسوم الكهوف هي اللغة التي وثّق من خلالها الإنــســان حـيـاتـه ورحــــات صــيــده، ونقل من خلالها خبراته للأجيال التالية. كما أن الـفـن خـــال تـلـك المـرحـلـة يـعـد بمثابة إعـان وجـود الإنسان وإثبات لحضوره وتميزه ووعيه. وقـــــد أعـــــــادت دراســــــــات عـــالـــم الآثـــــار ) قراءة Dean Snow( الأمريكي دين سنو هـذا الإرث البصري، إذ أخضع بصمات الأيدي المطبوعة على جدران الكهوف في فرنسا وإسـبـانـيـا، الـتـي تـعـود إلــى أكثر ألف عـام، إلى التحليل القياسي، 25 من مُــثـبـتـة أن مـعـظـم تـلـك الـــرســـوم الـقـديـمـة (خصوصا بصمات اليد) كانت من نتاج الــنــســاء؛ وقـــد اعـتـمـد سـنـو فــي دراســاتــه على حقيقة تشريحية علمية، وهــي أن نسب أطــوال أصابع اليد تختلف بشكل واضــح بين الـذكـور والإنـــاث. وقـد أثبتت بالمائة من تلك البصمات 75 القياسات أن تعود لأيـدي نساء، مما يعني أن الجزء الأكبر من هذا التوثيق البصري لوجود الإنسان كان من نتاج المرأة. وتــــكــــمــــن أهــــمــــيــــة هــــــــذا الاكــــتــــشــــاف الــعــلــمــي فــــي قـــلـــب الـــســـرديـــة الـتـقـلـيـديـة لـــتـــاريـــخ الـــفـــن، الـــتـــي كـــانـــت تــفــتــرض أن الـرجـل (الـصـيـاد) هـو الفنان الأول الـذي رســـم فــي الــكــهــوف، لـكـن هـــذا الاكـتـشـاف يــثــبــت أن المـــــــرأة هــــي الـــتـــي كـــانـــت تــقــود الــــدور الـتـعـبـيـري والـتـوثـيـقـي لـإنـسـان. مما يؤسس لفهم جديد لمسار الفن؛ وأن حضور المــرأة في التعبير الفني لم يكن استجابة متأخرة للحداثة، بل كان فعلا تأسيسيا أصيلا بدأ مع فجر الإنسانية في العصر الحجري القديم. ومع تحول المجتمعات الإنسانية من مجتمع الصيد والجمع الذي يقوم على الترحال ويتسم بالمساواة والتشاركية، إلـى المجتمعات الـزراعـيـة المستقرة التي حـتـمـت تـقـسـيـم الأدوار بـــن الـجـنـسـن؛ شـــهـــدت بُـــنـــيـــة المــجــتــمــع تــــحــــولا جـــذريـــا انعكس على مكانة المرأة الإبداعية. فمع ظــهــور مـفــهــوم المـلـكـيـة الــفــرديــة لـــأرض ونـــشـــأة الـنـظـم الأبـــويـــة لإدارتـــهـــا (حـيـث مُـــنـــحـــت الأولـــــويـــــة لــلــجــهــد الـــبـــدنـــي فـي الحقول المفتوحة)؛ انحصر دور المرأة في الحيز المنزلي والإنجاب ورعاية الأسرة والجيل الجديد الـذي ستنتقل له ملكية هـذه الأرض، الأمـر الـذي أدى إلـى تراجع دور المرأة التأسيسي في الفن. وقـد مـر الفن فـي المرحلة الانتقالية الـــكـــبـــرى، الـــتـــي تــمــثــل فــجــر الـــحـــضـــارات الإنــســانــيــة، بــتــحــول كــبــيــر، حــيــث بـــدأت تتشكل الملامح الأولـى للمدنية، وتحول فيها الـفـن وقــنــوات تعبيره وسـيـاقـاتـه، فــأصــبــحــت