الثقافة CULTURE 18 Issue 17437 - العدد Tuesday - 2026/8/25 ًالثلاثاء الصمت بوصفه مخترعا ثقافيا اللغة أعظم النعم، وكذلك هي أخطر النعم، حسب كلمة هولدرلين، فقد حظي الإنسان باللغة لكي يكون عاقلا ومسؤولاً، ليس عن تصرفاته فحسب، بل أيضا عن كلماته التي فيها ومنها تصنعت العقول فأنتجت الأفكار، وفيها وجدت الأخيلة وسيلة لكي تسلك مساراتها في تناسل ثقافي لا ينقطع. هذا ثـراء يفرض التمعن في خطورة اللغة بوصفها مسؤولية يترتب عليها مغبات أخلاقية وقانونية، وهذا ما استوجب ظـهـور مخترع ثقافي فـي صناعة الصمت الـــذي يعني تعطيل اللغة وتسكيت النطق فظلت الثقافة تضخ فينا الحس المتوجس من اللغة (وإن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب)، ومن ذلك كلمة تواترت شعرا ونثرا في المـدونـات، ونسبت أيضا لعمر بن الخطاب تقول: ما ندمت على سكوتي مرة لكن ندمت على الكلام مراراً. ودخلت الفكرة في أنظمة السلوك ومنها الحق القانوني للمتهم بالصمت إلى أن يحضر مـحـامـوه، وخـيـار المـسـتـجـوَب سياسيا بــألا يجيب على أي ســـؤال قد يوقعه في تجريم نفسه. وتكررت هذه الجملة في استجوابات مجلس الشيوخ الأميركي مع شخصيات مهمة ممن أجبروا على جلسات استجواب بقصد تثبيت تهمة ما عليهم، وفـي تلك الاستجوابات نجحت لعبة الصمت أو في الأقل أخرت إجراءات الاتهام. وفي الخطاب السياسي يتأزم الموقف مع الصمت فهو ممنوع على السياسي وعمله كله يقوم على الكلام، وإن كان الصمت لغيره حكمة فالصمت لـه جـريـرة مـحـرجـةٌ، كما أن للنطق مغبات خـطـرةً، لــذا لجأ الساسة لحيلة لغوية بين الصمت والنطق، وهي عبارة «لا تعليق»، إذ تتحصن ألسنتهم من مغبات اللسان، تلك المغبات التي حصدت منهم ألسنة كثيرةً، وقبل الساسة كانت ألسنة الشعراء تقطع رزقهم وأحيانا أعناقهم كما حصل لطرفة بن العبد أبرز شهداء اللسان الطويل. وتكشفت وظيفة الصمت مع انتشار وسائل التواصل واتخذت لنفسها صيغا متنوعة من مثل خانة التسكيت وخانة الحظر من أجل قطع تـدفـق الـكـام أو حماية الـــذات مـن الآخــريــن، ويـكـون الصمت هو وسيلة التحصن. وأرقــى من ذلـك مهارة «التغافل» بالكف عن مبادلة الــقــول مــع طـــرف قــد يـجـر الـحـديـث إلـــى مـنـاطـق مــتــوتــرة أو مستفزة، فالتغافل سمة رفيعة المقام وصفها ابن حنبل بقوله «التغافل تسعة أعـشـار حسن الـخـلـق»، وزاد بعضهم بــأن التغافل هـو الأعــشــار كلها لكمال حسن الخلق. هذه كلها حصانات ضد مغبات الكلام فلسانك حصانك، إن صنته صانك وإن خنته خانك، حسب التجربة الحية في السلوك العام. على أن الصمت أيضا ينطق بأدق مستويات المعاني من حيث إن لغة الصمت صعبةٌ، والوصول إليها يحتاج لمهارات عالية في الإرسال والاستقبال معاً. وللمتنبي محاولة ذكية في توظيف صمته، إذ وظف مـخـاتـات المـعـانـي بــن الـصـمـت والـنـطـق، فــي مــنــاورة شـعـريـة عميقة الوجع من حيث نشوء علاقة معمورة بالتوتر بين شاعر تعود على مجالس العز مع سيف الدولة، وحين فقد وجاهة ذلك المجلس ارتحل إلـى كافور طالبا مجلسا يعوضه عما فاته في المجلس المفقود لكنه وجد نفسه في حصار بين المعاني المتوترة مع بعضها وهذا ما تصوره أبياته: ُأَرى لي بِقربي