issue17436

كان غوركي يعد تولستوي أباه الروحي رغم االختالف الشاسع بين آيديولوجية الكاتب الشاب اليساري والمتصوف المسيحي العجوز الثقافة CULTURE 18 Issue 17436 - العدد Monday - 2026/8/24 االثنني الشعر مواجها جروح الذات فـــي ديــوانــهــا الــثــالــث «أبـــتـــر فـرعـي مـــن شـــجـــرة الـــعـــائـــلـــة»، تــضــع الــشــاعــرة املصرية آالء فـودة يدها بكل قسوة في جـروح الــذات، تنكأها بال رحمة، ودون مــحــاوالت للتجميل، وبـكـل مــا ينطوي عــلــيــه ذلـــــك مــــن عـــنـــف مــــوجــــع، ومـــــن ثـم تصبح قصائد الديوان أشبه بصرخات مـدويـة، ناتجة عن االنعتاق املصحوب بـاأللـم، أو بـالـصـراخ املصاحب لـلـوالدة الجديدة. هذا العنف يطل برأسه ويعلن عــــن حــــضــــوره مـــنـــذ الـــعـــنـــوان الـــرئـــيـــس، الـــذي يـبـدأ بـمـفـردة «أبــتــر»، بما تحمله مـــن دالالت تـتـعـلـق بـــالـــدمـــاء، وحـيـنـمـا تأتي املفردة في صيغة الفعل املضارع، فـــإن الـبـتـر هـنـا يصبح عملية متصلة، وديـمـومـة ال تنتهي، فـضـ عـن أن هذا الـــبـــتـــر تـــمـــارســـه الـــــــذات الــــشــــاعــــرة عـلـى نفسها، بوصفها فرعًا متصال ومنبثقًا مـن شـجـرة العائلة أو القبيلة، ومــن ثم فـــإن هـــذا الــبــتــر، عـلـى مـــا فـيـه مـــن عنف وألم، محاولة للتحرر من التبعية، وفكًا لالرتباط بـأي مــاض قبلي، محاولة أن تكون الذات هي مرجع نفسها، وتاريخًا أول، ونـــبـــتـــ أصـــلـــيـــ جــــديــــدًا، ال يــأخــذ جــــدارتــــه مــــن كـــونـــه صــــــورة أو امــــتــــدادًا ألصل سابق. الــــــديــــــوان صــــــــادر عـــــن مـــنـــشـــورات 23 املتوسط فـي إيطاليا، ويتكون مـن قصيدة، تنتمي لقصيدة النثر، وكلها مفعمة بـــروح املــواجــهــة، وقـطـع الحبل الــــســــري الــــــذي يـــربـــط الــــــــذات الـــشـــاعـــرة بالزمان واملـكـان، فالتاريخ عـبء مؤرق يثقلها، وتريد أن تبدأ من درجة الصفر، أن تخط تاريخًا يبدأ من ذاتها، وترغب في التحرر من األماكن والبيوت، التي تتحول إلــــى ســـجـــون تـكـبـلـهـا، بل إنها توجه نصائح فــــــــــي صــــــيــــــغــــــة األمــــــــــر لـقـارئـهـا الـضـمـنـي «ال تــــمــــلــــك بـــــيـــــتـــــ / شـــتـــت نفسك بــن ألـــف بيت/ لـــتـــســـيـــل ذاكـــــرتـــــك بـن الـــــــــبـــــــــ د/ وال تـــمـــلـــك وطـــنـــ / ودّعـــــه قــبــل أن يصير له رائحتك». هــــــــــــــــذه الـــــــرغـــــــبـــــــة الـــحـــادة والـعـنـيـفـة في الـــقـــطـــيـــعـــة والــــتــــحــــرر، تتجاوز مجرد التمرد، إلــــى رغـــبـــة عـمـيـقـة فـــي تـــحـــرر الــكــتــابــة، وتـــحـــريـــر الــجــســد الـــــذي تـكـبـلـه سـطـوة القبيلة وهيمنتها. تأتي هـذه الـدالالت فـــــي ســــيــــاقــــات جــــدلــــيــــة، تــــقــــدم أســـبـــابـــا