الـــفـــنـــون الـــكـــبـــرى كــالــعــمــارة والـــــنـــــحـــــت هــــــي الـــــواجـــــهـــــة الـــســـيـــاســـيـــة والـــديـــنـــيـــة، وهـــــي مــــن إنــــتــــاج الــــرجــــل لمـا تتطلبه من نشاط بدني. وانكفأ النشاط الإبداعي للمرأة نحو الفنون التطبيقية والــحــرفــيــة المــرتــبــطــة بــالــحــيــز المـعـيـشـي والـــــيـــــومـــــي، كـــالمـــنـــســـوجـــات والـــحـــيـــاكـــة والتطريز. ومع مـرور الزمن تراجع دور المــــرأة الـفـنـي مــن الإنــتــاج والـفـاعـلـيـة إلـى حيز الظهور والتمثيل؛ فأصبحت المرأة موضوعا يتأمله الآخـر ويصوغ دلالاته وفق رؤيته الخاصة. ومـــــع تــعــقــد الــتــنــظــيــم الاجــتــمــاعــي وظـــــهـــــور المُــــــــــدن، احــــتــــكــــرت المـــؤســـســـات الأبوية سلطة الرؤية والتأريخ. وتجسد ذلـــك فــي مـمـارسـات مؤسسية صريحة، حيث كانت المـــرأة بعيدة عـن الفضاءات العامة وأمـاكـن اتخاذ الـقـرار، كما كانت الأكاديميات والـــورش الحرفية والفنية حكرا على الرجل، الذي عبر عن المرأة وفقا لرؤيته الخاصة، فجرى اختزال الحضور البصري للمرأة في قوالب رمزية جاهزة، مــرتــبــطــة غــالــبــا بـالـتـعـبـيـر عــنــهــا كـرمـز للخصوبة والأمومة والجمال. وحـــتـــى فـــي الــــحــــالات الاسـتـثـنـائـيـة الـــتـــي كـــانـــت المـــــــرأة فــيــهــا مُــنــتــجــة لـلـفـن ومــعــبــرة عـــن رؤيـــتـــهـــا، فــــإن تـــأريـــخ الـفـن يظهر تـأثـرا واضـحـا بـالأطـر التنظيمية والاجتماعية السائدة. ففي استهلال كتابها «المرأة والفن والمـجـتـمـع»، طـرحـت المــؤرخــة والـنـاقـدة )Whitney Chadwick( ويتني شادويك مثالا على ذلك، متمثلا في الأكاديمية المــلــكــيــة لــلــفــنــون فــــي لــــنــــدن؛ فـــفـــي عـــام ، ورغــم كـون الفنانتين أنجيليكا 1768 )، وماري Angelica Kauffman( كاوفمان )، مــن الأعــضــاء Mary Moser( مــوســر المؤسسين لها، فإن الأكاديمية همّشت حـــضـــورهـــمـــا فــــي الــــوثــــائــــق الــبــصــريــة الـرسـمـيـة - بـحـسـب قـــــراءة شـــادويـــك – حـيـث تشير إلـــى أنـــه فــي لـوحـة يـوهـان ) الـــتـــي Johann Zoffany( زوفـــــانـــــي احــــتــــفــــت بـــتـــأســـيـــس الأكـــــاديـــــمـــــيـــــة، تـم استبعاد الفنانتين من التجمع المركزي للأعضاء، واكتفى الرسام بتصويرهما كـلـوحـتـن معلقتين فــي الـخـلـفـيـة، مما كـشـف فــي سـيـاق كـتـابـهـا عــن الـتـفـاوت الــــذي أحــــاط بــوضــع الــنــســاء والـــرجـــال عـبـر تــاريــخ الــفــن. لـتـكـون مـكـانـة المـــرأة كموضوع معروض لا كفاعل مشارك. لكن عند تحليل هــذا المــثــال، يظهر أن