منك عينا قَريرة وَإِن كان قربا بِالبعاد يشاب ُوهل نافعي أَن تُرفع الحُجب بيننا ٌوَدون الذي أَمّلت منك حجاب وَفي النَفس حاجات وفيك فطانة سكوتي بيان عندها وخطاب هـــذه لـعـبـة ذكــــاء إبـــداعـــي نــــادر لكنها لــم تتمكن مــن بــلــوغ درجــة الاستقبال التي تليق بها، إذ اصطدمت باستقبال معاكس كسر مسار النص وحرفه إلى ملعب كافور، حيث تحركت حالة الغضب الصامت مقابل النص الصامت مما صنع معاني متحاربة بين صمت وصمت، وكأن كافور فكك لعبة المتنبي وأنه لا يقول شعرا إنما يلقن مستمعه حجرا في صورة وردة لولا أنها وردة من شوك، وهذا دفع كافور إلى لعبة «التغافل» فتعمد قتل المعنى. وجــاءت النهاية الحتمية نتيجة لهذه المعركة في فهم هـذا لـذاك، وفـي المقابل فهم أبـو الطيب أن نهاية العلاقة مع كافور محسومة فأخذها بيده وكتب قصيدته التي هجا فيها كافور وحـوّلـه من أبـي المسك إلـى الأســود المخصي، ثم هـرب من وجهه ليكون شهيد المعاني الذي انقلب عليه سحره وكأنها حالة تكرار لنهاية طرفة بن العبد. ولكن المتنبي هرب من وجه كافور لتقوده خطاه لليلة كانت تنتظره بين خراسان والعراق فيها نهاية تليق ببطل ثقافي نــادر المـثـال، وكافأته الثقافة مكافأة لمستواه إذ تحول صمته ليكون نطقا يترنم به الدهر، وصوتا يسمعه الأصـم ونظرا يـراه الأعمى كما تمنى لنفسه، وهذه حالة تمثل أبهى حالات السكوت العظيم. وللصمت تحميلات دلالية في تجميل السكوت، ففي شعر الغزل يجري توظيف السكوت لصناعة لغة شعرية تخالف معاني المنطق وتــحــول الـصـمـت لقيمة جـمـالـيـة خـالـصـة تتصنعها الـثـقـافـة لـلـمـرأة سنقول فـي وعينا الـحـديـث إنـهـا مـن نسقيات الثقافة الفحولية في تفضيل المرأة الصامتة، ومنها قول ابن ميادة: ُبنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب ولم يعتذر عذر البريء ولم يزل له سكتة حتى يقال مريب ونقيضه مقولة «إطـــراق الـشـجـاع» فـي إعـــاء صمت الفحول كما ورد في الأمثال، ويعني في الأصل سكوت الثعبان وسكونه ومن تحته السم والتربص بالفريسة، ثم أصبح وصفا للرجل الشجاع الحكيم من حيث دهاء إدارة الموقف وتقدير فرص الانقضاض. هذه منظومة وظائف ثقافية تحاك عبر تقليب التعابير في صيغ تداولية تتقلب فيها الحالات بين الجمالي والقاتل، تتحول فيها النعمة إلى نقمة، ويصدق وصف اللغة بأنها أخطر النعم. عبد الله الغذامي كتابات وشهادات عنه بمناسبة صدور أعماله الكاملة مبارك العامري... صوت الحب في القصيدة العُمانية «أشـــعـــر أن الــقــطــار الــســريــع شـــــارف على الـوصـول إلـى محطته الأخـيـرة / وأن رحلة الآلام المريرة حان لها أن تنتهي / دون إخلال بسيرها المـتـعـرج / ومـــا دام الأمـــر كـذلـك / تـركـت ورداتـــي الأثيرات / أصول كتابات لم تُنشر / شعرا ورواية ومقالات ونصوصا مفتوحة / في بطن مندوس صغير / مطعّم بأنجم مذهبة / اقتنيته قبل شهر مضى / من سوق نزوى». فـي تقديمه للأعمال الكاملة للشاعر ،)2020 - 1959( العماني مـبـارك العامري الـــــصـــــادرة عــــن دار «مــــنــــشــــورات كــلــمــات» بـبـغـداد، يتساءل الشاعر سيف الرحبي؛ لماذا تلح عليه تلك الأسطر الشعرية أعلاه كلما تذكر