وتـفـنـدهـا، وتـعـقـد مـقـارنـات بــن العالم املــــأمــــول والـــعـــالـــم الــــواقــــعــــي، فــالــبــيــوت املـشـتـهـاة الــجــديــرة بـاالنـتـمـاء إلـيـهـا لم تعد موجودة، وفقدت أي دفء محتمل، فلم يبق منها سـوى الـجـدران الخانقة، وأصـــــبـــــحـــــت مــــصــــائــــد لـــــلـــــحـــــزن، حــتــى الدجاجات باتت مصدرًا للقسوة. تقول فــي قـصـيـدة «الـبـيـوت الـتـي كـانـت أولــى بالسكن»: «حلمت كثيرًا بالبيوت القديمة التي لم تتسع لي؛ هجرتني أسرتها النحاسية، وغاب عني دفء السمر على عتباتها، لياليها الصيفية مصيدة للحزن، دجاجاتها شرسة» الـقـطـيـعـة مـــع الــعــائــلــة وتــاريــخــهــا وأمكنتها، أو باألحرى مع هذه السجون الثالثة، ليس فقط من أجل تحرر الذات الشاعرة، ولكن من أجل تحرير فروعها الجديدة، املنبثقة عنها بوصفها جذرًا أوالً، وهن بناتها الثالثة التي تهديهن الــديــوان قائلة «إلـــى مـيـرال وملــى وحـ : نـــظـــفـــت قـــلـــبـــي قـــــدر املـــســـتـــطـــاع لـتـلـعـن بـــأمـــان»، حـيـث تـتـصـل مــفــردة «نـظـفـت» هـــنـــا بـــاالنـــخـــ ع مــــن املــــاضــــي الــثــقــيــل، وكــــنــــس أوســــــاخــــــه، بـــحـــثـــ عـــــن األمــــــان ملستقبل هذه الفروع. وبالتوازي مع هذا اإلهداء، تصدّر الشاعرة ديوانها بمقطع الفـت للشاعرة، تايالندية األصــل، النج لـيـيـف، تـقـول فـيـه: «مـــا معنى أن تكون شـــــاعـــــرًا؟/ أن تــفــتــح نــفــســك مـــثـــل هـــوة سحيقة خـربـة/ الكل يــرى مـا بداخلك/ لـكـن ال أحـــد يـــدرك مــن أنــــت». فـضـ عن وحـدة الجندر وتقارب املرحلة العمرية بــــن الـــشـــاعـــرتـــن، فـــفـــي هـــــذا الــتــصــديــر أربعة مرتكزات داللية تصل هذا املقطع بــبــنــيــة الـــــديـــــوان، أولــــهــــا ســــــؤال الـشـعـر ومعناه، وثانيها الشعر بوصفه اعترافًا وكشفًا عما تمور به الذات من هواجس. وثالثها رؤية اآلخرين وتلصصهم على هذه الدفقات االعترافية األقرب للفضح الذاتي. ورابعها الفرق بي الرؤية التي يمارسها «الكل»، وعدم اإلدراك العميق لجوهر الذات وأملها، فالجميع يرى، لكن ال أحد يدرك. فـي مـسـارهـا االعــتــرافــي، تستخدم الــــــذات لــغــة حـــــادة وكـــاشـــفـــة، ال مـــواربـــة فـيـهـا، حـتـى فــي اعـتـرافـهـا بانسحاقها الـقـديـم، وبتحولها هـي نفسها إلــى آلة قـمـع ذاتــــي ألحـ مـهـا وأفــكــارهــا وحتى جسدها، خنوعًا لتقاليد القبيلة، لتحوز ذلك الرضا املقدس، وتصنع موازاة بي ذاتها وبي النهر، الذي تخلَّى عن تدفقه وعنفوانه، وكان يسير بـ«صوت مكتوم، يشبه صوت قلبي حي أذعنت لتعاليم الـقـبـيـلـة». وتـسـتـغـرق فـــي ســـرد تجربة اإلذعـــان هـذه، كاشفة كيف تحوَّلت هي نفسها إلى القمع الذاتي، تقول في «بال شجرة عائلة»: «وألنني بنت القبيلة البارة؛ آمنت باألب واألم واملجد العائلي، قمطت صدري بلثام الخوف، ووضعت حجرًا بني ساقيّ، حملت