الاســتــبــعــاد الــبــصــري لـلـفـنـانـتـن في اللوحة، لم يكن إجراء إقصائيا متعمداً، كــمــا تـــذكـــر شــــادويــــك، بـــل كــــان انـعـكـاسـا للقيود والتقاليد والأعــراف الاجتماعية والمـؤسـسـيـة الــســائــدة فــي الــقــرن الـثـامـن عــــشــــر؛ الــــتــــي كــــانــــت تـــمـــنـــع الــــنــــســــاء مـن حـــــضـــــور جــــلــــســــات دراســــــــــــة الـــتـــشـــريـــح الـحـي، وهــو الـحـدث فـي لـوحـة زوفـانـي؛ حــيــث كــــان أعـــضـــاء الأكـــاديـــمـــيـــة الـــرجـــال يجتمعون فــي درس تـشـريـح حــي حـول عـــــارض عـــــار، ولــــم يــكــن يــســمــح لـلـنـسـاء أخـــاقـــيـــا واجــتــمــاعــيــا حـيـنـهـا بـحـضـور هذه الدروس؛ فاكتفى الفنان بتمثيلهما من خلال صورتين شخصيتين معلقتين عــلــى الــــجــــدار فـــي خـلـفـيـة الـــلـــوحـــة كحل بــــروتــــوكــــولــــي يـــتـــمـــاشـــى مـــــع المـــعـــايـــيـــر الأخلاقية والاجتماعية حينها. ويُظهر هــــذا الأســــلــــوب الــتــوثــيــقــي لــــدى يــوهــان زوفـانـي كيف تداخلت الأعـــراف والقيود الاجتماعية مع الممارسات الفنية لتحدد مكانة المرأة في تلك المؤسسات. * كاتبة وناقدة سعودية *د. جواهر بن الأمير يقول إنه مدين بالكثير للعاصمة الفرنسية يوميات ماركيز في منفاه الباريسي كـانـت مقاهي الـحـي اللاتيني وسـان جيرمان دي بري بمثابة «الوطن البديل» لشتات أدبـــاء أميركا اللاتينية؛ ففي تلك المساحات الضيقة، حيث تتشابك رائحة القهوة مع تبغ السجائر وضباب باريس الكثيف، نُسجت خيوط واحــدة من أجمل الـــصـــداقـــات الأدبــــيــــة فـــي الـــقـــرن الـعـشـريـن وأكثرها عمقا وتأثيراً. وقـد جسّد مقهى «أولد نيفي» تطلعات ذلك الجيل وشغفه، حيث أمضى فيه غابرييل غارسيا ماركيز نــحــو عــــام كـــامـــل، يـجـلـس ســـاعـــات طــــوالا على أمـل أن يلمح خوليو كورتاثار الذي لـم يكن فـي عينيه مـجـرد كـاتـب عـابـر، بل كان بمثابة الأب الروحي للقصة القصيرة الحديثة في القارة اللاتينية، لا سيما بعد الــصــدى المــــدوي الـــذي أحـدثـتـه مجموعته الـقـصـصـيـة الـشـهـيـرة «بــيــســتــيــارو». ولـم يتحقق هذا اللقاء المرتقب إلا بعد خمسة عــشــر عـــامـــا، وفــــي بـــاريـــس أيـــضـــا، لـيـوثـق مــاركــيــز تــلــك الـلـحـظـة بــوصــفــه الأيــقــونــي لكورتاثار بأنه «الرجل الأطول في العالم، الـــذي لـم يـقـرر يـومـا أن يشيخ». وتحولت هذه العلاقة اللاحقة إلى سيل من الرسائل المتبادلة بينهما، حتى إن كورتاثار كان مــن أوائــــل الـنـقـاد والــكُــتّــاب الــذيــن احتفوا بــــــــولادة روايــــــــة «مــــائــــة عـــــام مــــن الـــعـــزلـــة» وبشروا