الـعـامـري واسـتـعـاد مـع سيرته بـــهـــاء الأدب ونـــزوعـــه الـطـلـيـعـي وأحــامـــه الــشــاســعــة الـــتـــي تـــتـــجـــاوز شـــــروط الـــواقـــع الـصـعـب فــي تـجـربـة مـبـدع اختطفه المــوت وهو في ذروة عطائه ونضجه الإبداعي؟! «هكذا فقط من غير أسئلة ولا أجوبة، لا فواصل ولا نقاط، يختتم الشاعر مسيرة حياة حافلة بالإبداع ودفق المخيلة التي لا تـعـرف الـحـدود والتصنيف، مـع مـا تيسر مـن الأحـــام وصخب العائلة والعالم بعد آلام المرض المبرحة الشاقة التي كان يعاني منها». ويــــاحــــظ الـــرحـــبـــي أنـــــه رغـــــم كــــل هـــذا الـخـضـم المـــأســـاوي لـلـفـراق والــبــن، جــاءت تـلـك الأبــيــات هــادئــة تـتـأمـل وتــذكّــر أحبته وأبـــنـــاءه الأوفـــيـــاء والأصــــدقــــاء مجتمعين بـذكـريـات حبه ولطفه وهـدوئـه المتأمل لما حوله ولأحوال الوجود. لــيــســت هـــنـــاك نـــبـــرة بـــــوح وشـــكـــوى، انـثـيـال عاطفي لشاعر يـــودع الأحـبـة وكل هــــــذا الـــبـــريـــق الأخـــــــــاذ، خــــاصــــة أن أحــــام الشاعر في الإنجاز والإبــداع كانت لا تزال فـــي مـنـتـصـفـهـا، رغــــم مـــا حـقـقـه مـــن ريــــادة وإضافة على صعيد الحساسية الجمالية، وجاء مغايرا لما كان سائدا ومستقراً. أخـذ على عاتقه التجديد والتجريب فــــي روح الـــقـــصـــيـــدة وبـــنـــيـــتـــهـــا ولــغــتــهــا، وجـاءت أشعاره مخالفة للذائقة المتوارثة منذ قــرون، التي كانت لا تقبل المساس أو الاقــتــراب الـنـقـدي مـن معاييرها الصارمة وتصنيفاتها الجاهزة، لذلك كانت المقاومة شــديــدة والـــعـــداء عنيفا لـكـل مــا هــو جديد وتجريبي. وكان العامري من هذه القلة المبدعة، الـــتـــي لا بـــد أن تـــدفـــع ثــمــن الاخــــتــــاف عن الــســائــد فـــي الأدب، فــقــد شــــاء لـــه الــتــاريــخ والقدر أن يكون ضمن الطليعة الصدامية الأولى مع التقليدي من الرؤى والتصورات والأشــعــار الـتـي يُلبسها أصحابها لباس القداسة، تحصينا وترويعا كي لا تُمس. وعـــــن الـــجـــانـــب الإنــــســــانــــي فــــي حــيــاة الشاعر الـراحـل، يـرى الرحبي أن العامري كـــــان يــمــيــل إلـــــى الـــعـــزلـــة والانـــتـــقـــائـــيـــة فـي عـاقـاتــه الـشـخـصـيـة، فـالـرهـافـة والــصــدق لا يـنـسـجـمـان مـــع الـحـشـد والـقـطـيـع الـــذي يتطلب كـثـيـرا مــن الــتــنــازل وإجـــبـــار الـــذات عـلـى مـحـو الــصــفــات الــفــرديــة الــتــي تشكل تـمـيـز المـــبـــدع وجـــوهـــر وجــــــوده وكــتــابــتــه، خـــاصـــة فــــي مــجــتــمــعــاتــنــا الـــتـــي تـــــرى فـي تـــوســـل الـــفـــرديـــة والـــعـــزلـــة عـــرضـــا مـرضـيـا يتطلب القدح والإدانة. كـمـا كـــان عـلـى حـزنـه وألمـــه العميقين، مـــحـــبـــا لـــلـــحـــيـــاة ولأســــــرتــــــه الــــتــــي أولاهــــــا جـــــــل حـــــبّـــــه واهــــتــــمــــامــــه كـــــجـــــزء مـــــن حــبــه الشاسع لهذه الحياة، مهما كانت عابرة ومأساوية، وكان السفر من بين هذه النعم لديه، إذ يرى فيه برهة تحرر