على رأسي نفايات حروبهم، روث كلمات قذفوها ساعة الغضب» هـــكـــذا، يـتـحـول األب واألم واملـجـد العائلي، مـن شـخـوص ومـعـان ثقافية، إلـــى «ثــالــوث مــقــدس»، وكـتـلـة سلطوية جـــاثـــمـــة عـــلـــى روح الــــــــــذات الــــشــــاعــــرة، بــل تحتل جسدها كـــــــــامـــــــــ ً، تـــــلـــــوثـــــه، مـــــن رأســـــهـــــا الـــــذي يـــــحـــــمـــــل نـــــفـــــايـــــات حــــروبــــهــــم، مــــــرورًا بـــالـــصـــدر املــقــمــوع خوفًا، وصـوال إلى الـــحـــجـــر املـــوضـــوع بـــن الـــســـاقـــن، إنــه إحـــكـــام لـلـسـيـطـرة، وقـــــمـــــع لـــــ«الــــعــــقــــل، والـــقـــلـــب، والــرغــبــة الـــجـــســـديـــة»، الــتــي تـــــصـــــبـــــح ثـــــالـــــوثـــــ مـدنَّــسـ ، مـرفـوضـ ومــكــبَّــ ً، كــي تحظى بـــالـــقـــبـــول، ويـــتـــم تــرســيــمــهــا بـوصـفـهـا «بنت القبيلة البارة». في سعيها لالنبتات والبتر، تعيد الشاعرة تعريف العالم ومفرداته، عبر صــيــغ الـــســـؤال الـــتـــي تـنـتـشـر كــثــيــرًا في الـــديـــوان، حـتـى إنـهـا تخصص قصيدة بـــعـــنـــوان «أســـئـــلـــة»، تـنـبـنـي كــلــهــا على تـقـديـم مـعـرفـة جــديــدة بـكـل شــــيء، عبر بـــنـــيـــة الـــــســـــؤال والـــــــجـــــــواب، مـــــن أبـســط األشـيـاء واملعاني إلـى أكثرها وجودية وفــلــســفــيــة: «مــــــاذا عـــن الــشــعــر؟ يـــد الـلـه الحانية. ماذا عن األمومة؟ مرآة تصفعك كـــــل لـــيـــلـــة. مــــــــاذا عـــــن الــــجــــســــد؟ شـــاهـــد الحكاية الذي ال ينسى. ماذا عن املوت؟ فــــارس املـلـحـمـة املـــوصـــوم دائـــمـــ بـسـوء الـسـمـعـة»، إنـهـا رغـبـة فــي القطيعة مع أرشـيـف الـلـغـة، والـتـمـرد على العالقات القديمة بي الدوال ومدلوالتها، محاولة صنع قاموس جديد، لشجرة مستقلة، مختلف عن لغة القبيلة والعالم. ثمة مفارقة الفتة، فالذات الشاعرة الراغبة فـي االنـفـ ت مـن كونها محض فرع لشجرة العائلة، نراها في القصيدة األخيرة من الديوان تكرس نفسها مركزًا تدور حوله بناتها، وال تجعلهن مجرد فــــروع، بــل قــبــورًا تــدفــن فـيـهـن أحـ مـهـا وأوجاعها، إنها نفس بنية االستخدام والتسلط تعيد إنتاج نفسها، بل بشكل أشـد قسوة، فتقول -ربما بنبرة عميقة من السخرية- في «يكبرن حولي»: «أنجبت بنتًا وقلت لها: صيري قبرًا، سأردم فيكِ؛ أحالمي التي اخترقها الحسد، قلبًا مضغ القسوة بكل النكهات». عمر شهريار ما يجمع بينهم أكبر مما يفرق بينهم ذكريات مكسيم غوركي عن معاصريه من األدباء الروس يـــمـــثـــل الــــــروائــــــي والــــكــــاتــــب املـــســـرحـــي )1936 -1868( الــــروســــي مـكـسـيـم غـــوركـــي حـلـقـة وصـــل بــن عـهـديـن مــن تــاريــخ األدب الــــــروســــــي: الـــعـــهـــد الـــقـــيـــصـــري الـــــــذي كـتـب فـــــي ظـــلـــه عـــمـــالـــقـــة مـــــن أمـــــثـــــال تـــولـــســـتـــوي ودوستويفسكي وتورجنيف وتشيخوف، والـــعـــهـــد الـسـوفـيـاتـي عـقـب ثــــــورة أكــتــوبــر االشتراكية، وأدبـائـه 1917 ) (تشرين األول عـــبـــر الـــســـنـــن مــــن أمــــثــــال مــــايــــا كــوفــســكــي وشولوخوف ويفتشنكو. ورغم أن غوركي كان منحازًا إلى هذا العهد التالي، بل كان أكبر ممثلى «الواقعية االشتراكية» - املذهب األدبـــي الـرسـمـي لـلـدولـة الشيوعية - وأول 1934 رئيس التحاد الكتاب السوفيات في وحــــائــــزًا عــلــى رضــــا الــديــكــتــاتــور سـتـالـن، فــقــد كــــان أوســــع أفــقــ مـــن أغــلــب مـعـاصـريـه الـــشـــيـــوعـــيـــن، فـــهـــو مـــنـــفـــتـــح عـــلـــى اآلداب الغربية، قارئ جيد للتراث اإلنسانى، وغير نـــاكــر لـفـضـل الــجــيــل الـعـظـيـم الـــــذي سـبـقـه. تــشــهــد بـــهـــذا كــتــابــاتــه الــنــقــديــة وذكـــريـــاتـــه عـن أدبـــاء ذلــك الجيل، ومنها الكتاب الـذي نتوقف عنده هنا «ذكـريـات عن تولستوي Reminiscences of( » وتشيخوف وأنـدريـف .)Tolstoy, Chekhov and Andreyev وقــــــد صـــــــدرت لــــه تــــرجــــمــــة، مــــن الــلــغــة الروسية إلى اللغة اإلنجليزية، بقلم بريان ) فـــي سبتمبر Brian Karetnyk( كـــارتـــنـــك عـن دار فـيـتـزكـارالـدو للنشر 2025 ) (أيــلــول صـفـحـة (ســــبــــق أن تــرجــم 200 فــــي قــــرابــــة الكاتب املسرحي املصري ألفريد فرج بعض هذه الكتابات إلى اللغة العربية، كما ترجم الــنــاقــد فــــؤاد دوارة مـــخـــتـــارات مـــن مــقــاالت غــوركــي الـنـقـديـة، مـنـهـا مـقـالـة موضوعها «االنـــحـــ لـــيـــون» أي الـــشـــعـــراء الـفـرنـسـيـون البوهيميون في أواخر القرن التاسع عشر، مثل أرتور رامبو وبول فرلي). أهـم هـذه الكتابات مقالة غوركي في عن تولستوي. وكـان غوركي -الـذي 1919 فــقــد أبـــــاه فـــي ســـن الـــحـــاديـــة عـــشـــرة- يعد تـولـسـتـوي أبــــاه الـــروحـــي رغــــم االخــتــ ف الشاسع بـن آيديولوجية الكاتب الشاب الــيــســاري واملــتــصــوف املـسـيـحـي الـعـجـوز مــؤلــف الـــروائـــع «الـــحـــرب والـــســـ م» و«آنـــا كارنينا». كان غوركي في صباه وشبابه وقد عرك الحياة عصاميًا علّم نفسه بنفسه وكــان عـامـ مكافحًا اشتغل صبي حرفة لــــدى إســكــافــي وفــــي مـطـبـخ سـفـيـنـة تعبر نهر الفولغا ثم خبازًا في قازان. وحي قدّم املخرج ستانسالفسكي مسرحية غوركي «الحضيض» أو «األعــمــاق السفلى» على بــدأ 1902 مـــســـرح الـــفـــن فـــي مــوســكــو عــــام غــــوركــــي يـــجـــذب األنـــــظـــــار، ال فــــي روســـيـــا وحدها، وإنما في أوروبا أيضًا. وما لبث تشيخوف أن قدّمه باعتباره كاتبًا واعـدًا إلـــى تــولــســتــوي، فــكــان غـــوركـــي يـحـج إلـى بيت األســتــاذ فـي ياسنايا بولينا أو في القرم. وبــــعــــد عــــامــــن مـــــن نـــشـــر مـــقـــالـــتـــه عـن تـــولـــســـتـــوي، انـــتـــقـــل غــــوركــــي إلــــــى جـــزيـــرة كابري في إيطاليا. وفي العقد الخامس من عمره بدأ يسجل ذكرياته عن األدبـاء الذين . وكما يقول آدم 1917 عرفهم قبل قيام ثورة ثرويل في مراجعة للكتاب في «لندن رفيو )2026 يونيو / حـزيـران 25( » أوف بـوكـس كانت هـذه الذكريات سجال ملـاض بطولي، خاصة أنها تصدر بعد أن رحل تولستوي وتشيخوف عن الدنيا. لم يكن غوركي يغفل تسجيل أي مشهد أو محادثة مهما كانت بسيطة حتى تافهة. فــهــو يــذكــر مــثــ أن تــولــســتــوي أثــنــى على أقصوصة تشيخوف املسماة «العزيزة» في حضور مؤلفها: «ذات يـوم كـان تشيخوف يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة، يجلس وعلى وجنتيه بقع حمراء ورأسه مائل إلى األمـــــام، ينظف مـنـظـاره املـثـبـت عـلـى األنــف مـدقـقـ . لــم يـقـل شيئًا لـبـرهـة، وأخــيــرًا وهـو يتنهد، قال بهدوء محرجًا: إن فيها أخطاء طباعية.. قصة بسيطة ولكنها تلقي الضوء على جـانـب مهم مـن شخصية تشيخوف، هو اإلنسان الدمث املتواضع الذي ال يفخر بمنجزاته، وإن كانت منجزات رائعة قل أن يصل إليها غيره». وكانت املــودة متبادلة بي تولستوي وتــــــشــــــيــــــخــــــوف. لــــــصــــــ ح عـــــبـــــد الــــصــــبــــور مـقـالـة عـنـوانـهـا «عـــدو الـتـفـاهـة» فــي كتابه «مدينة العشق والحكمة»، يقول فيها عن تشيخوف: «عندما يتحدث عن تولستوي تسبح على عينيه ابتسامة شاحبة رقيقة وخـــجـــولـــة مـــعـــ ، ويـــنـــخـــفـــض صـــوتـــه كــأنــه يـــتـــحـــدث عــــن شـــــيء قـــابـــل لـــلـــكـــســـر... شـــيء ينبغي أن يتناوله اإلنسان في حرص وفي حب». وموقف غوركي من تولستوي يلخصه قــولــه: «لـــن أكـــون يتيمًا مــا ظـــل هـــذا الـرجـل يعيش على ظهر األرض». أبوة روحية رغم الفارق الطبقي الكبير بي تولستوي النبيل األرستقراطي وغوركي البروليتاري القادم من أسفل السلم االجتماعي. وتـــــكـــــشـــــف مــــــحــــــادثــــــات غـــــــوركـــــــي مـــع تــولــســتــوي عـــن آراء هــــذا األخـــيـــر فـــي عــدد 3 مـن األدبــــاء. يـقـول مـثـ ً: «إن للفرنسيي كتّاب: ستندال وبلزاك وفلوبير. هناك أيضًا موباسان بطبيعة الحال، ولكن تشيخوف خـيـر مــنــه. أمـــا عــن األخـــويـــن جـونـكـور فـأي مهرجي هما! إنهما ال يعدوان أن يتظاهرا بالجدية. لقد عرفا الحياة من كتب وضعها مؤلفو قصص خرافية مثلهما، وظنّا أنها جـدّ. ال أحـد بحاجة إلـى ذلــك». وقـد اختلف غـوركـي معه فـي هــذا الـــرأي «وضـايـقـه هذا بعض الـشـيء». كذلك صـار تولستوي غير راض عن دوستويفسكي قائالً: «إن قراءته شاقة وال تفضي إلى شيء». كذلك كتب غوركي عن ليونيد آندريف، وهـــو - وإن يـكـن أقـــل شـهـرة مــن تولستوي وتــــشــــيــــخــــوف - قـــــــــاص وكـــــاتـــــب مـــســـرحـــي ومــصــور فـوتـوغـرافـي مــوهــوب. وقـــد صــدّر بإهداء 1901 أول مجموعة قصصية له عام إلى غوركي الذي شجّعه على دخول مضمار األدب. ومن رواياته «السبعة الذين شنقوا» (لها ترجمة عربية) عن اإلرهاب السياسي. مسرحية، منها «هـو الذي 20 ولـه أكثر من يصفع» (مترجمة أيضًا إلى العربية). وإذ ، فقد عاش 1917 كان مناهضًا لثورة أكتوبر خارج روسيا ومات منفيًا في فنلندا. ســنــوات 10 واملـــفـــارقـــة أنــــه بــعــد مــــرور عـــلـــى كـــتـــابـــة هـــــذه الــــذكــــريــــات غـــــدا غـــوركـــي ذاته - في نظر أجيال الشباب - حكيمًا مثل تولستوي. وفي مؤتمر الكتاب املنعقد في (الـحـقـبـة الستالينية) غـــض غـوركـي 1934 مـن شــأن «الـواقـعـيـة النقدية» الـتـي يمثلها تولستوي وتشيخوف، ودعا بدال منها إلى «واقعية اشتراكية» أدخـل في باب الدعاية منها في باب الفن. وأحجم عن مد يد العون ألدبـــــاء أصــغــر ســنــ ، مـثـل الــشــاعــر أوسـيـب ماندلستام، حي كان هؤالء األدباء في أمس الحاجة إلى غذاء وكساء. وإذا غــــضــــضــــنــــا الـــــــطـــــــرف عـــــــن هـــــذه الــســقــطــات - وهــــي تــكــثــر فـــي ظـــل األنــظــمــة الـــديـــكـــتـــاتـــوريـــة - فــســتــظــل هــــنــــاك حـقـيـقـة مــــســــتــــفــــادة مـــــن هـــــــذا الـــــكـــــتـــــاب؛ أن فـــــــوارق الـسـن بــن األجــيــال ال يـجـب أن تـحـول دون تــواصــلــهــا. واخـــتـــ ف الــــــرأي الــســيــاســي ال يجب أن يفسد للود قضية. فما يجمع بي األدبـــاء أكبر مما يفرق بينهم، كلهم سدنة في معبد الفن مهما جنحوا يمينًا أو وسطًا أو يسارًا، فالفن أبقى من السياسة. غوركي تولستوي تشيخوف د. ماهر شفيق فريد إسكندرية نجيب محفوظ يــذهــب الــبــاحــث مـحـمـد املــالــحــي فـــي كـتـابـه «نجيب مـــحـــفـــوظ... حــرافــيــش اإلســكــنــدريــة وحــكــايــات الــرقــيــب»، الــــصــــادر عــــن دار «الـــبـــديـــع الــــعــــربــــي»، إلـــــى مـــنـــاطـــق أقـــل تــــــداوال فـــي ســيــرة «أديـــــب نـــوبـــل»، ال سـيـمـا تـجـربـتـه مع مدينة اإلسكندرية وعامله هناك بي األصـدقـاء واملقاهي والـــذكـــريـــات، فــضــ عـــن مــحــفــوظ املـــوظـــف، الــــذي مـــارس الرقابة على املصنفات الفنية وترك مالحظاته على عدد من سيناريوهات األفالم. يستند املـؤلـف إلــى الـعـديـد مـن الـصـور والخطابات املكتوبة بخط اليد والـشـهـادات، وغيرها مـن املستندات الـــنـــادرة فـــي مــحــاولــة لـتـوثـيـق هـــذا الــجــانــب مـــن الـسـيـرة «املحفوظية»، منطلقًا من فكرة أساسية مفادها أن صورة «حرافيش محفوظ» ارتبطت في الذاكرة الثقافية بمجلسه الـشـهـيـر فــي الــقــاهــرة، بينما ظـــل هـنـاك مجلس آخـــر أقـل شهرة في اإلسكندرية، فقد كان محفوظ يقضي في املدينة الساحلية عـدة أشهر متصلة كل عــام، بعيدًا عن أسرته، في تقليد استمر قرابة ربـع قــرن، منذ سبعينيات القرن ، حي توقفت رحالته املنتظمة 1994 العشرين وحتى عام إلى اإلسكندرية عقب محاولة االعتداء عليه. هــنــا تـــأتـــي حــكــايــة «شـــلـــة ســــان اســـتـــيـــفـــانـــو»، وهــي املجموعة الـتـي ارتـبـط بها عميد الــروايــة العربية خالل إقامته الصيفية في اإلسكندرية، وكان مجلسهم اليومي ينعقد في حديقة فندق سان استيفانو القديم، في الفترة املسائية، وتحديدًا بي السادسة والتاسعة. كما يستند املؤلف إلى شهادات أربعة من أفراد هذه الـدائـرة، وإلــى صـور نــادرة وخطابات بخط يد محفوظ، ليعيد بناء أجــواء املجلس الــذي ظل بعيدًا عن االهتمام اإلعــ مــي مـقـارنـة بما حظي بـه مجلس «حـرافـيـش قصر النيل» في القاهرة. وتـكـتـسـب هـــذه الـــشـــهـــادات أهـمـيـتـهـا مـــن أنــهــا تـقـدم محفوظ في حياته اليومية: عالقته بأصدقائه، طريقته في إدارة الحوار، عاداته خالل اإلجازة، وصِالته باألشخاص الذين لم يكونوا بالضرورة أدبــاء أو مشاهير. ومـن بي األســمــاء الـتـي تظهر فــي هـــذه الـحـكـايـات املـحـاسـب سيد قناوي، الـذي بـدأت صداقته بمحفوظ في مقهى «ريـش» قبل أن تنتقل صداقتهما إلى اإلسكندرية. 1969 عام وال يـعـتـمـد املـــالـــحـــي عــلــى شــــهــــادات أفــــــراد املـجـلـس وحــــدهــــم، إذ يــســتــعــن كـــذلـــك بــــذاكــــرة املــــكــــان، بــاملــقــاهــي واملطاعم التي ارتادها محفوظ، وبباعة الكتب القديمة في شارع النبي دانيال، وبشهادات كبار السن ممن عاصروا وجوده في املدينة. وينتقل الكتاب في نصفه الثاني إلى شخصية تبدو نقيضًا كامال لذلك الرجل الجالس مع أصدقائه في حديقة ســان استيفانو: الرقيب نجيب محفوظ، فـاألديــب الـذي عُـــرف بـتـمـرده اإلبـــداعـــي وجــرأتــه األدبــيــة كـــان فــي الـوقـت نفسه موظفًا حكوميًا ملتزمًا بالقواعد، وعمل في مجال املصنفات الفنية، حيث مارس مهمة الرقابة على األعمال السينمائية. يـــعـــتـــمـــد املــــالــــحــــي فـــــي هـــــــذا الــــقــــســــم عــــلــــى عـــــــدد مــن السيناريوهات التي تحمل مالحظات محفوظ بوصفه رقــيــبــ ، بـيـنـهـا أعـــمـــال ملـخـرجـن بـــارزيـــن مـثـل صـــ ح أبـو سيف وحسن اإلمـــام. وتتحول هـذه السيناريوهات إلى وثائق تكشف طبيعة عمل محفوظ داخـل جهاز الرقابة، وتسمح بقراءة جانب مهني من حياته ظل أقـل حضورًا من صورته كروائي وقاص. وتكشف وثـائـق الـرقـابـة أن محفوظ لـم يكن يعيش حــيــاتــه فـــي مـنـطـقـة واحـــــــدة، فــقــد كــــان صــبــاحــه مـرتـبـطـ بالوظيفة والـلـوائـح، بينما كــان عـاملـه اآلخـــر يتشكل من الـكـتـابـة والـسـيـنـمـا واألصـــدقـــاء واملــقــاهــي، وتـجـعـل هـذه الثنائية القسم الثاني مكمال للقسم األول، رغم اختالف املوضوع: في الحالتي نحن أمام محفوظ خارج الصورة النمطية التي رسَّختها شهرته األدبية. القاهرة: «الشرق األوسط»

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==