بعالميتها. ولـــم تـكـن تـلـك المــقــاهــي مــجــرد أمـاكـن لـلـتـسـلـيـة أو تــزجــيــة الـــوقـــت، بـــل تـحـولـت إلــــى صـــالـــونـــات ســيــاســيــة وأدبــــيــــة تُــمـثّــل «الــبــحــر» الـحـاضـن لـقـاربـهـم المـشـتـرك في المـنـفـى. فـبـن جــدرانــهــا، كــانــوا يـتـبـادلـون قــــــــراءة المـــخـــطـــوطـــات الأولــــــــى لأعـــمـــالـــهـــم، ويــــتــــنــــاقــــشــــون بــــحــــمــــاس صـــــاخـــــب حــــول الثورات والانقلابات المتلاحقة في بلدانهم مـــســـتـــمـــســـكـــن بــــمــــا ســـــمـــــاه بـــــــول كــــولــــود بــ«الـبـؤس الـذهـبـي»؛ تلك الحالة الفريدة الـتـي يمتزج فيها جــوع البطون بجموح الخيال الذي يطاول السماء. شكّلت بـاريـس فـي خمسينات القرن الماضي محطة مفصلية في حياة غابرييل غارثيا ماركيز. فبعد أن تقطعت به السبل إثر إغلاق الصحيفة الكولومبية التي كان ، عـــاش في 1955 يـعـمـل مـــراســـا لـهـا عـــام ظـــــروف مــتــواضــعــة كــتــب خــالــهــا بشغف روايته «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه». وقــــد ظـــل مـــاركـــيـــز مــديــنــا لـــبـــاريـــس طـــوال حـيـاتـه؛ إذ اعـتـبـرهـا المـديـنـة الـتـي صقلت وعيه، ومنحته رؤية أعمق وأشمل لثقافة وسياسة أميركا اللاتينية. كـانـت الـثـلـوج تتساقط بــغــزارة على بـــاريـــس فـــي ذلــــك الـــيـــوم مـــن شــهــر يـنـايـر ، حــــن كـــان 1957 (كـــــانـــــون الــــثــــانــــي) عـــــام الصحافي الكولومبي الشاب العامل في » يضع اللمسات El Espectador« صحيفة الأخـــــيـــــرة عـــلـــى روايـــــتـــــه (لا أحــــــد يـــراســـل الـكـولـونـيـل)، وهــي أولـــى روايــاتــه الكبرى الـتـي ولـــدت مـن رحــم المـعـانـاة الباريسية. وكـــــان الـــشـــاب الــكــولــومــبــي قـــد وصــــل إلــى بـــاد رابـيـلـه ورامـــبـــو وجــــورج براسينس ، محملا 1955 ) في ديسمبر (كانون الأول بمهمة كتابة تقارير صحافية عن الأحداث الــــجــــاريــــة فــــي أوروبــــــــــا. وتـــتـــذكـــر المـمـثـلــة الإســبــانــيــة تـاتـشـيـا روســـــوف الــتــي كـانـت رفيقته فــي تـلـك الـفـتـرة، كـيـف كـــان يتعلم اللغة الفرنسية بشغف من خلال الاستماع إلــــى أغـــانـــي بــراســيــنــس، مـــؤكـــدة أنــــه كــان يغنيها بطريقة رائعة ومثيرة للإعجاب. عاش ماركيز أثناء كتابة الرواية فقرا مـدقـعـا تـقـاطـع تـمـامـا مـــع مــعــانــاة بطلها «الكولونيل»، وذلـك إثـر إغـاق الدكتاتور الـكـولـومـبـي روخـــــاس بينييا صحيفته. ولــتــأمــن وجــبــة طـعـامـه الـيـومـيـة، اضطر »L›Escale« لـغـنـاء «الـبـولـيـرو» فــي حـانـة مــقــابــل فــرنــكــات