وتحليق في الفضاءات اللامحدودة للمخيلة والجسد. ويجزم الشاعر عبد الله الريامي أنه لم يقرأ شاعرا عمانيا تفيض من قصائده كلمة الحب، تصريحا أو تضمينا أو تورية أو اغـتـرافـا مـن تشبيهاتها واستعاراتها ومـغـذيـاتـهـا جميعها فــي تـفـاعـل جمالي، كما في تجربة مبارك العامري. يستحضر العامري الحب ويمارسه فــــي مـــــدى نــفــســي وفـــلـــســـفـــي يـــتـــفـــوق عـلـى الـــحـــســـي، الـــحـــب بــمــســتــويــاتــه الإنــســانــيــة المختلفة ومـسـاراتـه التي بـا حــدّ. يتحول هنا إلى فعل مقاومة ضد القبح وإكراهات العيش، وخلاص من التحديات الوجودية فـي الـحـيـاة الشخصية والـعـامـة، فــإن كان الجسد منهكا والخيارات مهزومة فالحب عنده انتصار الـروح، وهو سعي دائم إلى الحرية والاستمتاع بها. تقع الأعـمـال الكاملة لمـبـارك العامري صـــفـــحـــة مـــــن الـــقـــطـــع المـــتـــوســـط، 536 فـــــي دواويــــــن، هـــي «بــســالــة الـغـرقـى» 4 وتــضــم و«مــــــــرايــــــــا تـــســـتـــنـــطـــق الـــــغـــــيـــــم» و«رجــــــــع النواقيس» و«شـرفـة خـضـراء»، بالإضافة نصوص متفرقة وغير مصنفة، هي 4 إلى «رؤى الأمـــس» و«مـعـن بسيسو» و«مطر فسفوري» و«زيتونة مباركة». ويـــمـــكـــن الـــــقـــــول إجــــــمــــــالا إن الـــعـــالـــم الــشــعــري لـلـعـامـري يـــنـــدرج ضـمـن تجربة الــجــيــل الـــــذي أســـهـــم فـــي تــرســيــخ قـصـيـدة الــنــثــر فـــي سـلـطـنـة عُـــمـــان مــنــذ ثـمـانـيـنـات القرن الماضي، حيث تميزت تجربته بالمزج بـــن الـــحـــس الـفـلـسـفـي والـــبـــعـــد الإنــســانــي والــلــغــة المــكــثــفــة، مـــع انــفــتــاح واضـــــح على الرمز والأسطورة والتأمل الوجودي. فــي ديــــوان «بـسـالـة الــغــرقــى» يحضر البعد الفلسفي بوصفه جـزءا من النسيج الشعري، لا مجرد فكرة خارجية، أمـا في «مـرايـا تستنطق الغيم» فينتقل العامري مـن التأمل الــوجــودي إلــى مساءلة الـواقـع الثقافي والسياسي العربي، متوقفا عند أزمــــــات الـــهـــويـــة والـــتـــحـــولات الــحــضــاريــة، بالتوازي مع انعكاسات معاناته الصحية التي عاشها في سنواته الأخيرة. وفـــــــي «رجــــــــع الــــنــــواقــــيــــس» يـــخـــوض الشاعر تجربة شكلية مختلفة، إذ يتجه إلى كتابة مقاطع قصيرة ومكثفة، تتجاور داخل النص الواحد في هيئة أجزاء مرقمة، بما يمنح الإيقاع الداخلي للنص دورا أكبر من السرد الشعري التقليدي. ويـبـلـغ المــشــروع الـشـعـري ذروة رقته فـي «شـرفـة خــضــراء»، وهــو آخــر دواويـنـه، حـــيـــث تـــغـــلـــب عـــلـــى الــــنــــصــــوص مــــفــــردات الطبيعة والطفولة والأحـــام والاخـضـرار، فيكتب قصائده دون عناوين مستقلة، في محاولة لمنح النص انسيابا أكبر وحرية فــــي الـــتـــلـــقـــي... مــثــلــمــا يـــقـــول فــــي قـصـيـدة «مــأوى العجزة» بديوان «مرايا تستنطق الغيم»: «نحن الطاعنون في الصمت / ماذا ننتظر بعد / غير قيامة تـبـارك الــخــراب / منفيون في جلودنا / ممعنون في التيه / نستغيث بالشمس / المطلة علينا من صهريجها الأزلــي / أن تلهب دمنا / فتدير وجهها الفسفوري / ناحية البحر / وتــوغــل عميقا فــي الـلـجـة / هــي هــنــاك / ربما لتستحم / من وعثاء السفر الطويل». يتفق النقاد على أن العامري استطاع بـــنـــاء لـــغـــة شـــعـــريـــة تــجــمــع بــــن الــبــســاطــة والـعـمـق، بـعـيـدا عــن الـغـمـوض المفتعل أو الزخرفة البلاغية، عبر نبرة سلسة، لكنها مشحونة بالدلالات، تتنوع فيها الأساليب الخبرية والإنشائية، ولا سيما الاستفهام والـتـعـجـب، بـمـا يـخـلـق حــالــة مــن الـدهـشـة ويـــفـــتـــح الـــنـــص عــلـــى احـــتـــمـــالات مــتــعــددة للتأويل، مـا منح قصيدته خصوصيتها داخل تجربة قصيدة النثر العُمانية. مبارك العامري القاهرة: رشا أحمد يستحضر العامري الحب بمستوياته الإنسانية المختلفة ومساراته ويتحول عنده إلى فعل مقاومة ضد القبح وإكراهات العيش دراسة نقدية عن سرديات سعيد بن محمد السيابي كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟ ينطلق الباحث العراقي الدكتور سعد التميمي في كتابه «بنية الحكي وتحولاته فـي سـرديـات سعيد بـن محمد السيابي»، مـــن أن الــحــكــايــة لــيــســت شـــكـــا ثـــابـــتـــا، بل هـي كيان حــي يتبدل عبر مـسـارات السرد محتفظا بجوهره الإنساني؛ وهو ما يفتح تجربة السيابي على أفق التجريب ويعيد مساءلة حدود الأجناس الأدبية. ويضم الكتاب الصادر حديثا عن «الآن 130 ناشرون وموزعون» بـالأردن في نحو صفحة، دراســـة تحليلية تأويلية لمقاربة التجربة السردية للكاتب العُماني الدكتور سعيد السيابي، بوصفها مشروعا حكائيا مـــتـــكـــامـــاً، لا مـــجـــمـــوعـــة تــــجــــارب مـتـفـرقـة تتوزع بين أجناس أدبية مختلفة. وتنطلق الـدراسـة من فرضية مركزية مـــفـــادهـــا أن الـــقـــصـــة الـــقـــصـــيـــرة جـــــدا عـنـد السيابي هي مختبر أولي لتكثيف الحكاية واختزالها إلى حدها الأدنى، حيث تتقاطع المـفـارقـة مـع الإيــحــاء، بينما تشكّل القصة مــســاحــة أوســـــع لــتــنــامــي الـــحـــدث وتـــداخـــل الأصــــــــوات، فـــي حـــن تــتــيــح الــــروايــــة عـنـده فـضـاء رحبا لتجريب أشـكـال أكثر تعقيدا من السرد، أبرزها الميتاسرد وتفكيك البنية الحكائية. ويـــجـــمـــع الـــكـــتـــاب ثـــاثـــة فــــصــــول، مـع مـــدخـــل نـــظـــري لـــكـــل مــنــهــا يـــضـــيء الإطـــــار المفاهيمي للجنس الأدبي المدروس؛ تمهيدا للانتقال من التنظير إلى التطبيق النصي. يـحـمـل الـفـصـل الأول عــنــوان «المــفــارقــة في القصة القصيرة جدا عند سعيد السيابي»، ويـقـرأ فيه التميمي نصوص هـذا الجنس بـوصـفـهـا فـــضـــاء لـلـمـفـارقـة وبـنـيـة عميقة تنظم الـحـكـايـة وتـعـيـد تــوزيــع عناصرها، بما يفضي إلــى انـزيـاح فـي التوقع وخلق توتر بين ما يُقال وما يُضمر. ويكشف هذا الفصل أيضا عن الخلفية المسرحية التي يستثمرها السيابي في بناء نصوصه القصيرة جداً؛ إذ يوظّف حساسية المـشـهـد وكـثـافـة الــحــوار الضمني واقـتـصـاد الــحــركــة، بـمـا يجعل الـنـص أقـــرب إلـــى لقطة درامــيــة مكتملة تُــبـنـى عـلـى لحظة انكشاف حـــاســـمـــة. ويــســتــعــن الـتـمـيـمـي فـــي تحليله بـــمـــرجـــعـــيـــات نـــظـــريـــة مـــتـــنـــوعـــة، مــــن جـــيـــرار جـيـنـيـت فـــي مــفــهــومَــي «المـــــــدة» و«الــــحــــذف» الــســرديــن، إلـــى رولان بــــارت فــي فــكــرة «لــذة الـــنـــص»، وتــزفــيــتــان تـــــــودوروف فـــي مـفـهـوم «التحول السردي»، إضافة إلى آراء نقاد عرب مـن بينهم صــاح فضل ويـوسـف وغليسي، فــــي مـــقـــاربـــة تــجــمــع بــــن الأدوات الـــســـرديـــة الحديثة والحساسية النقدية العربية. أمــــا الــفــصــل الـــثـــانـــي، فـيـحـمـل عــنــوان «حين تتلألأ النجوم تنبثق الحكاية: قراءة فــــي المـــجـــمـــوعـــة الــقــصــصــيــة (اثـــنـــتـــا عــشــرة نجمة)»، ويعالج فيه المـؤلـف بنية القصة عند السيابي، من خـال تتبع أنماط بناء الـحـكـايـة، والـعـاقـة بــن الـعـنـوان والـنـص، وتـــوظـــيـــف الــــرمــــز والـــــصـــــورة، إلـــــى جــانــب الـــتـــركـــيـــز عـــلـــى تــمــثــيــات الـــــــذات والـــعـــالـــم. ويـسـبـق هـــذا الــفــصــل تـمـهـيـد نــظــري حـول الـــقـــصـــة بـــوصـــفـــهـــا جـــنـــســـا ســــرديــــا يــمــتــاز بالتوازن بين التكثيف والامتداد، وبالقدرة عـــلـــى الــــتــــقــــاط لـــحـــظـــة دالـــــــة ضـــمـــن ســـيـــاق إنساني أوسع. ويـــخـــصـــص الـــفـــصـــل الــــثــــالــــث، الــــذي يحمل عنوان «تحولات الحكي في روايات الـــســـيـــابـــي: مـــن تــمــثــات الــــتــــراث إلــــى أفــق المـــيـــتـــاســـرد... الــعــبــور المـــــــزدوج»، وقـفـتـن قـصـيـرتـن عــنــد روايـــتـــي «جــبــريــن وشـــاء الـــهـــوى» و«الــــصــــيــــرة... تــحــكــي»، تليهما دراســــة مفصلة بـعـنـوان «مـــن الـرحـلـة إلـى المــــيــــتــــاســــرد... قـــــــراءة فــــي روايـــــــة (جــســور مــتــداعــيــة)»، حـيـث يُـــقـــارب المـــؤلـــف الـنـص الــــروائــــي بــوصــفــه بــنــيــة مـــركّـــبـــة تــتــداخــل فـيـهـا مـسـتـويـات الــحــكــي، ويــتــحــول فيها السرد موضوعا لذاته، ويقدم هذا الفصل عبر تمهيد نظري حول الرواية بوصفها جـــنـــســـا مـــفـــتـــوحـــا قــــــــادرا عـــلـــى اســتــيــعــاب مــخــتــلــف الأشـــــكـــــال والــــخــــطــــابــــات، وعــلــى مـــســـاءلـــة ذاتــــــه عـــبـــر تــقــنــيــات المــيــتــاســرد والتشظي البنيوي. فــــي مـــقـــدمـــتـــه، يــــوضــــح الـــتـــمـــيـــمـــي أن مـــا يـجـمـع فـــصـــول الـــكـــتـــاب، عــلــى اخــتــاف موضوعاتها، هو الانشغال بسؤال الحكي: كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟ وكيف تُنتج معناها عبر تقنيات سردية مختلفة؟ كما يجمعها الاهتمام برصد العلاقة بين الشكل والمضمون، وبـن التقنية والدلالة، وبـــــن الــبــنــيــة والـــتـــمـــثـــيـــل، مـــنـــوّهـــا إلـــــى أن النصوص المدروسة لا تُقرأ كأنساق دلالية تتشكل عبر اللغة والسرد. عمّان: «الشرق الأوسط»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky