issue17438

الثقافة CULTURE 18 Issue 17438 - العدد Wednesday - 2026/8/26 األربعاء تشكّل امتدادا للتقليد البيزنطي في األردن ألواح فسيفسائية من قصر الحالبات تحوي األراضـــي األردنــيــة مجموعة هائلة من املـواقـع األثـريـة تتميّز بحللها الفسيفسائية املتعددة األشكال، وتعود إلــى الحقبة البيزنطية، وتشهد لتقليد فـنـي ازدهــــر وراج بشكل واســـع فــي هـذه البقاع. ظل هذا التقليد كما يبدو حيًا في الحقبة األمــويــة؛ حيث اعتمد فـي تزيني الـعـمـائـر املــدنــيــة الــتــي شُـــيّـــدت فـــي نـــواح عديدة من البادية األردنـيـة. يحضر هذا الفن بشكل محدود في قصير عمرة، في شمال هذه البادية، ويحضر بشكل واسع في قصر الحالبات، في الناحية الشمالية مـــن الــطــريــق املــعــبــدة الــتــي تــربــط مدينة الزرقاء بواحة األزرق. تـــعـــود أســـــس قـــصـــر الـــحـــ بـــات إلـــى حصن دفـاعـي محلّي، شـيّــده الغساسنة خــــ ل الــحــقــبــة الــبــيــزنــطــيــة. تـــحـــوّل هــذا الـحـصـن إلـــى منتجع مـلـكـي فــي الحقبة األمـــويـــة؛ إذ أعـيـد تشييده مــع تعديالت كبيرة في تكوينه، إال أن أسسه الهندسية األولــى بقيت ثابتة، وتمثّلت في مسقط مـربـع الـشـكـل، تحد زوايــــاه أربـعـة أبـــراج. يـــبـــلـــغ طــــــول كــــل ضـــلـــع مــــن أضـــــــ ع هـــذا مــتــرًا، ويـبـلـغ عـرض 44 املـسـقـط األربـــعـــة أمتار. 6 واجهة كل برج من أبراجه نحو يــــقــــع مــــدخــــل الــــقــــصــــر الــــرئــــيــــســــي وســــط الــواجــهــة الــخــارجــيــة الــشــرقــيــة، وينفتح عـــلـــى ردهــــــــة كـــبـــيـــرة مــســتــطــيــلــة تـــــؤدي مباشرة إلى الفناء الرئيسي الذي يحتل وسط البناء. يــتــألــف الــقــصــر مـــن مــجــمــوعــة غــرف وقـــاعـــات مستطيلة، تــتــوزع عـلـى جهات الــبــنــاء األربــــــع. مـــن جــهــة الـــشـــرق، وعـلـى يــمــ ردهـــــة املـــدخـــل ويـــســـارهـــا، قـاعـتـان واســــعــــتــــان. ومــــــن جـــهـــة الــــجــــنــــوب، سـت قـــاعـــات وغـــــرف مـخـتـلـفـة املـــســـاحـــات. في الزاوية الشمالية الغربية للقصر، جناح ســكــنــي كــبــيــر مـنـفـصـل عـــن بـــاقـــي أجــــزاء القصر، ندخل إليه عبر باب في واجهته الـجـنـوبـيـة املـطـلـة عـلـى الــفــنــاء الـرئـيـسـي الواسع. يحوي هذا الجناح املستقل ثالثة أجنحة تحيط بفناء صغير. يـحـوي كل من الجناحني الغربي والشمالي قاعتني واسعتني، ويحوي الجناح الشرقي ثالث غــــــرف. فــــي الــــطــــرف املـــقـــابـــل، فــــي مــــــوازاة الضلع الشمالية للفناء الرئيسي للقصر، ثـ ث قـاعـات، أكبرها الوسطى، وتنقسم عــبــر عــقــديــن نــصــف دائــــريَّــــ إلــــى ثـ ثـة أجـــزاء. فـي أسـفـل أرض الفناء الرئيسي، بُني خزان كبير كان يتلقّى مياه األمطار عبر قنوات متصلة بقسطل القاعات التي تحتل ضلع القصر الـشـرقـيـة. وفــي فناء الجناح الشرقي الذي يحتل زاوية القصر الشمالية الغربية، بُني خزان مشابه. تطل معظم قاعات القصر على الفناء الرئيسي الكبير من خالل أبواب تعلوها ســــواكــــف حـــجـــريـــة مــســتــقــيــمــة، ونــــوافــــذ تحدها أطـر مزينة بشبكات من النقوش املـصـنـوعـة بتقنية الــجــص، ضـــاع القسم األكبر منها لألسف. على الصعيد الفني، يـتـمـيّــز قـصـر الــحــ بــات فـــي املـــقـــام األول بـمـجـمـوعـة األلــــــواح الـفـسـيـفـسـائـيـة الـتـي تزين قاعاته، غير أن القسم األكبر من هذه األلـــــواح تــصــدّع وانـــدثـــر، ومـــا بـقـي منها يــتــمــثّــل فـــي أجــــــزاء سـمـحـت للمختصني بــــإعــــادة تــخــطــيــط شــبــكــاتــهــا الـهـنـدسـيـة األصـــلـــيـــة. نُـــقـــل بــعــض هــــذه الــبــقــايــا إلــى متحف خاص بهذا املوقع افتتح في عام ، وبـقـيـت فــي املــوقــع األجــــزاء األكـثـر 2008 اكتماالً، ومنها فسيفساء الفناء الداخلي الصغير، وفسيفساء الرواق املجاور له. تُــعـتـبـر فـسـيـفـسـاء الــفــنــاء الــداخــلــي أكــبــر هــــذه األرضــــيــــات، وهــــي عــلــى شكل لــــوحــــة هـــنـــدســـيـــة مـــســـتـــطـــيـــلـــة، رُصــــفــــت بـــخـــطـــوط مـــحـــوريـــة مـــــزدوجـــــة، تـتـقـاطـع وتـــكـــوّن شـبـكـة تعتمد عـنـصـرًا هندسيًا واحـــــدًا يُـــعـــرف بــاملُــعــ ، وهـــو عـلـى شكل مـربـع مــائــل، أضــ عــه مـتـسـاويـة الـطـول، وقـطـراه متعامدان ومتناصفان. تتألف مــعــيــنــ ، رُصـــفـــت 375 هـــــذه الــشــبــكــة مــــن معين ًا 17 بشكل مــتــواز، مـع سلسلة مـن معين ًا 21 عـــرضـــ، تـقـابـلـهـا سـلـسـلـة مـــن طوالً. تتساوى هذه التقاسيم في الحجم، وهـــي بــيــضــاء، وتــحــدّهــا خــطــوط تجمع بني الرمادي والعسلي والـزهـري، ويبلغ سـنـتـيـمـتـر ًا. 20 عــــرض ضــلــع كــــل مــنــهــا وسط كل معني، معني منمنم صيغ بهذه األلـــوان. وحــول هـذه الشبكة املستطيلة، يــمــتــد إطـــــار عــلــى شــكــل شـــريـــط بـسـيـط، تزينه سلسلة زخرفية، تعتمد كذلك هذا املعني املنمنم. فـــي املـــقـــابـــل، تـجـمـع أرضـــيـــة الــــرواق املــجــاورة بـ التأليف الهندسي املحكم والعناصر التصويرية املــحــوّرة. يتألف هــــذا الـــــــرواق مـــن ردهـــتـــ مـتـ صـقـتـ ، يـــغـــطـــي كــــــ مـــنـــهـــمـــا لــــــوح فــســيــفــســائــي مستقل. يزين الردهة العليا لوح زخرفي يتكون من أربــع خانات متماثلة، تشكّل معا شبكة زخرفية مربعة، يغلب عليها الـطـابـع الـتـجـريـدي. تـأتـي كـل خـانـة على شكل أربـــع دوائــــر، تتقاطع فيما بينها، مشكّلة إطـــارًا يحتضن فـي وسطه زهـرة مـــحـــوّرة هــنــدســيــ ، تــحــدهــا أربــــع بـتـ ت متساوية صيغت على شكل نجم. اعتُمد اللون األحمر الخمري بشكل أساسي في صـــوغ الـحـلّــة التشكيلية الـخـاصـة بهذه الخانات، إلى جانب مساحات حل فيها األبــــيــــض الـــنـــاصـــع واألزرق الـــســـمـــاوي. أُحيط هـذا اللوح بإطار مـزخـرف، قوامه ســلــســلــة مــــن مــثــلــثــات مـــســـنّـــنـــة، رُصـــفـــت كـــأســـنـــان املــــشــــط، واعــــتُــــمــــدت الــصــيــاغــة اللونية الخاصة بهذا اإلطار على األحمر الخمري واألبيض الناصع. تــــتــــمــــيّــــز لـــــوحـــــة الـــــــردهـــــــة الـــســـفـــلـــى بـعـنـاصـرهـا الــتــصــويــريــة، وتـــتـــكـــوّن من ثـمـانـي دوائـــــر كـبـيـرة الــحــجــم، وثـمـانـيـة مربعات أصغر حجمًا، تترابط بشرائط مــجــدولــة، وتـشـكّــل مـعـ شبكة متناسقة متقنة. في القسم األعلى، تحضر إوزتان متواجهتان في وضعية جانبية، تستقر كل منهما في دائرة مستقلّة. وفي القسم األدنــــى، تحضر إوزة ثالثة فـي وضعية مماثلة، وتستقر كذلك في دائــرة خاصة بها. يتكرّر هذا التأليف في وسط اللوح، وتـحـل سلّتان متواجهتان، منهما سلة تعلوها عـروة عريضة. في املقابل، تحل سمكة وسط إناء كبير يستقر في وسط الـــدائـــرة الــثــالــثــة. فـــي الـقـسـم األســـفـــل من اللوح، يحل طائران متواجهان في تأليف مـمـاثـل، وهـمـا مـن عـائـ ت الـدجـاجـيـات، واألرجــــح أنهما مـن صنف الحجل الـذي يحضر بقوة في امليراث الفني األموي. يــتــبــنّــى هـــــذا الــــلــــوح طـــــــرازًا راج فـي الــكــنــائــس املــحــلــيــة، ويــعــكــس هــــذا األثـــر حــــضــــور الـــســـمـــكـــة الــــتــــي تـــعـــلـــو اإلنــــــــاء، وتـــســـتـــقـــر وســـــط ســـلّـــتـــ كـــبـــيـــرتـــ ، فـي تأليف يعيد إلى الذهن صورة من أشهر الــــصــــور الــفــســيــفــســائــيــة الـفـلـسـطـيـنـيـة. تـعـود هـــذه الـلـوحـة إلـــى كنيسة تـقـع في قــريــة الـطـابـغـة، عـلـى الــشــاطــئ الشمالي الغربي لبحيرة طبريا، وتختزل بحسب الـتـقـلـيـد مـعـجـزة تكثير الـخـبـز والـسـمـك الــتــي ورد ذكـــرهـــا فـــي األنــاجــيــل األربــعــة بــشــكــل مـــتـــقـــارب. ونـــقـــع عـــلـــى لـــــوح آخـــر مـشـابـه، كشفت عنه أعـمـال التنقيب في كنيسة تـقـع فــي مـديـنـة هـيـبـوس األثـريـة فـــي الـــجـــوالن، وتُـــعـــرف بــاســم «الكنيسة املحروقة». محمود الزيباوي فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له رأى فيه بعضهم زير نساء وأكد آخرون تقشفه الجنسي هل كان جبران يعاني من عقدة «األنوثة»؟ لـــعـــل أحــــــدًا مــــن الــــذيــــن أطـــلـــقـــت عـلـيـهـم تـسـمـيـة «أدبـــــاء املــهــجــر» أو «رواد النهضة الـعـربـيـة»، لــم يـكـن مـوضـع سـجـال دائـــم بني الــنــقــاد والـــــدارســـــ ، مــنــذ رحــيــلــه قــبــل نيف وتـسـعـ عــامــ حـتـى يـومـنـا هــــذا، كـمـا كـان جــــبــــران خــلــيــل جــــبــــران. والــــ فــــت فــــي األمــــر أن الـــســـجـــاالت الـــتـــي اتـــخـــذت أشـــكـــاال حـــادة فـي كثير مـن األحــيــان، لـم تقتصر ساحتها حــــول الــــريــــادة األدبــــيــــة والـــفـــكـــريـــة لـصـاحـب «الـــعـــواصـــف»؛ بـــل إنــهــا طــالــت كـــل نــأمــة في حــيــاتــه وســلــوكــيــاتــه وســيــرتــه الـشـخـصـيـة، وبــخــاصــة تــلــك املـتـصـلـة بــالــشــأن الـعـاطـفـي وعالقته باملرأة. ومـــــع أن مـــســـألـــة الـــتـــطـــابـــق بــــ نــتــاج الـكـاتـب اإلبـــداعـــي وبـــ سـلـوكـه، كـانـت على الــدوام مثارًا للجدل وتباين وجهات النظر، فــــإن شـيـئـ مـــن الــحــيــاة الـحـقـيـقـيـة ال بـــد من أن يتسرب إلــى األدب والــفــن، وينعكس في مراياهما التعبيرية. فــفــي «األجـــنـــحـــة املــتــكــســرة» تـظـهـر لنا صــورة جـبـران اليافع والحالم الرومانسي، الذي روى قصة حبه الفاشلة لسلمى كرامة، مستخدمًا لغة عاطفية تفطر قلوب الـقـراء، وتستدر دموعهم على نحو ميلودرامي. وفـي «األرواح املتمردة»، تتحول مريم التي لجأ إلى بيت أمها راحيل، والتي شعر «بتموجات روحها حول روحه»، إلى نسخة معدلة مـن املجدلية. وفــي «عـرائـس املــروج» تقع الفتاة اليتيمة مرتا البانية ضحية شاب ثـري يـغـرر بـهـا ويـعـدهـا بـــالـــزواج، حـتـى إذا حملت منه اضطرت ملمارسة البغاء إلطعام ولدها وثمرة حملها اآلثم، لتموت في نهاية األمـــــر مُـــهـــانـــة ومـــــرذولـــــة. وفــــي هــــذه الـقـصـة وغـــيـــرهـــا يـــعـــري جــــبــــران األســــــس الـــفـــاســـدة لنظام القيم، ويكشف عن الجوهر الروحي للكائنات، الـــذي ال تملك خطايا الجسد أن تنال من براءته. أمــــــا فــــي كــــتــــاب «الــــنــــبــــي» فـــنـــقـــف عـلـى النسخة األكثر نضجًا من شخصية جبران ومـــواقـــفـــه اإلنـــســـانـــيـــة. فــهــو حـــ يُـــســـأل عن الـحـب، يجيب بلسان بطله املصطفى، بأن على البشر أن يتبعوا صوت الحب ونداءاته، حتى لو كانت الطريق إليه وعــرة وشائكة. ومــع أنــه ال يُظهر موقفًا سلبيًا مـن الـــزواج، فإنه يرفض تحويل العالقة إلى قيد، مؤكدًا عـلـى فــكــرة املــســافــة الــتــي يـنـبـغـي أن تفصل بــ الــطــرفــ ، إضــافــة إلـــى أنـــه يـرفـض فكرة التوحد، والحلول فـي اآلخــر، كما فـي قوله: «غـنـوا وارقــصــوا معًا وافــرحــوا، ولـكـن ليبق كل منكم وحيدًا». وحني يُسأل عن اللذة، فهو ال يرفض نشدانها وال يدين طالبيها، شرط أال يفقدوا قلوبهم في غنائها، وأال يهملوا الروح ويسيئوا إليها. على أن املواقف النظرية الواضحة التي أطلقها جبران بشأن املــرأة والحب والــزواج والــجــســد والـــــــروح، لـــم يــكــن لــهــا أن تحجب البلبلة املتأتية عن الطبيعة الفعلية لعالقته بنساء حياته الكثيرات. فميخائيل نعيمة في كتابه عن جبران، لم يكتف بإنزال صديقه مــن مـكـانـه الــســمــاوي إلـــى أرض الـــواقـــع؛ بل راح يــنــزع عـنـه صـفـتَــي الــروحــانــيــة والــزهــد الجسدي اللتني طاملا ادَّعاهما، مؤكدًا على الجانب الشهواني من شخصيته، وبخاصة في عالقته بميشلني، التي عرَّفته بها ماري هاسكل، ليخلص إلى القول بأن صديقه كان موزَّعًا بني عقل هاسكل وجسد ميشلني. أمـــا تـوفـيـق صــايــغ الــــذي يـتـهـم نعيمة باإلساءة إلى صديقه، رادًا األمـر إلى غيرته مــنــه، فـــ يـنـفـي فـــي كـتـابـه «أضــــــواء جـديـدة عـــلـــى جـــــبـــــران» أن تـــكـــون لـــجـــبـــران عـــ قـــات متعددة مع النساء، وبينها عالقة انجذاب شهواني مـع ميشلني، إال أنـه -وهــو املنذور للكتابة والخلق اإلبـداعـي- كـان يعرف كيف يضع في الوقت املناسب حدودًا لها. ويشير صـــايـــغ إلــــى أن عـــ قـــة هــاســكــل بـــجـــبـــران لم تكن روحانية خالصة وال جسدية خالصة؛ بـل ظلت تتأرجح بـ النزعتني؛ حيث كانا يكتفيان بتبادل القبالت، رغم ما كان يتسبب فيه األمر من أذى نفسي وجسدي للطرفني. ولعل من يتتبع سيرة جبران العاطفية ال يـلـحـظ عـــنـــده إقـــبـــاال عــلــى الــجــنــس يصل إلــى حـــدود الـتـهـالـك، وال نـفـورًا منه يالمس حدود التبتل؛ بل هو يُظهر قدرًا من االعتدال يجعله أقرب إلى اإلنسان الطبيعي، منه إلى االنحراف والالسوية. أما عزوفه عن الزواج فقد كان عائدًا إلى رغبته في التفرغ لكتابته وفنه. ولم تكن أناه النرجسية املبدعة لتقبل التنازل عن نفسها ألي شأن عابر، وهو الذي : «إن 1922 تنقل عنه هاسكل قـولـه لها عــام حـضـور عـقـل آخـــر مهما كـــان هـــذا الحضور طفيفًا، يدمر األشياء بالنسبة لي. إني أفعل أفضل مـا أستطيع فعله وأنــا وحـيـد، واملـرء يـكـون قريبًا إلــى كـل إنـسـان عندما ال يكون قريبًا إلى أي إنسان». والــــــواقــــــع أن جــــبــــران قــــد حــــــرص أشـــد الـــحـــرص عــلــى أال يُـــفـــرغ طـــاقـــاتـــه الـحـيـويـة الــــعــــالــــيــــة فـــــي مـــــجـــــال الــــجــــنــــس والــــرغــــبــــات الشهوانية البحتة؛ بل أراد أن يدَّخر جانبها األكـــبـــر لــشــحــن أعـــمـــالـــه الــفــنــيــة واإلبـــداعـــيـــة بـــأســـبـــاب الــــقــــوة والـــتـــفـــجـــر. ولـــعـــل أكـــثـــر مـا يؤكد ذلك قوله لهاسكل، في معرض تبرير اقـــتـــصـــار عـ قـتـهـمـا الــجــســديــة عــلــى بعض الـقـبـ ت والـعـنـاقـات املتقشفة: «إن فـــي رغـم ضعفي الجسماني دفئًا وفـيـرًا مـن الناحية الـجـنـسـيـة، وأعــتــقــد أن فــــي دون شـــك شيئًا حــيــويــ أيـــضـــ ؛ ألنــــي أعــتــقــد أن جــــزءًا كـبـيـرًا مـن الناحية الجنسية يتحول وينصب في نتاجي». ولعلنا نستطيع -فـــي ضـــوء مــا تـقـدم- أن نفهم السبب الحقيقي الذي أبقى عالقته بمي زيـادة في إطـار لغوي وجداني، تكفلت بــحــمــلــه عــــشــــرات الــــرســــائــــل املـــحـــمـــولـــة عـبـر املحيطات. فالواضح أن جـبـران كـان يبحث عبر مي عن وقود إضافي ملنع جذوة اإلبداع فـــي داخـــلـــه مـــن الـــضـــمـــور، وهــــو مـــا لـــم يكن ليتوفر إال عبر رفــع مـي إلــى خـانـة املتخيل الطيفي الـــذي يؤلفه مـن عـنـديـاتـه. وجـبـران الذي يقول في كتابه «رمل وزبد» ما حرفيته: «كــــل رجــــل يــحــب امــــرأتــــ : واحــــــدة يخلقها خياله، والثانية لم تولَد بعد»، كان يدرك في قرارته أن هذه الجذوة اإلبداعية التي ولدتها عالقته األفـ طـونـيـة بــامــرأة التخيل، كانت مرشحة لالنطفاء السريع لـو التقى بامرأة اللحم والدم. أما الذين رأوا في رسوم جبران العارية، والخالية من أي داللة شهوانية، ما يدل على نقص في ذكورته، أو على تبرمه من النوازع الجسدية، فهم يخلطون عن عمد -أو عن غير عــمــد- بـ الــفــن والـحـيـاة؛ ألن تـلـك الــرســوم كـانـت تعكس تـــوق صاحبها إلـــى التسامي الـــــروحـــــي والــــتــــجــــرد مـــــن حـــــاجـــــات الــجــســد الــتــرابــي، دون أن يعني أنـــه كـــان يـعـانـي من الوهن الجنسي، أو من ارتـفـاع في منسوب األنوثة، كما ذهب بعض الدارسني. وقد ال يكون الباحث اللبناني خريستو نجم بعيدًا عن الحقيقة حني أشار في كتابه «املرأة في حياة جبران»، إلى أن عالقة الحدب والـــحـــنـــو املـــفـــرط الـــتـــي ربـــطـــت األخـــيـــر بـأمـه كاملة رحمة، قد جعلته يبحث عن صورها فــي مـ مـح نـسـائـه الـكـثـيـرات، بـمـا يفسر أن معظم اللواتي ارتبط بهن كـن يكبرنه سنًا. فحال الضاهر كانت تكبره بعامني، ومـاري هــاســكــل تــكــبــره بـعـشـر ســـنـــوات، وسـلـطـانـة ثــابــت تــكــبــره بـخـمـس ســـنـــوات، وجــوزيــفــ بيبودي تكبره بست سنوات، وحتى ميشلني عشيقته األثيرة، كانت تكبره ببضعة أشهر. إال أن ما توصل إليه نجم من خالصات حاسمة حــول «أنـثـويـة» جـبـران ونـفـوره من الجنس، وصوال إلى رميه بالعجز الجنسي، لـــيـــس فــــي مـــكـــانـــه أبــــــــدًا؛ إذ لـــيـــس يــكــفــي أن يستشهد نجم بكتابَي «دمـعـة وابتسامة» و«األجنحة املتكسرة» املفرطني في لغتهما الوجدانية وانكسارهما الحزين، لكي يرى فيهما «نمط جبران األنثوي الذي يخلو من كــل أثـــر لـ قـتـحـام الــرجــولــي»؛ ألنـــه فــي هـذه الحالة سيضع في دائرة األنوثة عشرات من الكتاب والفنانني والـشـعـراء الرومانسيني. ثــم ملــــاذا لــم يـــدر فــي خـلـد نـجـم أن يستشهد بـــأعـــمـــال مـــغـــايـــرة تـــظـــهـــر فـــيـــهـــا «ذكـــــوريـــــة» جبران وفحولته الغاضبة على نحو واضح، كـــمـــا هــــي الــــحــــال فــــي «األرواح املــــتــــمــــردة» و«العواصف» وغيرها؟ صحيح أن جبران قد قال ملاري هاسكل: «إن املرأة في نفس الفنان هي مصدر قوته»، وأنـه شبَّه نفسه بـاملـرأة الحامل، مضيفًا ما حـرفـيـتـه: «أشــعــر أنـــي كـنـت أُمًّـــــا غـيـر مـــرة»، إال أنــــــه لــــم يـــكـــن يـــقـــصـــد بـــالـــتـــأكـــيـــد املــعــنــى الفيسيولوجي للكلمة؛ بــل املـعـنـى الـرمـزي الــذي يُكسب الكاتب صفات الـرقـة والصبر، واإلصــغــاء املـرهـف إلــى األشـيـاء والكائنات، ويــجــعــل مـــن الــكــتــابــة بــحــد ذاتـــهـــا حــالــة من أحوال األنوثة. شوقي بزيع جبران خليل جبران المواقف النظرية التي أطلقها جبران بشأن المرأة والحب والزواج والجسد والروح لم تحجب البلبلة المتأتية عن الطبيعة الفعلية لعالقته بالنساء رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر تنطلق روايــــة «الــفــراديــس امللغومة» صفحة عن دار «طباق» 400 -الصادرة في بــرام الله، للكاتبة نسب أديــب حسني- من مفارقة العنوان الــذي يُــبـرز التناقض بني الجمال الفطري األبـدي في أرض فلسطني كــمــ ذ لـلـحـب واملــشــاعــر مــن نـاحـيـة، وبـ الـخـطـر والـــخـــوف مـــن نـاحـيـة أخـــــرى، عبر بنية فنية تضع الشخصيات في مواجهة أسـئـلـة املـــكـــان والــهــويــة والــــذاكــــرة والـحـب والخوف. ؛ حيث 2017 تــــدور األحـــــداث فــي عـــام تتسع خريطة الـسـرد لتشمل مـدنـ وقـرى فلسطينية متعددة داخــل الضفة الغربية وغـــزة؛ ال سيما طولكرم ونـابـلـس، بحيث ال يـــبـــدو املـــكـــان مـــجـــرد خـلـفـيـة لـــ حـــداث، وإنما يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل الشخصيات ومصائرها. شخصية فلسطينية 14 تجمع الرواية في إطار مشروع بحثي ميداني، إلى جانب صحافي من غزة، ودليل سياحي مقدسي، فـــــي تـــركـــيـــبـــة تـــحـــمـــل تـــنـــاقـــضـــات نـفـسـيـة وإنسانية؛ فاملقدسي يعيش مأزقًا مختلفًا عن الغزِّي، وابن الداخل يواجه أسئلة غير تلك التي يواجهها ابن الخليل أو رفح. ومـــن هـنـا يـتـحـول ســـؤال الـهـويـة إلـى سؤال يومي: من أنا؟ وإلى أي مكان أنتمي؟ ومـــا الــــذي يـبـقـى مـــن هــويــة اإلنـــســـان حني يتغير املكان من حوله أو يُنتزع منه؟ كما تتحول العالقات اإلنسانية البسيطة إلى مـدخـل مختلف لفهم الــواقــع الفلسطيني املعقد، فالحب -على سبيل املثال- ال يظهر بــوصــفــه مــســاحــة مـنـفـصـلـة عـــن الـسـيـاسـة والجغرافيا؛ إذ يمكن للحاجز أو التصنيف القانوني أو االنتماء الجغرافي أن يتدخل في عالقة عاطفية ويغير مصيرها. ومـــن الـقـضـايـا الـ فـتـة كـذلـك حضور األســــــــــرى بــــعــــد الـــــتـــــحـــــرر، وآثــــــــــار الــــحــــرب واالستشهاد، والصدمة النفسية، إضافة إلى تجربة غزة والحواجز والجدار؛ حيث يــتــعــامــل الـــنـــص مــــع هـــــذه الــتــفــاصــيــل مـن زاويـــة اإلنــســان الـــذي يعيش نتائجها في حـيـاتـه الـيـومـيـة، مــا يـجـعـل الـعـمـل يخرج مــــن الــــحــــدود الــضــيــقــة املـــبـــاشـــرة لـــلـــروايـــة السياسية، ليصبح نصًا إنسانيًا مفتوحًا على أفق بيئة اجتماعية شديدة التعقيد. فنيًا، ال تنتمي «الفراديس امللغومة» إلى البناء الروائي التقليدي الصارم ذي البطل املركزي والحبكة الـواحـدة، وإنما تقوم على تعدد األصـوات والشخصيات وتــــــداخــــــل األزمــــــنــــــة واألمــــــكــــــنــــــة، بــيــنــمــا تستخدم املؤلفة ضمائر سـرد متعددة، فتنتقل بني املتكلم والغائب، وتستدعي املاضي داخــل الحاضر، ما يمنح العمل طــبــيــعــة مــتــشــعــبــة تـــتـــنـــاســـب مــــع تــعــدد الــتــجــارب داخــــل الـحـبـكـة الـــدرامـــيـــة. كما حرصت على منح كل شخصية مساحة خاصة بها في التعبير والسرد. من أجواء الرواية: «كلما شرد ذهني وجدتني أنظر إلى النقش املحفور في الجدار املقابل وأجـده على حـالـه. ال أعلم هـل يثير هـذا األلــم في نفسي أم يبعث الطمأنينة؟ مــنــذ كــنــت فـــي الــخــامــســة عـــشـــرة من عـمـري وأنـــا أســاعــد أبـــي فــي هـــذه املكتبة، وهـا قـد مـر مـن عمري مثلها، وكلما غاب رواد املكتبة والــزبــائــن وسـئـمـت الــقــراءة، أنــتــبــه أنــــي فـــي الــجــلــســة هــنــا وأمــــــام ذات الــنــقــش. صـحـيـح أنــــي درســــت خــــ ل هــذه الفترة في الجامعة، وتزوجت وصرت أبًا، ولكن كأن الزمن لم يمر، ال على النقش في الخارج وال على هذه املكتبة. أغـــمـــض عـيـنـي وأصـــغـــي إلــــى حـديـث الـــجـــيـــران فـــي الـــســـوق، هــديــل الــحــمــام في الـــــنـــــافـــــذة، ومـــــــــرور شــــــاب بـــعـــربـــتـــه فـــجـــأة صارخًا (أوعا أوعا). أرفع نظري إلى الرف فـــوق الـــبـــاب، الـكـتـب الــتــي تــرقــد عـلـيـه هي نفسها منذ وضعها أبي فوقه، كي يضمن عدم بيعها». القاهرة: «الشرق األوسط»

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==