مــــعــــدودة، تــرافــقــه ألــحــان غـــيـــتـــار الـــفـــنـــزويـــلـــي خـــيـــســـوس رافـــائـــيـــل سوتو، الذي غدا لاحقا من أبرز رواد الفن الحركي والبصري في العالم. باريس في ليلة شتوية عن حياته في باريس، يقول ماركيز: «لـقـد جـئـت إلــى بـاريـس للمرة الأولـــى في ليلة شتوية شديدة البرودة من ديسمبر . وصلت بالقطار قادما من روما 1955 عام إلـــى مـحـطـة تـــــزدان بـــأنـــوار أعـــيـــاد المــيــاد، وكـــــان أول مـــا أثـــــار انــتــبــاهــي هـــو أولــئــك الـعـشـاق الــذيــن كــانــوا يـتـبـادلـون القبلات فـــي كـــل مـــكـــان؛ فــفــي الـــقـــطـــار، وفــــي مـتـرو الأنفاق، وفي المقاهي، وعلى المصاعد، كان أبـنـاء الجيل الأول لمـا بعد الـحـرب يلقون بـأنـفـسـهـم بــكــل طــاقــاتــهــم فـــي الاســتــهــاك الـعـلـنـي لـلـحـب، الــــذي كـــان لا يــــزال المتعة الـــرخـــيـــصـــة الــــوحــــيــــدة المـــتـــاحـــة بـــعـــد تـلـك الـــكـــارثـــة. كـــانـــوا يــــتــــزاورون بـالـقـبـات في منتصف الشارع، دون أدنى اكتراث بإعاقة المـــارة الـذيـن كـانـوا يفسحون لهم الطريق دون أن يـرمـقـوهـم بـنـظـرة أو يـولـوهـم أي اهتمام، تماما كما نفعل مع الكلاب الضالة الــــتــــي تـــلـــتـــصـــق بــبــعــضــهــا فـــــي مـنـتـصـف ساحة المدينة لتنجب جروها. لم تكن تلك القبلات الخارجية مألوفة في روما - التي كانت أول مدينة أوروبية أعُيش فيها - ولا بالطبع في بوغاتا الضبابية المتزمتة في تـلـك الأيـــــام، حـيـث كـــان مــن الـصـعـب حتى تـقـبـيـل أحـــدهـــم داخــــل غـــرف الـــنـــوم. حـدث كل هذا في الأيام الحالكة لحرب الجزائر. وفـي الخلفية، وسـط نغمات الأكـورديـون الحنينية الـــصـــادرة مــن زوايــــا الـــشـــوارع، ومـــــــا وراء رائـــــحـــــة الـــكـــســـتـــنـــاء المـــشـــويـــة المنبعثة مـن المــواقــد، كــان القمع شبحا لا يـروى غليله. فجأة ودون مقدمات، كانت الـشـرطـة تغلق مـخـرج مقهى مـــا، أو أحـد المقاهي الشمال أفريقية الواقعة في جادة ســان ميشيل، لتقتاد بوحشية كـل مـن لا تحمل مـامـحـه (وجــهــا مـسـيـحـيـا). وكــان أحــــدهــــم، حــتــمــا، أنــــا وحــــــدي. لـــم تــكــن أي مـــبـــررات تــجــدي نـفـعـا: فـلـم تـكـن وجـوهـنـا وحدها هي السبب في هلاكنا، بل وأيضا لكنة النطق بالفرنسية التي كنا نتحدث بها. في المــرة الأولــى التي زجــوا بي فيها داخـــل الـقـفـص مــع الــجــزائــريــن، فــي مركز شـــرطـــة ســــان جـــيـــرمـــان دي بـــــري، شـعـرت بإهانة بالغة. لقد كان ذلك تحيزا أميركيا لاتينيا بحتاً؛ فالسجن في ذلك الحين كان شيئا يُستحى منه، لأننا كأطفال لم نكن نمتلك تمييزا واضحا للغاية بين الجرائم الــســيــاســيــة والـــجـــرائـــم الــجــنــائــيــة، وكـــان كبارنا المحافظون يحرصون على ترسيخ هـــذا الـخـلـط وإبـقـائـنـا رهـيـنـة لـــه. غـيـر أن وضعي كان أشد خطورة؛ فعلى الرغم من أن الشرطة قد اقتادتني لاعتقادهم بأنني جـزائـري، إلا أن الجزائريين أنفسهم، وما أن وجدوني داخـل الزنزانة، حتى أخذهم الريب مني حين أدركوا أنني، ورغم وجهي الــذي يشبه وجــه بائع أقمشة متجول، لا أستطيع فهم كلمة واحـــدة مما يقولون. وعــلــى الـــرغـــم مـــن ذلــــك، وبــمــا أنــنــي ظللت أنــا وهــم زائــريــن دائـمـن لتلك التوقيفات الـــلـــيـــلـــيـــة، فـــقـــد انـــتـــهـــى بـــنـــا المـــــطـــــاف إلـــى التوصل لتفاهم مشترك. وفـي ذات ليلة، قــال لـي أحـدهـم: بما أنــك ستكون سجينا بريئا على أي حـال، أليس من الأفضل أن تكون مذنباً؟ وشـرع في تشغيلي لصالح (جبهة التحرير الوطني الجزائري). كان هو أحمد تبّال، الطبيب الذي عُد أحد أعز أصدقائي في باريس خلال تلك الأيام، غير أنه لقي حتفه لاحقا في موتة حرب أخرى بعد استقلال بلاده. وبعد خمس وعشرين سنة، عندما دُعيت للاحتفال بذكرى ذلك الاستقلال في الجزائر، صرّحت لصحافي بـــأمـــر بــــدا يــصــعــب تــصــديــقــه: إن الـــثـــورة الـــجـــزائـــريـــة هــــي الــــثــــورة الـــوحـــيـــدة الــتــي سُجنت من أجلها حقاً. مع ذلـك، لم تكن باريس آنـذاك مجرد مدينة ترزح تحت وطأة الحرب الجزائرية، بــــل كـــانـــت أيـــضـــا المــــــاذ لـــشـــتـــات أمــيــركــي لاتيني هـو الأوســـع منذ زمــن طـويـل. كنا هــــاربــــن مــــن الـــطـــغـــاة لــــدرجــــة أن الــشــاعــر نـيـكـولاس غـيـن كـــان يـطـل كــل صــبــاح من شـرفـتـه فـــي فــنــدق (غـــرانـــد ســـان ميشيل) الــــواقــــع فـــي شـــــارع (كـــــوجـــــاس)، ويــصــرخ بـــالأنـــبـــاء الـــقـــادمـــة مـــن أمـــيـــركـــا الـاتـيـنـيـة باللغة الإسبانية. وفـي أحـد الصباحات، صاح ملء فمه: (لقد سقط الدكتاتور!). لم يكن قد سقط سوى طاغية واحد بطبيعة الحال، لكننا استيقظنا جميعا على وهم عــــذب بــــأن الـــجـــنـــرال المـــخـــلـــوع هـــو جــنــرال بلادنا نحن. كــــــان بـــوســـعـــنـــا أن نــــطــــوف الــــقــــارة بــأكــمــلــهــا ونــلــتــقــي بـــأدبـــائـــهـــا وفـنـانـيـهـا وسياسييها بـمـجـرد جـولـة بــن المقاهي المـكـتـظـة فــي ســـان جـيـرمـان دي بـــري. كنا نــتــنــفــس أغــــانــــي بـــراســـيـــنـــس فــــي الــــهــــواء. وكـــــانـــــت الـــجـــمـــيـــلـــة تـــاتـــشـــيـــا كـــويـــنـــتـــانـــا، الباسكية الجسورة التي تبنيناها نحن المغتربين الأميركيين اللاتينيين كواحدة مــنــا، وكــانــت تـصـنـع مـعـجـزة إعــــداد طبق (بـــــايـــــا) شـــهـــي لـــعـــشـــرة أشـــــخـــــاص فـــوق موقد صغير، يعمل بالغاز. لـم أكـن أدرك حقيقة وضعي بوضوح حتى تلك الليلة الـــتـــي وجــــــدت فــيــهــا نــفــســي قـــــرب حـــدائـــق لوكسمبورغ دون أن أذوق حبة كستناء واحـــدة طــوال الـيـوم، ومـن غير مــأوى أنـام فــيــه. رحـــت أهــيــم فـــي الـــشـــوارع الـعـريـضـة لـــســـاعـــات، عــلــى أمــــل أن تـعـتـقـلـنـي دوريــــة شرطة من تلك التي تكنس الشوارع بحثا عــن الـــعـــرب، لـعـلّــي أحــظــى بــنــوم دافــــئ في زنزانة، لكنني لم أجد أثرا لأي منها أينما الــتــفــتّ. ومـــع تـبـاشـيـر الــفــجــر، حــن بــدأت ظــــال الـــقـــصـــور عــلــى ضـــفـــاف نــهــر الـسـن تتجسد وســـط الــضـبـاب الـكـثـيـف، يممت وجهي شطر جزيرة المدينة، أي وسطها، بخطوات واسعة حـازمـة، وبملامح عامل شـريـف استيقظ لــتــوّه ليلحق بمصنعه. وبـيـنـمـا كــنــت أعـــبـــر جــســر ســــان مـيـشـيـل، شعرت أنني لست وحدي في هذا الضباب، إذ سمعت بوضوح وقـع خطوات شخص يقترب من الاتجاه المعاكس. رأيته يتشكل عبر الضباب، على الرصيف ذاتـه ويسير بالإيقاع نفسه الـذي أسير به، ولمحت عن قرب سترة الصوف ذات المربعات الحمراء والسوداء، وفي لحظة تقاطع طريقانا في منتصف الـجـسـر، رأيــــت شــعــره الأشــعــث، وشـــاربـــه الـــكـــث كـــشـــارب تـــركـــي، وسحنته الحزينة التي تفضح جوعا مؤجلا وليالي سهد طويلة، ورأيت عينين تترقرق فيهما الدموع. تجمّد قلبي في صـدري، لأن ذلك الــرجــل بـــدا وكــأنــه أنـــا نــفــســي... فــي رحلة عودتي. اســــتــــحــــضــــرت أعــــمــــق ذكــــريــــاتــــي عـن باريس في طريق عودتي من ستوكهولم. فــرغــم أن المــديــنــة لـــم تـتـغـيـر، فــإنــنــي حين إثر الانتفاضة الطلابية، 1968 زرتها عام وجـــدتـــهـــا فـــقـــدت حـمـيـمـيـتـهـا وثـــورتـــهـــا؛ فــــاخــــتــــفــــت قـــــبـــــات الـــــعـــــشـــــاق الـــعـــلـــنـــيـــة، واســـتُـــبـــدلـــت حــــجــــارة الــــرصــــف، ومُــحــيــت أجــمــل شـــعـــارات الــــجــــدران. وبــــات المـشـهـد يــقــتــصــر عـــلـــى عـــمـــال الـــنـــظـــافـــة بــبــدلاتــهــم ودراجـــاتـــهـــم الــخــضــراء وأدواتــــهــــم الآلــيــة، وهم يجمعون فضلات الكلاب من شوارع أجمل مدينة في الأرض». ماركيز الشاب في باريس شاكر نوري ماركيز: الثورة الجزائرية هي الثورة ًالوحيدة التي سُجنت من أجلها حقا ماركيز( يمين) مع خوليو كورتاثار «بورتريه فناني الأكاديمية الملكية للفنون» - يوهان زوفاني النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky